بسم الله الرحمن الرحيم
أ.د. احمد محمد احمد الجلي
مقدمة: اطلعت على مقال بعنوان:اذا كان الاسلام دينا الهيا عالميا ابديا ،فلماذا يحمل في طياته كل سمات الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي ،بكل تفاصيلها البيئية والاجتماعية والثقافيه، للمدعو /بشير محمد الحسن، والمنشور في موقع الراكوبة ،على الرابط التالي*
من كلمات العنوان يتبين ان هدف المقال الزعم بان الاسلام ليس دينا الهيا ،وانه ليس دينا عالميا ،بل هو وليد بيئة الجزيرة العربية،وتفاليدها الاجتماعية والثقافية. ويغيب عن القاريء هدف الكاتب من مقاله هل يريد اثبات انه ليس مسلما، ام انه يريد الشهرة والسمعة بين الناس، وكلا الامرين مذموم في معايير الدين والقيم الانسانية.!!!
والمقال في جملته وتفاصيله هو صدى لبعض المزاعم التي قال بها بعض الحاقدين على الدين في سعيهم لهدم الاسلام، بل طُرح بصيغ مختلفة منذ القرن التاسع عشر، وناقشه عدد من المستشرقين وسبق الكاتب الى هذه التصورات ،و بدرجات مختلفة بعض المستشرقين وعلى رأسهم : إجناتس جولدتسيهر (1850–1921)، المؤسس للدراسات النقدية الحديثة عن الإسلام ،ويوليوس فلهاوزن W ،و جوزيف شاخت ،وتور أندريه،و باتريشيا كرونه ، وانسبرو ،ومايكل كوك وغيرهم. وتلقف مقالتهم بعض اذنابهم من العرب المعاصرين من علمانيين وليبراليين من امثال/ محمد أركون،و نصر حامد أبو زيد ،ومحمد عابد الجابري ، وعبد المجيد الشرفي وغيرهم، لكن هؤلاء لا يتفقون جميعًا على النتيجة نفسها التي ذهب اليها الكاتب، فهم لا ينكرون جميعًا وجود نزعة عالمية في الخطاب الإسلامي، لكنهم يجادلون بأن كثيرًا من التشريعات والمؤسسات تعكس سياق الجزيرة العربية في القرن السابع، ويختلفون في مدى إمكان فصل هذا السياق عن الرسالة نفسها، بينما ترى فيئة منهم أن ذلك دليل على بشرية النص ً.وعليه فان مقالة الكاتب لم يرد فيها جديد ،وقد رد عليها من قبل ودحضد مزاعم المستشرقين، بعض المفكرين المسلمين من بينهم: مصطفى السباعي 1915) -1964)،ومحمد مصطفى الأعظمي(1930-2017م)،وفؤاد سزكين (1924-2018م)،ومحمد عمارة(1931-2020م)،وعماد الدين خليل، وطه جابر العلواني، وعبد الوهاب المسيري ، وكتبهم ومقالاتهم منتشرة بين الناس لمن اراد الاطلاع عليها وجزاهم الله في الدفاع عن الاسلام كل خير. ولكن تنويراً لقراء الراكوبة ودفع ما يعلق في اذهان بعضهم من شبهات اثارها المقال، نحاول ان نبين بايجاز ما يتيسر من تفنيد لبعض تلك المزاعم والترهات،وبالله التوفيق.
واذا تجاوزنا بعض عبارات الكاتب الوقحة والاستفزازية من وصف الله تعالى بأنه: “إله يفكر بعقل بدوي من قلب الصحرا”، وانه تعالى: “يتحدث بلغة سيد قبيلة يعاقب عبداً آبقاً بالسياط والنار” ، وان كلام الله ليس كلام إله يخاطب البشرية، بل كلام رجل عبقري يريد أن يضفي قداسة إلهية على رغباته الشخصية وقراراته السياسية، حتى لا يجرؤ أحد على الاعتراض.” ،الى غير ذلك من العبارات الاستفزازية”، نجد ان القضايا الرئيسة في المقال تتمثل فيما يأتي:
-1القضية الاولى :قول الكاتب ان وصف الجنة والنار في القرآن يدل على ان مؤلفه متأثر بالبيئة البدوية، فالقران-كما يقول- ذكر اصنافا من النباتات والحيوانات والحشرات المعروفة في البيئة العربية ولم تعرف في البيئات والامم الاخرى،وأن هذا الوصف يعكس البيئة العربية الصحراوية، وبالتالي فالقرآن – بحسب هذا الرأي – نتاج ثقافي بشري أكثر من كونه وحيًا إلهيًا.:فالجنة او الجنات وصفت بأنها: ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ﴾، فيها ظلال وعيون ومياه جارية،و فيها الحور العين والولدان، وهذه كما هو معلوم من أكثر الأشياء التي يفتقدها ساكن الصحراء، ولذلك أصبحت رمزًا للسعادة.كما ركز الوصف على الثمار المعروفة للعرب من النخيل،والعنب،و الرمان،و السدر،و الطلح. وغيرها من النباتات المألوفة في بيئة الجزيرة،وفي المقابل وصفت النار بالحر الشديد،واللهيب ، والسموم والرياح الحارة. والماء الحميم الذي يقطع الامعاء الى غير ذلك من صور العذاب المستمدة من خبرة أهل الصحراء بالحر والجفاف.ويذهب الكاتب إلى أن هذا يعكس تصورًا عربيًا للنعيم والعذاب ،ومن ثم بشرية القرآن ومصدره.
