د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
الملخص
تعرض الدراسة تطور العلاقة بين السلطة المدنية والمؤسسة العسكرية في السودان منذ الاستقلال عام 1956 حتى الحرب الأهلية التي اندلعت في 15 أبريل 2023، بوصفها نموذجاً لفشل السيطرة المدنية على القوات المسلحة في دولة هشة البنية. وتبين أن السودان عرف سلسلة متعاقبة من الانقلابات العسكرية، بينما لم يحظ إلا بفترات قصيرة من الحكم المدني، وأن الأزمة الحالية تختلف عن المراحل السابقة لأنها لم تعد صراعاً بين المدنيين والعسكريين، بل أصبحت حرباً بين مؤسستين مسلحتين داخل القطاع الأمني نفسه، هما القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، بعد أن تحولت الأخيرة من ميليشيا محلية إلى قوة عسكرية واقتصادية موازية للدولة. وترى الدراسة أن هذا التحول يمثل النتيجة النهائية لتراكمات طويلة من ضعف الرقابة المدنية، وتسييس المؤسسة العسكرية، وتضخم الاقتصاد العسكري، وغياب مؤسسات الدولة القادرة على ضبط العلاقة بين السلاح والسياسة.
وتوضح الدراسة أن هدفها يتمثل في تحليل أسباب انهيار السيطرة المدنية عبر ثلاثة مستويات مترابطة. يبدأ المستوى الأول بتفكيك مفهوم السيطرة المدنية إلى عناصره الأساسية مثل السيادة المدنية، واحتكار الدولة للعنف المشروع، والفصل بين الوظيفة العسكرية والسياسية، والتجريم القانوني للتدخل العسكري في الحكم. ثم ينتقل إلى إعادة تركيب هذه العناصر في السياق السوداني لفهم كيفية تراكم عوامل الفشل عبر العقود. وأخيراً يدمج بين النظريات الكلاسيكية للعلاقات المدنية العسكرية وأدبيات الاقتصاد السياسي للصراع لتفسير أسباب استمرار تدخل الجيش في السياسة، وأسباب تحول هذا التدخل في النهاية إلى حرب بين مؤسستين مسلحتين بعد غياب السلطة المدنية القادرة على الفصل بينهما.
وتعرض المقدمة الإشكالية الأساسية المتمثلة في التناقض بين النصوص الدستورية التي نصت على قيادة السلطة المدنية للمؤسسة العسكرية خلال المرحلة الانتقالية بعد عام 2019 (حكومة بقيادة مدنية)، وبين الواقع العملي الذي ظل فيه القرار الأمني والعسكري خارج السيطرة المدنية. وتوضح أن انقلاب أكتوبر 2021 كشف هشاشة هذه الشراكة، ثم جاء اندلاع الحرب عام 2023 ليؤكد فشل التجربة الانتقالية بالكامل. كما تبرز أهمية الحالة السودانية لأنها تجمع بين التحالفات المتكررة بين قوى مدنية ومؤسسات عسكرية، وتضخم الاقتصاد العسكري، وتحول الصراع من مواجهة بين الدولة والتمرد إلى حرب بين قوتين نظاميتين.
وتحدد الدراسة أهدافها في بناء فهم دقيق للفروق بين السيطرة والرقابة والمساءلة والإشراف، وتحليل أسباب فشل التجربة الانتقالية، وشرح العوامل التي حولت خطر الانقلاب إلى حرب أهلية، واستخلاص سياسات عملية للإصلاح بعد الحرب. وتنطلق من فرضية أن النصوص الدستورية وحدها لا تحقق السيطرة المدنية، وإنما تتطلب توازناً حقيقياً في القوة السياسية والاقتصادية والأمنية والقانونية، وأن غياب هذا التوازن يؤدي إلى الانقلاب عندما تكون المؤسسة العسكرية موحدة، وإلى الحرب عندما تنقسم إلى قوتين متكافئتين. كما تحدد الدراسة نطاقها في تحليل الآليات المؤسسية والقانونية والاقتصادية دون الخوض في تفاصيل العمليات العسكرية أو جهود الوساطة الدولية إلا بقدر ارتباطها بموضوع السيطرة المدنية، وتعتمد منهجاً مقارناً يجمع بين الأدبيات النظرية والقوانين السودانية والوثائق الدستورية والدراسات المتخصصة.
ويعرض الإطار المفاهيمي الفروق بين المفاهيم الأساسية. فالسيطرة المدنية تعني احتكار السلطة السياسية المدنية لقرار الحرب والسلم والأمن القومي، بينما تشير الرقابة المدنية إلى الآليات البرلمانية والقضائية والإدارية والمجتمعية التي تتابع أداء المؤسسة العسكرية وتحاسبها. أما المساءلة فهي إمكانية المحاسبة القانونية والسياسية بعد وقوع المخالفة، في حين يقتصر الإشراف على المتابعة الإدارية اليومية. وتوضح الدراسة أن السيطرة والرقابة ترتبطان بالشرعية الديمقراطية والاحتراف العسكري، لكن الشرعية أو الاحتراف وحدهما لا يكفيان إذا غابت أدوات التنفيذ والعقاب. كما تربط هذه المفاهيم بإطار أوسع هو حوكمة القطاع الأمني الذي يشمل الجيش والشرطة والاستخبارات والقضاء والسجون بوصفها منظومة أمنية واحدة.
وتتناول الدراسة الأسس النظرية للعلاقات المدنية العسكرية، فتبدأ بنظرية هنتنغتون التي تميز بين السيطرة الذاتية القائمة على إخضاع الجيش سياسياً، والسيطرة الموضوعية التي تعتمد على الاحتراف العسكري والحياد السياسي. ثم تعرض نقد فيفر الذي يرى أن العلاقة بين المدنيين والعسكريين هي علاقة تفويض يخضع فيها التزام الجيش لحسابات الرقابة والعقاب أكثر من الاحتراف المهني وحده. كما تقدم رؤية جانوفيتز التي تؤكد التفاعل بين المؤسسة العسكرية والمجتمع، ثم تنتقل إلى الأدبيات الحديثة التي تفسر التدخل العسكري بضعف الدولة المدنية، والانخراط الاقتصادي للمؤسسة العسكرية، والانقسامات داخل النخب السياسية، وسياسات التحصين ضد الانقلابات التي أدت إلى إنشاء أجهزة وقوات موازية انتهت بظهور قوات الدعم السريع. وتخلص إلى أن إصلاح القطاع الأمني يمثل شرطاً أساسياً لنجاح أي انتقال ديمقراطي.
وتحدد الدراسة معايير السيطرة المدنية الفعالة في خضوع القرار الأمني للسلطة المدنية، واحتكار الدولة للعنف المشروع، والفصل بين الوظيفة العسكرية والسياسية، ومنع الولاءات الشخصية والقبلية والحزبية داخل المؤسسة العسكرية، وحصر مهام الجيش في الدفاع الخارجي، وتجريم الانقلابات والتدخل السياسي، وتحقيق التوازن بين الرقابة والكفاءة العسكرية. وتوضح أن التجربة السودانية افتقرت إلى هذه المعايير مجتمعة، إذ أنتجت الوثيقة الدستورية شراكة بين المدنيين والعسكريين بدلاً من إخضاع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية، وهو ما سمح باستمرار النفوذ العسكري وتعاظم دور قوات الدعم السريع داخل مؤسسات الحكم.
وتتناول الآليات القانونية للسيطرة المدنية، فتشرح أهمية النصوص الدستورية والقوانين المنظمة للمؤسسات العسكرية والأمنية وقوانين الطوارئ. وتوضح أن القوانين السودانية الصادرة في عهد البشير منحت القوات المسلحة والأجهزة الأمنية حصانات واسعة واختصاصات قضائية استثنائية، كما أن قانون قوات الدعم السريع منحها وضعاً قانونياً مستقلاً جعلها قوة نظامية موازية للجيش، وهو ما ساهم لاحقاً في تعقيد عملية الإصلاح وانتهى بإلغاء القانون بعد اندلاع الحرب. كما تشير إلى محاولات لاحقة لإخضاع التشكيلات المسلحة الأخرى لقانون القوات المسلحة منعاً لتكرار تجربة الدعم السريع.
وتوضح الدراسة أن السيطرة التنفيذية تتطلب قيادة مدنية للقوات المسلحة، ووزارة دفاع خاضعة للمساءلة البرلمانية، وهيكلاً تنفيذياً يفصل بين القرار السياسي والتنفيذ العسكري. إلا أن التجربة الانتقالية أبقت وزيري الدفاع والداخلية ضمن حصة المكون العسكري، وأخضعت قرارات الحكومة لموافقة المجلس السيادي، وهو ما حرم الحكومة المدنية من أدوات التنفيذ الفعلية.
وتشرح الرقابة البرلمانية بوصفها أداة للتشريع والمساءلة واعتماد السياسات الدفاعية والموازنات واستدعاء القيادات العسكرية، لكنها تبين أن السودان افتقر إلى مجلس تشريعي منتخب منذ عقود، وأن المجلس التشريعي الانتقالي المنصوص عليه بعد الثورة لم يتم تشكيله بسبب الخلافات السياسية، مما حرم السلطة المدنية من أهم أدوات الرقابة.
وتبرز الدراسة أهمية الرقابة المالية على الموازنة الدفاعية والشركات العسكرية، موضحة أن المؤسسة العسكرية وقوات الدعم السريع امتلكتا شبكات اقتصادية ضخمة وفرت لهما استقلالاً مالياً عن الدولة. وتشير إلى أن محاولات الحكومة الانتقالية لإخضاع هذه الشركات للرقابة جاءت متأخرة ومحدودة، بينما بقي الاقتصاد العسكري أحد أهم مصادر القوة السياسية والعسكرية.
وتتناول الرقابة على التعيينات العسكرية، فتؤكد ضرورة إخضاع الترقيات والتعيينات لمعايير الكفاءة والحياد بدلاً من الولاءات الشخصية والقبلية. وتوضح كيف أدت سياسات التحصين ضد الانقلابات إلى إنشاء أجهزة وقوات موازية، وكيف اعتمدت قيادة قوات الدعم السريع على شبكات الولاء الشخصي والعائلي، مما سمح لها بتكوين قوة مستقلة عن القيادة العسكرية التقليدية.
وتوضح الدراسة أن الرقابة على أجهزة الاستخبارات تستلزم تحديد اختصاصاتها قانونياً وإخضاعها لرقابة برلمانية وقضائية ومنع استخدامها في النشاط السياسي. إلا أن القوانين السودانية منحت الأجهزة الأمنية صلاحيات واسعة وحصانات قانونية، ولم توفر ضمانات كافية للمساءلة أو حماية الحقوق، كما ساهمت التشابكات الإقليمية في إضعاف فرص الإصلاح.
وتشرح الرقابة القضائية والدستورية باعتبارها الضامن الأخير للشرعية، من خلال وجود محكمة دستورية مستقلة وقضاء مدني قادر على محاسبة العسكريين. إلا أن غياب المحكمة الدستورية خلال المرحلة الانتقالية أوجد فراغاً دستورياً استغلته المؤسسة العسكرية، كما أدى ضعف القضاء الوطني إلى الاعتماد على الآليات الدولية في ملاحقة الجرائم والانتهاكات.
وتتناول الرقابة الإدارية والمؤسسية، فتؤكد أهمية أجهزة التفتيش والمراجعة والامتثال، لكنها تشير إلى أن أجهزة الرقابة السودانية كانت محدودة الصلاحيات تجاه المؤسسة العسكرية، وأن الاستثناءات القانونية منعت التدقيق الحقيقي في الإنفاق والاقتصاد العسكري.
وتعرض الرقابة المجتمعية من خلال دور المجتمع المدني والإعلام ومراكز البحوث، مع التركيز على لجان المقاومة التي تطورت إلى شبكة شعبية واسعة قادرة على مراقبة الأداء العام وتنظيم الاحتجاجات وصياغة مبادرات سياسية مستقلة، رغم عجزها عن التحول إلى قيادة تفاوضية موحدة.
وتبين الدراسة أن حالات الطوارئ تمثل الاختبار الأصعب للرقابة المدنية، لأن السلطات الاستثنائية قد تتحول إلى وسيلة للاستيلاء على السلطة إذا غابت الضمانات البرلمانية والقضائية، وهو ما تجسد في إعلان الطوارئ خلال انقلاب أكتوبر 2021 الذي استخدم لتفكيك الحكومة المدنية.
