ناصر السيد النور
ما أعلنه الجيش السوداني من تقدم أحرزه على صعيد المدن والمناطق التي تمكّنَ من استعادتها الأسبوع الماضي وما يحمله من مؤشرات على الميدان العسكري خلال الحرب الدامية منذ أكثر من ثلاث سنوات، بثير التساؤل عما إذا كان هذا التقدم سيفتح الطريق نحو بداية جولة جديدة على صعيد العمليات العسكرية من زحف تجاه المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، من ثم تحقيق انتصار حاسم مؤداه سحق قوات الدعم السريع.
والخبر، بحسب بيان الجيش السوداني الصادر الاحد الماضي، فقد تمكنت قواته من استعادة مناطق (بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة وأم قرفة) في ولاية شمال كردفان المحاذية للعاصمة السودانية. ولهذا المواقع أهمية استراتيجية للطرفين فإن السيطرة عليها أو فقدانها يعني عمليا التغيير والتحكم بالمواقف العسكرية اللاحقة.
والمعارك الأخيرة ليست فصلا جديدا في مسار الحرب المستمرة أو تفاصيلها المتجددة في مسار الحرب السجالية بين الطرفين، من حرب المدن والمناطق الممتدة بين ولايات السودان على امتداد نطاق جغرافيات شاسعة باتت الآن ميادين لتبادل إطلاق النار بعد أن أخليت من سكانها كنتيجة لمأساة الحرب وتداعياتها. فإذا كان الجيش والحركات المتحالفة معه قد انجزوا بالمعنى العسكري تقدما عسكريا أهم محاور القتال ظلت لسنوات خارج السيطرة، فإن إعادة تشكيل الخارطة العسكرية بين تقدم قوات الجيش وتراجع قوات الدعم في مستقبل الأيام قد يلقي بآثاره الإنسانية بما يشمل المزيد من الانتهاكات والانتقامات التي ينفذها المنتصرون أو المنسحبون على السواء.
ولكن من جانب آخر، وردا على هذه المعارك الأخيرة ونتائجها، خرج قائد قوات الدعم محمد حمدان دقلو (حميدتي) متوعدا – كالعادة – بمواصلة القتال حاضا جنوده على تغيير طريقة القتال، أو «تغيير اللعبة» على حد تعبيره. وزاد عليه في آخر حديث له بين قواته بأن هدفه المقبل هو العودة إلى الخرطوم التي انسحبت منها قواته دون معارك منذ بدايات العام الماضي. والخطاب نفسه يكشف تجاوزات واقعية أقرب إلى الحماسة أكثر مما هي خطط يملك الدعم السريع القدرة على تنفيذها في ظل موقف الدعم ميدانيا. ويرى محللون أن خطاب «حميدتي» يوحي ضمنيا بهزيمة في المعارك الأخيرة وأن طريقة مخاطبته أفصحت عن خلل في القيادة تعاني منها قواته المتناثرة على مساحات واسعة دون سيطرة محكمة.
وحول العمليات العسكرية وتطوراتها على صعيد الزحف فإن صد الجيش هجوما مباغتا لقوات الدعم على مدينة الأبيض له مؤشرات عسكرية شديدة الأهمية. فقد أصدرت حكومة تأسيس التي يرأسها حميدتي بيانا تدين فيه الهجوم على مناطق سيطرتها، وهو في جانب منه يعترف البيان ضمنيا بما حققه الجيش من تقدم في محاور ذات أهمية استراتيجية قصوى خاصة السيطرة على طريق الصادرات الذي يربط بين ولايتي الخرطوم وكردفان؛ وأطلق البيان على نتائج هذه المعارك «تصعيدا يقوض كل الجهود الرامية إلى التهدئة.» ولعب هذا الموقع في بدايات الحرب دورا مركزيا ما مكّن قوات الدعم من مواصلة إمدادها وتأمين خطوطها الأمنية بين العاصمة التي غادرتها حكومة الفريق البرهان منذ بدايات الحرب في 2023 وانتقلت إلى مدينة بورتسودان الساحلية.
هذه التطورات المتصاعدة على جبهات القتال ربما أعادت إلى الواجهة تصميم الطرفين على مواصلة القتال على فداحة ما يدفعه المدنيون من خسائر ومعاناة مستمرة. ثم إن الجهود الدولية وآخرها مبادرة المقترحات الأمريكية التي تطالب بهدنة إنسانية لمدة ثلاثين أو تسعين يوما لوقف إطلاق النار حتى تتمكن المساعدات الإنسانية من الوصول إلى المنكوبين ومن ثم التمهيد لفتح مسار جديد للحوار السياسي يفضي إلى إنهاء الحرب واستعادة المسار الديمقراطي في الدولة المدنية. وقلنا مؤخرا أن طرفي الحرب لا يذعنان إلى السلام بالشكل الذي يتصوره أو يقدمه المجتمع الدولي إلا تكتيكا مرحليا ومناورة سياسية لتنجب ضغط وإدانات المجتمع الدولي، دون نوايا جادة تهدف إلى وضع حد لمعاناة المواطنين وإنهاء الحرب.