وملخص اراء الكاتب هذه تقود الى ما يلي:ان مصدر الرسالة وبالتالي القران بشري ،وانه وليد البيئة العربية،والكاتب بهذا يخلط بين لغة الوحي ومصدره ،فاستخدام اوصاف و صور مألوفة للعرب، لا يثبت أن مصدر الرسالة بشري. فكل الكتب الدينية تخاطب الناس بلغتهم وثقافتهم.فالتوراة تستخدم صورًا زراعية تناسب فلسطين القديمة، والإنجيل يستخدم أمثلة عن الكروم والزراعة والرعاة، ولا يعد ذلك وحده دليلًا على بشرية الرسالة.اضافة الى انه ورد في القرآن اوصاف لاتبدو صحراوية كالحرير،والذهب،والفضة،واللؤلؤ،والأرائك،والقصور،و الأكواب،والصحاف. وغيرها، وهذه ليست من الحياة البدوية اليومية، بل من صور الحضارات الفارسية والرومية واليمنية أيضًا، ،وفي المقابل نجد في وصف النار والعذاب ،الزقوم،و الغسلين، والسلاسل،والأغلال،و المقامع،وتبديل الجلود، وهذه ليست مجرد انعكاس لحرارة الصحراء، بل صور متعددة للعقاب. فلو كان النص انعكاسًا مباشرًا للبيئة فقط، لتوقعنا غياب هذه الصور للعذاب والنعيم.
لم تقتصر الفاظ القرآن على البيئة العربية، فقد ذكر القرآن كائنات وثمارًا لم تكن خاصة بالجزيرة العربية وحدها، مثل:الفيل،و الحوت،و النحل،والنمل،و العنكبوت،و الضفدع (في قصة موسى)،و الجراد،و البعوضة، كما ذكرت نباتات مثل:الزيتون،و الرمان،والتين،والعنب،و الزنجبيل،و الكافور،والسدر،و الطلح المنضود ( شجر الموز)،و بعض هذه النباتات لم يكن شائعًا في كل أنحاء الجزيرة.
وفوق هذا فإن القرآن يتضمن صوراً اخلاقية التي هي أهم من الصور الحسية وتتكرر كثيرا في القرآن،مثل رضوان الله،و السلام،و الأمن،و عدم الخوف،و عدم الحزن،و انتفاء الظلم،والطهارة،والقرب من الله. بل إن بعض العلماء، مثل الغزالي وابن القيم، رأوا أن أعظم نعيم الجنة هو رؤية الله ورضوانه، لا النعيم الحسي. وفي الديانات الاخرى كاليهودية والمسيحية المبكرة وصف للفردوس بأنه جنات،وأنهار،و أشجار،و ثمار،وحياة أبدية،الامر الذي يدل على أن استخدام الصور الحسية للتعبير عن النعيم الأخروي والعذاب الاخروي ظاهرة دينية أوسع، وليست خاصة بالقرآن او البيئة العربية.كما ان القرآن يقرر محدودية اللغة،فيقول الله تعالى:﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ،السجدة: 17.ويقول: عن الجنة ﴿ مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى ۖ وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ ۖ ﴾ ( محمد :15)،فلفظة “مثل” عند المفسرين تعني أن الوصف تقريب وتمثيل، وليس كشفًا كاملاً للحقيقة. ويؤيد ذلك ما ورد في الحديث”: الذي وصف فيه الرسول ،الجنة : “فيها ما لا عَينٌ رَأت، ولا أُذُنٌ سَمِعَت، ولا خَطَرَ على قَلبِ بَشَرٍ، ثُمَّ اقتَرَأ هذه الآيةَ: {تَتَجافى جُنوبُهم عَنِ المَضاجِعِ يَدعونَ رَبَّهُم خَوفًا وطَمَعًا ومِمَّا رَزَقناهم يُنفِقونَ * فلا تَعلَمُ نَفسٌ ما أُخفيَ لَهُم مِن قُرَّةِ أعيُنٍ جَزاءً بما كانوا يَعمَلونَ”،السجدة: 16، 17،”وهذا يعني أن الوصف ليس تعريفًا دقيقًا بقدر ما هو تقريب للمعنى.
القرآن نزل بلغة قوم معينين ينص القرآن نفسه على هذا المبدأ:﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾إبراهيم: 4.فإذا كان الرسول عربيًا، والمخاطبون الاوائل عرباً فمن الطبيعي أن تكون الأمثلة الأولى مأخوذة من البيئة التي يعرفونها. وهذه ليست خصوصية للقرآن، بل هي سمة عامة في النصوص الدينية والأدبية.فالتوراة والإنجيل مليئان بأشجار الزيتون والكروم والتين والقمح والرعاة والخراف. والنصوص الهندوسية والبوذية تستخدم صورًا من البيئة الهندية كالفيل واللوتس ونهر الغانج. ولا يُعد ذلك دليلًا على أن الرسالة محصورة في تلك البيئات.
