باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الثلاثاء, 11 أغسطس 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
علاء خيراوي
علاء خيراوي عرض كل المقالات

السودان؛ نحو عقد إجتماعي جديد(٣)

اخر تحديث: 10 أغسطس, 2026 10:35 مساءً
شارك

🔴 الباب الأول؛ مفهوم العقد الإجتماعي؟!…لماذا لم يُؤسَّس السودان بعد

🔵 لماذا يفشل العقد الاجتماعي؟

علاء خيراوي
إذا كان العقد الاجتماعي هو الأساس الذي تقوم عليه الدولة، فإن السؤال الطبيعي يصبح؛ لماذا تنجح بعض المجتمعات في بنائه، بينما تعجز عنه مجتمعات أخرى رغم امتلاكها الموارد والبشر والتاريخ؟ الإجابة لا تكمن في وجود دستور أو غيابه، ولا في كثرة الأحزاب أو قلتها، ولا حتى في مستوى الثروة الوطنية وحده. فالتاريخ يقدم أمثلة لدول فقيرة نجحت في بناء مؤسسات مستقرة، كما يقدم أمثلة لدول غنية غرقت في الحروب والانقسامات. والسبب أن نجاح العقد الاجتماعي يرتبط، قبل كل شيء، بقدرة المجتمع على الاتفاق حول قواعد اللعبة السياسية قبل التنافس على نتائجها.
فعندما يختلف الناس حول السياسات، يمكن للانتخابات أن تحسم الخلاف. لكن عندما يختلفون حول قواعد الدولة نفسها، فإن الانتخابات وحدها تصبح عاجزة عن إنتاج الاستقرار. فإذا لم يتفق المجتمع على من يملك حق استخدام القوة، أو على استقلال القضاء، أو على حياد الجيش، أو على قيمة المواطنة المتساوية، فإن كل انتخابات تتحول إلى معركة وجود، وكل هزيمة سياسية تبدو وكأنها نهاية العالم بالنسبة للطرف الخاسر. ولهذا السبب، فإن الديمقراطية ليست مجرد صندوق اقتراع. إنها قبل ذلك منظومة من القواعد التي يقبل الجميع بالخضوع لها، سواء كانوا في السلطة أو في المعارضة. أما إذا أصبح الفوز في الانتخابات يعني احتكار الدولة، وأصبح الخروج من السلطة يعني الخوف من الانتقام أو الإقصاء أو السجن أو التصفية، فإن السياسة تتحول إلى صراع صفري، ويصبح الانقلاب أو الحرب خيارًا يغري من يخشى خسارة السلطة.

ومن هنا نفهم لماذا فشلت دول كثيرة في بناء عقد اجتماعي مستقر. لقد أخطأت حين تعاملت مع الدولة باعتبارها غنيمة للفائزين، لا إطارًا مشتركًا لجميع المواطنين. وحين تتحول الدولة إلى غنيمة، تتحول الانتخابات إلى معركة على الغنيمة، ويتحول الجيش إلى لاعب سياسي، ويتحول القضاء إلى أداة في يد السلطة، ويتحول الاقتصاد إلى وسيلة لشراء الولاءات، بينما يفقد المواطن ثقته بأن الدولة ملك له. ولا يحدث هذا فجأة، بل عبر عملية طويلة تتآكل فيها الثقة تدريجيًا. يبدأ الأمر عندما يشعر جزء من المجتمع بأن القانون لا يُطبق عليه كما يُطبق على غيره. ثم يلاحظ أن الوظائف العامة تُمنح بالولاء لا بالكفاءة، وأن الثروة تُوزع وفق النفوذ لا وفق العدالة، وأن بعض المناطق تحظى بالخدمات بينما تُترك مناطق أخرى لعقود دون تنمية حقيقية. ومع مرور الزمن، يتراكم هذا الشعور حتى يصبح جزءًا من الوعي الجمعي، فتضعف فكرة الوطن المشترك، ويقوى الاعتقاد بأن النجاة لا تكون عبر الدولة، بل عبر القبيلة أو الجهة أو الطائفة أو الحركة المسلحة.

