⭐ الباب الأول؛ مفهوم العقد الإجتماعي؟!…(٢)
🔴 لماذا لم يُؤسَّس السودان بعد
علاء خيراوي
في صباح الأول من يناير عام ١٩٥٦، وقف السودانيون أمام ميلاد دولتهم المستقلة بأحلام تكاد لا تحدها حدود. ارتفع عَلَم جديد، وغادر المستعمر، وأصبح للسودان مقعد بين الدول ذات السيادة. وبدا لكثيرين أن رحلة بناء الدولة قد انتهت لحظة إعلان الاستقلال، بينما كانت الحقيقة أكثر تعقيدًا؛ فقد انتهى الاستعمار، لكن الدولة الوطنية لم تكن قد اكتملت بعد. فالاستقلال السياسي ليس هو الدولة، كما أن رفع العلم ليس هو تأسيس الأمة، وإجراء الانتخابات ليس هو الديمقراطية. قد تستقل البلاد وتبقى السلطة بلا شرعية متفق عليها، وقد تُكتب الدساتير وتظل الدولة عاجزة عن إقناع مواطنيها بأنها تمثلهم جميعًا. ولذلك فإن تاريخ كثير من الدول يبين أن أصعب مراحل البناء لا تبدأ قبل الاستقلال، بل بعده؛ حين يصبح على أبناء الوطن أنفسهم أن يجيبوا عن الأسئلة التي كان المستعمر يؤجلها أو يفرض لها إجابات بالقوة.
من هنا تبدأ الحكاية الحقيقية للسودان.
فعلى امتداد ما يقارب سبعة عقود، عرف السودان أنظمة مدنية وعسكرية، وانتخابات وانتفاضات، وثورات وانقلابات، واتفاقيات سلام ودساتير انتقالية، ثم عاد في كل مرة إلى النقطة نفسها؛ أزمة شرعية، وصراع على السلطة، وحروب أهلية، وانهيار اقتصادي، وانقسام اجتماعي. وكلما ظن الناس أن الأزمة انتهت، اكتشفوا أنها كانت قد غيرت شكلها فقط. هذا التكرار ليس مصادفة تاريخية، ولا نتيجة أخطاء أفراد بعينهم، على الرغم من أن مسؤولية القادة والنخب لا يمكن إنكارها. إنه يشير إلى خلل أعمق في بنية الدولة نفسها؛ خلل يجعل كل أزمة تُنتج أزمة جديدة، وكل تسوية تحمل في داخلها بذور انهيارها المقبل.
لقد انشغل السودانيون طويلًا بالسؤال؛ من يحكم السودان؟ لكنهم نادرًا ما توقفوا أمام السؤال الأهم؛ “ما هو السودان الذي نريد أن نحكمه؟” وما طبيعة الدولة التي يتساوى فيها الجميع أمام القانون؟ وما الأساس الذي يمنح أي حكومة حق ممارسة السلطة على ملايين المواطنين المختلفين في ثقافاتهم ولغاتهم وأديانهم وأقاليمهم؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل هي جوهر ما يُعرف في الفكر السياسي الحديث بـ العقد الاجتماعي؛ أي الاتفاق الذي يمنح الدولة شرعيتها، ويحدد حدود سلطتها، ويضمن حقوق المواطنين وواجباتهم، ويجعل القوة خاضعة للقانون لا القانون خاضعًا للقوة. إن الدول المستقرة لا تقوم فقط على الدساتير والجيوش والمؤسسات، وإنما تقوم قبل ذلك على اقتناع أغلبية مواطنيها بأن قواعد اللعبة السياسية عادلة، وأن تغيير الحكومات لا يحتاج إلى حرب، وأن الحقوق الأساسية لا تتبدل بتبدل الحكام، وأن الجيش يحمي الدولة ولا يحكمها، وأن القضاء يحكم بالقانون لا بموازين القوة، وأن الانتماء للوطن يسبق الانتماءات السياسية أو القبلية أو الجهوية.