التركيز على العذاب الجسدي في وصف النار، يقابله في القرآن نفسه وصف للعذاب النفسي والوجودي العميق، الشعور بالوحشة والانقطاع ،كما في قوله تعالى:«أن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ “الزمر: .56 ، والندم الوجودي، كما في قوله تعالى:« وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ۖ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًاً »،طه:، 111، والحجاب عن رؤية الله تعالى،كما ورد في الآية :«كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ »المطففين: 15. ففي هذه الايات وامثالها يخاطب القرآن الإنسان بكليته: جسده وروحه معاً، لا لأنه عاجز عن تصوير عذاب جسدي او روحي مجرد، بل لأن الإنسان كياناً جسدياً-روحياً واحداً، والخطاب الذي يهمل أحد الجانبين خطاب ناقص،وفيه قصور.
اضافة الى ذلك ان العالم القديم لم يكن معزولًا كما يُتصور،فالجزيرة العربية كانت تقع على طرق التجارة بين:اليمن،و الشام،و العراق،و الحبشة،وفارس. وكان العرب يعرفون:الفيل،و الحرير،و المسك،و اللؤلؤ،و السفن،والاقوام،كالروم،و الفرس. فالبيئة القرآنية اذن لم تكن بيئة بدوية مغلقة تمامًا. كما ان غياب حيوانات مثل اللاما، أو الكنغرو، أو الرنة، أو نباتات المناطق الاستوائية،لا ينبغي ان يكون مستغربا فالقرآن ليس موسوعة في الأحياء أو الجغرافيا، وإنما كتاب هداية. لذلك يختار أمثلة تحقق غرضها البلاغي عند أول من نزل عليهم، مع بقاء المعنى قابلًا للفهم في الأزمنة والأمكنة الأخرى،مع الاقرار بوجود كثير من الالفاظ والأمثال لا ترتبط ببيئة معينة، مثل:تعاقب الليل والنهار،والمطر،والرياح،و السحاب،و خلق الإنسان، ومراحل تكون الطفل. وولادته الى غير ذلك من المعاني التي لا ترتبط ببئية معينة كالموت،و النوم،و البحر،و النجوم،والشمس والقمر،وغيرها من الظواهر التي يشترك فيها معظم البشر.
اما القول بأنه لو كان القرآن كتابًا موجهًا للبشرية كلها منذ البداية، لتوقعنا أن تكون أمثلته أقل ارتباطًا ببيئة معينة وأكثر تجريدًا أو تنوعًا.ويمكن الرد على ذلك بأن العالمية لا تعني إلغاء المحلية،وأن كل رسالة في التاريخ تبدأ في مجتمع معين، ثم تتجاوز حدوده،و خلاصة الامر انه لا يوجد تعارض ضروري بين المحلية والعالمية؛ فالنصوص المؤسسة للأديان الكبرى تنشأ دائمًا داخل سياق تاريخي ولغوي معين، ثم تُعاد قراءة أمثلتها وتأويلها عبر الثقافات المختلفة. وبذلك تكون عالمية الرسالة مرتبطة بالمبادئ والمعاني التي تنقلها، لا بضرورة أن تكون جميع صورها البلاغية مأخوذة من كل بيئات العالم.
-2 القضية الثانية قَبَلية الشريعة: اثار الكاتب قضية ان الشريعة الاسلامية شريعة مجتمع قَبَلي ، واستشهد في ذلك بالاية: « وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا»، النساء: 3 ، اي الجواري والإماء. فالإله الخالق -في زعم الكاتب -يشرع بهذه الاية للعبودية الجنـ.سية ويباركها!!!.كما استشهد أيضاً بالاية التي تتناول حد السرقة: « وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ »،المائدة: 38 ، فالشريعة الإسلامية في ذكرها للاماء وقطع اليد” في الايتين اعلاه، تعكس قيم مجتمع قبلي في القرن السابع الميلادي، لا تشريعًا إلهيًا صالحًا لكل زمان. وقد اخذ الكاتب على الاسلام أنه لم يحرم الرق تحريمًا صريحًا،وانه بذكر الاماء في الآية السابقة أجاز العلاقة الجنسية مع الإماء، وهذا – في نظره– يعني إقرار: بالعبودية الجنسية، ومن ثم يستنتج أن التشريع يعكس مجتمعًا كانت فيه العبودية أمرًا طبيعيًا.