وهنا تبدأ أخطر مراحل انهيار العقد الاجتماعي. فحين يفقد المواطن ثقته في حياد الدولة، يبدأ في البحث عن بديل يوفر له الحماية. وقد يكون هذا البديل زعيمًا قبليًا، أو تنظيمًا مسلحًا، أو حزبًا عقائديًا، أو جماعة دينية، أو حتى دولة أجنبية. وكلما ازداد اعتماد الناس على هذه الولاءات البديلة، تراجعت قدرة الدولة على أداء وظيفتها، ودخل المجتمع في دائرة مفرغة؛ ضعف الدولة يقوي الولاءات الضيقة، والولاءات الضيقة تزيد من ضعف الدولة. وليس المقصود بذلك أن الانتماءات القبلية أو الدينية أو الثقافية تمثل مشكلة في حد ذاتها. فهي جزء طبيعي من تكوين المجتمعات، بل قد تكون مصدرًا للثراء والتضامن الاجتماعي. المشكلة تبدأ عندما تصبح هذه الانتماءات بديلًا عن المواطنة، أو عندما تستخدمها السلطة نفسها أداة للحكم، فتمنح الامتيازات على أساس الهوية بدلًا من الحقوق، وتحوّل التنوع من مصدر قوة إلى وسيلة لإدارة الانقسام.

إن العقد الاجتماعي لا يطلب من الناس أن يتخلوا عن هوياتهم، بل يطلب من الدولة ألا تميز بينهم بسبب تلك الهويات. فهو لا يسعى إلى صهر الجميع في هوية واحدة، وإنما إلى بناء إطار سياسي وقانوني يجعل اختلافاتهم قابلة للتعايش، لا سببًا للصراع. وهذه هي النقطة التي كثيرًا ما غابت عن التجربة السودانية. فقد انشغل الجدل العام، لعقود طويلة، بالسؤال؛ من يسيطر على الدولة؟ بينما كان السؤال الأكثر أهمية هو؛ كيف نجعل الدولة محايدة بما يكفي حتى لا يشعر أي مواطن بأنها تعمل ضده بسبب هويته أو منطقته أو معتقده؟

إن الدول لا تنهار عندما تختلف شعوبها، فكل المجتمعات تختلف. لكنها تبدأ في الانهيار عندما يفقد المختلفون ثقتهم في أن الدولة تقف على المسافة نفسها من الجميع. عندها لا يعود القانون هو المرجع، بل موازين القوة، ولا يعود الحوار هو الوسيلة، بل السلاح، ولا تصبح السياسة منافسة بين برامج، بل معركة بين هويات متصارعة. وهنا نصل إلى الحقيقة التي سيبني عليها هذا الكتاب فصوله اللاحقة؛ إن الأزمة السودانية ليست أزمة تنوع، وإنما أزمة إدارة التنوع. وليست أزمة وجود اختلافات، وإنما أزمة غياب قواعد عادلة تنظم العلاقة بين المختلفين. فالتنوع، في ذاته، لا يهدم الدول، وإنما يهدمها الفشل في تحويل هذا التنوع إلى شراكة سياسية متساوية داخل عقد اجتماعي يشعر فيه كل مواطن أن الدولة تحميه بالقدر نفسه الذي تحمي به غيره.

🟣 السودان… عندما تصبح الدولة محل نزاع

إذا أردنا أن نفهم الأزمة السودانية فهمًا يتجاوز الأحداث اليومية، فعلينا أن نتوقف عن النظر إليها بوصفها سلسلة من الانقلابات أو الحروب أو الأزمات الاقتصادية، وأن ننظر إليها بوصفها أزمة مستمرة في تعريف الدولة نفسها. فالدول التي تستقر لا يعني ذلك أنها تخلو من الخلافات، بل يعني أنها حسمت، بدرجة كبيرة، الأسئلة المؤسسة التي تدور حولها الخلافات. أما السودان، فمنذ استقلاله، ظل يناقش في كل مرحلة تقريبًا الأسئلة ذاتها، وكأن الزمن يدور في دائرة مغلقة. من هو صاحب السيادة الحقيقية؟ هل هي الأمة أم الجيش؟ هل يملك العسكريون حق التدخل لتصحيح المسار السياسي متى رأوا ذلك مناسبًا، أم أن دورهم يقتصر على حماية الحدود والنظام الدستوري؟ هل تقوم الدولة على مفهوم المواطنة المجردة، أم على هوية ثقافية أو دينية بعينها؟ ما حجم السلطة التي يجب أن يحتفظ بها المركز؟ وما القدر الذي ينبغي أن ينتقل إلى الأقاليم؟ وهل تُعد الموارد الطبيعية ملكًا لجميع السودانيين بالتساوي، أم أن لمناطق الإنتاج حقوقًا خاصة فيها؟ وكيف تُوزع الثروة بين الأقاليم؟ وما هو الحد الأدنى من الحقوق الذي لا يجوز لأي حكومة أن تمسه مهما كانت شعبيتها؟