وتناقش مفهوم الاحتراف العسكري، موضحة أن الاحتراف لا يقتصر على الكفاءة الفنية بل يشمل الحياد السياسي، وعدم الانخراط الاقتصادي، والابتعاد عن الولاءات الحزبية. وترى أن الاحتراف وحده لا يضمن الطاعة للسلطة المدنية إذا لم تقترن به رقابة فعالة ومساءلة حقيقية، خاصة في ظل استمرار النفوذ السياسي والاقتصادي داخل المؤسسة العسكرية.
وتؤكد الدراسة أن منع التسييس والانقلابات يتطلب إزالة الحوافز الاقتصادية والسياسية للتدخل العسكري، وإنهاء الإفلات من العقاب، ووضع خطة واضحة لدمج أو تفكيك القوات الموازية، مع الإشارة إلى أن فشل الاتفاق على دمج قوات الدعم السريع قبل الحرب كان أحد العوامل المباشرة في اندلاعها.
وتعرض مفهوم الحوكمة الأمنية الشاملة باعتباره إطاراً يربط الجيش والشرطة والاستخبارات والقضاء في منظومة موحدة تقوم على الشفافية والمساءلة. وتوضح أن السودان افتقر إلى هذه الحوكمة بسبب تعدد المؤسسات المسلحة وتنافسها الاقتصادي والسياسي وارتباطاتها الخارجية المختلفة، مما أدى إلى تحول المنافسة إلى حرب مفتوحة.
وتحلل الدراسة مسار التحول السياسي بعد سقوط نظام البشير، مبينة أن الثورة وفرت ظروفاً مواتية للانتقال الديمقراطي من خلال الحراك الشعبي والانقسام داخل المؤسسة العسكرية والتنظيم المدني والدعم الدولي، لكن الانقسامات السياسية، وعدم استكمال المؤسسات الانتقالية، واستمرار نفوذ الجيش والدعم السريع، أدت جميعها إلى انهيار الشراكة الانتقالية وانفجار الصراع.
وتستخلص الدراسة مجموعة من الدروس العملية، أهمها ضرورة صياغة نصوص دستورية واضحة، وبناء مؤسسات رقابية دائمة، وإخضاع الاقتصاد العسكري للرقابة، وإصلاح أجهزة الاستخبارات والقضاء، وإنهاء الإفلات من العقاب، ووضع خطة ملزمة لدمج القوات الموازية، وتعزيز الاحتراف العسكري، ودعم المجتمع المدني والإعلام، وربط الإصلاح الأمني بإعادة هيكلة الاقتصاد العسكري وبملكية وطنية للإصلاح، مع جعل حماية المدنيين والعدالة الانتقالية جزءاً أساسياً من عملية إعادة بناء الدولة.
وتقترح الدراسة خارطة طريق متكاملة تبدأ بوقف الحرب وإرساء ترتيبات أمنية انتقالية، ثم إصلاح دستوري يحدد بوضوح تبعية الجيش للسلطة المدنية، يعقبه إصلاح قانوني يشمل إصدار قانون جديد للقوات المسلحة، وإصلاح اقتصادي يخضع الشركات العسكرية لوزارة المالية، وإصلاح قضائي يعيد بناء المحكمة الدستورية وآليات العدالة الانتقالية، وإصلاح مؤسسي ينشئ مجلساً تشريعياً وآلية وطنية لإصلاح القطاع الأمني، إضافة إلى مسار دولي يربط الدعم الخارجي بالتقدم الفعلي في الإصلاح. كما تحدد مراحل زمنية تبدأ بوقف إطلاق النار، ثم الإصلاح الدستوري والمؤسسي، ثم دمج القوات وإجراء الانتخابات، وأخيراً ترسيخ الاحتراف العسكري والثقافة الديمقراطية، مع اعتماد مؤشرات كمية لقياس التقدم.
وتخلص الدراسة إلى أن السيطرة المدنية ليست نصوصاً قانونية أو ترتيبات انتقالية مؤقتة، وإنما عملية طويلة الأمد تتطلب توازناً في القوة وآليات رقابة ومساءلة فعالة، وفصلاً كاملاً بين المؤسسة العسكرية والسياسة والاقتصاد. وتبين أن التجربة السودانية توضح أن غياب هذه الشروط يسمح للمؤسسات المسلحة بالتحول إلى مراكز قوة مستقلة قادرة على تقويض أي انتقال سياسي، وأن بناء دولة مستقرة يتطلب احتكاراً مدنياً للعنف المشروع ضمن مؤسسات دستورية راسخة.
وتختتم الدراسة بتقييم نقدي يبين أن النظريات التقليدية للعلاقات المدنية العسكرية، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لتفسير الحالة السودانية بسبب خصوصية الاقتصاد السياسي السوداني، وتعدد الولاءات داخل القطاع الأمني، وتشابك المصالح الاقتصادية والعسكرية. كما تشير إلى أن استمرار الحرب وتغير موازين القوى يجعل كثيراً من الاستنتاجات مرتبطة بتطورات مستقبلية لم تحسم بعد، وأن نجاح أي إصلاح يظل رهيناً بتوافر إرادة سياسية محلية تتجاوز المصالح الضيقة للفاعلين المدنيين والعسكريين، وهو شرط لم يتحقق بصورة كافية خلال التجارب السابقة.
النص الكامل للمقال
مقدمة تحليلية
يطرح السودان، منذ استقلاله في الأول من يناير 1956 وحتى اندلاع الحرب الأهلية الراهنة بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023، حالة نموذجية لدراسة إخفاق السيطرة المدنية على المؤسسة العسكرية في دولة ما بعد استعمارية هشة البنيان. فمنذ انقلاب إبراهيم عبود عام 1958، مروراً بانقلاب جعفر النميري عام 1969، فانقلاب الإنقاذ الإسلامي بقيادة عمر البشير عام 1989، وصولاً إلى انقلاب أكتوبر 2021 بقيادة عبد الفتاح البرهان، لم يشهد السودان أكثر من عشر سنوات متقطعة من الحكم المدني الكامل خلال ما يقارب سبعة عقود من عمر الدولة الحديثة. وتكمن الفرادة التحليلية للحظة الراهنة في أن الانهيار لم يعد يقتصر على صراع كلاسيكي بين مدنيين وعسكريين، بل تحول إلى حرب مفتوحة بين فرعين من الجهاز الأمني نفسه، أحدهما القوات المسلحة النظامية وريثة مؤسسة الدولة، والآخر قوات الدعم السريع التي تحولت من ميليشيا قبلية غير نظامية نشأت في سياق حرب دارفور إلى قوة عسكرية واقتصادية موازية تضاهي الجيش النظامي حجماً ونفوذاً. وقد أسفرت هذه الحرب، بحسب تقديرات وزارة الصحة السودانية الصادرة في سبتمبر 2023، عن مقتل ما لا يقل عن ثلاثة آلاف شخص وإصابة ما يزيد عن ستة آلاف في الأشهر الأولى وحدها، فيما بلغ عدد النازحين داخلياً بحلول نهاية عام 2023 أكثر من تسعة ملايين شخص، إضافة إلى ما يزيد عن مليون وثمانمائة ألف لاجئ عبر الحدود، ليصبح السودان بذلك صاحب أكبر أزمة نزوح داخلي في العالم (Kurtz, 2024).
تسعى هذه الدراسة إلى تفسير هذا الانهيار البنيوي من خلال ثلاث عمليات تحليلية متكاملة: التفكيك، أي فصل مفهوم “السيطرة المدنية” إلى مكوناته النظرية الدقيقة (السيادة، الاحتكار، الفصل الوظيفي، التجريم القانوني) لفهم أي هذه المكونات غاب فعلياً في الحالة السودانية؛ ثم التركيب، أي إعادة بناء العلاقة بين هذه المكونات ضمن سياق تاريخي محدد يفسر كيف تراكمت الإخفاقات عبر عقود متعاقبة من “التحصين ضد الانقلاب” وتسييس المؤسسة العسكرية وتغولها الاقتصادي؛ وأخيراً التوليف، أي دمج الأطر النظرية الكلاسيكية (الموضوعية والذاتية عند هنتنغتون، والوكالة عند فيفر) مع أدبيات الاقتصاد السياسي للصراع (نظرية “السوق السياسي” عند دي وال) لإنتاج تفسير مركب لا يكتفي بالقول إن الجيش السوداني “تدخل في السياسة”، بل يفسر لماذا كان قادراً على ذلك بلا كلفة رادعة طوال سبعين عاماً، ولماذا انقلب هذا العجز عن الرقابة أخيراً إلى حرب داخلية بين ذراعين من ذراعي القوة المسلحة نفسها بعد أن غاب الحكم المدني الفاصل بينهما بالكامل.
المبررات والأهداف والمنهج
تنبع إشكالية هذه الدراسة من فجوة صارخة بين النص الدستوري الذي افترضته الوثيقة الدستورية الانتقالية الموقعة في 17 أغسطس 2019، والتي نصت على خضوع القوات المسلحة لسلطة تنفيذية يتقاسمها المدنيون والعسكريون تدريجياً، والواقع الفعلي الذي شهد استمرار هيمنة الجهاز الأمني على مقدرات القرار الاستراتيجي طوال الفترة الانتقالية، إلى أن انقلب المكون العسكري بالكامل على شركائه المدنيين في 25 أكتوبر 2021، معلناً حالة الطوارئ واعتقال رئيس الوزراء عبدالله حمدوك ووزرائه (Kurtz, 2024). وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً حين نعلم أن الانقلاب نفسه فشل لاحقاً في إرساء حكم عسكري مستقر، ما اضطر البرهان إلى التفاوض مجدداً على تسليم السلطة لحكومة مدنية بالكامل بحلول ديسمبر 2022، قبل أن ينهار هذا المسار كله باندلاع الحرب بين الجيش والدعم السريع في أبريل 2023، وهو ما يجعل من السودان حالة فريدة شهدت إخفاق التجربة المدنية العسكرية مرتين متتاليتين خلال أقل من أربع سنوات (Kurtz, 2024).
تكتسب دراسة السيطرة المدنية على الجيش في السودان أهمية مضاعفة لأسباب ثلاثة متداخلة: أولها أن السودان يمثل، وفق تصنيف حديث لأنماط “البريتوريانية المدنية المتنوعة”، حالة تكرر فيها تحالف فصائل مدنية بعينها مع المؤسسة العسكرية ضد خصومها السياسيين المدنيين الآخرين في كل مفصل تاريخي حاسم، بدءاً من تحالف حزب الأمة مع الجيش عام 1958، مروراً بتحالف الحزب الشيوعي مع انقلاب النميري عام 1969، وانتهاءً بتحالف الجبهة الإسلامية القومية مع انقلاب البشير عام 1989 (Ben Hammou, 2023). وثانيها أن الاقتصاد العسكري السوداني بلغ من الضخامة والتشابك ما يجعل إصلاحه شرطاً مسبقاً لا غنى عنه لأي سيطرة مدنية فعلية، إذ تشير التقديرات إلى أن القوات المسلحة تسيطر على ما يقارب ربع الاقتصاد الوطني الرسمي، بينما تسيطر قوات الدعم السريع – عبر شبكة شركاتها الاقتصادية وعلى رأسها شركة الجنيد العاملة في استخراج وتصدير الذهب – على ما يقارب نصف الاقتصاد، أي أن نحو ثلاثة أرباع الاقتصاد السوداني يقع تحت سيطرة مباشرة أو غير مباشرة لفاعلين مسلحين لا يخضعون لرقابة مدنية حقيقية (Kurtz, 2024). وثالثها أن الحرب الراهنة تمثل تحولاً نوعياً غير مسبوق في تاريخ العلاقات المدنية العسكرية بالمنطقة، إذ لم تندلع بين جيش نظامي وحركة تمرد في الأطراف كما جرت العادة في دارفور أو جنوب السودان، بل اندلعت في قلب العاصمة الخرطوم بين قوتين نظاميتين متكافئتين تقريباً من حيث القدرة العسكرية (Kurtz, 2024).
