زهير عثمان
لم يكن منشور المصباح أبو زيد طلحة، قائد فيلق البراء بن مالك، مجرد رسالة شخصية على فيسبوك
ففي بلد أنهكته الحرب، وأصبح فيه الزي العسكري أكثر من مجرد لباس، تصبح عبارة مثل «عدنا إلى حياتنا المدنية
قابلة للقراءة السياسية، خصوصًا عندما تأتي في وقت يتزايد فيه الحديث عن ضرورة الوصول إلى حوار سوداني–سوداني، وعن ترتيبات المرحلة التي ستأتي بعد أن تضع الحرب أوزارها
ماكتب المصباح- بحمد الله عدنا إلى حياتنا المدنية
وأضاف- «نستشرف حاضراً جديداً بروح متجددة»، متحدثًا عن «السلام والعمل والبناء» وعن «البدايات الجديدة».لغة مختلفة بالفعل عن لغة الميدان.لكن المشكلة أن السودان لا يعيش أزمة ملابس، بل أزمة علاقة بين السلاح والسياسة.ولهذا فإن السؤال ليس هل خلع المصباح الزي العسكري؟
السؤال الحقيقي هو:هل خلع معه الدور العسكري، أم خلع الزي فقط؟وهنا تكمن أهمية الإعلان وحدوده في آن واحد.ما قاله المصباح…
وما لم يقلهمن المهم أن نبدأ من الوقائع لا من النوايا.المصباح أعلن عودته إلى الحياة المدنية، لكنه لم يعلن، في النص المنشور، التخلي عن قيادة قوات البراء بن مالك، ولم يعلن حل الفيلق، ولم يقل إن القوة ستتوقف عن العمل العسكري، ولم يقدم تصورًا عن موقعه في الحياة السياسية المقبلة
وهذه ليست تفاصيل ثانوية.ففي بلد مثل السودان، حيث تداخلت السياسة بالسلاح إلى درجة غير مسبوقة، لا يكفي أن يعود قائد إلى «الحياة المدنية» إذا ظلت القوة التي كان يقودها قائمة، وظل السلاح جزءًا من أدوات النفوذ السياسي.يمكن للإنسان أن يخلع الزي العسكري في الصباح، ثم يحتفظ بكل عناصر القوة التي كان يوفرها له الزي
.وعندها يصبح السؤال: هل تغيرت الوظيفة أم تغير المظهر؟من «البراء» إلى السودان الجديدفيلق البراء بن مالك ليس جمعية خيرية ولا نادياً اجتماعياً. إنه تشكيل ارتبط بالحرب، وبالتعبئة المسلحة، وبالتيارات الإسلامية التي دخلت الحرب إلى جانب القوات المسلحة
ولهذا فإن أي تحول في موقع قائده لا يمكن فصله عن السؤال الأكبر حول مصير القوى التي ولدت أو تضخمت في سنوات الحرب.الحرب لا تنتج قتلى ونازحين ودمارًا فقط.إنها تنتج أيضًا نخبًا جديدة، وقادة جددًا، ومراكز نفوذ جديدة، وشبكات مصالح جديدة
وحين تبدأ الحرب في الاقتراب من نهايتها، يبدأ السؤال الصعب: ماذا سيفعل هؤلاء عندما تنتهي الحرب؟ هل يعودون إلى الحياة المدنية، أم يدخلون السياسة كأحزاب، أم يحاولون تحويل شرعية البندقية إلى شرعية سياسية؟ هذه هي القضية التي ينبغي أن تشغل السودانيين، لا مجرد خبر خلع الزي.السودان لا يحتمل «مدنية مسلحة»ربما تكون هذه واحدة من أخطر القضايا التي ينبغي أن تواجهها أي تسوية قادمة.لقد عرف السودان أشكالًا متعددة من «العسكرة السياسية»: جيش يتدخل في السياسة، وحركات مسلحة تدخل السياسة، ومليشيات تنشأ حول السياسيين، وأحزاب تبحث عن حماية السلاح، وقوى مدنية تستند في لحظة ما إلى قوة مسلحة
والنتيجة واحدة: الدولة تتراجع، والتنظيم يتقدم.لذلك فإن أي حديث عن حوار سوداني–سوداني لا معنى له إذا كان مجرد ترتيب مقاعد حول طاولة، بينما يبقى السلاح خارج الغرفة جاهزًا للتدخل عند فشل الحوار. الحوار الحقيقي يبدأ عندما يقبل ا{لا قوة مسلحة فوق الدولة} \quad \vert{} \quad \text{لا حزب يحتاج إلى بندقية كي يحمي وجوده السياسي}$$
