دكتور محمد عبدالله
ثمة قصائد لا يطويها الزمن، لأنها لا ترتبط بحدث عابر أو مناسبة مؤقتة، وإنما تمسّ شيئاً مستقراً في وجدان الناس. ومن هذا القبيل قصيدة «في الفؤاد ترعاه العناية» للشاعر والدبلوماسي الراحل يوسف مصطفى التني، التي تجاوزت منذ زمن طويل حدود النشيد الوطني إلى فضاء أرحب، حيث تمتزج العاطفة بالفكرة، ويغدو الشعر تعبيراً عن رؤية أخلاقية للإنسان والوطن.
ما يلفت في هذه القصيدة أنها لا تبدأ بالحديث عن الأرض أو الحدود أو التاريخ، وإنما تبدأ بالقلب، وكأن الشاعر يريد أن يقول إن الوطن الحقيقي لا يُقام أولاً على الخرائط، بل في الضمائر:
في الفؤاد ترعاه العناية
بين ضلوعي الوطن العزيز
غير سلامتك ما عندي غاية
لي عداه بسوي النكاية
وإن هزمت بلملم قواي
إن شاء الله تسلم وطني العزيز
في هذه الأبيات لا يتحدث التني عن وطن يُحب لأنه يمنح، وإنما عن وطن يستحق الحب لذاته. وسلامة الوطن عنده ليست وسيلة إلى غاية، بل هي الغاية نفسها. حتى الهزيمة الشخصية لا تستحق الوقوف عندها؛ فما دام الوطن باقياً، فإن الإنسان قادر على أن «يلملم قواه» ويبدأ من جديد. ولعل هذه النظرة هي ما يمنح القصيدة صدقها الإنساني، إذ تنأى بها عن الخطابة المباشرة، وتقرّبها من التجربة الشعورية العميقة.
ثم يلتفت الشاعر إلى أولئك الذين يصنعون الوطن بعيداً عن الأضواء:
شفنا فيهم جواب فيافي
والبطير ويسابق السوافي
ما مرادوا عفارم عوافي
غير يمجد وطنو العزيز
لا يرسم التني صورة البطل الاستثنائي، بل يحتفي بالإنسان السوداني البسيط؛ بالمزارع والراعي والجندي والعامل، أولئك الذين يواجهون قسوة الحياة بصبر، ولا يطلبون من عطائهم سوى أن يبقى وطنهم مرفوع الرأس. وفي هذا الاحتفاء بالإنسان العادي ملمح إنساني يميز القصيدة، ويجعلها أقرب إلى نبض المجتمع منها إلى لغة الشعارات.
غير أن أكثر ما يمنح القصيدة راهنيتها هو وقوفها عند قضية الهوية الوطنية. ففي وقت كانت العصبيات القبلية أقل حضوراً في الخطاب العام، أدرك الشاعر مبكراً الخطر الكامن في تقديم الانتماءات الضيقة على الانتماء الوطني، فقال:
نحن للقومية النبيلة
ما بندور عصبية القبيلة
تربي فينا ضغائن وبيلة
تزيد مصائب الوطن العزيز
تكاد هذه الأبيات تُقرأ اليوم بوصفها تعليقاً على ما آلت إليه أحوال السودان. فالتني لا يهاجم القبيلة بوصفها مكوّناً اجتماعياً، وإنما يرفض أن تتحول إلى مشروع سياسي ينافس فكرة الوطن. وهو يفرق بوضوح بين الاعتزاز بالجذور، وبين التعصب الذي يزرع الأحقاد ويبدد طاقات المجتمع. ومن هنا تبدو القصيدة، بعد مرور عقود على كتابتها، أكثر قرباً من واقع السودان مما كانت عليه يوم ولدت.
ويبلغ هذا المعنى ذروته في قوله:
مالي مال تاريخ القبيلة
نحن شعبة وحيدة وأصيلة
علمونا جديدا وقبيلا
كأمة واحدة بوطن عزيز
لا يدعو الشاعر إلى إنكار التاريخ، وإنما إلى تجاوزه حين يصبح عائقاً أمام بناء الدولة. فالأمم لا تتقدم إذا بقيت أسيرة انقساماتها الأولى، وإنما حين تنجح في تحويل تنوعها إلى عنصر قوة، وفي ترسيخ هوية وطنية تتسع للجميع.
ولا تغيب عن القصيدة قضية الاستقلال الثقافي والثقة بالذات، كما يتجلى في قوله:
بي ديني بعتز وأفخر وابشر
ما بهاب الموت المكشر
ما بخش مدرسة المبشر
وعندي معهد وطني العزيز
مهما اختلفت القراءات لهذا المقطع في سياقه التاريخي، فإن جوهره يظل دعوة إلى الاعتزاز بالهوية وعدم الارتهان للآخر. وليس المقصود رفض العالم أو الانغلاق عليه، وإنما الإيمان بأن النهضة لا تُستعار جاهزة، بل تُبنى من داخل المجتمع، مستندة إلى قيمه وثقافته ومؤسساته.
ويتصل بذلك قوله:
عندي وطني يقضي لي حاجة
كيف أسيبه وأروح لي خواجة
يغني وطنه ويحيجني حاجة
في هواك يا وطني العزيز
وربما كان هذا المقطع أكثر ما يستدعي التأمل في زمن كثرت فيه الهجرة، وأصبح البحث عن المستقبل خارج الوطن حلماً مشروعاً للكثيرين. غير أن التني يذكّر بأن الأوطان لا تنهض إلا بأبنائها، وأن الإيمان بإمكانية النهوض هو الخطوة الأولى في طريقه.
بعد كل هذه السنوات، لا تبدو «في الفؤاد ترعاه العناية» مجرد قصيدة وطنية جميلة، بل نصاً يتجاوز زمنه. فهي لا تقدم تعريفاً للوطن بقدر ما تقدم تصوراً للعلاقة الأخلاقية التي ينبغي أن تربط الإنسان بوطنه؛ علاقة تقوم على المسؤولية قبل الحقوق، وعلى الانتماء قبل المصالح، وعلى الإيمان بأن ما يجمع الناس أكبر دائماً مما يفرقهم.
ولعل هذا هو السر في بقائها حية في الوجدان السوداني. فالشعر العظيم لا يشيخ لأنه يلامس ما هو ثابت في النفس الإنسانية، ويوسف مصطفى التني كتب قصيدته وهو يحلم بوطن يتسع لأبنائه جميعاً، وطنٍ يسمو على العصبيات والانقسامات، ويجد فيه كل سوداني نفسه شريكاً لا غريباً. وإذا كانت البلاد قد دفعت، وما تزال تدفع، ثمناً باهظاً لتغليب الولاءات الضيقة على المصلحة الوطنية، فإن هذه القصيدة تظل تذكيراً بأن الشعر، في لحظاته الكبرى، لا يكتفي بوصف الواقع، بل يضيء الطريق إلى ما ينبغي أن يكون.
muhammedbabiker@aol.co.uk