إن استمرار هذه الأسئلة دون إجابات مستقرة يعني أن الدولة نفسها بقيت مشروعًا غير مكتمل. ولهذا لم تكن كل أزمة سودانية مجرد صراع على السلطة، بل كانت في جوهرها صراعًا على تعريف الدولة. فالذين حملوا السلاح لم يكونوا، في كثير من الأحيان، يطالبون فقط بمقاعد في الحكومة، وإنما كانوا يطعنون في طبيعة الدولة التي تحكمهم، وفي الطريقة التي توزع بها السلطة والثروة والاعتراف والكرامة. وليس المقصود بذلك أن جميع المطالب كانت عادلة، أو أن جميع وسائل التعبير عنها كانت مشروعة، فحمل السلاح ضد المدنيين أو ارتكاب الانتهاكات لا يكتسب شرعية من وجود مظالم سياسية أو اجتماعية. غير أن رفض الوسائل العنيفة لا ينبغي أن يحجب النظر عن حقيقة أخرى، وهي أن استمرار ظهور حركات احتجاج مسلحة ومدنية في مناطق مختلفة، وعلى امتداد عقود، يكشف عن وجود أزمة أعمق من مجرد تمرد عسكري أو خلاف سياسي عابر.

لقد تعاملت الحكومات السودانية المتعاقبة، في كثير من الأحيان، مع الأعراض أكثر من تعاملها مع الأسباب. فإذا اندلع تمرد، جرى البحث عن اتفاق سلام. وإذا انهار الاتفاق، بدأ التفاوض على اتفاق جديد. وإذا اندلعت احتجاجات شعبية، شُكلت حكومة انتقالية أو عُدلت الوثيقة الدستورية أو أُعلن عن حوار وطني. لكن نادرًا ما جرى التوقف أمام السؤال الذي يسبق كل هذه الحلول؛ لماذا تتكرر الأزمة أصلًا؟ إن الطبيب الذي يكتفي بإيقاف النزيف في كل مرة دون أن يعالج المرض الذي يسببه، قد ينجح في إنقاذ المريض مؤقتًا، لكنه لن يمنع عودة النزيف. وكذلك فعلت السياسة السودانية في كثير من محطاتها؛ إذ انشغلت بإدارة الأزمات، بينما بقيت الأزمة المؤسسة دون علاج.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى. فقد عرف السودان عشرات المبادرات الوطنية والإقليمية والدولية، وعشرات المؤتمرات، وعددًا كبيرًا من الدساتير المؤقتة والاتفاقيات السياسية. ومع ذلك، ظل الاستقرار بعيد المنال. وليس من المنطقي تفسير هذا الفشل المتكرر بسوء نية جميع المشاركين، أو بقلة كفاءتهم وحدها، لأن تكرار النتيجة نفسها عبر عقود يشير إلى أن الخلل أعمق من الأشخاص، وأقرب إلى بنية النظام السياسي ذاته. إن الدولة التي لا تتفق مكوناتها على قواعد تأسيسها، تصبح كل مؤسساتها عرضة للنزاع. فالجيش لا يعود مجرد مؤسسة دفاعية، بل يصبح طرفًا سياسيًا. والقضاء لا يُنظر إليه بوصفه حكمًا محايدًا، بل باعتباره امتدادًا للسلطة أو خصمًا لها. والشرطة تتحول من جهاز لحماية القانون إلى أداة لحماية النظام القائم. وحتى الخدمة المدنية، التي يفترض أن تكون العمود الفقري لاستمرار الدولة، تصبح ساحة للتجاذبات الحزبية والتغييرات السياسية المتكررة. وحين تصل الدولة إلى هذه المرحلة، تتراجع ثقة المواطن فيها تدريجيًا. فهو لا يعود ينظر إليها باعتبارها الحكم المشترك بين الجميع، بل باعتبارها ميدانًا للصراع بين القوى المختلفة. وعندما تضعف الثقة، تتراجع شرعية المؤسسات، ويصبح الالتزام بالقانون مرتبطًا بالخوف من العقوبة أكثر من ارتباطه بالاقتناع بعدالته. وهنا تبدأ الدولة في فقدان أهم عناصر بقائها؛ القبول الطوعي من مواطنيها. ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع ليس ضعف الحكومة، وإنما ضعف الإيمان بفكرة الدولة نفسها. فالحكومة يمكن تغييرها عبر الانتخابات أو الاستقالة أو المحاسبة، أما إذا انهارت فكرة الدولة باعتبارها الإطار الجامع للمجتمع، فإن إعادة بنائها تصبح مهمة أكثر صعوبة وتعقيدًا. إن السودان يقف اليوم أمام هذه اللحظة التاريخية. فالحرب الدائرة ليست مجرد مواجهة عسكرية بين قوتين، ولا مجرد صراع على السلطة، مهما كانت هذه العناصر حاضرة فيها، وإنما هي أيضًا تعبير عن تراكم طويل لأزمة الدولة السودانية. ولهذا فإن أي تسوية تقتصر على وقف إطلاق النار أو إعادة توزيع السلطة، دون معالجة الأسئلة المؤسسة التي ظلت معلقة منذ الاستقلال، لن تكون سوى هدنة مؤقتة في مسار أزمة أطول.
ومن هنا تبرز ضرورة الانتقال من التفكير في إدارة الدولة إلى التفكير في إعادة تأسيس الدولة. فالإدارة تعني تشغيل المؤسسات القائمة وتحسين أدائها، أما التأسيس فيعني إعادة النظر في المبادئ التي قامت عليها تلك المؤسسات أصلًا. وهذا هو الفارق بين الإصلاح الجزئي والإصلاح البنيوي. فالأول يعالج ما هو قائم، أما الثاني فيسأل أولًا؛ هل ما هو قائم صالح للاستمرار، أم أن الوقت قد حان لبناء إطار جديد أكثر قدرة على استيعاب التنوع، وتحقيق العدالة، وضمان التداول السلمي للسلطة؟