هل بدأت القوى التي صنعتها الحرب تستعد لمرحلة ما بعد الحرب؟هنا يصبح إعلان المصباح أكثر إثارة للاهتمام. قد يكون مجرد قرار شخصي، أو رسالة لجمهوره، أو إعادة ترتيب للدور، أو تمهيدًا للانتقال إلى المجال السياسي
ولكن إذا تكرر هذا النوع من الخطوات لدى شخصيات أخرى، فإننا لن نكون أمام حالات فردية، بل أمام اتجاه سياسي جديد ينبغي مراقبته بدقة- بأي شروط ستدخل هذه القوى السياسة؟هل ستدخلها باعتبارها أحزابًا مدنية متنافسة مع الآخرين؟أم باعتبارها قوى تمتلك سلاحًا ونفوذًا عسكريًا وتريد تحويل هذا النفوذ إلى مقاعد سياسية؟الفرق بين الحالتين هو الفرق بين السلام الحقيقي وإعادة إنتاج الحرب بأدوات أخرى.الإسلاميون أمام امتحان تاريخيلا يمكن تجاهل البعد الإسلامي في قصة البراء بن مالك، كما لا يجوز تحويل كل خطوة يقوم بها أحد أفراده إلى قرار صادر عن الحركة الإسلامية كلها. لكن التيارات الإسلامية أمام امتحان لا يمكن تأجيله
- هل تقبل المنافسة السياسية باعتبارها قوى مدنية، أم تريد الاحتفاظ بذراع مسلحة أو بنفوذ عسكري يحمي موقعها السياسي؟
هذا السؤال ليس موجهًا للإسلاميين وحدهم، بل يمتد إلى القوى المدنية، والحركات المسلحة، والقوى التي ارتبطت بالدعم السريع، وكل من يرى في السلاح ضمانة لموقعه السياسي. السودان لا يحتاج إلى استبدال مليشيا بمليشيا، ولا إلى استبدال نفوذ عسكري بنفوذ عسكري آخر، بل يحتاج إلى إنهاء فكرة أن القوة المسلحة طريق إلى السلطة.المصباح أمام امتحان الأفعاللذلك لا أرى أن المطلوب هو الترحيب بإعلان المصباح أو مهاجمته، بل مراقبة ما سيأتي بعده
إذا كانت «الحياة المدنية» تعني فعلًا -التخلي عن القيادة العسكرية.الابتعاد عن إدارة القوة المسلحة.قبول الحوار مع الخصوم
العمل السياسي من خلال المؤسسات المدنية
دعم احتكار الدولة للسلاح وقبول التداول السلمي على السلطة.فإنها خطوة مهمة، مهما كان صاحبها أو خلفيتها السياسية. أما إذا كانت الحياة المدنية تعني فقط أن يظهر القائد بلا زي عسكري بينما تبقى القوة المسلحة والقدرة على التعبئة والضغط كما هي، فإننا أمام إعادة تموضع، لا تحول. وهنا يجب ألا تنخدع النخب السودانية
تفكيك إرث الحربالخطأ أن نجعل المصباح أبو زيد هو القضية؛ القضية الحقيقية هي النموذج.النموذج المرفوض: قائد مسلح يخلع الزي يدخل السياسة يحتفظ بقوته المسلحة (وهنا لم نخرج من الحرب)
النموذج المطلوب: قائد مسلح يترك السلاح يعود إلى المجتمع يدخل السياسة كمدني ينافس عبر المؤسسات
السلام لا يعني فقط إيقاف إطلاق النار، بل يعني أيضًا تفكيك البنية التي جعلت إطلاق النار ممكنًا
أما أن يتحول قادة الحرب إلى سياسيين بينما تبقى قواتهم في الخلفية، فهذا ليس انتقالًا من الحرب إلى السلام، بل هو انتقال من الحرب بالسلاح إلى السياسة تحت ظل السلاح.لقد قال المصباح: «عدنا إلى حياتنا المدنية». والسودان كله ينتظر أن يرى ماذا تعني هذه العبارة على أرض الواقع: هل هي عودة فرد إلى حياته، أم بداية تحول سياسي، أم إعادة تموضع لقوى الحرب؟المدنية لا يثبتها خلع الزي، وإنما يثبتها التخلي عن امتياز السلاح في السياسة. أما إذا بقي السلاح حاضرًا خلف الستار، فستكون المشكلة أن السودان لم يبدأ بعد في كتابة الصفحة الجديدة التي يتحدث عنها الجميع.
zuhair.osman@aol.com