يهدف البحث إلى تفكيك مفهوم السيطرة المدنية على الجيش نظرياً، وفحص آلياتها القانونية والتنفيذية والرقابية على المستويات كافة، ثم إسقاط هذه الأطر على الحالة السودانية بغرض استخلاص دروس تطبيقية قابلة للترجمة إلى سياسات إصلاحية واقعية، وصولاً إلى صياغة حزمة تدخلات متكاملة وخارطة طريق قابلة للتنفيذ لمرحلة ما بعد الحرب. وتسعى الدراسة تحديداً إلى تحديد الفرق الدقيق بين مفاهيم السيطرة والرقابة والمساءلة والإشراف بوصفها مستويات متمايزة لا مترادفة؛ وتفسير أسباب فشل التجربة الانتقالية السودانية بين عامي 2019 و2021 في ترسيخ سيطرة مدنية فعلية رغم وجود وثيقة دستورية تنص عليها اسمياً؛ وتحليل العوامل البنيوية التي حولت التنافس داخل القطاع الأمني السوداني من مجرد خطر انقلابي متكرر إلى خطر حرب أهلية مفتوحة بين ذراعين مسلحتين متكافئتين؛ واستخلاص حزمة تدخلات عملية قابلة للتطبيق في سياق ما بعد الحرب.
تقوم الدراسة على فرضية مركزية مفادها أن السيطرة المدنية لا تتحقق بالنص الدستوري وحده، بل تستلزم توازناً فعلياً في موارد القوة (الأمنية والاقتصادية والقانونية والشعبية) بين الفاعلين المدنيين والعسكريين، وأن غياب هذا التوازن يجعل أي شراكة انتقالية عرضة للانهيار بمجرد أن يستشعر أحد طرفي القطاع الأمني تهديداً جدياً لمصالحه الاقتصادية أو السياسية، وأن هذا الانهيار يتخذ شكل انقلاب على المكون المدني حين يكون الجهاز الأمني موحداً نسبياً، بينما يتخذ شكل حرب أهلية داخلية حين ينقسم هذا الجهاز إلى فصيلين متكافئين تقريباً دون سلطة عليا فاصلة بينهما.
تقتصر الدراسة على الآليات المؤسسية والقانونية والاقتصادية للسيطرة والرقابة المدنية على الجيش، دون الخوض التفصيلي في الجوانب العسكرية التعبوية لسير المعارك الحالية بين الجيش والدعم السريع، ودون تناول تفصيلي شامل لكل مسارات الوساطة الدولية المتعددة (منبر جدة، منصة الاتحاد الأفريقي، الإيغاد، منبر القاهرة)، إذ يقتصر التطرق إليها على القدر اللازم لفهم أثرها على معادلة السيطرة المدنية العسكرية.
تعتمد الدراسة منهجية تحليلية مقارنة تجمع بين المراجعة النظرية للأدبيات الكلاسيكية والحديثة في العلاقات المدنية العسكرية (هنتنغتون، فيفر، جانوفيتز)، وتحليل حالة السودان اعتماداً على الدراسات المتخصصة الصادرة عن مراكز بحثية دولية متخصصة، والنصوص القانونية السودانية الأصلية (قانون القوات المسلحة لعام 2007، قانون قوات الدعم السريع لعام 2017 وتعديلاته لعام 2019، قانون الأمن الوطني لعام 2010)، إضافة إلى الوثائق الرسمية كالوثيقة الدستورية لعام 2019 واتفاقية جوبا للسلام الموقعة في 3 أكتوبر 2020.
يُقصد بالسيطرة المدنية في هذه الدراسة خضوع القوات المسلحة لقرار سياسي مدني منتخب أو شرعي في القضايا الاستراتيجية الكبرى المتعلقة بالحرب والسلم والأمن القومي؛ بينما تعني الرقابة المدنية الآليات المؤسسية (البرلمانية والقضائية والإدارية والمجتمعية) التي تراقب أداء المؤسسة العسكرية وتحاسبها دون بالضرورة أن تملك سلطة القرار الاستراتيجي نفسها؛ أما المساءلة فتعني إمكانية محاسبة الأفراد والمؤسسات قانونياً وسياسياً بعد وقوع الفعل، بينما يعني الإشراف المتابعة الإدارية اليومية للأداء دون طابع عقابي بالضرورة.
يتناول المقال بعد هذه المقدمة الإطار المفاهيمي، فالأسس النظرية، فمعايير السيطرة المدنية وآلياتها القانونية والتنفيذية، ثم أشكال الرقابة المتعددة (البرلمانية، المالية، على التعيينات، على الاستخبارات، القضائية والدستورية، الإدارية والمؤسسية، المجتمعية)، فالرقابة في حالات الطوارئ، فالاحتراف العسكري ومنع التسييس والانقلاب، فالحوكمة الأمنية الشاملة، وصولاً إلى قراءة خاصة في مسار التحول السياسي السوداني، والدروس التطبيقية القابلة للتنفيذ، وآفاق التطبيق وحزمة التدخلات المتكاملة وخارطة الطريق الواقعية، والخاتمة، وخاتمة نقدية، وقائمة المراجع.
الإطار المفاهيمي
يشير مفهوم السيطرة المدنية على الجيش إلى احتكار السلطة السياسية المدنية المنتخبة أو الشرعية لحق اتخاذ القرار الاستراتيجي في شؤون الحرب والسلم والأمن القومي، بحيث تكون المؤسسة العسكرية أداة تنفيذية لا فاعلاً سياسياً مستقلاً يمتلك حق النقض الفعلي على القرار المدني. أما الرقابة المدنية على القوات المسلحة فتشير إلى مجموع الآليات المؤسسية – البرلمانية والقضائية والإدارية والمجتمعية – التي تراقب تنفيذ هذا القرار وتحاسب المسؤولين عن الانحراف عنه، وهي بذلك أداة تكميلية للسيطرة لا بديلاً عنها؛ فقد تملك سلطة ما حق السيطرة الاسمية (كما نصت الوثيقة الدستورية السودانية لعام 2019 على أن رئاسة الوزراء تملك السلطة التنفيذية العليا) دون أن تملك أدوات الرقابة الفعلية اللازمة لإنفاذ هذه السيطرة على أرض الواقع، وهذا بالضبط ما حدث خلال الفترة الانتقالية حين ظل وزيرا الدفاع والداخلية من ترشيح المكون العسكري حصرياً وفق نص الوثيقة نفسها (Kurtz, 2024)، فأصبحت السيطرة الاسمية بلا أدوات رقابية فعلية تسندها.
وتختلف السيطرة والرقابة كلتاهما عن المساءلة التي تشير إلى إمكانية محاسبة الأفراد والمؤسسات قانونياً وسياسياً بعد وقوع الفعل، وهي غائبة بشكل شبه كامل في التاريخ السوداني، إذ لم يُحاسَب أي ضابط سوداني محاسبة جادة عن انقلابات 1958 أو 1969 أو 1989 أو 2021 (Ben Hammou, 2023). كما تختلف عن الإشراف الذي يشير إلى المتابعة الإدارية اليومية للأداء دون طابع عقابي بالضرورة، وهو المستوى الأضعف تأثيراً لكنه الأكثر انتشاراً في الممارسة اليومية للمؤسسات.
ترتبط السيطرة المدنية ارتباطاً وثيقاً بالشرعية الديمقراطية؛ فكلما استمدت السلطة المدنية تفويضها من انتخابات حرة ونزيهة أو من حراك شعبي واسع النطاق ومنظم، كلما توفرت لها أدوات معنوية إضافية لفرض إرادتها على الجيش. غير أن هذه العلاقة ليست آلية بالضرورة، إذ يمكن لسلطة مدنية تحظى بشرعية شعبية واسعة أن تفتقر إلى الأدوات المؤسسية الفعلية لممارسة السيطرة، كما حدث بالضبط في التجربة السودانية، حيث ظلت حكومة حمدوك – رغم استنادها إلى زخم ثورة ديسمبر 2018 الشعبية الواسعة – رهينة لموازين قوى فعلية داخل الجهاز الأمني لم تكن الشرعية الشعبية للفاعلين المدنيين كافية وحدها لتغييرها (Kurtz, 2024). كما ترتبط الرقابة المدنية بمفهوم الاحتراف العسكري بوصفه شرطاً مكملاً لا بديلاً عنها؛ فجيش محترف تقنياً قد يكون أكثر التزاماً بالحدود الدستورية النظرية، لكن الاحتراف وحده – كما سيتضح لاحقاً من نقد فيفر لأطروحة هنتنغتون – لا يضمن الخضوع الفعلي حين تغيب أدوات الرقابة والعقاب.
تندرج السيطرة والرقابة المدنيتان ضمن إطار أشمل هو حوكمة القطاع الأمني، الذي يشمل إلى جانب الجيش الشرطة وأجهزة الاستخبارات (جهاز المخابرات العامة، المعروف سابقاً باسم جهاز الأمن والمخابرات الوطني) والقضاء العسكري والمدني ومنظومة السجون، وينظر إلى الأمن بوصفه منفعة عامة يجب أن تُدار بشفافية ومساءلة لا بوصفه امتيازاً حصرياً لنخبة عسكرية أو أمنية بعينها (Born and Leigh, 2005). وتكتسب هذه المقاربة الشمولية أهمية خاصة في سياقات الدول الهشة والانتقال السياسي، حيث تتشابك حدود المؤسسات الأمنية مع بعضها البعض بشكل يصعب معه الفصل التحليلي بينها – كما يتضح جلياً من كون قوات الدعم السريع نفسها بدأت كتشكيل مرتبط بجهاز الأمن والمخابرات الوطني قبل أن تُلحق بالقيادة العامة للقوات المسلحة بموجب قانون 2017 – وتصبح إعادة هيكلة العلاقة بين مكونات هذا القطاع شرطاً لا غنى عنه لأي استقرار سياسي لاحق.
الأسس النظرية
تمثل نظرية صمويل هنتنغتون في كتابه المرجعي “الجندي والدولة: نظرية وسياسة العلاقات المدنية العسكرية” الصادر عام 1957 عن دار بلكناب التابعة لجامعة هارفارد نقطة الانطلاق الكلاسيكية التي لا تزال تشكل حجر الزاوية في هذا الحقل المعرفي حتى اليوم رغم مرور أكثر من ستة عقود على صدورها (Huntington, 1957). يميز هنتنغتون بين نمطين متمايزين من السيطرة المدنية: السيطرة الذاتية التي تُخضع الجيش للسلطة عبر دمجه في البنى السياسية والاجتماعية والحزبية القائمة، بحيث يتماهى الجيش مع فصيل مدني بعينه ويصبح خاضعاً له سياسياً لا مؤسسياً؛ والسيطرة الموضوعية التي تحققها عبر تعزيز احتراف الجيش واستقلاليته الفنية الصارمة داخل مجال عسكري محدد الحدود بوضوح مقابل التزامه بالحياد السياسي التام والخضوع لأي سلطة مدنية شرعية أياً كانت توجهاتها الحزبية (Huntington, 1957). ووفق هذا الطرح الشهير، فإن الاحتراف العسكري نفسه هو الضمانة الأهم للسيطرة المدنية في الأنظمة الديمقراطية المستقرة، إذ يحول الجيش إلى أداة محايدة تخدم أي حكومة شرعية دون أن تسعى للهيمنة السياسية المباشرة أو غير المباشرة.
غير أن هذا النموذج تعرض لنقد جوهري ومؤثر من بيتر فيفر في كتابه “الخدم المسلحون: الوكالة والرقابة والعلاقات المدنية العسكرية” الصادر عام 2003 عن مطبعة جامعة هارفارد، حيث اقترح فيفر نظرية الوكيل والأصيل بديلاً تحليلياً أكثر واقعية؛ فالعلاقة بين المدنيين والعسكريين هي في جوهرها علاقة تفويض يراقب فيها الأصيل المدني (الحكومة أو رئيس الدولة) سلوك الوكيل العسكري (قيادة الجيش)، بينما يقرر الوكيل ما إذا كان سينفذ الأوامر بأمانة – وهو ما يسميه فيفر حالة “العمل” – أم سيحيد عنها متبعاً مصالحه الخاصة، وهو ما يسميه حالة “التهرب”، بناءً على حساب استراتيجي دقيق لاحتمال أن يكتشف المدنيون هذا التهرب ويعاقبوا عليه فعلياً بدل الاكتفاء بالتهديد اللفظي (Feaver, 2003). ويخلص فيفر إلى أن الاحتراف وحده لا يضمن الطاعة بالضرورة، وأن ما يضمنها فعلياً هو كثافة آليات الرقابة والعقاب المتاحة عملياً للسلطة المدنية، وهو استنتاج تؤكده مقارنات أجريت لاحقاً على حالات أفريقية عديدة أظهرت أن نظرية الوكالة أقرب لتفسير الديناميكيات الفعلية للعلاقات المدنية العسكرية في الديمقراطيات الناشئة والدول الهشة من النموذج الهنتنغتوني التقليدي الذي صيغ أساساً بناءً على التجربة الأمريكية والأوروبية الغربية.
