بقلم / عمر الحويج
لم يكن مسرح السرايا بسجن كوبر مجرد خشبة للعرض ، بل كان في تلك الأيام ذاكرةً حيّةً تنبض برائحة النضال ، وشاهدًا على واحدة من أكثر مراحل السياسة السودانية اضطرابًا . ومن ذلك المكان ، ونحن نستعيد ذكرى إنقلاب التاسع عشر من يوليو ، الذي سمي في حينه بالتصحيحي ، ذلك اليوم الذي بدأ بانقلابٍ أبيض وانتهى بحماماتٍ من الدم ، نعود إلي تفاصيل تجربة مسرحية ما زالت حاضرة في الوجدان ، لا لأنها كانت عملًا فنيًا فحسب ، بل لأنها كانت محاولةً لتوثيق التاريخ وهو لا يزال ساخنًا ، واستخلاص ما فيه من دروس وعبر في ذلك المسرح ، الذي شيده بإبداع الفنان التشكيلي بشير عبد الرحيم “زمبا”، وعاش بين جدرانه المعتقلون لحظاتٍ نادرة من الفن والأمل، بدأت واحدة من أجمل ذكرياتي ، وهي الذكريات التي أسردها هنا كما احتفظت بها الذاكرة، بما بقي فيها من أسماء وأحداث ، وبما غاب عنها بفعل السنين
أذكر قدمنا أنا والصديق الفنان التشكيلي بشير عبدالرحيم “زمبا” مسرحًا كان حدثًا لشهور ، لأن الشكل الخارجي قبل مضمون العمل ، ذلك المسرح الذي بناه وشيد خشبته الفنان “زمبا ” مسرحًا لايقل عن المسرح القومي الامدرماني” مع الفارق بين المكانين” تصميم الرائع الفنان زمبا ، كان أيضًا بستارة وإضاءة وديكور وخشبة أدهش حتي الشرطة التي وصلتنا تعليقاتها ، أما العمل نفسه الذي استغرق أكثر من ساعة ونصف الذي قدمناه فقد كان من المسرح التسجيلي او مسرح الشارع ، أخذت فكرته من المسرحية التي ألفها البروف عبدالله علي أبراهيم “في شارع القصر” التي أخرجها صديقنا المخرج المصري الفلتة الذي رافقنا طيلة مرحلة “اباداماك” صلاح قولة ، وقام بأدائها مجموعة من شباب أبادماك ، مسرحيتي بدون اسم ، وإن كان مسرحها أحداث 19 يوليو ، وهذا يكفي كعنوان لها ، وقد كانت مليئة بالأحداث والشخصيات القائمة على نضالات الحركة الوطنية وفي قلبها الحزب الشيوعي ، كنا نجلس أنا والدكتور عبد القادر الرفاعي رحمه الله بالساعات ، وبيننا باب الحديد بين السرايا وأحد أقسام السجن ، لا أذكر أيها كان ، نتذاكر هذا التاريخ وما شاء الله كان الدكتور عبد القادر ، صاحب ذاكرة حديدية بتصويره للحدث كاملًا فكرة وشخوصًا ومناسبة ، كما امدنا الراحل خليل الياس وعبد الرحمن احمد “جريدة الميدان” وصديقنا الشاعر مبارك حسن خليفة وآخرون ، بكل ما في ذاكرته وصغناها في قالب مسرحي وسرد شاعري وحوارات فكرية ، اداها ما أقل من عشرة من شباب المعتقل ، استحضر بعضهم الشهيد عبدالخالق واخر الشهيد الشفيع وآخر الشهيد جوزيف قرنق ، وحتي تجسيد شخصية الراحلة فاطمة السمحة ، بثوبها ناصع البياض كقلبها الأبيض . من ملاحظات ذلك العمل أيضًا أذكر عملت مقدمة بصوتي فقط ، والستارة مغلقة لم تفتح بعد لبدء العرض ، أذكر لامني بعدها الصديق الشيخ عووضة ، لماذا لم تعيدها مرة أو مرتين أو حتى ثلاث مرات هذه المقدمة الدسمة ، حين أتاك المصفقون بحماس فقد كانت شاعرية الحرف والمعنى ، تمنيت لو كانت في الذاكرة حتى الآن “طبعا كنا وقتها مستجدين مسرح ولا زلنا دون قواعد ” أيضًا من تفاصيل العمل حين كسرنا الحائط الرابع وأذكر للآن الزميل قندول ” وعذرًا لتسرب الاسم الكامل من الذاكرة بفعل الزمن” وهو يخرج من وسط المعتقلبن بصوته المسرحي الجهوري ليقدم لمحجوب شريف بواحدة من قصائده الجديدة ذلك الوقت ، والدهشة الأخرى كانت أيضًا من نصيب العسكر حين استفسرونا من أين كانت تلك المرأة التي كانت بينكم وكان الزميل السر من اولاد كوبر حيث ادى دور المرأة المناضلة “كنداكة ذلك الزمان” . ظل المعتقلون يحثونا لتكراره بعمل مسرحي آخر . وشرعنا فعلًا أنا والراحل ميرغني الشائب وطبعًا أمامنا بشير زمبا الذي تفرغ حينها لتجهيز خشبة المسرح ، وبدأنا في إعداد فصل من مسرحية ثورية لا اذكر عنوانها ” فيها اخترع لنا زمبا ، صوت لحركة دبابات كانت جزءًا من البروفات اليومية ، ما أذكره أنها كانت تسبب الكآبة للآخرين رغم ضرورتها” إلا أن العائق الوحيد والجميل والمبهج الذي حال دون اكتمالها تلك المسرحية ، كانت حركة اطلاقات السراح في ذروتها لمعتقلي السنين من سجن كوبر .
omeralhiwaig441@gmail.com
