دكتور الوليد آدم مادبو
حين نشرتُ المقال الأول من هذه السلسلة، أثار الصديق الدكتور مصطفى أبو الحسن ثلاث ملاحظات دفعتني إلى إعادة النظر في السؤال من أساسه. فلم يعد السؤال: لماذا تحرّم المجتمعات الزنا؟ بل أصبح: كيف وُلد التحريم أصلاً؟ هل هو ثمرة الانتخاب الطبيعي، أم حصيلة خبرة اجتماعية طويلة، أم أنه بدأ مع التشريع الديني؟ قد تبدو هذه المسارات متباعدة، لكنها في الحقيقة تتقاطع عند نقطة واحدة. وهذه المقالة محاولة لتتبع تلك الرحلة، من الغريزة إلى الجين، ومن الثقافة إلى النص.
لنبدأ بملاحظة يعرفها كل إنسان من واقع تجربته: لماذا تبلغ الرغبة الجنسية ذروتها في مطلع الشباب، ثم تبدأ في الانحسار تدريجياً مع التقدم في العمر؟
التفسير الشائع يعزو ذلك إلى التغيرات الهرمونية، كتراجع مستويات التستوستيرون والإستروجين. غير أن هذا التفسير يجيب عن سؤال كيف يحدث الأمر، ولا يجيب عن سؤال لماذا صُمم الجسد البشري على هذا النحو.
من منظور الانتخاب الطبيعي، لا تُعد الرغبة الجنسية غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لضمان استمرار النوع. فالانتخاب الطبيعي لا يخطط ولا يقصد، بل يحتفظ، عبر أجيال لا تُحصى، بالصفات التي تزيد فرص البقاء والتكاثر، ويُقصي ما عداها. ومن ثم فإن الجينات التي دفعت أصحابها إلى الإنجاب في سنوات الخصوبة هي وحدها التي استمرت في الانتقال، بينما اختفت الجينات التي لم تمنح أصحابها الدافع الكافي للتكاثر.
بهذا المعنى، ليست قوة الشهوة في الشباب امتيازاً منحته الطبيعة للإنسان، بل نتيجة عملية انتقاء طويلة استمرت ملايين السنين. فكل من لم يمتلك هذا الدافع في الوقت المناسب، لم يترك ذرية تحمل جيناته، فانقطعت سلالته من السجل البيولوجي.
لكن هذا التفسير، على أهميته، لا يفسر اختلاف المجتمعات في طريقة تعاملها مع هذه الغريزة. فلو كانت البيولوجيا وحدها كافية، لتشابهت الثقافات كلها في نظرتها إلى الجنس. وهنا يبدأ المسار الثاني.
إذا كانت الجينات قد صنعت الدافع، فإن البيئة هي التي تعيد تشكيل طريقة التعبير عنه. فالغريزة تكاد تكون واحدة عند البشر، أما الثقافة فليست كذلك. ومن هنا يمكن فهم التفاوت الكبير بين المجتمعات في نظرتها إلى العلاقات الجنسية، وفي درجة التشدد أو التساهل تجاهها.
تكشف الدراسات الأنثروبولوجية والتاريخية أن المجتمعات لا تنتج منظوماتها الأخلاقية في فراغ، وإنما تصوغها استجابةً لشروط البقاء التي تواجهها. فحين ترتفع معدلات وفيات الأطفال، وتنتشر الأوبئة والمجاعات، ويصبح احتمال بلوغ الطفل سن الرشد منخفضاً، تميل بعض المجتمعات إلى تشجيع الإنجاب بكثافة، أو على الأقل إلى قدر أكبر من التسامح مع أنماط سلوكية تزيد فرص التكاثر. أما حين يتحقق قدر من الاستقرار، وتنخفض الوفيات، ويتحول العبء من زيادة العدد إلى تحسين نوعية الحياة، فإن القيم نفسها تبدأ في التحول، ويغدو استقرار الأسرة وضبط العلاقات الجنسية أكثر أهمية من مجرد الإكثار من الإنجاب.