وقد أضاف مورس جانوفيتز في كتابه “الجندي المحترف: صورة اجتماعية وسياسية” الصادر عام 1960 بعداً سوسيولوجياً مكملاً لهذا النقاش النظري، حيث ركز على العلاقة التفاعلية بين المؤسسة العسكرية والمجتمع المدني، معتبراً أن الاحتراف العسكري في العصر الحديث لا يعني بالضرورة الانعزال التام عن المجتمع بل يمكن أن يأخذ شكل “المدير العسكري” الذي يتفاعل مع القيم المدنية بدلاً من الانغلاق التقليدي عنها (Janowitz, 1960). وتنظر أدبيات أحدث إلى التدخل العسكري في السياسة باعتباره مشكلة بنيوية متجذرة في تركيبة الدولة نفسها وليس حادثاً معزولاً أو انحرافاً استثنائياً عن القاعدة، إذ يرتبط تكرار الانقلابات في دول كالسودان بضعف المؤسسات المدنية التاريخي، وبانخراط الجيش العميق في الاقتصاد، وبانقسام النخبة السياسية المدنية نفسها وميلها للتحالف مع فصيل عسكري ضد فصيل مدني منافس بدل توحيد الجبهة المدنية، وهو ما وصفته دراسة نشرت عام 2023 في دورية “القوات المسلحة والمجتمع” بـ”التسلط المدني المتنوع” الذي يفسر لماذا يستمر نمط التحالف المدني العسكري المتغير عبر الزمن في السودان تحديداً (Ben Hammou, 2023). ومن جانب آخر، فقد وثقت دراسات تاريخية متخصصة كيف عمد جعفر النميري بعد استيلائه على السلطة عام 1969 إلى تأسيس أجهزة أمنية متنافسة ومتوازية لحماية نظامه من احتمال انقلاب مضاد، في نمط بات يُعرف نظرياً بـ”التحصين ضد الانقلاب” (Berridge et al., 2022)، وهو نمط تكرر لاحقاً في عهد البشير حين أنشئ جهاز الأمن والمخابرات الوطني كقوة موازية للجيش النظامي، ثم قوات الدعم السريع كقوة موازية ثالثة تحت مظلة الجهاز الأمني نفسه قبل أن تنفصل عنه بموجب قانون 2017.
من هذه الزاوية النظرية المركبة، فإن الإصلاح الأمني لا ينفصل عن الانتقال الديمقراطي الأشمل بل هو أحد أهم مداخله الجوهرية لا مجرد ملحق تقني له؛ ذلك أن أي انتقال ديمقراطي يترك القطاع الأمني خارج نطاق الإصلاح البنيوي – كما حدث بالضبط في التجربة السودانية بين 2019 و2021 حين ركزت الحكومة الانتقالية جل جهدها على الإصلاح الاقتصادي والإداري تاركة “مسألة إصلاح القطاع الأمني تلوح في الخلفية” دون معالجة جذرية – يظل عرضة للانهيار بمجرد أن يستشعر الفاعل العسكري تهديداً لمصالحه المكتسبة (World Peace Foundation, 2024).
معايير السيطرة المدنية
تقوم السيطرة المدنية الفعلية على مجموعة من المعايير المترابطة التي يفضي غياب أي منها إلى إضعاف المنظومة بأكملها: أولها السيادة الدستورية للسلطة المنتخبة أو الشرعية على القرار الأمني الاستراتيجي، بحيث لا تملك المؤسسة العسكرية حق النقض الفعلي على قرارات الحرب والسلم والتعبئة العامة. وثانيها احتكار الدولة – لا فصيل عسكري بعينه ولا قوة موازية غير نظامية – للقرار السياسي والعنف المشروع، وهو ما ينتهك بوضوح حين تتعدد الأذرع المسلحة المتنافسة كما هو الحال بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع في السودان اليوم. وثالثها خضوع القوات المسلحة لسلطة تنفيذية مدنية مختصة تحديداً وليس لولاء شخصي أو حزبي أو قبلي أو جهوي، وهو معيار تنتهكه بجلاء بنية قوات الدعم السريع التي تتمركز قيادتها العليا حول عائلة داقلو تحديداً، ويشكل أبناء قبيلة الرزيقات نواتها الصلبة وأغلب قادتها الميدانيين (Kurtz, 2024). ورابعها الفصل الواضح بين الوظيفة العسكرية المهنية والوظيفة السياسية، بما يمنع الضباط من ممارسة نشاط سياسي مباشر أو الاحتفاظ بمقاعد تنفيذية موازية للسلطة المدنية المنتخبة أو الانتقالية.
كما يستلزم ذلك تقييد استقلالية الجيش في الشأن العام ومنع الامتيازات المؤسسية – الاقتصادية والقانونية معاً – التي تعزله عن المحاسبة، وتحديد مهامه الدستورية بدقة متناهية بحيث تقتصر على الدفاع الخارجي وحماية سيادة الحدود، لا حماية “الاستقرار” أو “الوحدة الوطنية” أو “منجزات الثورة” بتفسير فضفاض يمنحه ذريعة دائمة للتدخل في أي أزمة سياسية داخلية، وهو التفسير الذي استخدمه البرهان حرفياً لتبرير انقلاب أكتوبر 2021، حين وصف تدخله بأنه ضروري “لإكمال مسار التصحيح الديمقراطي” في نص التصريح المشترك الموقع مع حمدوك في 21 نوفمبر 2021 (Kurtz, 2024). كما يستلزم الأمر تحقيق توازن دقيق بين الكفاءة الأمنية والرقابة المدنية بحيث لا تتحول الرقابة إلى تعطيل وظيفي للمؤسسة، وتجريماً فعلياً – لا شكلياً فحسب – للانقلاب والتدخل السياسي العسكري يقترن بآلية إنفاذ حقيقية، إلى جانب بناء ثقافة سياسية مدنية داعمة للرقابة تتجاوز منطق الاستقطاب الحزبي الضيق.
وتكشف التجربة السودانية أن غياب هذه المعايير مجتمعة – لا غياب واحد منها فقط – هو ما أفشل التجربة الانتقالية؛ فالوثيقة الدستورية لسنة 2019 نصت على “شراكة” بين المدنيين والعسكر بدلاً من إخضاع واضح للثاني للأول، ومنحت المجلس السيادي – الذي كان العسكريون يتقاسمون رئاسته مع المدنيين لفترة انتقالية مقررة بواحد وعشرين شهراً – صلاحيات تنفيذية فعلية لم تكن مقصودة أصلاً في النص التأسيسي الذي حصر دور المجلس في “التوقيع الشكلي” على القرارات، الأمر الذي مكّن قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”، بحكم موقعه كنائب لرئيس المجلس السيادي، من تعزيز نفوذه السياسي بشكل تراكمي طوال الفترة الانتقالية (Kurtz, 2024). وهذا يوضح أن الفصل الدستوري بين الوظيفتين العسكرية والسياسية ليس مجرد شرط نظري مجرد، بل هو المدخل العملي الحاسم الذي يحدد ما إذا كانت “الشراكة” الانتقالية ستتحول فعلياً إلى مسار تدريجي نحو السيطرة المدنية أم إلى غطاء شرعي مؤقت لاستمرار الهيمنة العسكرية وتمددها.
آليات السيطرة القانونية
تشمل الآليات القانونية للسيطرة المدنية النصوص الدستورية التي تحسم بوضوح تبعية القوات المسلحة لرئيس الدولة أو الحكومة المدنية دون لبس تأويلي، والقوانين المنظمة لعمل الجيش وأجهزة الاستخبارات، والتشريعات الخاصة بحالة الطوارئ التي يجب أن تحدد بدقة صارمة شروط إعلانها ومددها القصوى ومجالات تطبيقها الجغرافية والموضوعية. وفي الحالة السودانية، فإن الإطار القانوني القائم يتشكل أساساً من ثلاثة قوانين محورية صدرت جميعها في عهد نظام البشير: قانون القوات المسلحة لعام 2007 الذي يمنح المؤسسة العسكرية اختصاصاً قضائياً واسعاً عبر محاكمها العسكرية الخاصة، وقانون قوات الشرطة لعام 2008، وقانون الأمن الوطني لعام 2010، وقد منحت هذه القوانين الثلاثة مجتمعة حصانات واسعة النطاق لأفراد الأجهزة الأمنية تحد بشدة من إمكانية مساءلتهم أمام القضاء المدني العادي، وهو ما وثقته دراسة صادرة عن الوكالة الأوروبية للجوء عام 2024 بوصفه أحد أهم عوائق تحقيق العدالة الانتقالية في السودان (European Union Agency for Asylum, 2024). واللافت أن تعديلاً أُدخل على قانون القوات المسلحة نفسه في الثاني من يوليو 2013 بموافقة البرلمان، وسّع اختصاص المحاكم العسكرية لتشمل محاكمة أي شخص – مدنياً كان أم عسكرياً – يُشتبه في ارتكابه فعلاً “يقوض أمن الدولة”، وفق صياغة فضفاضة أثارت انتقادات حقوقية دولية واسعة لكونها تُخضع المدنيين لاختصاص قضائي عسكري في عدد كبير من الجرائم غامضة التعريف (OHCHR, 2013).
أما قانون قوات الدعم السريع الصادر عن البرلمان السوداني عام 2017 فيمثل حالة استثنائية بالغة الدلالة في هذا السياق؛ إذ منح هذا القانون – المكون من سبعة فصول وخمسة وعشرين مادة تنظم الأهداف والمبادئ العامة والأنظمة الإدارية والإجرائية للقوة – صفة “قوة نظامية موازية للجيش” لتشكيل نشأ أصلاً من ميليشيات الجنجويد القبلية في دارفور، وربطه دستورياً بموجب المادة 35 من الوثيقة الدستورية لعام 2019 بالقائد العام للقوات المسلحة مباشرة لا بوزارة الدفاع أو بسلسلة القيادة العسكرية النظامية (Rapid Support Forces Act, 2017؛ Dabanga Radio TV, 2023). وقد أظهرت التطورات اللاحقة هشاشة هذا الترتيب القانوني بجلاء، حين أصدر البرهان بصفته رئيساً للمجلس السيادي وقائداً عاماً للقوات المسلحة، في السادس من سبتمبر 2023، مرسومين دستوريين متعاقبين: الأول يعلن حل قوات الدعم السريع بوصفها “قوة متمردة”، والثاني يلغي قانون قوات الدعم السريع لعام 2017 وتعديلاته الصادرة عام 2019 بالكامل، معتبراً أن هذه القوات خرقت الأهداف والمبادئ التي أُنشئت من أجلها أصلاً (Dabanga Radio TV, 2023). وقد أثار هذا الإلغاء – الذي تم بمرسوم تنفيذي لا بتشريع برلماني كامل – جدلاً قانونياً حول مدى مشروعيته الإجرائية، إذ رأى خبراء قانونيون سودانيون أن إلغاء قانون صادر عن السلطة التشريعية يستوجب أصلاً إجراءً تشريعياً مماثلاً لا مجرد مرسوم تنفيذي فردي، وإن كانوا يقرون في الوقت نفسه بأن الأثر العملي للقانون قد تلاشى بالفعل بحكم الواقع بعد إعلان حل القوات ميدانياً في أبريل من العام نفسه (Dabanga Radio TV, 2023). وفي خطوة لاحقة أكثر شمولاً، أصدر البرهان في أغسطس 2025 قراراً يُخضع كافة التشكيلات المسلحة غير النظامية المتحالفة مع الجيش – ومنها قوات درع السودان وكتيبة البراء بن مالك ولواء الفرقان وقوات المقاومة الشعبية – لقانون القوات المسلحة مباشرة، في خطوة وُصفت بأنها “تصحيح استراتيجي” مستفاد من تجربة قوات الدعم السريع نفسها التي اكتسبت استقلالية واسعة بموجب قانون 2017 بينما ظلت خاضعة اسمياً فقط للقائد العام دون إخضاعها الفعلي لهيكل القيادة الموحد للجيش (Mada Masr, 2025).