وحين يغيب هذا الاتفاق، تتحول الدولة إلى غنيمة تتنافس عليها الجماعات، ويصبح السلاح طريقًا مختصرًا إلى السلطة، ويغدو الدستور وثيقة مؤقتة تُعدَّل مع كل انقلاب أو تسوية سياسية، بينما يفقد المواطن ثقته في أن الدولة تمثله وتحميه. ومن هذا المنطلق، تظهر فرضية مركزية تقول إن السودان لم يفشل لأنه يفتقر إلى الموارد، أو لأنه بلد متعدد الثقافات، أو لأنه لم يعرف دساتير أو انتخابات، بل لأنه لم ينجح، منذ الاستقلال وحتى اليوم، في بناء عقد اجتماعي جامع يحدد بصورة نهائية؛ من يملك السلطة؟ ومن يملك السلاح؟ وكيف تُوزع الثروة؟ وما حدود العلاقة بين الدين والدولة؟ وكيف تُدار العلاقة بين المركز والأقاليم؟ وما الحقوق التي لا يجوز لأي أغلبية سياسية أو مؤسسة عسكرية أو جماعة دينية أن تنتزعها من أي مواطن؟ هذه الفرضية لا تدعي أن جميع أزمات السودان تعود إلى سبب واحد، لكنها ترى أن غياب العقد الاجتماعي هو القاسم المشترك الذي جعل بقية الأزمات تتكرر جيلاً بعد جيل. فالدساتير كُتبت ثم أُلغيت، والاتفاقيات وُقعت ثم انهارت، والحكومات تشكلت ثم سقطت، لأن الأرضية التي كان ينبغي أن تستند إليها ظلت هشة ومتنازعًا عليها.
🟠 هل وُلدت الدولة قبل العقد الاجتماعي أم وُلد العقد الاجتماعي قبل الدولة؟
قد يبدو السؤال نظريًا لأول وهلة، لكنه في الحقيقة يحدد مصير الأمم. فعندما ننظر إلى تاريخ الدول، نجد أن بعضها نشأ بعد توافق طويل بين مكوناته الاجتماعية حول شكل الدولة، بينما نشأت دول أخرى نتيجة احتلال، أو استعمار، أو غلبة عسكرية، أو توحيد قسري، ثم حاولت لاحقًا بناء عقدها الاجتماعي. وفي كلتا الحالتين، لا يصبح وجود الدولة مستقرًا إلا عندما يقتنع أغلب مواطنيها بأن الدولة تعبر عنهم جميعًا، وأن سلطتها ليست امتدادًا لهيمنة جماعة على أخرى، بل نتيجة اتفاق عام على قواعد العيش المشترك.
هنا يبرز التمييز بين قيام الدولة واكتمال الدولة. فقد تقوم الدولة بقوة السلاح، أو بقرار دولي، أو بانسحاب المستعمر، لكنها لا تكتمل إلا عندما تتحول من سلطة مفروضة إلى سلطة مشروعة في نظر مواطنيها. فالدولة التي تعتمد على القوة وحدها تستطيع أن تفرض النظام لفترة، لكنها لا تستطيع أن تخلق ولاءً دائمًا أو استقرارًا مستدامًا. ولعل هذا ما يفسر المفارقة التي شهدها السودان منذ الاستقلال. فقد امتلك كل ما يجعل العالم يعترف به دولة ذات سيادة؛ حدودًا معترفًا بها، وعلمًا، وحكومة، وجيشًا، وعملة، وتمثيلًا دبلوماسيًا. لكنه ظل، في الوقت نفسه، عاجزًا عن بناء إجماع وطني حول طبيعة تلك الدولة. ولذلك كان الصراع في السودان، في جوهره، صراعًا على تعريف الدولة نفسها، قبل أن يكون صراعًا على من يحكمها.
لقد اختلف السودانيون حول أسئلة لم تُحسم منذ الاستقلال؛ هل السودان دولة مركزية أم فيدرالية؟ هل تقوم شرعية الدولة على المواطنة أم على هوية دينية أو ثقافية بعينها؟ كيف تُوزع السلطة بين المركز والأقاليم؟ من يحتكر استخدام القوة؟ وما الحدود الفاصلة بين الجيش والسياسة؟ وما موقع الدين في المجال العام؟ وحين تُترك هذه الأسئلة الكبرى بلا حسم، فإنها لا تختفي، بل تعود في كل أزمة بثمن أعلى من سابقتها. ولذلك، فإن أخطر وهم وقع فيه كثير من النخب السودانية هو الاعتقاد بأن تغيير الحكومات يكفي لإصلاح الدولة. فتبدلت الحكومات، وتعاقبت الدساتير، وتغيرت أسماء الأنظمة، بينما بقيت الأسئلة المؤسسة بلا جواب. وهكذا أصبح السودان يغيّر من يدير الدولة، لكنه لا يغيّر قواعد إدارتها، ويبدّل الحكام دون أن يعيد تأسيس العلاقة بين الدولة والمجتمع.
