زين العابدين صالح عبد الرحمن
إن تدوينة الأستاذ عمر الدقير رئيس حزب ” المؤتمر السوداني” في “الفيسبوك” تعتبر رؤية للوقوف مع الحوار، في محاولة لتقديم عملية التفاوض على ” الحسم العسكري” حيث يرى أن التفاوض يمكن أن يوقف الحرب.. و لكن لا يمكن الحديث بجمعهما، لآنهما يعتبران خطين متوازين في هذه الحالة.. و هي رؤية يطرحها للحوار.. لكنها هي نفسها تبين الإستراتيجية التي يؤمن بها حزب الدقير و مجموعة صمود بأن التفاوض وحده الذي يمنحهم فرصة العودة للساحة السياسية، و المشاركة في توزيع حقائب السلطة..
قال عمر الدقير(ؤكد سنوات هذه الحرب وتجارب الحروب السابقة في السودان أن القتال، وإن بدّل خرائط السيطرة وموازين القوة، لا يعالج أسباب الحرب الضاربة بجذورها في تربة الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ولا يُغني في نهاية المطاف عن الجلوس إلى طاولة التفاوض لإيقافها. قبل يومين، أكّد الفريق أول عبد الفتاح البرهان استمرار العمل العسكري حتى حسم الحرب، وأعلن في الوقت نفسه اتجاهاً لتشكيل مجلس تشريعي وتنظيم حوار سياسي. وبالأمس، أعلن الفريق أول ياسر العطا، رئيس هيئة أركان الجيش، عن وجود خطة للتصعيد العسكري في مختلف المحاور، متعهداً بحسم الحرب قبل نهاية العام. قد يبدو الحديث عن الحوار والمؤسسات السياسية، للوهلة الأولى، خطوة في الاتجاه الصحيح، غير أنه يفقد معناه حين يقترن بالإصرار على اعتماد الخيار العسكرياستراتيجيةً مهيمنة؛ إذ تصبح السياسة ملحقةً بميادين القتال لا بديلاً عنها، ويغدو الحوار مساراً تابعاً للحرب وموازينها لا طريقاً إلى وقفها)إن رؤية عمر الدقير رؤية ترتبط بالمصلحة و ليس بالعملية السياسية نفسها.. لآن الحسم العسكري يعني تغيير الأجندة المطروحة الآن على الساحة السياسية.. و أيضا سوف تؤدي إلي تغيير رموزها و أبعاد التدخلات الخارجية في العملية السياسية.. و إن حرب الميليشيا ليست صراعا بين قوى مختلفة أنما هي حرب تقف وراءها دول خارجية داعمة لها، و الحسم العسكري حتى لا تتكرر مثل هذه التجربة التي أثبتت أن السودان محاط بدول راغبة في تقسيمه و نهب ثرواته..
إن خوف الدقير من مسألة الحسم العسكري، عبر عنها الأستاذ بابكر فيصل القيادي بتحالف ” صمود” في مقال له بعنوان ” الخماسية لم تعد مظلة محايدة في السودان” و أهم ما جاء في بابكر فيصل النقاط الثلاثة التي سماها عناصر خطة “قيادة الجيش” و هي تبين تخوف تحالف صمود من عملية الحسم العسكري، و لأنها سوف تغير المعادلة السياسية، و بتغييرها سوف تغير الأجندة، حينما يقول فيصل في مقاله ( الترتيب لهجوم عسكري كبير بهدف إستلام مناطق واسعة في كردفان ودارفور وإجبار الدعم السريع على التراجع الميداني بحيث تضعف سيطرته الحالية على المساحة الشاسعة من الأرض ويكتفي بتواجده في جيوب صغيرة وبالتالي يُعاد تعريف الحرب بأنها قتال بين “الدولة المركزية” وتمرد محدود في مناطق نائية كما كان الحال مع التمرد في حرب الجنوب وحرب دارفور… ثانياً, نجاح الهجوم العسكري وتقليص