آليات السيطرة التنفيذية
أما الآليات التنفيذية فتتمثل في القيادة العليا المدنية للقوات المسلحة، سواء كانت ممثلة برئيس الدولة أو رئيس الوزراء ضمن نظام دستوري واضح المعالم، وفي دور وزير دفاع ذي طابع مدني – حتى لو كان عسكري الخلفية المهنية – يخضع مع ذلك لمساءلة سياسية كاملة أمام البرلمان لا أمام القيادة العسكرية، وفي هيكلة وزارة الدفاع كجسر مؤسسي فعلي بين القرار السياسي والتنفيذ العسكري بدل أن تكون امتداداً إدارياً مباشراً للمؤسسة العسكرية ذاتها بلا استقلالية قرار مدني حقيقية.
وقد أظهرت التجربة السودانية عكس هذه المعايير تماماً؛ إذ ظل وزيرا الدفاع والداخلية من ترشيح المكون العسكري حصرياً طوال الفترة الانتقالية بأكملها وفق نص الوثيقة الدستورية نفسها، بما أبقى الأدوات التنفيذية الأكثر حساسية بعيدة كل البعد عن أي قرار مدني فعلي (Kurtz, 2024)، وهو خلل بنيوي يفسر جزئياً على الأقل لماذا لم تستطع حكومة حمدوك فرض إشرافها الفعلي على قرارات الأمن والدفاع رغم تمتعها نظرياً بموجب الوثيقة الدستورية بالسلطة التنفيذية العليا. بل إن حمدوك نفسه اضطر، بحسب ما توثقه دراسة تفصيلية عن هذه المرحلة، إلى الرضوخ لمطلب المكون العسكري بأن تخضع جميع قرارات مجلس الوزراء لموافقة مسبقة من المجلس السيادي، وهو ما جعله محاصراً بين سلطتين دون أن يملك أي سلطة تنفيذية فعلية مستقلة خاصة به (Kurtz, 2024).
الرقابة البرلمانية
تتأسس الرقابة البرلمانية على حق التشريع والاعتماد والرفض، ووجود لجان دفاع وأمن برلمانية قادرة فعلياً على استدعاء المسؤولين العسكريين ومساءلتهم، سواء في جلسات علنية أو في جلسات سرية بحسب مقتضيات الأمن القومي، إضافة إلى حق إقرار الاستراتيجيات الدفاعية الكبرى والموافقة على الهيكل التنظيمي العام للقوات المسلحة قبل اعتماده تنفيذياً. وتؤكد أدبيات مركز جنيف للحوكمة الأمنية أن هذه الصلاحيات تمثل الوظائف التشريعية والرقابية والتمثيلية والانتخابية الأساسية التي تمارسها البرلمانات في الدول الديمقراطية على القطاع الأمني بوصفه قطاعاً حكومياً كسائر القطاعات لا استثناءً منها (Born and Leigh, 2005).
غير أن السودان يفتقر عملياً – في ظل غياب مجلس تشريعي انتخابي منذ عام 1989 باستثناء برلمانات صورية غير تنافسية في عهد البشير – إلى أي تجربة راسخة لرقابة برلمانية فعلية على القطاع الأمني. وقد كان المجلس التشريعي الانتقالي المزمع تشكيله بموجب الوثيقة الدستورية لعام 2019، والذي كان من المفترض أن يضم ثلاثمائة مقعد ويتولى سن القوانين ومراقبة عمل الحكومة الانتقالية، أحد أهم الأدوات المؤسسية التي كان يمكن أن تسد هذه الفجوة، لكنه لم يتشكل قط طوال سنتين كاملتين من عمر الفترة الانتقالية، إذ وعد قائد قوات الدعم السريع نفسه في سبتمبر 2019 الحركات المسلحة بأن هذا المجلس لن يُشكَّل إلا بعد إبرام اتفاق سلام شامل معها، ثم تعثر تشكيله لاحقاً بسبب خلافات الأحزاب المدنية نفسها حول توزيع مقاعده، رغم أن ممثلي قوى الحرية والتغيير أقروا لاحقاً بأن جزءاً كبيراً من مسؤولية هذا التعطيل يقع على عاتقهم هم أنفسهم لا على القطاع الأمني وحده (Kurtz, 2024).
الرقابة على الموازنة
يكمل الرقابة البرلمانية رقابة مالية تشمل تدقيق الموازنة الدفاعية بأبوابها كافة، بما في ذلك البنود السرية والاستثنائية، ومراجعة المشتريات والتعاقدات العسكرية بشكل دوري ومنهجي. وتحديداً في هذا الجانب تكمن واحدة من أعقد عقد الإصلاح السوداني على الإطلاق؛ فالقوات المسلحة تسيطر – وفق تقديرات بحثية موثقة – على ما يقارب ربع الاقتصاد الوطني الرسمي، بينما تسيطر قوات الدعم السريع على ما يقارب نصفه، عبر شبكات اقتصادية معقدة تمتد من إنتاج الذهب وتصديره في دارفور وكردفان، وأبرزها شركة الجنيد التي يرأسها عبد الرحيم حمدان دقلو شقيق حميدتي ونائبه، إلى الاستثمارات العقارية والتجارية والزراعية الواسعة (Kurtz, 2024).
وقد حاولت الحكومة الانتقالية في مارس 2021 إخضاع الشركات المرتبطة بالمؤسسة العسكرية والأمنية للإشراف المدني ضمن اتفاق بين شركاء الحكومة الانتقالية، لكن هذه الخطوة جاءت متأخرة زمنياً ومحدودة الأثر عملياً (Kurtz, 2024). وفي المقابل، قدمت المؤسسة الأمنية “تبرعاً طوعياً” لمرة واحدة بقيمة ملياري دولار أمريكي للموازنة العامة عام 2020، وهو مبلغ لم يتجاوز سدس ما كانت الحكومة تخطط أصلاً لإنفاقه في ذلك العام، فيما تشير تقديرات بحثية متخصصة إلى أن مساهمات مالية أكبر بكثير كانت ممكنة فعلياً من موارد القطاع الأمني لو وُجدت الإرادة السياسية والأدوات الرقابية الكافية لفرضها (Kurtz, 2024). وهذا يوضح بجلاء أن الرقابة المالية على الاقتصاد العسكري ليست مجرد تفصيل تقني هامشي، بل هي جوهر الصراع على السلطة نفسه في السودان، لأن من يملك الموارد المالية المستقلة عن الخزانة العامة – كما هو حال قوات الدعم السريع تحديداً عبر عائداتها من تجارة الذهب والاستثمارات الخليجية – يملك بالتبعية القدرة على الاستغناء الكامل عن أي شرعية سياسية مدنية أصلاً، وهو ما فسر جزئياً قدرة حميدتي على خوض حرب مفتوحة ضد الجيش النظامي دون أن يواجه انهياراً اقتصادياً فورياً يقيّد قدرته القتالية.
الرقابة على التعيينات
تستلزم الرقابة على التعيينات اعتماداً مدنياً فعلياً للترقيات والتعيينات العليا في القيادة العسكرية وفق معايير الكفاءة والاستحقاق والحياد المهني، لا الولاء الشخصي أو الفئوي أو الجهوي أو القبلي، بما يحد من نشوء شبكات ولاء موازية داخل المؤسسة العسكرية يصعب تفكيكها أو السيطرة عليها لاحقاً بمجرد أن تترسخ. وقد وثّقت دراسات متخصصة في تاريخ الجيش السوداني كيف عمد جعفر النميري بعد انقلابه في مايو 1969 إلى تأسيس أجهزة أمنية متنافسة ومتوازية بغرض حماية نظامه من احتمال انقلاب مضاد يقوده كبار ضباط الجيش النظامي أنفسهم، في نمط بات يُعرف نظرياً بـ”التحصين ضد الانقلاب” (Berridge et al., 2022؛ Verhoeven, 2023). كما أن ممارسة إسناد مهام مكافحة التمرد إلى ميليشيات قبلية غير نظامية – وهي ممارسة بدأت منذ ثمانينيات القرن الماضي في عهد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة تحديداً، واستمرت وتوسعت في عهد البشير – مهدت الطريق مباشرة لاحقاً لظهور قوات الدعم السريع نفسها من رحم ميليشيات الجنجويد التي جُندت أساساً لمحاربة التمرد المسلح في دارفور مطلع الألفية الثالثة (Tubiana, 2017).
وقد شهدت قوات الدعم السريع نفسها تحولاً دالاً على غياب هذه الرقابة تماماً؛ إذ نشأت أصلاً عام 2013 كقوة تابعة لجهاز الأمن والمخابرات الوطني، تولى قيادتها محمد حمدان دقلو الذي كان قد أصبح بحلول ذروة عنف دارفور في عامي 2003 و2004 أحد أبرز قادة الميليشيات المسلحة هناك، قبل أن يُعيَّن مستشاراً أمنياً لوالي ولاية جنوب دارفور عام 2008 عقب فترة تمرد قصيرة على الدولة (Kurtz, 2024). وفي عام 2017، وبعد أن اعتُقل منافسه الرئيس موسى هلال، تحولت قوات الدعم السريع بموجب القانون الجديد إلى “قوة نظامية” خاضعة اسمياً لصلاحيات القائد الأعلى للقوات الأمنية – أي رئيس الجمهورية البشير حينها – لتصبح بذلك بمثابة حرس شخصي فعلي للرئيس (Kurtz, 2024)، وهو نمط تعيين قائم كلياً على الولاء الشخصي المباشر لا على أي معيار مؤسسي موضوعي، الأمر الذي أتاح لاحقاً لقيادة القوات – المتمركزة إلى حد كبير حول عائلة داقلو تحديداً – أن تراكم نفوذاً سياسياً واقتصادياً مستقلاً عن أي رقابة مدنية أو حتى عسكرية نظامية.
الرقابة على الاستخبارات
تقتضي الرقابة على الاستخبارات إخضاع الأجهزة السرية لرقابة برلمانية وقضائية معاً، وتحديد وظيفتها القانونية بدقة صارمة، وفصل عملها الاستخباري تماماً عن أي نشاط سياسي حزبي مباشر، وضبط صلاحياتها في التنصت والمراقبة والاعتقال ضمن أطر قضائية واضحة لا تحصينات فضفاضة. وقد منح قانون الأمن الوطني السوداني الصادر عام 2010 – إلى جانب قانون القوات المسلحة لعام 2007 وقانون الشرطة لعام 2008 – حصانات واسعة لأفراد الأجهزة الأمنية تحد بشدة من إمكانية مساءلتهم قضائياً، ولم يُجرّم القانون السوداني صراحة حتى وقت قريب جريمة الإخفاء القسري بوصفها جريمة مستقلة قائمة بذاتها، فيما ظلت السلطات في الغالب تفشل في التحقيق الجاد بادعاءات التعذيب أو توفير سبل انتصاف فعالة وتعويضات لضحاياه (European Union Agency for Asylum, 2024).
وقد لعب جهاز المخابرات المصري، بحسب تحليل موثق، دوراً محورياً في الأسابيع التي سبقت انقلاب أكتوبر 2021 من خلال الوساطة بين قيادتي الجيش وقوات الدعم السريع، مما مكّنهما من الاستيلاء على السلطة بشكل منسق (Kurtz, 2024)، وهو مثال دال على كيف يمكن للتشابك بين الاستخبارات المحلية والإقليمية أن يقوّض أي مسار إصلاحي مدني حتى في غياب أي تدخل عسكري مباشر ظاهر للعيان.
الرقابة القضائية والدستورية
تكمل هذه المنظومة رقابة قضائية ودستورية تقوم على دور محكمة دستورية مستقلة تراجع التجاوزات العسكرية وتبت في مشروعية المراسيم الاستثنائية، ومحاكم مدنية تحاسب الضباط عن الانتهاكات بدلاً من إحالتهم إلى قضاء عسكري داخلي يميل غالباً للتستر على أفراد المؤسسة أو لإصدار أحكام رمزية لا تتناسب مع جسامة الجرم. وقد كان غياب محكمة دستورية سودانية طوال الفترة الانتقالية بأكملها – بعد حل المحكمة الدستورية القديمة الموالية لنظام البشير دون تعيين محكمة بديلة عنها – عاملاً رئيساً في تفاقم الفراغ القانوني الذي استغله الفاعلون العسكريون لتفسير غموض الوثيقة الدستورية بما يخدم مصالحهم دون أي رادع قضائي فعلي، إذ تولت وزارة العدل بدلاً من ذلك مهمة الفصل في هذه الإشكالات القانونية دون أن تملك السلطة أو الصلاحية الدستورية لإصدار قرارات ملزمة نهائياً (Kurtz, 2024).