ومن هنا تنشأ الفكرة المركزية لهذا الكتاب؛ إن السودان لا يعيش أزمة انتقال سياسي فحسب، بل يعيش أزمة تأسيس سياسي. والفرق بينهما جوهري؛ فالانتقال السياسي يفترض وجود دولة مستقرة تحتاج إلى تغيير حكومتها أو نظامها، أما أزمة التأسيس فتشير إلى أن القواعد التي تقوم عليها الدولة نفسها ما تزال موضع نزاع. ولهذا السبب، فإن معظم الاتفاقيات التي شهدها السودان منذ الاستقلال كانت تسويات بين القوى المتصارعة أكثر منها عقودًا اجتماعية بين المواطنين. فقد اهتمت بتوزيع المناصب، وتقاسم السلطة، ووقف إطلاق النار، لكنها نادرًا ما أعادت طرح السؤال الأكبر؛ أي دولة نريد أن نبني؟ ولمن تنتمي هذه الدولة؟ وسيحاول هذا الكتاب أن يجيب عن هذا السؤال من خلال العودة إلى أصل الفكرة نفسها؛ كيف نشأ مفهوم العقد الاجتماعي؟ وكيف تطور عبر التاريخ؟ وهل يكفي وحده لبناء دولة عادلة؟ أم أن التجارب الحديثة تجاوزت التصورات الكلاسيكية إلى نماذج أكثر تعقيدًا وشمولًا؟
🟣 كيف نشأت فكرة العقد الاجتماعي؟
لم يولد مفهوم العقد الاجتماعي مع فلاسفة القرن السابع عشر كما يعتقد كثيرون، بل هو ثمرة رحلة طويلة من التفكير في سؤال لازم الإنسان منذ أن عرف الحياة المنظمة؛ لماذا يطيع الناس السلطة؟ وما الذي يمنح الحاكم حق إصدار الأوامر، ويُلزم الآخرين بطاعتها؟ وهل تقوم السلطة على القوة وحدها، أم على رضا المحكومين، أم على مصدر ديني، أم على توافق اجتماعي؟ هذه الأسئلة رافقت الحضارات القديمة جميعها. ففي مصر القديمة وبلاد الرافدين والصين والهند واليونان، حاول المفكرون والحكام تبرير السلطة بطرق مختلفة. رأى بعضهم أن الحاكم يستمد سلطته من الآلهة، ورأى آخرون أن القوة العسكرية هي أساس الحكم، بينما اعتقد فريق ثالث أن العدالة وحدها هي التي تمنح السلطة شرعيتها. ومع اختلاف الإجابات، بقي السؤال نفسه حاضرًا في كل عصر؛ ما الذي يجعل الناس يقبلون أن يخضعوا لقانون واحد وسلطة واحدة؟ كان أفلاطون يرى أن الدولة الفاضلة تقوم حين يحكم الحكماء الذين يمتلكون المعرفة والحكمة، بينما اعتبر أرسطو أن الإنسان كائن سياسي بطبيعته، وأن الدولة ليست اختراعًا مصطنعًا، بل امتداد طبيعي لتطور الأسرة والقرية حتى تبلغ المجتمع السياسي الكامل. وفي الحضارة الإسلامية، تناول الفارابي المدينة الفاضلة بوصفها مجتمعًا يتعاون أفراده لتحقيق الخير العام، في حين انشغل الماوردي بشرعية السلطة وشروط الإمامة، وقدم ابن خلدون تفسيرًا مختلفًا يقوم على مفهوم العصبية، موضحًا أن الدول لا تنشأ فقط بالأفكار والقوانين، وإنما أيضًا بقوة الجماعات وقدرتها على التنظيم والغلبة، ثم لا تلبث أن تدخل دورة الضعف والانهيار عندما تفقد أسباب تماسكها.
