عبد الله علي إبراهيم
صدر في 2002 كتاب ذكي جداً عن الأندلس بقلم الدكتورة ماريا روس منوكال عنوانه “زينة العالم: كيف تناصر المسلمون واليهود والمسيحيون علي خلق ثقافة من التسامح في اسبانيا القرون الوسطي”. وأراد الكتاب القول أن حتمية صراع الحضارات فكرة مجازفة. وكان دليل الكاتبة علي غلو الفكرة أنه نهضت في الأندلس حضارة إسلامية وسعت المسيحيين واليهود منذ القرن العاشر الميلادي حتي سقوطها في 1492. وقد ردت الفضل في نشأة هذه الحضارة الي ما قد يستغربه أو يستنكره أهل الحداثة علي أيامنا هذه. فقد قالت أن الذي شيد التسامح الديني في الأندلس هو نظام الذمة الإسلامي الذي لا يبغض حداثيو إسلام مثل سيرته. فقد قالت أن هذا النظام، علي علاته المعروفة، كان هو القانون الذي نظم التعايش السلمي الحضاري لليهود والمسيحيين في ظل السيادة الأسلامية. وقد لطف من غلظته في تحجيم الآخر المشاهدة أريحية الأمويين وعلو ذوقهم وفصلهم الذكي بين الدولة والدين.
ولم يستجب كل من المسيحيين واليهود بذات الحماسة لنظام الذمة. فقد كان اليهود الأسرع الي الترحيب به لأنه كفل لهم حق التعبد علي دينهم. وهو حق حرمهم منه حكام أسبانيا المسيحيون قبل قيام دولة الأندلس. وهذا ما اقر به به الدكتور برنارد لويس الذي قال إن اليهود كانوا أكثر أمناً تحت حكم المسلمين منهم تحت حكم المسيحين الأوربيين حضنة بذرة العداء للسامية الأولي. وقد أتت الكاتبة بسيرة أعلام من اليهود فرهدوا في ظل غصن الأندلس الرطيب. ومن هؤلاء هاسداي بن شربوت أمير اليهود. فقد تعلق قلبه هو وقومه باللغة العربية التي جعلها الأمويون لغة للجميع وللثقافة. وقد ترأس هاسداي لجنة لتعريب كتاب يوناني عن الطب أهداه ملك بيزنطه لملك الأندلس. ولما أنفصلت الأندلس عن خلافة بغداد جاراهم يهود الأندلس بالانفصال من أحبار العراق أيضاً.
وأقبل المسيحيون علي الإسلام وأخذت بلبهم اللغة العربية التي وسعت ثقافتهم بأفضل مما وسعتها اللاتينية الغارقة في ملغزات الكهنوت. وقد أخذوا أول ما اخذوا من فن الموشحات العربي الطارئ في الأندلس وأفترعوا منه فن التروبادور (المغني الجوال) الذي شاع في أوربا. وقد استفزت هذه الطلاقة المسيحية المحافظين منهم. وسموا خلعاءهم “مزآراب” لتحقيرهم لإرادتهم أن يكونوا عرباً. وقال كاتب محافظ واحسرتاه علي شبابنا الذين اشتغلوا بالعربية وراحوا يسعون مكتبات منها. وتندم على أن هؤلاء الشباب قد هجروا أدب مسيحيتهم وأستصغروه ونسوا لسان أمهم. وسرعان ما أنتقل المحافظون من الحسرة الي المواجهة. وخرج نفر قليل منهم يطلبون الأستشهاد بسب صلي الله عليه وسلم جهاراً. ونالوا ما ابتغوا.
أعادني هذا الكتاب الي كلمة للدكتور الترابي نوهت بها مراراً. فكان قال إن الغرب يتفاخر بمواثيق حقوق الأنسان المدنية لأن دينه لم يلجمه دون استئصال الآخر بمثل فقه الذمة علي بؤسه بمقاس العصر. وقد رأينا في أبو غريب وغيرها عبر التاريخ كيف أن عهود حقوق الإنسان الوضعية قلما صمدت أمام أطماع الغرب أو وساوسه. فعداء السامية كما تجسد في محرقة اليهود في المانيا لا يكشف قلة الوازع الديني لحفظ كرامة الآخر فحسب بل وسوسة الدين نفسه من هذا الآخر. فقد قال جان بول سارتر، الفيلسوف الفرنسي المعروف، إن ما يوحد اليهود ليس وشيجة الدين أو التاريخ أو أرض الميعاد بل اشتراكهم في حالة أنهم منفيون في وطن-أمة تعزلهم كيهود وتتهمهم بمقتل ربها. وتساءل سارتر إن كان أي منا قد توقف ليفكر عن مدي معاناة من يقطن بلداً يعبد أهله الرب الذي هو متهم بقتله. وهذا إرث ثقافي مسيحي قديم ورثته الدولة الوطنية الأوربية وثقفته بالمحارق والتجارب الطبية الخرقاء علي أجساد اليهود في المانيا. وفي الإثارة التي صحبت فيلم “عذابات المسيح” أصداء من كل هذا التاريخ.
في 1492 وقع حدثان هامان. استرد المسيحيون الأسبان الأندلس ومول ملكهم رحلات كريستوفر كولمبس الذي اكتشف الأراضي الجديدة. ومعلوم أن أهلها ذاقوا الأمرين من قدوم الغربيين لبلادهم. وصدر في نفس الوقت مرسوم الطرد الذي قضي أن يترك أسبانيا كل مسلم ومسيحي لا يرغب في التحول عن دينه الي المسيحية. وطال هذا الإضطهاد المسيحيين أنفسهم من بعد بواسطة محاكم التفتيش الدينية المشهورة التي أخذت تحقق في صفاء دينهم وصحته. وهذا خرائب الأندلس الغراء.
ibrahima@missouri.edu