وليس المقصود أن المجتمعات تجلس لتصوغ هذه الخيارات بوعي كامل، بل إن الثقافة نفسها تخضع لنوع من الانتخاب يشبه، من حيث النتيجة لا الآلية، الانتخاب الطبيعي. فالعادات والمؤسسات التي تساعد الجماعة على الاستمرار تميل إلى البقاء، بينما تتراجع تلك التي تعجز عن التكيف مع البيئة المحيطة.
وهكذا لا يصبح المباح والمحرَّم مجرد أحكام أخلاقية مجردة، بل يتحولان إلى أدوات اجتماعية لإدارة الغريزة بما يخدم شروط البقاء في كل مرحلة تاريخية. فالجينات تحدد قوة الدافع، أما الثقافة فتحدد حدوده واتجاهاته.
ومع ذلك، يبقى سؤال لا يمكن للبيولوجيا ولا للثقافة أن تجيبا عنه وحدهما: إذا كانت المجتمعات قد راكمت هذه الخبرة عبر التجربة، فلماذا احتاجت إلى تحويلها إلى تشريع مقدس؟ وما الذي أضافه الدين إلى ما عرفه الإنسان بالفعل من خلال الطبيعة والتجربة؟
هنا يبدأ المسار الثالث، وهو أكثرها إثارة للاهتمام.
إذا كانت البيولوجيا قد فسّرت مصدر الدافع، والثقافة قد فسّرت اختلاف طرق تنظيمه، فما الذي أضافه الدين؟ هل جاء ليؤسس قيماً جديدة، أم ليمنح ما انتهت إليه الخبرة الإنسانية سلطة أخلاقية وتشريعية تضمن بقاءه؟
لعل إحدى أكثر العبارات إثارة للتأمل في هذا السياق هي ما يرد في العهد القديم عن «خطايا الآباء»، والصورة البلاغية الشهيرة: «الآباء أكلوا الحِصرم، وأسنان الأبناء ضرست.» وعلى الرغم من أن ظاهر هذه العبارات أخلاقي، فإنها تخفي ملاحظة اجتماعية عميقة مفادها أن الأبناء كثيراً ما يدفعون ثمن أفعال لم يرتكبوها.
ولم تكن الشعوب القديمة تعرف شيئاً عن الجينات أو الطفرات الوراثية أو الأمراض المنتقلة جنسياً بالمفهوم العلمي الحديث، لكنها كانت تمتلك أداة أخرى لا تقل أهمية: الملاحظة المتراكمة عبر الأجيال. فقد رأت، جيلاً بعد جيل، أن أنماطاً معينة من السلوك تخلّف آثاراً لا تقف عند مرتكبيها، بل تمتد إلى ذريتهم وإلى المجتمع كله. وحين تتكرر الملاحظة قروناً طويلة، تتحول إلى حكمة، ثم تتحول الحكمة إلى تشريع.
من هنا يمكن فهم التحريم الديني بوصفه أكثر من مجرد نهي أخلاقي. فهو لا يقتصر على مخاطبة ضمير الفرد، وإنما يحاول أن يحمي المجتمع من نتائج قد لا تظهر إلا بعد سنوات أو أجيال. فالتشريع لا ينتظر من كل فرد أن يكتشف الحكمة بنفسه، وإنما يحول الخبرة التاريخية المتراكمة إلى قاعدة عامة ملزمة.
ولذلك فإن السؤال لا ينبغي أن يكون: لماذا حُرِّم الزنا؟ بل: من الذي كان التحريم يحاول حمايته؟
قد يبدو لأول وهلة أن المقصود هو الفاعل نفسه، لكن القراءة الوظيفية تشير إلى اتجاه آخر. فالتحريم، في جوهره، لا يحرس من ارتكب الفعل، بل يحرس من لم يكن طرفاً فيه أصلاً؛ الأبناء الذين سيولدون لاحقاً، والمجتمع الذي سيتحمل تبعات الفوضى، والنوع الذي يعتمد بقاؤه على استقرار العلاقات التي ينشأ في ظلها الجيل القادم.
وبهذه الصورة، لا يعود النص الديني قطيعة مع الطبيعة أو مع الخبرة الإنسانية، بل يصبح الحلقة الأخيرة في سلسلة بدأت بالغريزة، ومرت بالتجربة، وانتهت بالتشريع.
auwaab@gmail.com