ورغم أهمية هذه الإسهامات، فإنها لم تقدم مفهوم العقد الاجتماعي بصورته الحديثة. فقد كانت تبحث في أفضل أشكال الحكم، أو في صفات الحاكم، أو في أسباب قيام الدول وسقوطها، أكثر مما كانت تبحث في العلاقة التعاقدية بين الفرد والدولة.
ومع دخول أوروبا عصر النهضة، ثم الحروب الدينية التي مزقتها في القرنين السادس عشر والسابع عشر، عاد السؤال القديم بصورة أكثر إلحاحًا. فقد أودت تلك الحروب بحياة الملايين، وتحولت القارة إلى ساحة صراع بين الملوك والكنائس والجيوش والإقطاعيين. عندها بدأ الفلاسفة يبحثون عن أساس جديد للسلطة لا يعتمد على الحق الإلهي للملوك ولا على القوة المجردة، وإنما على اتفاق بين البشر أنفسهم. كانت تلك لحظة تاريخية فارقة؛ إذ انتقلت شرعية الدولة، في الفكر السياسي الحديث، من السماء إلى المجتمع، ومن النسب والقوة إلى الإنسان بوصفه مواطنًا يمتلك حقوقًا أصلية لا تمنحها الدولة، بل تلتزم بحمايتها. ومن هنا ولد مفهوم العقد الاجتماعي في صورته الحديثة. لم يعد السؤال؛ من هو أحق الناس بالحكم؟ بل أصبح؛ ما الشروط التي تجعل أي سلطة شرعية؟ ولم يعد المواطن مجرد تابع للحاكم، بل أصبح شريكًا في تأسيس السلطة، ومصدرًا نهائيًا لشرعيتها. هذا التحول لم يكن مجرد تطور فلسفي، بل غيّر مسار التاريخ السياسي كله. فمنه خرجت فكرة سيادة الشعب، وحقوق الإنسان، والفصل بين السلطات، وسيادة القانون، والدساتير الحديثة، والحكومات المنتخبة، والمسؤولية السياسية أمام المواطنين. ولم تعد الدولة، في صورتها المثالية، غاية في ذاتها، وإنما أصبحت وسيلة لخدمة المجتمع، بينما تحولت السلطة من امتياز شخصي إلى وظيفة عامة مقيدة بالقانون.
ومع ذلك، فإن العقد الاجتماعي لم يكن يومًا فكرة جامدة أو نظرية مكتملة. فقد اختلف الفلاسفة اختلافًا عميقًا حول طبيعته، وحدود سلطة الدولة، وحجم الحقوق التي يتنازل عنها الأفراد، ودور الحرية والمساواة والعدالة في هذا العقد. ولذلك فإن تاريخ العقد الاجتماعي ليس تاريخ نظرية واحدة، بل تاريخ جدل متواصل حول أفضل طريقة لتنظيم العلاقة بين الإنسان والدولة. وهذا الجدل لم ينته حتى اليوم، لأن كل مجتمع يواجه ظروفًا مختلفة، ولكل دولة تاريخها الخاص، ولكل شعب تجربته مع السلطة. فما يصلح لدولة مستقرة منذ قرون قد لا يصلح لدولة خارجة من حرب أهلية، وما نجح في مجتمع متجانس قد يفشل في مجتمع شديد التنوع. ولهذا فإن العقد الاجتماعي لا يُستورد جاهزًا، ولا يُنسخ من تجربة أخرى، بل يُبنى داخل المجتمع نفسه، انطلاقًا من تاريخه، وتنوعه، وتوازناته، وتطلعات مواطنيه. ومن هنا تبدأ أهمية الحالة السودانية. فالسؤال الذي يواجه السودان اليوم ليس كيف يطبق نظرية هوبز أو لوك أو روسو، وإنما كيف يصوغ عقدًا اجتماعيًا يعالج مشكلات سودانية خالصة، تراكمت عبر عقود من الحروب، والانقلابات، والتهميش، وتنازع الهويات، واختلال توزيع السلطة والثروة. فالعقد الاجتماعي ليس غاية أكاديمية، بل أداة لبناء دولة تستطيع أن تمنع تكرار المأساة، وتفتح أمام السودانيين أفقًا جديدًا لدولة يتساوى فيها الجميع أمام القانون، ويشعر كل مواطن بأنها دولته حقًا، لا دولة غيره.
