د. صلاح أحمد الحبو
لا تنهار الدول لأن الحروب تندلع، بل لأن بنيتها المؤسسية تعجز عن التعلم منها. فالحرب ليست بداية الأزمة، وإنما لحظة انكشافها؛ إذ تكشف أن الأدوات التي أدارت الدولة زمناً طويلاً لم تعد قادرة على إدارة الواقع الذي صنعته هي نفسها. ومن هنا ينشأ ما يمكن تسميته “فخ الأدوات التاريخية” (Historical Tools Trap)؛ وهو استمرار النخب في توظيف الأدوات السياسية والدستورية والمؤسسية ذاتها التي راكمت الأزمة، مع توقع نتائج مغايرة.
هذا الفخ لا يتمثل في التمسك بالماضي، بل في إسقاط منطقه على واقع تغيّرت شروطه. فكل منعطف تاريخي يعيد تعريف الدولة، ويجعل نجاحها مرهوناً بقدرتها على تغيير أدواتها قبل تغيير خصومها. أما حين تتبدل الوقائع وتبقى آليات التفكير وصناعة القرار على حالها، فإن التاريخ يتحول من مصدر للتعلم إلى آلية لإعادة إنتاج الفشل.
في هذا السياق، لا تبدو الأزمة السودانية مجرد صراع على السلطة، بل أزمة نموذج في بناء الدولة. فقد كشفت الحرب هشاشة المؤسسات، وضعف الشرعية، وغياب العقل المؤسسي القادر على إدارة الاختلاف داخل إطار الدولة. ومع ذلك، لا يزال جزء معتبر من الخطاب السياسي يبحث عن المستقبل بالمفردات والآليات التي أسهمت في تفكيك الحاضر؛ وكأن تغيير الحكومات يغني عن تغيير قواعد الحكم.
وهنا يكمن جوهر الفخ. فالأدوات التي صيغت لإدارة أزمات الأمس لا تصلح لبناء دولة ما بعد الحرب. ولا يمكن إعادة إنتاج الشرعية بمنطق المحاصصة، ولا استعادة الدولة بعقلية الغلبة، ولا بناء المؤسسات عبر التسويات المؤقتة التي تُوازن القوى أكثر مما تؤسس للقانون. إن إعادة تدوير الأدوات لا تعني سوى إعادة تدوير الأزمة.
ويختلف فخ الأدوات التاريخية عن مفهوم الاعتماد على المسار (Path Dependence)؛ فالأخير يفسر استمرار المؤسسات بفعل تراكم الخيارات السابقة، أما الأول فيفسر إخفاق النخب في إدراك أن تلك الأدوات فقدت صلاحيتها التاريخية. إنه لا يصف استمرارية المؤسسات فحسب، بل يكشف عجز العقل السياسي عن إنتاج أدوات تناسب التحولات الجديدة.
ومن هنا تبرز أهمية الذكاء التاريخي للدولة؛ لا باعتباره معرفة بالماضي، بل قدرة مؤسسية على التمييز بين ما يجب أن يبقى من التجربة التاريخية وما يجب تجاوزه. فالدول التي تنهض بعد المنعطفات الكبرى لا تستبدل الحكام فحسب، وإنما تعيد تصميم قواعد الحكم، وتبني شرعية دستورية مستقرة، وتحصن استقلال المؤسسات، وتعيد تأسيس العلاقة بين السلطة والدولة على أساس القانون لا موازين القوة.
إن التحدي الحقيقي أمام السودان ليس إنهاء الحرب وحده، وإنما إنهاء العقل الذي جعل الحرب ممكنة. فإعادة الإعمار تبدأ بإعادة بناء المؤسسات قبل المباني، واستعادة الثقة قبل السلطة، وإصلاح قواعد الدولة قبل توزيع المناصب. أما الاكتفاء بتغيير الوجوه مع الإبقاء على الأدوات ذاتها، فلن ينتج سوى دورة جديدة من عدم الاستقرار.
إن أخطر ما يواجه الدول في لحظات التحول ليس نقص الموارد، بل فائض اليقين بأن أدوات الماضي ما تزال صالحة للمستقبل. وحين يصبح الماضي مرجعاً للحلول بدلاً من أن يكون موضوعاً للنقد، تدخل الدولة فخ الأدوات التاريخية؛ حيث يتكرر الفشل بأسماء جديدة، بينما تبقى البنية المنتجة له على حالها.
لذلك، فإن مستقبل السودان لن يتحدد بمن يحكم، وإنما بكيفية بناء الدولة. فالتاريخ لا يعيد نفسه بذاته، وإنما تعيده النخب عندما تصر على إدارة المستقبل بالأدوات التي صنعت أزمات الماضي
habobsalah@gmail.com
