بقلم: شان ديل دوت
أثار الحوار الذي أجراه الصحفي الكيني الشهير جيف كوينانغي، العامل في قناة Citizen TV، مع فخامة رئيس جمهورية جنوب السودان، الفريق أول سلفا كير ميارديت، جدلًا واسعًا وتساؤلات عديدة حول أسباب منح وسائل الإعلام الأجنبية فرصًا أكبر لمحاورة الرئيس، في مقابل تجاهل وسائل الإعلام الوطنية أو المحلية.
وقد برزت عدة تساؤلات في هذا السياق، منها: هل الإعلام الوطني مؤهل لإجراء حوار مع رئيس الجمهورية؟ وهل يوجد صحفيون وإعلاميون وطنيون يمتلكون الكفاءة والخبرة لإدارة مثل هذه المقابلات؟ وذهب البعض إلى أبعد من ذلك بالقول إن مؤسسة الرئاسة لا تثق في الإعلام الوطني ولا ترى فيه القدرة على إجراء حوار مع الرئيس.
في هذا المقال، أحاول الإجابة عن هذه التساؤلات، التي أرى أن بعضها ينطوي على انتقاص غير مبرر من مكانة الإعلام الوطني وكوادره.
وبوصفي أحد الإعلاميين والصحفيين الوطنيين الذين عملوا مع صحف ووكالات إعلامية محلية وعالمية، وزاملت عددًا كبيرًا من الصحفيين على مدى قرابة أربعة عشر عامًا، قبل مغادرتي البلاد أواخر عام 2023، أؤكد أن من يشككون في قدرة الإعلام الوطني يفتقرون إلى المعرفة بتاريخ الصحافة في جنوب السودان وتطورها.
ولو كان هؤلاء على دراية بتاريخ الصحافة الوطنية، وخاصة مرحلة ما بعد الاستقلال، وعرفوا رؤساء تحرير الصحف العربية والإنجليزية الذين أسهموا في تأسيس الصحافة الحديثة في البلاد، لما شككوا في كفاءة الإعلام الوطني.
ومن أبرز تلك التجارب صحيفة المصير اليومية، التي صدر عددها الأول في ٢٢ فبراير2011، برئاسة تحرير الأستاذ والصحفي القدير أتيم سايمون مبيو، الذي يُعد من الشخصيات الرائدة في الصحافة الوطنية، وأول رئيس تحرير لأول صحيفة عربية يومية في جنوب السودان.
ولا يخفى على أحد الدور الذي لعبته صحيفة المصير في تخريج كوادر صحفية أصبحت اليوم تتبوأ مواقع مهمة في المؤسسات الإعلامية ومؤسسات الدولة، فضلًا عن إسهاماتها في الحراك الثقافي والإعلامي.
ومن هذا المنطلق، كانت الصحيفة مؤهلة لإجراء حوار مع فخامة الرئيس، وقد تقدمنا بالفعل، عندما كنت أعمل فيها، بطلب رسمي لإجراء مقابلة مع الرئيس خلال فترة السكرتير الصحفي السيد أتينج ويك أتينج، إلا أن الطلب لم يحظ بأي رد.
ولم تكن صحيفة المصير وحدها، بل كانت هناك صحف وطنية أخرى يقودها صحفيون كبار، مثل الراحل الأستاذ ألفريد تعبان لوقوني، رئيس تحرير صحيفتي Khartoum Monitor وJuba Monitor، والأستاذ نيال بول رئيس تحرير صحيفة The Citizen، والأستاذ الراحل لام كوي رئيس تحرير صحيفة المستقبل، إضافة إلى صحيفتي صوت الشعب والوحدة بقيادة الأستاذ أبراهام مليك، وصحف بحيرات بختان والموقف والوطن الآن بقيادة الأستاذين مثيانق شريلو ومايكل ريال.
كل هذه المؤسسات، بقياداتها الصحفية، كانت تمتلك الكفاءة المهنية لإجراء مقابلات مع رئيس الجمهورية أو أي رئيس في العالم، متى ما أتيحت لها الفرصة من قبل مؤسسة الرئاسة.