العقد الاجتماعي؛ من اتفاق على السلطة إلى اتفاق على الكرامة الإنسانية.
حين صاغ توماس هوبز، ثم جون لوك، ثم جان جاك روسو نظرياتهم في العقد الاجتماعي، كانوا يحاولون الإجابة عن سؤال السلطة؛ من أين تستمد الدولة حقها في الحكم؟ وما الذي يجعل طاعة القانون واجبًا أخلاقيًا وسياسيًا؟ لكن التاريخ لم يتوقف عند إجاباتهم. فقد أثبتت القرون اللاحقة أن الدولة قد تقوم على عقد اجتماعي من الناحية النظرية، ثم تتحول في الواقع إلى أداة للظلم إذا لم يكن ذلك العقد قائمًا على حماية الكرامة الإنسانية. لقد كانت التجربة الأوروبية نفسها خير دليل على ذلك. فبعد الثورات الدستورية، جاءت الإمبراطوريات الاستعمارية التي حكمت شعوبًا كاملة دون رضاها. وبعد نشوء الدول القومية، اندلعت حربان عالميتان أودتا بحياة عشرات الملايين. وبعد التقدم الصناعي والعلمي، ظهرت أنظمة شمولية استخدمت مؤسسات الدولة الحديثة في ارتكاب أبشع الجرائم ضد مواطنيها. وكان ذلك درسًا قاسيًا للبشرية؛ فوجود الدولة، ووجود الدستور، ووجود الانتخابات، لا يكفي وحده لضمان العدالة.
ولهذا بدأ مفهوم العقد الاجتماعي يتطور. فلم يعد يقتصر على تنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، بل أصبح يشمل علاقة الإنسان بالدولة، وعلاقة الجماعات بعضها ببعض، وعلاقة الأجيال الحالية بالأجيال القادمة. وأصبح السؤال المركزي هو؛ كيف نبني دولة تحترم الإنسان، لا دولة تكتفي بإدارة شؤونه؟ ومن هنا دخلت مفاهيم جديدة إلى صلب العقد الاجتماعي؛ حقوق الإنسان، والمواطنة المتساوية، والعدالة الاجتماعية، وسيادة القانون، والمساءلة، والشفافية، وتكافؤ الفرص، وحماية الأقليات، واستقلال القضاء، وحرية التعبير، وحق المشاركة في الشأن العام. ولم تعد هذه القيم تُعدّ إضافات أخلاقية يمكن للدولة أن تأخذ بها أو تتركها، بل أصبحت جزءًا من الأساس الذي تستمد منه شرعيتها.
لقد تغيّر معنى الدولة نفسها. ففي الماضي كان نجاحها يُقاس بقدرتها على فرض النظام، أما اليوم فيُقاس أيضًا بقدرتها على احترام الحقوق، وتقديم الخدمات، وضمان المساواة، وحماية الضعفاء، وإدارة التنوع، وتحقيق التنمية. ولم يعد المواطن يقبل أن يُطلب منه الولاء لمجرد أن الدولة موجودة، بل أصبح يسأل؛ ماذا تقدم لي هذه الدولة؟ وهل تعاملني باعتباري مواطنًا كامل الحقوق أم تابعًا يمكن الاستغناء عنه؟ هذا التحول بالغ الأهمية بالنسبة للسودان. لأن كثيرًا من الأزمات التي عاشها لم تكن نتيجة غياب الدولة، بل نتيجة شعور قطاعات واسعة من المواطنين بأن الدولة لم تكن دولتهم بالمعنى الكامل. فقد رأى بعضهم أن الدولة تمثل المركز أكثر مما تمثل الأطراف، أو تعبر عن ثقافة أكثر مما تعبر عن بقية الثقافات، أو تحمي فئة أكثر مما تحمي الجميع. وحين يتكرر هذا الشعور عبر الأجيال، يضعف الانتماء إلى الدولة، وتزداد قوة الانتماءات البديلة، سواء كانت قبلية، أو جهوية، أو إثنية، أو دينية، أو مسلحة. وهنا ينبغي التمييز بين مفهومين كثيرًا ما يختلطان؛ السلطة والشرعية. فالسلطة تعني القدرة على إصدار الأوامر وتنفيذها، أما الشرعية فهي اقتناع الناس بأن من يمارس تلك السلطة يفعل ذلك وفق قواعد عادلة ومقبولة. قد تمتلك حكومة سلطة واسعة بفضل الجيش أو الشرطة أو السيطرة على الموارد، لكنها تظل فاقدة للشرعية إذا رأى المواطنون أنها لا تمثلهم أو لا تحترم حقوقهم. وفي المقابل، قد تتمتع حكومة بشرعية واسعة لكنها تعجز عن الحكم إذا كانت مؤسسات الدولة ضعيفة أو منهارة.
