الدكتور الخضر هارون
◦ أنتجت السينما الأمريكية فيلما في العام ١٩٨٤ باسم Gremlins جريملنر وهو من أفلام الرعب ربما وللناشئة ولكن تكمن في أحداثه المواعظ والمحاذير فهو شبيه بعشرات الأفلام التي أخذت من روايه وحش فرانكنزستاين او Frankenstein Monster
التي كتبتها الانقليزية ميري شيلاي في عام ١818. والتي أنتجت منها منذ العام ١٩٣١ العشرات من أفلام الرعب وتلك التي تجمع بين الرعب والفكاهة.
ذكرني بكل ذلك الصحفي المخضرم محمد علي صالح الذي كنا في صبانا الباكر ننتظر بفارغ الصبر رسالته من أمريكا علي صفحات يومية الصحافة التي أسسها العصامي عبدالرحمن مختار رحمه الله .
ولعل للرجل في أعناق سكان حي “الصحافة ” في الخرطوم منة ودين مستحق فهو الذي سعي سعيا حثيثا لحصولهم علي ذلك الحي الهادئ الذي احتضن الكثيرين من أهلنا وجيراننا المكافحين في حي السجانة العريق حيث ازدادت مساحة دورهم مئة متر مربعة كاملة ( هوادة) إضافية .وتلك قصة موحية في كيفية أن يقتر ضيق ذات اليد علي صاحبه فيؤثر الضيق علي السعة والعيناء علي العوراء إذ أن الانقليز قد منحوهم في البداية ٤٠٠ متر مربعة لبناء دورهم عليها في الفضاء الواسع الشاسع بلا نهاية خلف أحياء البيضان في شرق الخرطوم ونمرة واحد واثنين فاحتجوا بالسعة وجاروا بالشكوى مؤثرين الضيق عليها متعللين بأن ليس في مقدورهم بناء تلك المساحة فتقلصت المساحات لمئتين. قال المتنبي مرة وحسب المنايا أن يكن أمانيا!. ولنا مع الأستاذ عبدالرحمن مختار قصة وهي أنه كتب مرة أننا في ثانوية مدني أحدثنا شغبا فصلت علي اثره أنا رئيس اتحاد الطلاب من المدرسة وسكرتيره كما تعطلت الدراسة فيها بسبب ذلك. ولم يكن قد وقع شئ من ذلك فرفع ناظرنا المربي الكبير الأستاذ محمد الأمين كعورة دعوة علي الصحافة إذ أحدث الخبر ضجة في المدينة الحنون والناظر الجليل من فلذات أكبادها . وتصادف أن وقع أوان الجلسة للنظر في القضيةّ في بداية وقوع انقلاب مايو ١٩٦٩ وجاء عبدالحمن مختار من الخرطوم وذهبت واللواء لاحقا وسكرتير الاتحاد وقتها جميل محمد عبدالحليم في معية السيد الناظر في سيارته للمحكمة. دافع المتهم عن نشره للخبر الكاذب الذي أقلق المدينة بأن أيام تلك الديمقراطية البائسة التي سبقت بزوغ شمس حرية ثورة مايو العظيمة تغري بوقوع ما لايقع! . ولا أذكر كيف كان الحكم.
والصحيفة قبل تأميمها مع يومية “الأيام” كانت في حجم التابلويد وكانت مقروءة تستقطب مشاهير من المثقفين في ذلك الوقت ،تابعنا علي صفحاتها مخاشنات المرحومين عمر مصطفي المكي وصلاح أحمد إبراهيم وكان لرسالة محمد علي صالح من واشنطن طعمها الخاص فكم كانت أمريكا بعيدة يومئذ مكانا ومكانة.
كتب الأستاذ محمد علي صالح كتابة (طرية) باللغتين عن لعنة وحش فرانكزستاين في العبث بالخلق القويم بمحاكاة الخلق بتعداد الكيانات بغية التخفي وربما إطالة أمد المراوغة والكيد السياسي فاذا بالتدبير يخرج عن السيطرة و ينقلب السحر علي الساحر وإذا بالمخلوقات المخلوقة ة تتكاثر بلا عدد كما الأميببا وتستعصي كل المكافحة ويتفاقم الإغراق فيصبح كالسنامي الذي يذهب بهناء الجميع وربما بافناء وجودهم. وفيلم قرمليز المذكور لعله من ذات المشكاة. تخلق في المعمل من قبل مهووس بالعلوم ونتج عن التجربة مخلوق صغير قبيح لكنه يبدو لطيفا أهداه الرجل لابنه محذرا من صب الماء عليه وتغذيته بعد منتصف الليل. وحدث ما لا تحمد عقباه فتوالد هذا المخلوق بمتوالية هندسية وأذاق ذاك البيت الأهوال فالتخلقات العجيبة المخيفة تقفز من الثلاجة والغسالة وصنبور الماء ومن كل مكان . ثم تنتشر في المدينة بكاملها كالقمل والجراد وجنادب احتلت مدينة ود مدني في ذلك الزمان وتعلن حالة الطوارئ وتنقلب سيارات الشرطة ويموت الناس قبل أن تتم السيطرة علي الأمور .
ويبدو أن وحش فرانكزستاين قد استوطن في بلادنا منذ زمان . اقرأ إن شئت مذكرات سلاطين باشا أيام حكمه لدار فور لتري براعة خلق الكيانات التي سرعان ما تتكاثر وتمسك بعد حين برقاب بعضها بعضا!
نكتب ونكتب ونعلم ألا جدوي فالعالم كله كما كان يقول صديقي ( دايس أبنص!) لا يسمع ولا يري ومع ذلك نتأسي بقول الله” معذرة إلي ربنا ولعلهم ينتهون”!
Sent from my iPhone
abuasim.khidir@gmail.com