وتعليقاً على ذلك، يمكن القول بأن الإسلام لم ينشئ نظام الرق، وإنما جاء في عالم كان الرق فيه مؤسسة عالمية موجودة في جميع الحضارات (الروم، والفرس، والهند، وأفريقيا، والجزيرة العربية وغيرها). واتبع سياسة ،تؤدي الى تجفيف منابعه والقضاء عليه،وتقوم على :تضييق مصادر الرق، فجعل المصدر الأساسي للرق هو أسرى الحروب المشروعة، وألغى كثيرًا من مصادر الاسترقاق الأخرى مثل خطف الأحرار أو بيع المدينين، والتملك نتيجة للمقامرة ،او بسبب الفقر. كما عمل على تحسين أوضاع الرقيق بإقرار حقوق لهم لم تكن شائعة في كثير من المجتمعات القديمة، ومن أهمها:. حق الطعام والكسوة : وفي هذا السياق ورد حديث الرسول :” اخوانكم خولكم(خدمكم وحشمكم) ،جعلهم الله في ايديكم ،فمن كان اخوه تحت يده فليطعمه مما ياكل،ويلبسه مما يلبس،ولا تكلفوهم ما لايطيقون فإن كلفتموهم فأعينوهم”، (متفق عليه)، فلا يجوز تجويع الرقيق أو حرمانه من الكسوة المناسبة،وحرم كثيرا من صور التعذيب والإيذاء وسوء المعاملة للرقيق وورد في ذلك عن النبي : «من ضرب مملوكه أو لطمه فكفارته أن يعتقه» (رواه مسلم)،و عدم تكليفه ما لا يطيق في الحديث نفسه: «ولا تكلّفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم»،كما جعل له حق العبادة والكرامة الإنسانية ،فالرقيق انسان مخاطب بالعبادات وله شخصية دينية مستقلة، وليس مجرد “شيء” بلا أهلية دينية،كما أجاز القرآن تزويج العبيد والإماء:﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ ،النور: 32 ،وحق المكاتبة (شراء الحرية)،قال تعالى:﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ… فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ النور: 33،والمكاتبة عقد يدفع فيه الرقيق مبلغًا متفقًا عليه ليصبح حرًا.كما شجع على العتق بوسائل متعددة، ،فجعل العتق من أفضل القربات،وإدخاله في كفارات كثيرة: مثل كفارة القتل الخطأ،والظهار،واليمين والفطر في رمضان.و شجع المكاتبة، (بان يشتري العبد حريته)، وعمل على تحويل الرقيق الى اخوة انسانية،وكان الهدف من هذه الاجراءات الإلغاء التدريجي للرق، دون إحداث اضطراب اقتصادي واجتماعي كبير في مجتمع يعتمد على الرق.لكن النصوص لم تصرح بتحريمه تحريمًا نهائيًا لأن الظروف الدولية آنذاك لم تكن تسمح بذلك؛ إذ كانت جميع الأمم تسترق الأسرى، ولو أطلق المسلمون أسرى أعدائهم بينما بقي المسلمون الأسرى مسترقين عند غيرهم لاختل ميزان المعاملة بالمثل..اما القول بتحريم الرق اسوة بالخمر-كما يقول البعض- ـففرق بين الرق و الخمر،فبينما الخمر فعل شخصي يمكن للفرد أن يتركه بمجرد صدور التحريم،بينما الرق كان نظامًا اقتصاديًا واجتماعيًا وقانونيًا واسعًا، يشمل ملايين البشر، وله آثار على الملكية، والعمل، والأسرة، والحروب، والأسرى. ومن ثم فإن معالجة النظامين لا تكون بالطريقة نفسها.
اما القول بان نظام الاماء يمثل “عبودية جنسية او ان به إقرارًا بالعبودية الجنسية،فلا يمكن القول بذلك من منظور الفقه الإسلامي ،لأن الفقهاء لم يعتبروا الأمة وسيلة للاستغلال الجنسي، وإنما اعتبروا العلاقة بين الامة ومالكها، جزءًا من نظام الرق الذي كان قائمًا عالميًا .واضافة الى ذلك منع الاسلام التفريق بين الأم وولدها ،فقد وردت آثار وأحاديث في النهي عن التفريق بين الوالدة وولدها عند البيع.وإذا ولدت الامة من سيدها أصبحت “أم ولد”وهذا يعني:لا تباع عند جمهور الفقهاء،و تعتق بعد وفاة سيدها ، كما حرم الاعتداءعلى الامة بغير حق، واصبح ضرب الأمة بغير موجب شرعي مذمومًا، بل ورد الحث على عتقها عند إساءة معاملتها في بعض الحالات ،و تعتق بعد وفاة سيدها ورتبوا عليها في الفقه الاسلامي ثبوت النسب الشرعي،وضمان حقوق الأولاد،ومنع بيع أم الولد (عند الجمهور)،و أحكام النفقة في بعض الصور،و أحكام العتق.
أكما أنهم رأوا ان العلاقة بين المالك والامة يضبطها النظامً القانونيً داخل مؤسسة الرق، لا صورة من صور البغاء. ولذلك لم يستخدموا مصطلح “العبودية الجنسية”، بل استخدموا” ملك اليمين”، وعدّوه نظامًا قانونيًا أوسع من مجرد الاستغلال الجنسي؛ إذ يشمل الخدمة، والنفقة، والعتق، وأحكام النسب، وأم الولد، وغيرها. اما في الفقه الإسلامي المعاصر فيكاد يوجد إجماع بين العلماء والمؤسسات الإسلامية المعاصرة على أن الرق قد انتهى عمليًا وقانونيًا، ولا يجوز استحداثه ،لانه لا يجوز استرقاق الأسرى في الحروب ،كما لا يجوز اتخاذ الاسرى وعاء للمتعة الجنسية،و العلاقة الجنسية لا تكون إلا بعقد زواج صحيح. وقد أكدت ذلك هيئات علمية كثيرة في العالم الإسلامي، كما أن جميع الدول الإسلامية انضمت إلى اتفاقيات تحظر الرق وبالتالي انتهى عمليًا باب “ملك اليمين” بتوقف سببه.واثارة القضية لا تعدوا ان تكون محاكمة للاسلام بتاريخ مضى وانتهى.