ولذلك فإن العقد الاجتماعي الناجح لا ينتج سلطة بلا قيود، ولا حرية بلا نظام، وإنما يخلق معادلة دقيقة يصبح فيها القانون فوق الحاكم والمحكوم معًا، وتصبح المؤسسات أقوى من الأفراد، وتصبح الحقوق مصونة حتى عندما تتغير الحكومات. إن المأساة السودانية تكمن في أن الجدل السياسي انشغل طويلًا بتغيير الأشخاص، بينما ظل السؤال عن قواعد الحكم نفسها مؤجلًا. تنافست الأحزاب على السلطة، واستولى العسكريون عليها، وحملتها الحركات المسلحة إلى موائد التفاوض، لكن الدولة بقيت تدور داخل الدائرة نفسها لأنها لم تحسم الأسئلة المؤسسة التي يقوم عليها أي عقد اجتماعي مستقر. ولهذا فإن إعادة تأسيس السودان لا تبدأ بالبحث عن حاكم أفضل، بل بالاتفاق على قواعد تجعل حتى الحاكم السيئ عاجزًا عن تدمير الدولة، وتجعل المواطن العادي مطمئنًا إلى أن حقوقه لا تعتمد على مزاج السلطة، بل على عقد وطني يحميه الدستور، وتصونه المؤسسات، ويدافع عنه المجتمع بأسره. ذلك هو الفارق بين الدولة التي يحكمها الأشخاص، والدولة التي يحكمها العقد الاجتماعي. ففي الأولى يتغير مصير البلاد كلما تغير الحاكم، أما في الثانية فتتغير الحكومات، بينما تبقى الدولة مستقرة لأن الجميع اتفقوا، مسبقًا، على القواعد التي لا يجوز لأحد أن يتجاوزها.
🟢 هل يولد العقد الاجتماعي من التوافق أم من الصراع؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن العقد الاجتماعي هو ثمرة اتفاق هادئ يجلس فيه الناس حول طاولة واحدة، يتبادلون الآراء، ثم يوقعون وثيقة تؤسس لدولتهم. غير أن التاريخ يقدم صورة أكثر تعقيدًا بكثير. فمعظم العقود الاجتماعية الكبرى لم تولد في أوقات السلم والاستقرار، وإنما خرجت من رحم الأزمات العميقة؛ من الحروب الأهلية، والثورات، والانهيارات الاقتصادية، والاحتلالات الأجنبية، والتحولات الكبرى التي دفعت المجتمعات إلى إعادة التفكير في طريقة عيشها معًا. وليس في ذلك ما يدعو إلى الدهشة. فالإنسان، مثل المجتمعات، نادرًا ما يعيد النظر في المسلمات التي اعتادها ما دامت تؤدي وظيفتها. أما حين تنهار المؤسسات، وتتراجع الثقة، ويصبح العنف لغة السياسة، تبدأ الأسئلة الكبرى في الظهور من جديد؛ لماذا وصلنا إلى هذا المصير؟ وأين أخطأنا؟ وما الذي يجب تغييره حتى لا تتكرر المأساة؟
بهذا المعنى، لا تكون الأزمات مجرد لحظات انهيار، بل قد تتحول أيضًا إلى لحظات تأسيس. فهي تجبر المجتمعات على مواجهة القضايا التي كانت تؤجلها، وتدفعها إلى مراجعة الأفكار التي كانت تبدو راسخة، وتفتح الباب أمام تصورات جديدة للدولة والمواطنة والسلطة والعدالة. غير أن التاريخ يعلمنا أيضًا أن الأزمات وحدها لا تصنع عقدًا اجتماعيًا جديدًا. فكثير من الدول خرجت من الحروب لتدخل حروبًا أخرى، وكثير من الثورات أسقطت أنظمة قديمة ثم أعادت إنتاجها بأسماء جديدة، لأن القوى التي انتصرت في الصراع تعاملت مع النصر بوصفه تفويضًا دائمًا للحكم، لا فرصة لبناء نظام يتسع للجميع. وهنا يكمن الفرق بين النصر السياسي والتأسيس الوطني. فالنصر يمنح جماعة معينة القدرة على السيطرة، أما التأسيس فيتطلب منها أن تقبل بوضع قيود على نفسها قبل أن تفرض قيودًا على الآخرين. وهذا هو أصعب اختبار تواجهه أي قوة تصل إلى السلطة؛ هل تنظر إلى الدولة باعتبارها مكافأة للفائزين، أم باعتبارها مؤسسة مشتركة حتى مع الذين خسروها سياسيًا؟
