بقلم: جعفر سعد – برلين
ليست كل الأعياد تُقاس بعدد الشموع التي تضاء على قالب الحلوى، فبعضها يُقاس بما تركه صاحبها من أثر في حياة الناس. ومن هؤلاء القلائل صديقي العزيز الدكتور حامد فضل الله القرشي، الذي احتفل أمس، السبت الموافق 25 يوليو 2026، بعيد ميلاده التسعين، بعد رحلةٍ استثنائية امتدت قرابة سبعة عقود، جمع فيها بين مهنة الطبيب، ورسالة المثقف، وضمير المدافع عن الإنسان.
عرفت الدكتور حامد منذ سنوات طويلة، ولم أعرفه يومًا طبيبًا يعالج المرض فحسب، بل إنسانًا يرى في كل مريض حكاية تستحق الإصغاء، وفي كل محتاج واجبًا لا ينتظر مقابلاً. ولهذا لم تكن عيادته في برلين مجرد عنوان يقصده المرضى، بل كانت بيتًا مفتوحًا للجالية العربية والأفريقية، وملاذًا لكل من أثقلته الغربة أو أرهقته الحياة. هناك كانت الكلمة الطيبة تسبق الدواء، وكانت الابتسامة جزءًا من العلاج.
وصل إلى ألمانيا الشرقية عام 1957، بعد استقلال السودان بقليل، حاملاً حقيبة طالب وأحلام وطنٍ كان يتطلع إلى بناء كوادره الوطنية. لم يكن يدرك آنذاك أن رحلته ستتحول إلى سيرة حافلة بالعلم والعطاء. تنقل بين لايبزيغ وهاله وبرلين، وعاد إلى السودان طبيبًا شابًا يخدم أبناء وطنه، قبل أن يعود مجددًا إلى ألمانيا للتخصص في طب النساء والولادة، ويستقر في برلين التي أصبحت وطنه الثاني.
لكن الطب لم يكن عالمه الوحيد. فمنذ وقت مبكر، أدرك أن المعرفة لا تعرف حدودًا، وأن الترجمة ليست نقل كلمات، بل بناء جسور بين الحضارات. لذلك انصرف إلى ترجمة الأدب والفكر الألماني إلى العربية، وكتب مئات المقالات والدراسات، وظل قلمه حاضرًا في الدفاع عن الحرية وحقوق الإنسان، وفي التعبير عن آمال السودانيين وآلامهم، حتى غدا واحدًا من أبرز الأصوات الثقافية السودانية في المهجر.
وعلى امتداد أكثر من خمسة وعشرين عامًا، جمعتنا رحلات متكررة إلى مؤتمر السودان السنوي في مدينة Hermannsburg الألمانية، حيث كنا نلتقي بمختلف ألوان الطيف السياسي السوداني، ونتابع عن كثب حوارات الوطن وهمومه. كانت تلك اللقاءات تؤكد لنا أن الاختلاف في الرأي لا يمنع الاحترام، وأن الوطن أكبر من الأحزاب، وأن الإنسان يبقى هو القيمة العليا التي تستحق أن نناضل من أجلها.
واليوم، وهو يطوي الصفحة التسعين من عمره، لا يزال الدكتور حامد يحمل القلم بالروح نفسها التي حمل بها سماعة الطبيب. يكتب لأنه يؤمن بأن الكلمة الصادقة قد تكون دواءً لوطنٍ أنهكته الحروب، وأن المعرفة مسؤولية لا تنتهي بالتقاعد.
تسعون عامًا مرت، لكنها لم تُطفئ جذوة العطاء في قلبه. وما زال حضوره يبعث الأمل في كل من عرفه، ويذكرنا بأن قيمة الإنسان لا تُقاس بما جمع من مناصب أو أموال، بل بما تركه من علم، وبما غرسه من محبة، وبما قدمه من خير للناس.
كل عام وأنت بخير، أستاذنا وصديقنا الدكتور حامد فضل الله القرشي. دمت شاهدًا على أن الطب رسالة، وأن الثقافة مسؤولية، وأن الإنسان يخلد بما يقدمه للإنسان.
gaafar2001@yahoo.de