اما حد السرقة وقطع اليد الذي ورد في الآية:﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (المائدة: 38). و الذي رأى فيه البعض عقوبة قاسية غير متناسبة مع الجريمة ،مما يجعل الشريعة تنتمي إلى مجتمع بدوي يعتمد الردع الجسدي.
اولاً: ليس كل من يسرق تقطع يده بل هناك شروطا كثيرة لا بد من تحققها.قبل تطبيق الحد ، منها:بلوغ النصاب، ويشار به الى الحد الأدنى لقيمة المال المسروق الذي إذا بلغه المال، مع تحقق بقية الشروط، جاز النظر في إقامة الحد،وقد استند الفقهاء إلى حديث عائشة رضي الله عنها “لا تُقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعدًا ،أن يكون المال محفوظًا في حرز،ويراد به : المكان الذي جرت العادة بحفظ المال فيه بحيث يعد إخراج المال منه خفية سرقةً،فليس كل أخذٍ للمال يوجب الحد، بل لا بد أن يكون المال محفوظًا في حرز،مثل البيت المغلق،والخزانة المقفلة،و المتجر بعد إغلاقه،وخزنة البنك،والسيارة المغلقة ،المخزن المغلق،الى غير ذلك من الاماكن التي تعد عرفا حرزا أمناً.ألا يكون السارق مضطراً للسرقة بسبب الجوع أو المجاعة، ولهذا اشتهر عن الخليفة عمر بن الخطاب أنه عطل إقامة الحد عام المجاعة، لأن الظروف الاقتصادية أوجدت شبهة الاضطرار. وان لا تكون للسارق شبهة ملك في المال،و. وأن تثبت جريمة السرقة يقيناً بالإقرار أو شهادة الشهود، فضلا عن وجود دولة وقضاء عادلين ،وأن يكون السارق بالغًا عاقلًا مختارًا،وألا توجد شبهة تدرأ الحد، تطبيقًا للقاعدة المشهورة: “ادرؤوا الحدود بالشبهات ، فالهدف من الحد هو الردع لا كثرة تنفيذ العقوبة، لإن الحدود في الإسلام صممت لتكون رادعة أكثر من كونها كثيرة التطبيق،ويدل على ذلك أن تطبيق حد السرقة عبر التاريخ الإسلامي كان محدوداً نسبياً مقارنة بعدد جرائم السرقة، لكثرة الشروط و تعذر صعوبة الإثبات.الشريعة تربط العقوبة بالعدالة الاجتماعية ويرى بعض الفقهاء أن الإسلام لم يبدأ بالعقوبة، بل ألزم المجتمع أولاً :بـ توفير المال بالزكاة،واقامة التكافل،و تحريم الاحتكار،ولزوم النفقة على الفقراء،ومسؤولية الدولة عن المحتاجين. فإذا قصرت الدولة في ذلك، ضعفت مشروعية تطبيق الحد.ولهذا قال بعض الفقهاء إن الحدود لا تطبق في مجتمع يترك الناس للجوع. وقد فرّق الفقهاء بين:السرقة الحدية: وهي أخذ مال من حرز خفية، وتستوجب الحد إذا اكتملت الشروط،وبين الاختلاس أو النهب أو الغصبوغيرها من لأخذ المال، لكنها لا توجب حد القطع، وإنما يعاقب عليها القاضي بعقوبات تعزيرية. ولهذا جاء في الحديث:ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع.
وهكذا نرى ان تطبيق حد السرقة في الفقه الإسلامي لم يكن مبنيًا على مجرد وقوع السرقة، بل أحاطه الفقهاء بشروط دقيقة، حتى إن كثيرًا من قضايا السرقة تاريخيًا لم ينتهِ الأمر فيها إلى إقامة حد القطع، وإنما عوقب مرتكبوها بعقوبات تعزيرية لعدم اكتمال أحد الشروط.