السيطرة الميدانية للدعم السريع سيترتب عليه تلقائياً منح الشرعية لسلطة الجيش مما يسمح بإستعادة نشاط السودان في الإتحاد الإفريقي وكذلك الإعتراف بحكومة الجيش من قبل المجتمع الإقليمي والدولي… ثالثاً, يُصاحب عملية منح الشرعية لسلطة الجيش الشروع في إطلاق عملية سياسية داخل السودان وبالتنسيق مع الخماسية الدولية, وكذلك تعيين مجلس تشريعي من قوى موالية للجيش وقيادته يُمنح صلاحيات واسعة لتغيير هياكل الحكم الحالية وإقامة أخرى تسمح بإنفراد قائد الجيش بالسلطة لفترة طويلة قادمة( و هي تغييرات يمكن أن تحصل لكن تحالف صمود لم يضع لها حسابا.. بإن السياسة تتغير أجندتها بالتغيرات التي تحدث في موازين القوى.. و في الصراع السياسي أكثر مجموعة عندها قدرة فاعلة في عملية المناورة و التكتيك هي قيادات الجيش.. رغم استجابتهم للتعامل مع المجتمع الدولي و المنظمات العالمية لكنهم في ذات الوقت لا يحبذون تدخلاتهم، و يعتبرونها تعد خصما على ” سيادة الدولة”..
المشكلة التي تقع فيها قيادات تحالف ” صمود” اعتقادهم إن النفوذ الخارجي قادر على أن يصنع لهم السياسة التي يريدونها في البلاد، و يجب على الآخرين أن يقدموا فروض الولاء و الطاعة” و هي قناعة جديدة في السياسة، دخلت بعد ما احكمت بعض من أحزاب قوى الحرية و التغيير قبضتهم على سلطة الفترة الانتقالية، و دون مراعاة للقوى السياسة الأخرى، حتى التي كانت متحالفة معهم.. و معروف في السياسة أن النفوذ الخارجي مهمته فقط أن يخلق الأجواء التوافقية، و التي تساعد القوى السياسية في البلاد أن تصل لتوافقات في الأجندة المطروحة.. كان عليهم ” قيادة صمود” أن يسألوا أنفسهم لماذا فشل “الإتفاق الإطاري”اليس بسبب ذات المقولة التي وردت في مقال بابكر فيصل أن الخماسية تريد ” إغراق العملية السياسية” لا يمكن مجموعة تتحدث عن تحول ديمقراطي و مشاركة أحزاب سياسية، و تريد أن يكون لها حق ” الفيتو” على الآخرين..
إن الفترة الانتقالية من أغسطس 2019م بعد تشكيل حكومة حمدوك الأولى إلي انقلاب الجيش عليهم في 25 أكتوبر 2021م، هي كانت فرصة ساقها القدر إليهم، و لكنها لا تتكرر، حيث تراجع الشارع الذي صنع الثورة، و اعطى الأحزاب و الاتحادات المهنية فرصة لكي يديروا الفترة الانتقالية و إنجاز المهام المتفق عليها.. و للأسف سيطرت أربعة أحزاب منذ تشكيل حكومة حمدوك الثانية، و ابعدت كل المجموعات الآخرى.. و ارادت ذات الأحزاب أن تستمر بذات العقلية في ” الإتفاق الإطاري” و فشلت في قيادة الحوار في ذلك الوقت.. و الآن المجموعة ذاتها ترغب في أن ترجع العجلة للوراء، و لكي تأتي رافعة خارجية تعيدهم للسلطة مرة أخرى.. كان المتوقع إن الأحداث و الحرب تجعل هذه المجموعة أن تحدث تغييرا في تفكيرها و خطابها السياسي، و لكنها عجزت عن ذلك.. و هي تعلم بأنها فقدت الشارع قبل الحرب، و كان عليه أن تعيد النظر وفقا لمسيرة الفشل التي صاحبتها.. لكن للأسف الذي يربط على أنفه خطام لا يستطيع أن يغير أتجاهه.. نسأل الله حسن البصيرة..
zainsalih@hotmail.com