وقد أظهرت الحرب الراهنة أبعاداً إضافية بالغة الخطورة لهذا الفراغ القضائي؛ إذ أصدر مركز راؤول والنبرغ لحقوق الإنسان تقريراً قانونياً موسعاً وصف فيه الأعمال الممنهجة التي ترتكبها قوات الدعم السريع والميليشيات العربية المتحالفة معها ضد قبيلة المساليت في غرب دارفور – من حرق قرى وعنف جنسي ضد النساء وقتل جماعي للمدنيين – بأنها ترقى إلى جريمة الإبادة الجماعية وفق القانون الدولي (Kurtz, 2024). وفي غياب أي قضاء وطني مستقل قادر على التحقيق في هذه الانتهاكات أو محاسبة مرتكبيها، يظل مسار العدالة والمساءلة معلقاً بالكامل على آليات دولية بديلة كالمحكمة الجنائية الدولية، التي سبق أن أصدرت مذكرات توقيف بحق البشير نفسه منذ عام 2009 و2010 بتهم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب في دارفور دون أن تفلح حتى اليوم في تنفيذها فعلياً بسبب استمرار غياب التعاون القضائي الكافي من السلطات السودانية المتعاقبة.
الرقابة الإدارية والمؤسسية
تتضمن الرقابة الإدارية آليات التفتيش العام والمراجعة الداخلية داخل وزارة الدفاع، ووجود ديوان مراجعة وطني مستقل يتمتع بصلاحيات تدقيقية فعلية على الإنفاق العسكري، ولجان تقييم أداء دورية منتظمة، وقواعد امتثال وانضباط تفصل الرقابة الإدارية بوضوح عن أي تدخل سياسي مباشر فيها.
وقد ظل ديوان المراجعة القومي السوداني، شأنه شأن أغلب أجهزة الرقابة الإدارية في البلاد، محدود الصلاحيات الفعلية تجاه المؤسسة العسكرية تحديداً بحكم النصوص القانونية نفسها التي منحتها استثناءات إجرائية واسعة تحول دون خضوعها للمراجعة المالية العادية أسوة بباقي مؤسسات الدولة، وهو ما يفسر تعذر التحقق المستقل من الحجم الفعلي الكامل للاقتصاد العسكري السوداني رغم كثرة التقديرات البحثية بشأنه (Kurtz, 2024).
الرقابة المجتمعية
أما الرقابة المجتمعية فتقوم على دور المجتمع المدني والإعلام الحر في كشف التجاوزات، وعلى إتاحة المعلومة العامة وشفافيتها، وعلى دور مراكز البحوث في تزويد الفاعلين السياسيين بأدلة موثقة تدعم مواقفهم التفاوضية أمام المؤسسة الأمنية الأقوى تنظيماً وموارد منهم عادة.
وقد أظهرت التجربة السودانية أهمية استثنائية لهذا النوع من الرقابة تحديداً، متمثلة في لجان المقاومة الحية في الأحياء السكنية التي نشأت بشكل لا مركزي منذ عام 2013 وتوسعت بشدة إبان ثورة ديسمبر 2018، حين استفاد شباب هذه اللجان من سنوات من التدريب على تكتيكات المقاومة اللاعنفية والتنظيم اللامركزي وقضايا النوع الاجتماعي والمهارات القيادية المكتسبة عقب احتجاجات 2013، وهي تكتيكات صعّبت على شبكات المراقبة الأمنية الواسعة التابعة لجهاز الأمن والمخابرات الوطني اختراق هذه المجموعات (Kurtz, 2024). وقد رصدت دراسة مسحية أجراها مركز كارتر بتكليف من الحكومة الانتقالية السودانية نفسها عام 2021 وجود ما مجموعه سبعة آلاف ومئتين وثمانية وثلاثين تنظيماً شبابياً في عموم البلاد، من بينها خمسة آلاف ومئتان وتسعة وثمانون لجنة مقاومة قائمة بذاتها، وهو انتشار جغرافي لا يضاهيه أي حزب سياسي تقليدي سوداني من حيث الكثافة والتغلغل المحلي (Kurtz, 2024). وقد أظهرت هذه اللجان قدرة فائقة على الصمود أمام محاولات الاحتواء المتكررة من جانب الأحزاب السياسية والعسكر على حد سواء، إذ رفضت الانصياع لتفاهم حمدوك والبرهان الموقع في نوفمبر 2021 وشرعت بدلاً من ذلك في صياغة ميثاق سياسي مستقل خاص بها يقوم على مطلب تشكيل برلمان انتقالي منتخب من قواعد شعبية مباشرة في كل حي سكني، غير أن هذه اللجان واجهت في المقابل صعوبة بنيوية واضحة في الانتقال من فاعل احتجاجي لامركزي فعّال إلى فاعل تفاوضي موحد قادر على فرض تمثيل سياسي مباشر ومتماسك في مفاوضات رسمية مع الفاعلين المسلحين (Kurtz, 2024).
الرقابة في حالات الطوارئ
تمثل حالة الطوارئ أخطر لحظة اختبار لمنظومة الرقابة المدنية بأكملها؛ إذ تتيح للسلطة التنفيذية – وغالباً للمكون العسكري المتحكم فيها فعلياً – توسيع صلاحياتها الأمنية بذريعة الضرورة القصوى، وهو ما يفتح الباب أمام تحويل الاستثناء المؤقت المفترض إلى واقع دائم ما لم تُحدد بدقة متناهية ضوابط إعلانها ومددها القصوى وآليات إنهائها الإجبارية.
وتبرز أهمية الدور البرلماني والقضائي الرقابي في هذه اللحظات الحرجة بالذات، ذلك أن إعلان حالة الطوارئ في السودان في الخامس والعشرين من أكتوبر 2021 كان بالضبط الغطاء القانوني الشكلي الذي استخدمه قائد الجيش لتفكيك الحكومة الانتقالية بالكامل واعتقال وزرائها المدنيين، بمن فيهم رئيس الوزراء حمدوك نفسه (Kurtz, 2024)، وهو ما يوضح بجلاء كيف يمكن لأداة قانونية صُممت أصلاً لحماية الدولة من التهديدات الخارجية الطارئة أو الكوارث الطبيعية أن تتحول – في غياب أي رادع مؤسسي فعلي – إلى أداة انقلابية بيد من يسيطر فعلياً على أجهزة الإنفاذ الأمني، دون أي مساءلة برلمانية أو قضائية لاحقة توازي جسامة هذا التحول.
الاحتراف العسكري
يستلزم الاحتراف العسكري الحقيقي فصلاً واضحاً بين التدريب العسكري الفني والانتماء الحزبي أو الأيديولوجي، وتحصين مؤسسات التعليم العسكري من التسييس المباشر، وحماية المهنية من التسييس الاقتصادي الناتج عن انخراط كبار الضباط في الأعمال التجارية الموازية للوظيفة العسكرية.
وتؤكد الأدبيات النظرية بوضوح أن الاحتراف وحده – كما بيّن هنتنغتون في أطروحته الكلاسيكية – لا يضمن الخضوع للسلطة المدنية ما لم تقترن به آليات رقابة فعلية تجعل كلفة التمرد أعلى موضوعياً من كلفة الطاعة، كما بيّن فيفر لاحقاً في نقده المفصل لهذه الأطروحة (Huntington, 1957؛ Feaver, 2003). ومن هنا فإن أي حديث عن “احترافية” الجيش السوداني أو قوات الدعم السريع بمعزل عن معالجة جذورهما الاقتصادية والسياسية يظل حديثاً منقوصاً وسطحياً؛ فقد ظل التيار الإسلامي الموالي لنظام البشير المنحل محتفظاً بنفوذ واسع داخل قيادة القوات المسلحة النظامية وعلى البرهان شخصياً، فيما احتقرت قيادة الجيش النظامي حميدتي وعائلته بوصفهم “طارئين من الأطراف الهامشية”، بينما ظل الجنود العاديون يكنّون له عدم ثقة بسبب الدور الذي لعبته قوات الدعم السريع في فض اعتصام القيادة العامة بالخرطوم بعنف مفرط في الثالث من يونيو 2019، وهو الحادث الذي أسفر عن مقتل ما يزيد على مئة وعشرين شخصاً (Kurtz, 2024).
منع التسييس والانقلاب
من هنا فإن منع التسييس والانقلاب في السياق السوداني يستلزم تجفيف الحوافز البنيوية العميقة للتدخل العسكري في السياسة، وأهمها الحافز الاقتصادي المرتبط بالشركات العسكرية المدرة للثروة، والحافز المرتبط بالإفلات التاريخي المتكرر من العقاب على الانقلابات السابقة، إذ لم يُحاسَب أي ضابط سوداني محاسبة جادة عن انقلاب 1958 أو 1969 أو 1989 أو 2021، ما رسّخ عبر أجيال متعاقبة ما وصفته دراسة حديثة بأنماط “البريتوريانية المدنية المتنوعة” التي تتيح تكرار السيناريو الانقلابي نفسه بأشكال متجددة (Ben Hammou, 2023).
كما يستلزم منع التسييس بالضرورة ضبط العلاقة مع القوات الموازية غير النظامية كقوات الدعم السريع، عبر خطة دمج أو تفكيك واضحة المعالم ومحددة زمنياً بدل تركها تتوسع بلا سقف تنظيمي أو رقابي، وهو بالضبط ما فشلت فيه الحكومة الانتقالية حين قبلت بمعادلة “الشراكة” مع قوة موازية بدلاً من إخضاعها لهيكل قيادة عسكري موحد منذ اللحظة الأولى؛ إذ تكشف بعض التقارير أن السلطات المسلحة كانت قد اتفقت مبدئياً في مطلع عام 2023 مع قوات الدعم السريع وموقعي الاتفاق الإطاري على خطة لدمج تدريجي للقوات على مدى عشر سنوات كاملة، قبل أن يتراجع الجيش عن هذا التفاهم في أواخر مارس 2023، أي قبل أسابيع قليلة فقط من اندلاع الحرب المفتوحة بينهما (Kurtz, 2024). وهذا يوضح كيف يمكن لغياب آلية دمج ملزمة وقابلة للتنفيذ الفعلي – لا مجرد تفاهم سياسي هش قابل للتراجع من طرف واحد في أي لحظة – أن يحول أخطر عملية إصلاح أمني إلى مجرد ورقة تفاوضية عرضة للانهيار الكامل عند أول اختلال في موازين القوى بين الطرفين.
الحوكمة الأمنية الشاملة
تنظر حوكمة القطاع الأمني إلى الأمن والدفاع والشرطة والعدالة بوصفها منظومة مترابطة عضوياً لا مجموعة مؤسسات متنافسة كل منها بمنطقه الخاص، وتقوم على شفافية إدارة الموارد ومساءلة متعددة المستويات تجمع بين الرقابة الرسمية (البرلمانية والقضائية) وغير الرسمية (الإعلامية والمجتمعية) في منظومة واحدة متكاملة.
وتقدم الأدبيات الدولية أدوات عملية موثقة لقياس هذه الحوكمة عبر مؤشرات محددة تتعلق بشفافية الموازنات الدفاعية ومدى خضوع الأجهزة الأمنية للقانون العام لا لقوانين استثنائية خاصة بها (Born and Leigh, 2005). وتكشف الحالة السودانية بوضوح تام أن غياب هذا التكامل – أي وجود جيش نظامي وقوات دعم سريع وأجهزة استخبارات يعمل كل منها بمنطقه المؤسسي والاقتصادي الخاص ووفق تحالفاته الإقليمية المستقلة تماماً (فالجيش النظامي أقرب تاريخياً لمصر، بينما قوات الدعم السريع أقرب للإمارات العربية المتحدة عبر شراكات اقتصادية وعسكرية موثقة منذ مشاركتها المأجورة في حرب اليمن إلى جانب التحالف بقيادة السعودية والإمارات) – كان من أهم الأسباب البنيوية التي حولت التنافس الداخلي من مجرد خطر انقلابي محتمل إلى حرب مفتوحة، إذ لم يكن هناك إطار حوكمة موحد يستطيع احتواء هذا التنافس المتصاعد قبل انفجاره عسكرياً (Kurtz, 2024).