اما القول بان عقوبة السرقة تنتمي إلى مجتمع بدوي ،فقول غير دقيق فقد كانت العقوبات البدنية شائعة في المجتمعات القديمة، ولم تكن سمة للمجتمع البدوي وحده.فقد وجدت في:القانون البابلي، والقانون الآشوري،و الشريعة اليهودية القديمة،و القانون الروماني،و أوروبا في العصور الوسطى. وبالتالي فإن حد السرقة يعكس إلى حد كبير ثقافة العقوبات في العالم القديم، وليس البيئة العربية وحدها.ولكن مما يحمد للاسلام انه وضع لها ضوابط وشروطاً دقيقة،خففت من وقعها على الافراد مع حفظ امن المجتمع وسلامته,
-3القضية الثالثة:تمييز النبي في القرآن :يذهب الكاتب الى ان هناك امتياز خاص للنبي: يجعله مركزاً الكون في القرآن، اذ يحتوي القرآن على أكثر من خمس عشرة آية تتحدث مباشرة عن حياة محمد الخاصة، زوجاته، وبيته، ورغباته الشخصية ، وان الله يأمر المسلمين أن يستأذنوا قبل دخول بيت محمد، ويهدد زوجاته بالعذاب المضاعف إن أتين بفاحشة، ويمنح محمداً امتيازاً جنسياً فريداً لا يعطيه لأحد من المؤمنين: « يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ……..وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين». الاحزاب :50.
ثم يستنكر الكاتب ان يترك اله كوني -كما عبر- قضايا الفقر والمجاعات والظلم الكوني، وينزل آية خاصة ليبيح لمحمد الزواج بأي امرأة تعرض نفسها عليه؟، وينتهي الى ان هذا ليس كلام إله يخاطب البشرية، بل كلام رجل عبقري يريد أن يضفي قداسة إلهية على رغباته الشخصية وقراراته السياسية، حتى لا يجرؤ أحد على الاعتراض، وهو بهذا يشير الى ان القرآن من وضع محمد ،وان الاسلام بدأ كحركة إصلاح اجتماعي وسياسي لرجل استثنائي في مكة والمدينة، ثم حوله أتباعه المخلصون إلى دين كوني أبدي، يتجاوز زمانه ومكانه
ولم يكن الكاتب اول من ساق هذه الافتراءات بل سبقه إليها بعض المستشرقين مثل: جون وانسبرو، وباتريشيا كرونه، ومايكل كوك، كما يتردد هذا الهراء بأشكال مختلفة في كتابات بعض المفكرين العرب المعاصرين. وهو افتراءينبني على مقدمتين:أن كثرة الآيات المتعلقة بحياة النبي الخاصة تدل على أن القرآن نتاج تجربته الشخصية، وأن تحول تلك التجربة إلى دين عالمي هو عمل أتباعه بعد وفاته.
غير أن بعض الوقائع التاريخية والنصوص الموثقة تضحد كلا المقدمتين:
أ) فكثرة الآيات المتعلقة بحياة النبي ، ليست بالضروة دليل على بشرية القرآن، فجميع الرسالات التاريخية ارتبطت بسيرة مؤسسيها،فالتوراة مليئة بتفاصيل حياة موسى وأسرته،و الأناجيل مليئة بتفاصيل حياة المسيح وحوارييه،والبوذية تتضمن تفاصيل حياة بوذا،و حتى الوثائق السياسية الكبرى ترتبط بظروف نشأتها. فكون الوحي يعالج أحداثاً واقعية لا يثبت أن الوحي من صنع صاحب الرسالة، وإنما يدل على أن الرسالة نزلت في مجتمع حي، لا في فراغ تاريخي.
ب) اما الآيات المتعلقة ببيت النبي: آيات إلاستئذان، التي تنظم الدخول لبيوت النبي مثل قوله:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ ﴾ الأحزاب:53″ فلم تكن ترفاً شخصياً، بل تنظيماً لوضع فريد: فبيت النبي في المدينة لم يكن بيتاً خاصاً بل ـكان مقر القيادة ومركز الدولة الناشئة، ومهبط الوحي، ومركز التشريع،ومدرسة المسلمين، ومجلس القضاء والشورى ،و مكان استقبال الوفود في آن واحد. وكان بعض الصحابة يطيلون الجلوس بعد الطعام، فسبب ذلك حرجاً للنبي، فنزلت الآية. فتنظيم الدخول الى بيوت النبي ضرورة ،حماية لخصوصية عملية تشريعية وقضائية جارية، تماماً كما تُنظَّم اليوم بروتوكولات الدخول إلى أي مقر رئاسي أو قضائي دون أن يُفهم ذلك امتيازاً شخصياً لشاغله ،وقد يبدو الأمر اليوم بسيطاً، لكنه في مجتمع المدينة كان ينظم علاقة المجتمع بقيادته. ،الامر الذي غاب عن المستشرقين واذيالهم -ومن بينهم الكاتب.
ت) . اما آية “الواهبة نفسها:”قوله تعالى:﴿ وأمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۗ ﴾،الاجزاب:50، فعلماء التفسير يجيبون على ذلك بالنقاط التالية: ان الآية لم تأمر النبي بالزواج من تلك المرأة وإنما جعلت ذلك مباحاً،وان المصادر التاريخية المختلفة تثبت يقيناً أن النبي لم يتزوج منها،وفي المقابل فرضت علي النبي قيود لم تفرض على غيره مثل: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِن بَعْدُ .. ﴾،أي مُنع من الزواج بعد ذلك، بينما بقي المسلمون يستطيعون الزواج.فالصورة ليست امتيازات فقط، بل امتيازات مقرونة بقيود.
