تأمُلات
كمال الهِدَي
كثيراً ما يردد بعضنا عبارات من قبيل: “هذه الحرب أخرجت أسوأ ما فينا”، بينما يتساءل آخرون: “أين كنا وإلى أين صرنا؟ وأين السوداني الشهم، الكريم، المتسامح الذي عرفناه؟”
وظني أن الحرب لم تفعل فينا أكثر من أنها كشفت ما كان مستتراً، وأزاحت الغطاء عن جوانب من شخصيتنا الفردية والجماعية كنا نفضل تجاهلها.
يبدو أننا، في كثير من الأحيان، عشنا أسرى صورة مثالية رسمناها لأنفسنا، واعتمدنا على شعارات لم تسندها الممارسة الفعلية. وإلا، فكيف لحرب أن تقلب سلوكيات مجتمع بأكمله منذ أسابيعها الأولى؟ لو كانت تلك القيم متجذرة حقاً فينا، لاحتاج الأمر إلى سنوات من القهر والجوع والخوف حتى تتآكل، لا إلى أيام أو ساعات.
لكن ما حدث كان مختلفاً؛ فقد ظهرت أسوأ الممارسات سريعاً، وربما منذ الساعات الأولى لاندلاع حرب بدت، هي الأخرى، شاذة في كل تفاصيلها منذ بدايتها.
ولأننا مجتمع يحمل في داخله تناقضات حادة، قادر على الجمع بين أرقى الصفات وأسوأها في الوقت نفسه، فما إن سادت الفوضى وأُجبر المواطنون على مغادرة منازلهم في العاصمة، حتى رأينا الجار ينهب منزل جاره، وحارس العمارة أو المنزل يستولي على ما استطاع الوصول إليه، بل وشاهدنا رجالاً ونساءً يتسابقون إلى المصانع والمتاجر لنهب ما أمكن حمله، وكأن الجميع في سباق مع الزمن للاستيلاء على ممتلكات الآخرين.
أما الانقسام الحاد حول الحرب منذ ساعاتها الأولى، فهو أيضاً مؤشر على أننا لم نكن بذلك القدر من التسامح الذي تصورناه عن أنفسنا. بدا الأمر وكأن كثيرين كانوا ينتظرون فقط من يرفع عنهم ستار المجاملة ليعبروا عن أسوأ ما يحملونه تجاه بعضهم البعض.
نحن، في تقديري، نعاني من تناقضات عميقة، ونميل إلى تعليق أخطائنا على شماعات جاهزة. وإلا، كيف استطاع الإسلاميون، أو غيرهم، أن يتغلغلوا بهذا القدر في أحزابنا وتنظيماتنا السياسية، وأنديتنا الرياضية، ومنظماتنا الطوعية، ومؤسساتنا الإعلامية؟ ولماذا سمحت القوى المناهضة لهم بوجود هذا الكم من “الغواصات” داخل صفوفها، حتى وصل الأمر إلى اختراق مكتب رئيس حكومة الثورة نفسه؟
وكيف وجد قائد قوات الدعم السريع كل ذلك التجاوب مع خطابه وتصرفاته قبل اندلاع الحرب؟ ومن أين جاء بكل أولئك الزعماء الأهليين الذين كانوا يترددون على منزله ومكتبه طلباً للدعم والمال؟ أليسوا أبناء هذا المجتمع نفسه الذي ظللنا نصفه بالشهامة والوطنية؟
ولماذا سكتت جماهير الناديين الكبيرين عن جر بعض الإداريين لهذين الناديين إلى مواقف سياسية لا تمت للرياضة بصلة؟ وما زلت أذكر اليوم الذي توجه فيه فريقا الهلال والمريخ إلى مدينة الجنينة لخوض مباراة قيل إنها جاءت دعماً لحميدتي، وما كتبته آنذاك عن الموقف الذي رأيته مخزياً، خصوصاً من جماهير الهلال التي طالما قدمت ناديها بوصفه نادي الحركة الوطنية.
