تأمُلات
كمال الهِدَي
أيعقل يا نادر أن ينتهي كل ذلك التضامن الذي حظيت به من الزملاء إلى عبارة مثل: “علاقتي بالعليقي علاقة قوية وممتدة، وصلت حد الملح والملاح، وما حدث أعتبره قدراً انتهى بشره”؟
وبالطبع لا أعني بهذا أي دعوة للخصومة أو للاستمرار في العداء الذي نشأ بينكما، فما أقصده أبعد ما يكون عن ذلك. فالصلح خير، ولا خلاف على هذه الحقيقة.
لكنني لاحظت أن عدداً من زملاء المهنة انبروا للدفاع عن قضيتك، وعن نفسي أشرت إلى ما حدث، وأكدت اختلافي مع العبارات التي وردت في مقالاتك بحق العليقي، وأن من حقه اللجوء إلى القضاء، لكن دون شماتة أو تشفٍ كما حدث معك.
ولهذا، عندما طالعت كلماتك بالأمس، انتابتني حالة من خيبة الأمل، ليس لأنكما تصالحتما، وإنما لأن ما خطه قلمك أكد لي قناعة راسخة لدي، وهي أن أكثر ما يسيء إلى صحافتنا الرياضية ويفقدها ثقة الإداريين والقراء هو غياب المبدئية في التعامل مع القضايا العامة.
فلو تناولنا الشأن العام بجدية وأمانة، ووجهنا نقدنا للمقصرين والمفسدين بموضوعية ولغة رصينة، لما وجد أحد فرصة للتطاول علينا. فعندما نختلف مع من يديرون الهلال حالياً، بدءاً من السوباط، ومروراً بالعليقي، وانتهاءً بأصغر عضو في المجلس، ينبغي أن يظل خلافنا محصوراً في طريقة إدارة النادي وما يقدمه هؤلاء من أداء. عندها لن نحتاج يوماً إلى تقديم اعتذار لأحد، ولن يجد غيرنا نفسه مضطراً لتقديم شكاوى ضدنا، ثم تتدخل أطراف من هنا وهناك لاحتواء الأزمة.
لم تقنعني كلماتك عن “العلاقة التي وصلت حد الملح والملاح”، وأن ما حدث بينكما كان مجرد قدر. فهذا حديث فضفاض لا يليق بنا، نحن الذين نقدم أنفسنا كنقاد وقادة رأي. فليس هناك ما يجبرنا على استخدام مفردات جارحة في حق الآخرين، ثم نعود لاحقاً لنعزوها إلى القدر.
نحن نمسك بالقلم، أو نجلس أمام لوحة المفاتيح، للتعليق على أحداث وانتقاد ممارسات نراها سالبة، ونحن في كامل وعينا واستقرارنا النفسي، ولسنا في أجواء مباراة كرة قدم حتى تدفعنا الانفعالات إلى تجاوز حدود اللياقة، فنضطر بعد ذلك إلى الاعتذار أو التبرير. لذلك لا يمكن تبرير استخدام عبارات مسيئة، خاصة تجاه أشخاص تربطنا بهم، بحسب قولك، “علاقة الملح والملاح”، إلا إذا كان ذلك عن قصد.
وعندما يكتب زميل دفاعاً عن زميل تعرض لما تعرضت له، فإن ذلك ينبغي أن يكون دفاعاً عن مبدأ، لا عن شخص. فالقضية ليست نادر أو العليقي، وإنما حق الصحفي في أن ينتقد من يرى أنه يستحق النقد، دون خوف أو تضييق. ولهذا يصعب تقبل أن يتحول النقد إلى إشادة، ما لم تتغير الظروف والمعطيات التي استند إليها ذلك النقد.
وفي تقديري، فإن الأسباب التي دفعتنا إلى انتقاد العليقي لم تتغير. فهو ذات العليقي الذي يستفرد بالرأي في كثير من الملفات، ويسجل عشرات اللاعبين كل عام، ولا يحترم الصحفيين حسب رواية أكثر من زميل، ولا يمنح أعضاء مجلس الإدارة المساحة التي يستحقونها، حتى أصبح، بحسب ما ذكرت في مقالك الأخير، المحرك الأساسي لفريق الكرة!
وأعتقد أن موقفك منه تغير بعد تواصله معك وسؤاله عن صحة والدتك، أسأل الله أن يشفيها ويعافيها. لكن تبقى هذه لفتة إنسانية محل تقدير، ولا ينبغي أن تؤدي إلى تغيير الموقف من أدائه كإداري في النادي الذي نعشقه، ونكتب من أجل أن يرتقي القائمون على أمره إلى مستوى تاريخه الكبير، وما يستحقه من إدارة راقية وممارسات ديمقراطية حقيقية، باعتباره أحد أكبر المؤسسات الرياضية والتربوية في البلاد.
وفي النهاية، لا ذنب لجماهير هذا النادي الكبير في أي شأن شخصي بين إداري وصحفي، حتى ننتقد لهم الإداري اليوم، ثم نعود للإشادة به غداً، من دون أن يطرأ تغيير واضح وملموس في النهج الإداري الذي كان محل النقد. وإلا فمن حق الجمهور أن يردد ما يقوله كثيرون اليوم عن الصحافة الرياضية، وحينها لن نستطيع الدفاع عن مواقفنا أو إقناع الناس بمصداقيتنا. فالمواقف المهنية تُبنى على الوقائع، لا على العلاقات الشخصية.
kamalalhidai@hotmail.com