ث) لو كان القرآن يجامل النبي دائماً،وانه من تأليفه فمن المتوقع أن يكون دائماً في صالحه،ويتواقف معه ،لكن نجد كثيرا من الايات تشدد عليه، بل تخطيئه وتلومه على بعض ما وقع منه :كقوله تعالى معاتباً له ﴿ عبَسَ وَتَوَلَّىٰ *أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ *وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ *أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ * وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ * وَهُوَ يَخْشَىٰ * فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ * كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ *فَمَن شَاءَ ذَكَرَه”﴾. عبس1-12.وفي اية اخرى ﴿ عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ التوبة43 ﴿ لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.الانفال:68: ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ۖ﴾.الاحزاب:37 ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾آل عمران: 128 ، ولو كان النبي يؤلف القرآن بنفسه لما تضمن عتاباً دائماً له يبقى متلواً إلى يوم القيامة.
ج) اما النتيجة التي انتهى اليها الكاتب من أن الإسلام بدأ مجرد حركة إصلاح ثم تحول إلى دين عالمي- فالايات القرآنية والوقائع التاريخية تضحد ذلك . فالقرآن نفسه اعلن منذ وقت مبكر أن الرسالة موجهة للناس كافة، وأكد ذلك في الكثير من سوره، مثل قوله تعالى: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين»الأنبياء: 107.وقوله : «وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرًا ونذيرًا»، (سبأ: 28)، وقوله سبحانه/«تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً» (الفرقان: 1)، «إن هو إلا ذكر للعالمين. ولتعلمن نبأه بعد حين» (ص: 87،88). مما يؤكد أن الإسلام رسالة للعالمين، وان النبي بعث للناس كافة.
ح) كما ثبت تاريخيا ان الرسول ، خاطب الملوك والأمراء، وأرسل الرسائل الى الزعماء والرؤساء آنذاك ،ووجه دعوته إلى عظماء النصارى وقادتهم في زمانه،وأوفد اليهم الرسل وبعث اليهم الكتب يدعوهم الى الإسلام واتباع رسالته.فكتب الى النجاشي عظيم الحبشة،وهرقل عظيم الروم البيزنطيين، والمقوقس عظيم مصر،وجبلة بن الأيهم من ملوك الغساسنة،وكتب أيضا الى كبار القساوسة،ومنهم: الأسقف ضغاطر أسقف الروم في القسطنطينية،وأبو الحارث بن علقمة اسقف نجران ولم يلبث ان تجاوز الإسلام الجزيرة العربية خلال عقود قليلة بعد وفاته. . ومن ثم فإن النزعة العالمية ليست اختراعاً لاحقاً ظهر بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، بل نجدها في النصوص الإسلامية نفسها وفي الممارسة التاريخية المبكرة. واخيرا فإن وجود آيات تتناول شؤون النبي الخاصة حقيقة لا خلاف عليها،ويمكن تفسيرها بان الوحي كان ينزل لمعالجة قضايا المجتمع وخطاب قائده، ولذلك تناول حياة النبي لأنها كانت جزءاً من عملية بناء الأمة،لان حياته كانت تمثل نموذجا حياً يقتدي به المسلمون.
-4القضية الرابعة: ظاهرة التفرق في الأمة الاسلامية واسبابه: يذهب الكاتب الى ان ما ظهر من خلاف وفرق بين المسلمين ،وادعاء كل فرقة انها الفرقة الناجية،وتبادل التكفير بين الفرق ،والصراع الدموي في هذا العصر ، ليس إلا نتيجة اختراعات بشرية، وتأويلات شخصية لرجال الدين والشيوخ، وصراعات سياسية وسلطوية ما أنزل الله بها من سلطان حقيقي واضح. وهذا صحيح في الجملة،ولكن يحتاج الى بيان كما يلي:
• لا شك انه منذ القرن الأول الهجري ظهرت العديد من المذاهب والفرق : الخوارج، والشيعة، والمرجئة، والقدرية، والجهمية، ثم المعتزلة، والأشاعرة، والماتريدية، والسلفية، ثم المذاهب الفقهية الأربعة وغيرها. وفي العصر الحديث ظهرت تيارات إصلاحية، وسلفية، وصوفية، وإسلامية سياسية، وجهادية… إلخ.وهذا التعدد ليس ظاهرة إسلامية خالصة، بل عرفته أيضًا المسيحية واليهودية والهندوسية والبوذية وغيرها.
• وادعت معظم هذه الفرق انها وحدها تمثل الإسلام الصحيح،وكل مدرسة اعتبرت فهمها هو الأقرب إلى النصوص،واستند كثير منها إلى حديث “افتراق الأمة” ، وفسرت “الفرقة الناجية” بأنها هي نفسها.وقد أدى ذلك عند بعض العلماء إلى:التبديع. ثم التكفير أحيانًا، ثم إباحة القتال في ظروف معينة. لكن ينبغي التمييز بين العلماء؛ فليس كل مذهب كفّر جميع مخالفيه، ولا كل مدرسة مارست العنف ،ضد خصومها.