وهل نسينا أن عدداً من المطربين، من جيل محمود عبد العزيز ونادر خضر ـ رحمهما الله ـ وفرفور والبنا وغيرهم، ارتدوا زي الدفاع الشعبي، وغنوا في مناسبات النظام السابق، وأسهموا، بدرجات متفاوتة، في مخاطبة الشباب وتجميل صورة السلطة؟ ومع ذلك، تعاملنا مع كثير منهم لاحقاً بوصفهم رموزاً ومناضلين، وكأن تلك المرحلة لم تكن جزءاً من تاريخهم. ولا يزال يصعب عليّ فهم كيف نثور على نظام سياسي، ثم نحتفي في الوقت نفسه بمن ساعد، عن قصد أو عن غير قصد، في ترسيخ حضوره.
ظلِلنا نصف نظام الكيزان بالدكتاتورية والتسلط، وهو وصف صحيح بلا شك. لكن عندما تشكلت حكومة الثورة، وخلال فترتها القصيرة، رأينا جموعاً تدافع عن قوى الحرية والتغيير وعن الدكتور حمدوك بالحق وبالباطل، وهو سلوك ما زال مستمراً حتى يومنا هذا. وكثيراً ما هاجمنا كل من وجّه إليهم نقداً، في ممارسة لا تختلف كثيراً عما كان ينتهجه نظام الكيزان نفسه.
نحن شعب ذو مفارقات عجيبة؛ نفرح لإنجازات الآخرين، وندافع عن مكتسباتهم أكثر مما نحتفي بإنجازاتنا، ونحزن لمصائب غيرنا أكثر مما نأسى على مآسينا.
تُنتهك حقوق أهل غزة ويُقتلون ظلماً، فنسارع إلى رفع الشعارات الداعمة لهم، وهذا موقف إنساني نبيل. لكن عندما يُقتل بعض أهلنا، لا نجد القدر نفسه من التعاطف، بل سرعان ما ننقسم بين شامت وحزين، وبين مكلوم ومؤيد لذلك القتل الجائر.
وعندما يُهزم المنتخب المصري، ينبري عدد من كتابنا للتعبير عن تضامنهم معه، ويخوضون في تبرير أسباب الهزيمة، بينما لا تكاد تسمع أصواتهم عند هزائم منتخباتنا وأنديتنا المتكررة، ولا عند ما تتعرض له تلك الأندية من ظلم أو تهميش.
وفي الأيام الماضية، لمع اسم اللاعب السوداني الفرنسي مهند الجزولي بعد أن ضمه مدرب تشيلسي، تشابي ألونسو، إلى قائمة الفريق الأول. فكيف كان تفاعلنا كسودانيين مع هذا الإنجاز؟ بدلاً من تقديم الدعم المطلق للاعب ينحدر من أب سوداني، بدأ كثيرون يتساءلون عن قبيلته ومنطقته في السودان، وكأنهم يمهدون لانقسام جديد حوله. بينما نرى شعوباً عربية وأفريقية تحتفي بأي لاعب لهم يبرز في نادٍ عالمي، وتلتف حوله دون تردد. وخير مثال على ذلك المصري حمزة عبد الكريم؛ فما إن انضم إلى رديف برشلونة حتى سلط الإعلام المصري الضوء على موهبته، واستُدعي إلى المنتخب الوطني، وحرص ناديه على الترويج له بأفضل صورة، في إطار دعمه وحمايته وتعزيز حضوره.
الأمثلة على سلوكياتنا السلبية أكثر من أن تُحصى أو تُعد، ومع ذلك نحاول دائماً التغاضي عنها أو تبريرها بدلاً من مواجهتها ومراجعتها بصدق. ولهذا، كلما ظننا أننا خرجنا من حفرة، وجدنا أنفسنا نسقط في حفرة أعمق منها.
kamalalhidai@hotmail.com