إن العقد الاجتماعي الحقيقي يبدأ عندما تدرك القوى المختلفة أن مستقبلها لا يمكن أن يقوم على إقصاء خصومها إلى الأبد، وأن الدولة التي تُبنى لخدمة فريق واحد ستتحول، عاجلًا أم آجلًا، إلى ساحة صراع لا تنتهي. ولذلك فإن أعظم لحظات النضج السياسي في تاريخ الأمم لم تكن تلك التي انتصر فيها طرف على آخر، بل تلك التي اقتنع فيها الجميع بأن لا أحد يستطيع أن يحكم وحده، ولا أحد يستطيع أن يُلغى نهائيًا من المجال العام طالما التزم بالقانون والدستور. غير أن هذا لا يعني أن العقد الاجتماعي يقوم على المساواة بين الضحية والجاني، أو بين من احترم القانون ومن حمل السلاح ضد المدنيين، أو بين من دافع عن الديمقراطية ومن هدمها. فالتوافق الوطني لا يعني إلغاء العدالة، كما أن العدالة لا تعني استحالة التعايش. ولهذا فإن المجتمعات التي نجحت في الخروج من الحروب لم تبن مستقبلها على النسيان، بل على الاعتراف بالحقيقة، ومحاسبة المسؤولين وفق القانون، وجبر ضرر الضحايا، ثم فتح المجال أمام مصالحة تقوم على الحقوق لا على الإنكار.
وهذه نقطة شديدة الأهمية بالنسبة للسودان. فقد اعتادت النخب السياسية، في محطات عديدة، أن تعتبر أي اتفاق لتقاسم السلطة عقدًا اجتماعيًا جديدًا، بينما كان الواقع يكشف بعد سنوات قليلة أن جذور الأزمة ما زالت كما هي. والسبب في ذلك أن الاتفاق كان ينهي الصراع بين القوى المتفاوضة، لكنه لا يعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، ولا يعالج شعور ملايين المواطنين بالتهميش أو غياب العدالة أو انعدام الثقة في مؤسسات الدولة.
إن الفرق بين التسوية السياسية والعقد الاجتماعي يشبه الفرق بين وقف نزيف الجرح وعلاج المرض الذي تسبب فيه. فالتسوية قد تكون ضرورية لإنقاذ الأرواح وإيقاف الحرب، لكنها تظل خطوة أولى، لا نهاية الطريق. أما العقد الاجتماعي، فهو العملية الأعمق التي تعيد تعريف الدولة، وتحدد طبيعة السلطة، وتؤسس لقواعد جديدة تجعل اللجوء إلى السلاح وسيلة غير مقبولة لحسم الخلافات السياسية.
ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه السودان اليوم ليس فقط؛ كيف نوقف الحرب؟ بل؛ ما الذي يجب أن يتغير حتى لا تصبح هذه الحرب مقدمة لحرب أخرى بعد عشر سنوات أو عشرين سنة؟ فهذا هو السؤال الذي يميز المجتمعات التي تبحث عن هدنة مؤقتة، عن تلك التي تبحث عن سلام مستدام. وهو أيضًا السؤال الذي سيقود هذا الكتاب في كل فصل من فصوله، لأن غايته ليست تفسير الماضي وحده، بل المساهمة في بناء مستقبل لا يكرر الماضي…..يتبع..
khirawi@hotmail.com