إن المواجهات العسكرية التي أدت إلى استعادة المناطق التي أشار إليها بيان الجيش في شمال ولاية كردفان تزيد من عبء المجهود العسكري لقوات الدعم في حال فقدها كما جرى، أو محاولة استعادتها كما يتوعد قائدها. وتكشف هذا التطورات أيضا عن دعم لوجيستي على مستوى التسليح متعدد المصادر الذي يستخدمه الطرفان بما تشهده أجواء وحدود السودان من تدفق للسلاح من دول لديها مصالحها ورؤيتها الاستراتيجية في استمرار الحرب إن تكون شعارات الحرب الداخلية وما تحمله من تبريرات لخوض الحرب تتفاوت بين الكرامة والتهميش إلى آخر سلسلة التبرير السياسي للحرب والبحث عن غطاء شرعي مفقود.
ولأن الحفاظ والاستمرار على تأمين موارد الحرب لابد لها من مواقف سياسية تدعمها وتنازلات سياسية تقدم على حساب الأهداف العليا للدولة التي تراجعت سرديتها، فإن ما أحدثته الحرب من دمار شامل وإنهاك في القدرات القتالية للجيش جعل من سياسة حكومة الأمر الواقع في بورتسودان أن تفتح أبوابا ملعنة وسرية اختلفت معها نوعية التسليح من المسيّرات إلى السلاح الكيميائي المتهمة باستخدامه من قبل الولايات المتحدة الأمريكية كما كشف مكتب الشؤون الإفريقية في وزارة الخارجية الأمريكية بأنها قد خلصت إلى أن الجيش السوداني استخدم أسلحة كيميائية عام 2024. وبالتالي يصبح خيار المعارك على افتراض إعادة سيادة الدولة «المعترف» بها قد لا يؤدي إلى، قياسا إلى انتهاكات الحرب، إلى سلام تنشده القوى المدنية السياسية السودانية أو القوى الدولية كما يرد في بياناتها التي تشجب ما يجري دون تدخل نافذ. وبهذا تكون الأزمة السودانية لازالت تتخذ الخيار العسكري كحل وحيد لإنهاء الحرب نفسها، مع تجاهل ما تفرزه هذه المواجهات المتصاعدة على الصعيد المدني والاجتماعي بين مكونات الشعب السوداني.
وكما يرى مراقبون فإن هذه التطورات العسكرية وما نتج عنها من تحولات محورية في المشهد الميداني ستنعكس سياسيا على الموقف من التفاوض، وستدفع الجيش بالتالي إلى مواصلة هجماته ضد الدعم السريع على مدى خطوط انسحابه من مناطق فقد السيطرة عليها. وأصبحت قواته في موقف التراجع بما يشير إلى تكبدها هزائم عسكرية مؤثرة. وفي هذا السياق فإن التراجع السياسي بات يشكل خطرا على محاولات السلام الداخلية منها والخارجية في حال انتظار الطرفين (الجيش والدعم السريع) ما تكشف عنه النتائج العسكرية اللاحقة ربما تتحقق وفقا للواقع المستجد عسكريا في وقت يزداد فيه التراجع السياسي والمدني للحرب حيث تبقى التوقعات رهينة لما يجري من علميات عسكرية. إن أي تقدم مقبل يجعل من جبهات القتال على الولايات الغربية، حيث مواقع وتحصينات وحواضن الدعم السريع، مكشوفة خاصة على مستوى سلاح الطيران الذي يتفوق الجيش فيه، وإن يكن من المستبعد لأسباب لوجستية وجغرافية مواصلة الجيش زحفه نحو مناطق سيطرة قوات الدعم كما يعد قادة الجيش.
مهما يكن من أمر، فإن هناك صراعا بين طرفين تتفاوت بينهما موازين القوة وشرعية الحكم بين حكومة واقع معترف بها دوليا وأخرى موازية (تحالف تأسيس) تسعى إلى فرض واقعي انفصالي لم تستطع الإمساك بعد بتفاصيله. وبهذا التوجه العسكري المتصاعد وتداعياته الكارثية المنتظرة سيعقّد من واقع الأزمة السودانية على كافة الأصعدة خاصة وأن ازدياد العمليات العسكرية من قبل الطرفين سيدفع – قبل النتائج العسكرية – بالبلاد إلى إعادة ما جرى في بداية الحرب من انتهاكات لا زال بعضها مستمرا إلى دائرة من العنف المتوحش دون معايير أخلاقية ضابطة حتى بالمعنى العسكري. وأصبح هذا النزاع الدامي متعدد الوسائل والمراحل خاضعا للتدخلات الدولية وتوازنات الدول الإقليمية التي حول تدخلها النزاع من حرب أهلية إلى مسرح تنافس تحدت فيه المنافسة من قبل الداعمين للطرفين.
كاتب سوداني
نشر بالقدس العربي اللندنية# 1 أغسطس 2026م.
nassyid@gmail.com