أما على مستوى الكوادر الإعلامية، سواء في هيئة إذاعة وتلفزيون جنوب السودان (SSBC) أو في المؤسسات الإعلامية المستقلة، المحلية والأجنبية، فقد ضمت البلاد إعلاميين وصحفيين مشهودًا لهم بالكفاءة والاحترافية، ومنهم الأستاذ قبريال جوزيف شدار، والأستاذ دينقديت أيوك، والأستاذ الهادي هواري، وأجو مرينق، وقرنق جون، وغيرهم من الإعلاميين الذين عملوا وما زال بعضهم يعمل في المجال الإعلامي.
كما أن هناك عددًا كبيرًا من الصحفيين الجنوبيين الذين يعملون في مؤسسات إعلامية دولية، مثل أويت باتريك، ونيكولا منديل، ودينس ديمو، والراحل مايكل كوما، وغيرهم.
أما في الإعلام العربي، فيبرز اسم أستاذي وعميد الإعلاميين الجنوبيين الأستاذ عادل فارس مياط، الذي يُعد أول صحفي جنوبي يجري مقابلة مع الزعيم الراحل الدكتور جون قرنق دي مبيور، كما كان أول إعلامي جنوبي يعمل لصالح مؤسسة إعلامية أجنبية يجري حوارًا مع الرئيس سلفا كير بعد الاستقلال، وذلك عام 2014 لصالح قناة الجزيرة.
وقد تشرفت بأن أكون ضمن الفريق الذي ساهم في ترتيب تلك المقابلة، إلى جانب المصور الصحفي بيتر لويس، في وقت كان المصور الرئيسي جوزيف دينق في مهمة بجنوب أفريقيا مع مراسل الجزيرة هيثم أويت.
وقد أتاح ذلك الحوار لي فرصة مصافحة فخامة الرئيس لأول مرة والتعرف إليه، والتقاط صورة تذكارية بعدسة مصور الرئاسة الأستاذ ليمي.
لقد تم ذلك بفضل دعم السكرتير الصحفي آنذاك السيد أتينج ويك أتينج، الذي كان من أكثر المسؤولين تعاونًا مع الصحفيين، إذ شهدت فترته تنظيم مؤتمرات صحفية وإتاحة الفرصة للصحفيين الوطنيين لطرح أسئلتهم مباشرة على رئيس الجمهورية، وهو أمر لم يتكرر كثيرًا في الفترات اللاحقة.
إن استعراض هذا التاريخ المختصر يهدف إلى إثبات أن جنوب السودان يمتلك مؤسسات إعلامية وكوادر صحفية مؤهلة لإجراء حوارات رفيعة المستوى مع رئيس الجمهورية، وأن القضية ليست قضية كفاءة أو قدرة مهنية.
وأختم إلى أن غياب المقابلات الصحفية بين الرئيس ووسائل الإعلام الوطنية طوال السنوات الماضية لا يعود إلى ضعف الإعلام الوطني، وإنما إلى سياسة مؤسسة الرئاسة، وبالأخص مكتبها الصحفي، الذي لم يمنح الإعلام الوطني الفرصة الكافية، رغم اعتماده المستمر عليه في تغطية أنشطة الرئاسة ونقل أخبارها.
ولو أدرك المكتب الصحفي أهمية الإعلام الوطني ودوره في تعزيز التواصل بين القيادة والشعب، لمنح الأولوية لمراسلي وسائل الإعلام الوطنية، وعلى رأسها التلفزيون القومي، لإجراء مقابلات دورية مع رئيس الجمهورية، خصوصًا في ظل المرحلة الدقيقة التي تمر بها البلاد، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
إن تعزيز الثقة في الإعلام الوطني ليس خدمة للصحفيين وحدهم، بل هو خدمة للدولة ولمؤسساتها، ورسالة إيجابية تعكس احترام الكفاءات الوطنية، وتؤكد إيمان الدولة بدور الإعلام في بناء الوطن.
ليبارك الله جمهورية جنوب السودان وشعبها.
dutdeal45@gmail.com