• فالتاريخ يبين أن معظم الحروب التي لبست ثوبًا دينيًا كانت في الواقع مزيجًا من:الصراع على السلطة،و المنافسة الاقتصادية،و العصبيات القبلية والقومية،و التدخلات الخارجية، ووظف الدين لدى البعض لإضفاء الشرعية،على تلك الخلافات ،كالخلاف الذي قاد الى ما يعرف ،بالفتنة الكبرى بعد مقتل عثمان،والصراع الأموي–الهاشمي،و النزاع العباسي–العلوي، الصراع الصفوي–العثماني،ويدخل في ذلك كثير من النزاعات المعاصرة في العراق وسوريا واليمن ولبنان والسودان،حيث تتداخل العوامل المذهبية مع السياسة والإقليم والجغرافيا والاقتصاد. إذن، الدين وحده لا يفسر هذه الصراعات
• فالصراعات في سوريا أو العراق أو اليمن أو السودان أو أفغانستان لا يمكن تفسيرها بالعامل الديني وحده، لأن الدراسات التاريخية والسياسية تشير إلى عوامل متداخلة، منها: الاستبداد السياسي، والصراع على السلطة، والتدخلات الإقليمية والدولية، والانقسامات الطائفية، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وقد استخدم الخطاب الديني لتعبئة الأنصار أو شرعنة المواقف، لحشد الأنصار أو نزع الشرعية عن الخصوم.فالمذهب قد يكون عاملًا مؤثرًا، لكنه غالبًا ليس العامل الوحيد، وفي كثير من الاحول لا يكون العامل الحاسم. ومن المبالغة حصر الظاهرة كلها في «اختراعات بشرية لا سلطان لها من الدين”.كما يقول الكاتب.
• الحديث المتعلق بالافتراق موجود في كتب الحديث، لكن فهمه وتطبيقه محل خلاف بين العلماء،وعبر التاريخ ادعت فرق متعددة أنها تمثل الحق المطلق ، وهذا أدى أحيانًا إلى تضييق دائرة الإسلام وتبادل الاتهامات،وكثير من العلماء المتقدمين والمتأخرين حذروا من التوسع في التكفير، لأن له آثارًا خطيرة دينيًا واجتماعيًا وسياسيًا.
-5وبما ان كاتب المقال سوداني ، وقراء الصحيفة سودانيون، فلا بد من ذكر الحرب الدائرة في السودان ،التي ذكرت من بين الحروب التي مر بها ويمر بها العالم العربي والاسلامي. واحسب ان حرب السودان ذات طبيعة خاصة تتميز بها عن الحروب الاخرى ،فلا زال الخلاف يدور عن سبب الحرب ،ومن اطلق رصاصتها الاولى ،فضلا عن المآلات المتوقعة لنهاياتها. وحقيقة الحرب هي صراع بين الجيش ومن ورائه الشعب السوداني ،وبين مرتزقة اجانب جاؤوا من شتى اصقاع أفريقيا ،وتسعي تلك الجماعات بقيادة مليشيا الجنجويد، وبزعامة حميدتي ،لاقامة دولة لهم بديلة للدولة السودانية.ومن ثم فإن الحرب هي حرب الأمة السودانية وجيشها ضد مشروع يهدف الى القضاء على الدولة السودانية، وتقف وراء هذا المشورع دول اقليمية،وعالمية لها اطماع في خيرات السودان وثرواته وموانية ومقدارته. وعلى الساسة السودانيين على اختلاف اتجاهاتهم وايديولوجياتهم ادراك هذه الحقيقة ،وأن يتركوا خلافاتهم التافهة جانبا،وان يؤجلوا مشاريعهم السياسية ، وان يوحدوا صفوفهم ،ويعملوا يدا واحدة على منع الجنجويد ،ومن يقف وراءهم من تحقيق أهدافهم ،لأن في تحقيق تلك الاهداف نهاية للدولة السودانية،ووجود السودانيين كشعب له هوية وثقافة وذاكرة تاريخية. وليس من سبيل الى افشال هذا المشروع الاجرامي، ،الا بالاصطفاف مع القوات المسلحة،ومن يشاركها شرف الدفاع عن الوطن،لانها ومن معها، تمثل الجهة الوطنية التي تتصدى لذلك المشروع ،والعمل على هزيمته ودفعه،لانه اذا انتصر حميدتي ومليشياته ومن يدفع به، لا قدر الله ، فسيصبح مستقبل السودان في مهب الريح.ولن يجد الفرقاء المتشاكسون وطناً يختلفون حوله. “والله غالب على أمره، ولكن اكثر الناس لا يعلمون”
• تعليق على المقال بعنوان: اذا كان الاسلام دينا الهيا عالميا ابديا ،فلماذا يحمل في طياته كل سمات الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي ،بكل تفاصيلها البيئية والاجتماعية والثقافيه” المنشور في موقع الراكوبة،على الرابط التالي:
https://www.alrakoba.net/32172489/%d8%a5%d8%b0%d8%a7-%d9%83%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%af%d9%8a%d9%86%d8%a7%d9%8b-%d8%a5%d9%84%d9%87%d9%8a%d8%a7%d9%8b-%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%8a%d8%a7%d9%8b-%d8%a3
ahmedm.algali@gmail.com