السودان والتحول السياسي: قراءة في فشل الشراكة الانتقالية
يمثل مسار السودان منذ سقوط البشير في الحادي عشر من أبريل 2019 – حين أطاحت به أجهزته الأمنية نفسها بعد ثلاثين عاماً كاملة من الحكم الاستبدادي المدعوم من حزب المؤتمر الوطني وحركة إسلامية منظمة (Kurtz, 2024) – حالة دراسية بالغة الدلالة لفهم لماذا تفشل الشراكات المدنية العسكرية حتى حين تتوفر عناصر أولية مشجعة ظاهرياً. فقد اجتمعت في اللحظة السودانية أربعة عوامل بدت مواتية لانتقال تفاوضي ناجح: حراك اجتماعي واسع ومستمر تقوده لجان مقاومة لامركزية شبابية بدأت احتجاجاتها الأولى في ديسمبر 2018 من مدينتي عطبرة شمالاً والدمازين جنوباً قبل أن تصل إلى الخرطوم؛ وانقسام داخل الجهاز الأمني حال دون قمع الاحتجاجات بعنف شامل موحد كما حدث في مناسبات سابقة، إذ انحاز جزء من ضباط القوات المسلحة الشباب وأبناء كبار جنرالاتها إلى صف المتظاهرين؛ وتنظيم مدني نسبي تمثل في تجمع المهنيين السودانيين المؤسس في يوليو 2018 وقوى الحرية والتغيير التي تشكلت رسمياً في الأول من يناير 2019 عقب إعلان الحرية والتغيير؛ وتوافق إقليمي ودولي أولي على دعم المسار التفاوضي بدل مساندة حل عسكري خالص (Kurtz, 2024). وقد شكّلت لحظة “المليونية” في الثلاثين من يونيو 2019 – التي خرج فيها مئات الآلاف رغم انقطاع الإنترنت والهاتف عقب فض اعتصام القيادة العامة بعنف دموي في الثالث من يونيو أسفر عن مقتل ما يزيد على مئة وعشرين شخصاً – نقطة تحول حاسمة أجبرت المكون العسكري على القبول بالتفاوض بدل استمرار القمع المفتوح (Kurtz, 2024).
غير أن هذه العوامل الأربعة الواعدة لم تُترجم إلى مؤسسات راسخة قادرة على الصمود؛ فقد انقسمت قوى الحرية والتغيير على نفسها بمنطق المحاصصة الحزبية الضيقة بدل بناء تحالف مدني موحد قادر على مواجهة الضغط الأمني المتصاعد، ولم يُشكَّل المجلس التشريعي الانتقالي المفترض أن يراقب عمل الحكومة رغم مرور أكثر من سنتين كاملتين على توقيع الوثيقة الدستورية في أغسطس 2019، ولم تُعيَّن محكمة دستورية بديلة بعد حل السابقة، ولم تُمنح السلطات المحلية استقلالية إدارية حقيقية، رغم أن جميع الولايات الثماني عشرة كانت قد تسلمت ولاة معينين من الحكومة المدنية دون وزارات محلية فعلية تدعم عملها (Kurtz, 2024). وفي الوقت ذاته، تصاعد نفوذ قوات الدعم السريع – التي تعود جذورها المباشرة إلى ميليشيات الجنجويد العربية في دارفور والتي جندتها حكومة البشير لمحاربة التمرد المسلح هناك مطلع الألفية الثالثة مصحوباً بعنف ممنهج واسع ضد المدنيين – إلى حد أصبح فيه قائدها حميدتي نائباً فعلياً لرئيس المجلس السيادي، بينما ظل تيار مرتبط بنظام البشير الإسلامي المنحل محتفظاً بنفوذه العميق داخل قيادة الجيش النظامي وعلى البرهان نفسه، وهو ما جعل من المؤسستين الأمنيتين الكبريين فاعلين متكافئين تقريباً من حيث القوة العسكرية الفعلية، دون وجود سلطة عليا فاصلة بينهما أو خصم مشترك يوحدهما بعد إخراج المكون المدني بالكامل من المعادلة عقب انقلاب أكتوبر 2021 (Kurtz, 2024).
الدروس الواقعية والقابلة للتنفيذ في السودان
تفرض هذه القراءة التاريخية والنظرية المركبة جملة من الدروس التطبيقية المترابطة فيما بينها ترابطاً عضوياً لا يقبل التجزئة. أولها ضرورة نصوص دستورية لا تحتمل التأويل تحسم تبعية الجيش للسلطة المدنية بشكل قاطع دون صيغ “شراكة” ملتبسة تتيح للعسكر تفسير الغموض النصي لمصلحتهم كما حدث بالضبط في تجربة الوثيقة الدستورية السودانية لعام 2019. وثانيها أن الرقابة يجب أن تبدأ فعلياً من المؤسسات الدائمة – البرلمان المنتخب، ووزارة الدفاع ذات الطابع المدني، وأجهزة التدقيق المستقلة – لا من تفاهمات سياسية شفوية سريعة الانهيار كما أثبتت تجربة التصريح المشترك بين حمدوك والبرهان في نوفمبر 2021. وثالثها أن موازنة الجيش، بما فيها الشركات الاقتصادية والوحدات التابعة له وأبرزها في حالة قوات الدعم السريع شركة الجنيد لتعدين الذهب، يجب أن تخضع لرقابة مالية حقيقية وشفافة عبر آليات إفصاح إلزامية لا تبرعات “طوعية” رمزية كتلك المقدمة عام 2020.
ولا إصلاح أمنياً على الإطلاق بلا إخضاع الاستخبارات والقيادات العليا للقانون والمساءلة الفعلية بدل الإفلات التاريخي المتكرر من العقاب منذ استقلال السودان، ولا استقرار سياسي بلا خطة وطنية واضحة ومحددة زمنياً لدمج أو تفكيك القوى العسكرية الموازية كقوات الدعم السريع قبل أن تكبر إلى حجم يصعب معه أي حل تفاوضي متكافئ، تماماً كما حدث حين تضاعف تعداد هذه القوات ثلاث مرات تقريباً خلال أربع سنوات فقط بين 2019 و2023 (Kurtz, 2024). كما لا احتراف عسكرياً حقيقياً بلا إنهاء التسييس والولاءات الشخصية والاقتصادية داخل المؤسسة العسكرية بأكملها، ولا رقابة فعالة بلا إعلام حر ومجتمع مدني ومراكز بحث قادرة على المتابعة والتحليل المستقل، تماماً كما فعلت لجان المقاومة السودانية اللامركزية حين شكّلت شبكة رقابة شعبية واسعة لم يستطع أي من الفاعلين الرسميين المدنيين أو العسكريين تجاهلها بالكامل رغم كل محاولات الاحتواء.
كذلك فإن نجاح أي دعم خارجي مشروط بملكية محلية سودانية حقيقية وتدرج زمني وجدول زمني واضح للإصلاح، لا بمقاربة “الاحتواء بدل المحاسبة” التي انتهجها كثير من الشركاء الدوليين تجاه القطاع الأمني السوداني طوال الفترة الانتقالية، والتي انتقدها لاحقاً مسؤولون دوليون سابقون أنفسهم بعد فوات الأوان، ومن بينهم المبعوث الأمريكي الخاص السابق لمنطقة القرن الأفريقي جيفري فيلتمان الذي أقر صراحة بأن الإدارة الأمريكية “تجنبت فرض تبعات حقيقية على أفعال الإفلات المتكرر من العقاب التي كان يمكن أن تجبر على تغيير في الحسابات، واخترنا بدلاً من ذلك الاسترضاء والتكيف المتكرر مع أمراء الحرب، ظانين أن ذلك يمثل موقفاً براغماتياً بينما تبين لاحقاً أنه كان أقرب إلى التفكير الرغبوي” (Kurtz, 2024). ويستلزم ذلك أيضاً ربط أي إصلاح أمني بإعادة تعريف الاقتصاد العسكري وفك ارتباطه الكامل بالسيطرة السياسية، وإنشاء آلية وطنية دائمة لمتابعة إصلاح الجيش تضم مدنيين وخبراء وممثلين رقابيين مستقلين، مع إعطاء الأولوية القصوى لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع عبر حماية المدنيين ومنع الإفلات من العقاب على الجرائم الموثقة كتلك المرتكبة بحق قبيلة المساليت في دارفور والتي وصفها تقرير قانوني متخصص بأنها ترقى إلى جريمة إبادة جماعية (Kurtz, 2024)، والتعامل مع أي حالة طوارئ مستقبلية بوصفها استثناءً محدد الزمن بدقة لا قاعدة حكم دائمة. وأخيراً، يجب أن يسبق أي دمج أمني توافق سياسي واضح حول القيادة والاختصاصات، وأن تُبنى الرقابة على معرفة دقيقة بخرائط القوة السودانية الفعلية بدلاً من استيراد نماذج إصلاحية جاهزة من سياقات مختلفة تماماً، وأن يُنظر إلى السيطرة المدنية كمشروع طويل الأمد يمتد لعقد أو أكثر لا كإجراء سريع، هدفه النهائي جيش وطني واحد محترف خاضع للدستور ومحصور حصراً في مهمته الدفاعية الخارجية.
آفاق التطبيق: حزمة التدخلات المتكاملة وخارطة الطريق الواقعية والقابلة للتنفيذ في السودان
يستلزم أي مسار إصلاحي مستقبلي في السودان ترتيباً واقعياً صارماً للأولويات؛ فوقف الحرب الدائرة منذ أبريل 2023 يمثل شرطاً مسبقاً مطلقاً لا غنى عنه لأي عملية إصلاح أمني جادة، إذ لا معنى لمناقشة آليات الرقابة البرلمانية أو المالية في ظل استمرار قتال مفتوح بين الفاعلين الأمنيين الرئيسيين أنفسهم. وبعد ذلك مباشرة يأتي الإصلاح الدستوري الحاسم الذي يحدد بوضوح تبعية أي مؤسسة عسكرية موحدة مستقبلية للسلطة المدنية، ثم بناء المؤسسات الرقابية الدائمة، ثم الإصلاح المؤسسي التدريجي طويل الأمد للجيش والاقتصاد العسكري معاً.
تتشكل حزمة التدخلات المتكاملة المقترحة من خمسة مسارات متوازية يجب أن تتقدم معاً لا بالتتابع: أولها مسار أمني – عسكري يشمل صياغة قانون موحد جديد للقوات المسلحة يحل محل قانون 2007 وأي بقايا قانونية لقانون قوات الدعم السريع الملغى عام 2023، يحدد بدقة صارمة الاختصاص القضائي العسكري المقتصر حصراً على الجرائم العسكرية الداخلية دون الجرائم التي يرتكبها عسكريون بحق مدنيين، ويلغي الحصانات الفضفاضة التي منحتها قوانين 2007 و2008 و2010 مجتمعة، مع خطة زمنية ملزمة – لا مجرد تفاهم سياسي هش – لدمج أي قوات موازية متبقية ضمن هيكل قيادة عسكري موحد واحد خلال مدة زمنية محددة سلفاً بثلاث إلى خمس سنوات كحد أقصى تخضع لمتابعة دولية ومحلية مشتركة.
وثانيها مسار اقتصادي يشمل إخضاع كافة الشركات والصناديق الاقتصادية المرتبطة بالمؤسسة العسكرية – وعلى رأسها الشركات التابعة تاريخياً للجيش عبر هيئة الصناعات الدفاعية، وتلك التابعة سابقاً لقوات الدعم السريع كشركة الجنيد لتعدين الذهب – لهيئة رقابة مدنية مستقلة تتبع وزارة المالية مباشرة، مع نقل ملكيتها تدريجياً وإلزامياً إلى الخزانة العامة ضمن جدول زمني معلن، وحظر قانوني صريح على استمرار أي ضابط في منصبه العسكري مع احتفاظه بملكية أو إدارة فعلية لأي نشاط اقتصادي موازٍ. وثالثها مسار قانوني – قضائي يشمل تعيين محكمة دستورية مستقلة فوراً عقب أي اتفاق سياسي انتقالي جديد، وإنشاء آلية عدالة انتقالية متخصصة تتعامل مع الجرائم الموثقة في دارفور وغيرها من مناطق النزاع بما يشمل التعاون الكامل مع المحكمة الجنائية الدولية بخصوص مذكرات التوقيف الصادرة سابقاً بحق البشير وآخرين.
ورابعها مسار مؤسسي – رقابي يشمل تشكيل مجلس تشريعي انتقالي فعلي – لا مجرد نص دستوري معلق كما حدث بين 2019 و2021 – يضم لجنة دفاع وأمن مختصة بمساءلة القيادة العسكرية دورياً، إلى جانب إنشاء آلية وطنية دائمة لمتابعة إصلاح القطاع الأمني تضم ممثلين مدنيين وخبراء مستقلين وممثلين عن لجان المقاومة المحلية ومنظمات المجتمع المدني، لا الأحزاب السياسية التقليدية وحدها. وخامسها مسار دولي – إقليمي يشمل ربط أي دعم مالي أو مساعدات إعادة إعمار بمعايير واضحة وقابلة للقياس تتعلق بتقدم الإصلاح الأمني الفعلي، وفرض عقوبات مستهدفة ومحدثة باستمرار على الشبكات المالية الدولية التي تشتري الذهب من مصادر متصلة بالفاعلين المسلحين، وتوسيع حظر توريد السلاح الأممي المفروض حالياً على دارفور فقط ليشمل عموم الأراضي السودانية.
يتطلب تنفيذ هذه الحزمة تسلسلاً زمنياً واقعياً يبدأ بوقف إطلاق نار مستدام ومراقب دولياً، يعقبه في غضون ستة أشهر ترتيبات أمنية انتقالية واضحة تشمل فصل القوات المتحاربة جغرافياً، ثم حوار وطني شامل يمتد لعام إلى عامين حول مستقبل القطاع الأمني بمشاركة واسعة تتجاوز الفاعلين المسلحين أنفسهم لتشمل ممثلي لجان المقاومة والمجتمع المدني والمرأة والحركات المسلحة الأخرى في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، وصولاً إلى دستور دائم يحسم علاقة الجيش بالسلطة المدنية بشكل لا يحتمل التأويل خلال مدة لا تتجاوز ثلاث سنوات من توقيع أي اتفاق سلام شامل. ويستلزم ذلك بناء تحالف مدني عريض يتجاوز منطق المحاصصة الحزبية الضيقة الذي أضعف قوى الحرية والتغيير سابقاً وأدى إلى انقسامها الداخلي بين معسكرين متنافسين، أحدهما بقيادة الشيوعيين الرافضين لأي شراكة مع العسكر، والآخر بقيادة حزب الأمة القومي وحزب المؤتمر السوداني الداعين لشراكة تدريجية معهم (Kurtz, 2024).
تقتضي هذه الخارطة تصميم مراحل متدرجة وقابلة للقياس: مرحلة أولى (صفر إلى سنة) لوقف إطلاق النار وفصل القوات والإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين؛ مرحلة ثانية (سنة إلى ثلاث سنوات) لصياغة الإطار الدستوري الجديد وتشكيل الآلية الوطنية لإصلاح القطاع الأمني وبدء إخضاع الاقتصاد العسكري للرقابة المدنية تدريجياً؛ مرحلة ثالثة (ثلاث إلى سبع سنوات) لتنفيذ خطة الدمج أو التسريح الشامل للقوات الموازية وإجراء انتخابات عامة حرة تفضي إلى حكومة مدنية كاملة الصلاحيات؛ ومرحلة رابعة طويلة الأمد (سبع سنوات فأكثر) لترسيخ الاحتراف العسكري المؤسسي وبناء ثقافة سياسية داعمة للسيطرة المدنية بشكل دائم. ويستلزم نجاح هذه الخارطة تحويل كل درس من الدروس المستخلصة أعلاه إلى مؤشر متابعة كمي محدد – كنسبة الإيرادات العسكرية الخاضعة فعلياً للرقابة المالية المدنية، وعدد الضباط المحاسَبين قضائياً عن انتهاكات موثقة، ونسبة مقاعد المجلس التشريعي المشغولة فعلياً – بدل الاكتفاء بإعلانات مبادئ عامة فضفاضة سرعان ما تتبخر أمام أول اختبار حقيقي لموازين القوى الفعلية على الأرض، كما أثبتت التجربة الانتقالية السودانية مرتين متعاقبتين خلال أقل من خمس سنوات.
الخلاصة
تكشف هذه الدراسة أن السيطرة المدنية على الجيش ليست حالة نهائية تتحقق بمجرد صدور نص دستوري معلن، بل عملية مركبة ومستمرة تتطلب توازناً فعلياً في موارد القوة الأمنية والاقتصادية والقانونية والشعبية بين الفاعلين المدنيين والعسكريين، وآليات رقابة متعددة المستويات تشمل البرلمان والقضاء والإدارة والمجتمع المدني معاً في منظومة واحدة متكاملة لا تحتمل التجزئة. وتؤكد المقاربة النظرية المركبة – التي جمعت بين أطروحة هنتنغتون الكلاسيكية عن الاحتراف الموضوعي، ونقد فيفر القائم على نظرية الوكالة، والبعد السوسيولوجي عند جانوفيتز – أن مركزية السيطرة والرقابة في بناء الدولة الحديثة ليست مسألة تقنية هامشية بل هي جوهر السؤال السياسي الأكبر: من يملك حق احتكار العنف المشروع، ولمن يخضع هذا الاحتكار في نهاية المطاف.
وتؤكد الحالة السودانية بجلاء تام أن الفصل بين الجيش والسياسة والاقتصاد ليس شرطاً تقنياً هامشياً بل هو جوهر أي إصلاح ناجح، إذ إن استمرار المؤسسة العسكرية وقوات الدعم السريع معاً كفاعلين اقتصاديين مستقلين تماماً عن أي رقابة مدنية فعلية كان الأساس البنيوي العميق الذي مكّن كليهما من تجاوز أي اتفاق سياسي بمجرد أن رأى أي منهما مصلحة آنية في ذلك. ويمثل السودان بهذا المعنى حالة اختبار قاسية وبالغة الدلالة لمستقبل الحوكمة الأمنية في الدول الهشة عموماً، حيث تتحول المنافسة على موارد الدولة نفسها إلى منافسة مسلحة مفتوحة ما لم تُبنَ مؤسسات فاصلة راسخة بين القوة العسكرية والقرار السياسي. وتبقى أولوية البحث والتطبيق المستقبلي منصبة على سؤالين مترابطين عضوياً: كيفية إنهاء الحرب الحالية دون تكريس شرعية سياسية دائمة لأي من القوى المسلحة المتصارعة على حساب المكون المدني بالكامل، وكيفية بناء مسار إصلاح أمني يتعلم فعلياً من إخفاقات التجربة الانتقالية بين عامي 2019 و2021 بدل تكرارها بأشكال متجددة في أي مسار تفاوضي مستقبلي.
خاتمة نقدية
رغم اتساع الأدبيات النظرية المتاحة حول العلاقات المدنية العسكرية، فإن تطبيقها على الحالة السودانية يواجه حدوداً منهجية ينبغي الإقرار بها بوضوح لا التستر عليها؛ فالنماذج الكلاسيكية – سواء أطروحة هنتنغتون عن الاحتراف الموضوعي أو نظرية الوكالة عند فيفر – صيغت أساساً بناءً على تجارب ديمقراطيات مستقرة نسبياً كالولايات المتحدة، حيث تُفترض أصلاً شرعية مؤسسية راسخة للسلطة المدنية لا تتوفر بالقدر نفسه في سياق دولة ما بعد استعمارية هشة كالسودان شهدت انقلابات متكررة منذ عام 1958 وحتى اليوم. ومن هنا فإن أي تطبيق ميكانيكي لهذه النماذج دون مراعاة خصوصية بنية الاقتصاد السياسي السوداني – وتحديداً اندماج القوة العسكرية بالثروة الاقتصادية عبر شبكات معقدة من الذهب والعقارات والتجارة، وتعدد الولاءات القبلية والجهوية داخل الجهاز الأمني نفسه – يظل تطبيقاً منقوصاً معرض لتفسير الظاهرة السودانية بأدوات لم تُصمم أصلاً لالتقاط تعقيدها الفعلي.
كما ينبغي الإقرار بأن هذه الدراسة، رغم اعتمادها على مصادر بحثية موثقة وحديثة نسبياً، تظل محكومة بحدود اللحظة الزمنية التي كُتبت فيها، في ظل استمرار تطور ميداني وسياسي متسارع للحرب السودانية لم تتضح بعد نتائجه النهائية بحلول مطلع عام 2026، بما في ذلك مآلات المفاوضات المتعثرة بين الأطراف المتحاربة، ومصير المبادرات الإقليمية والدولية المتعددة والمتنافسة أحياناً فيما بينها (منبر جدة، مسار الاتحاد الأفريقي، الإيغاد)، وهو ما يستلزم من أي قارئ لهذه الدراسة متابعة مستمرة للمستجدات الميدانية والسياسية بدل التعامل مع تحليلها بوصفه خلاصة نهائية جامدة. وأخيراً، فإن أي حزمة تدخلات إصلاحية – مهما بلغت دقتها النظرية – تظل مرهونة في نهاية المطاف بإرادة سياسية فعلية لدى الفاعلين المحليين أنفسهم، وهي إرادة أثبتت التجربة السودانية المتكررة أنها أقل حضوراً بكثير من حضور المصالح الاقتصادية والسياسية الضيقة لدى كل من الفاعلين المدنيين والعسكريين على حد سواء، وهو ما يستوجب حذراً منهجياً من أي تفاؤل مفرط بشأن قابلية التنفيذ الفعلية لأي من التوصيات الواردة أعلاه في غياب تحول جذري وحقيقي في موازين القوى الداخلية نفسها.
المراجع
- Ben Hammou S. The varieties of civilian praetorianism: evidence from Sudan’s coup politics. Armed Forces & Society [Internet]. 2023 [تاريخ الوصول: 25 يوليو 2026].
- Berridge W. Civil uprisings in modern Sudan: the “Khartoum Springs” of 1964 and 1985. London: Bloomsbury Academic; 2015.
- Berridge W, Brown J, Justin PH, Kodouda A. Sudan’s unfinished democracy: the promise and betrayal of a people’s revolution. London: Hurst & Company; 2022.
- Born H, Leigh I. Parliamentary oversight of the security sector: principles, mechanisms and practices. Geneva: DCAF; 2005.
- Dabanga Radio TV Online. RSF dissolved: Sudan legal expert questions constitutional decree [Internet]. 2023 [تاريخ الوصول: 25 يوليو 2026].
- De Waal A. The real politics of the Horn of Africa: money, war and the business of power. Cambridge: Polity; 2015.
- European Union Agency for Asylum. Country guidance: Sudan – the Sudanese authorities [Internet]. 2024 [تاريخ الوصول: 25 يوليو 2026].
- Feaver PD. Armed servants: agency, oversight, and civil-military relations. Cambridge (MA): Harvard University Press; 2003.
- Huntington SP. The soldier and the state: the theory and politics of civil-military relations. Cambridge (MA): Belknap Press; 1957.
- Janowitz M. The professional soldier: a social and political portrait. Glencoe (IL): Free Press; 1960.
- Kurtz G. Power relations in Sudan after the fall of Bashir: from revolution to war. Berlin: Stiftung Wissenschaft und Politik; 2024 [تاريخ الوصول: 25 يوليو 2026].
- Mada Masr. Sudan Nashra: Burhan brings all allied forces under military law [Internet]. 2025 [تاريخ الوصول: 25 يوليو 2026].
- Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights (OHCHR). Special procedures communication regarding amendments to Sudan’s Armed Forces Act 2007 [Internet]. 2013 [تاريخ الوصول: 25 يوليو 2026].
- Rapid Support Forces Act, 2017 (Sudan). [Internet]. 2017 [تاريخ الوصول: 25 يوليو 2026].
- Sudan. Armed Forces Act, 2007.
- Sudan. National Security Act, 2010.
- Tubiana J. Remote-control breakdown: Sudanese paramilitary forces and pro-government militias. Geneva: Small Arms Survey; 2017.
- Verhoeven H. Surviving revolution and democratisation: the Sudan Armed Forces, state fragility and security competition. Journal of Modern African Studies. 2023;61(3):413-437.
- World Peace Foundation. Sudan’s new war and prospects for peace [Internet]. 2024 [تاريخ الوصول: 25 يوليو 2026].