هذا السؤال سيكون محور الفصول القادمة، لأنه يمثل البوابة التي لا يمكن عبور أزمة السودان من دونها. فالدول لا تُبنى فقط بالإرادة السياسية، ولا بالمساعدات الخارجية، ولا بالنصوص الدستورية، وإنما تُبنى عندما يقتنع مواطنوها بأنهم متساوون في الحقوق، ومتساوون في الكرامة، ومتساوون في ملكية الدولة نفسها. وحين يصل المجتمع إلى هذه القناعة، يصبح العقد الاجتماعي أكثر من وثيقة؛ يصبح ثقافة عامة، وضميرًا وطنيًا، وسياجًا يحمي الدولة من الانهيار كلما تغيرت الحكومات أو اشتدت الأزمات.

🟢 الدولة ليست حكومة… والدستور ليس عقدًا اجتماعيًا

من أكثر الأخطاء شيوعًا في الفكر السياسي العربي، وفي الخطاب السوداني على وجه الخصوص، الخلط بين الدولة والحكومة، وبين الدستور والعقد الاجتماعي. وقد أدى هذا الخلط، في كثير من الأحيان، إلى الاعتقاد بأن تغيير الحكومة يعني إصلاح الدولة، أو أن كتابة دستور جديد تعني تلقائيًا ولادة عقد اجتماعي جديد. غير أن التجربة السودانية نفسها تثبت أن الأمر أكثر تعقيدًا من ذلك. فالدولة هي الإطار الدائم الذي يضم جميع المواطنين، بينما الحكومة ليست سوى الإدارة المؤقتة التي تتولى شؤون ذلك الإطار لفترة محدودة. الدولة تبقى، والحكومات تتغير. الدولة تمثل الاستمرارية، والحكومة تمثل التداول. والدولة لا ينبغي أن تكون ملكًا للحكومة، كما لا يجوز للحكومة أن تتصرف وكأنها هي الدولة.

حين تختلط الحدود بين الاثنين، تبدأ المشكلات الكبرى. فكل حكومة جديدة تحاول إعادة تشكيل مؤسسات الدولة وفق مصالحها، وكل معارضة ترى أن إسقاط الحكومة يقتضي إسقاط كل ما أنشأته الدولة قبلها. وهكذا تتحول الخدمة المدنية إلى غنيمة سياسية، ويصبح القضاء محل شك، وتدخل المؤسسة العسكرية في الصراع، وتفقد المؤسسات حيادها تدريجيًا، لأن الجميع ينظر إليها باعتبارها امتدادًا للحكومة لا للدولة.
وهذا ما يجعل الدول الهشة تعيش حالة من الانقطاع المستمر. فبدل أن تتراكم الخبرات والمؤسسات عبر الزمن، تبدأ كل مرحلة من الصفر، وكأن التاريخ يُعاد كتابته مع كل تغيير سياسي. وما أن تستقر إدارة حتى تأتي إدارة أخرى فتهدم ما سبقها، لا لأنه كان فاشلًا بالضرورة، بل لأنه ارتبط بخصومها السياسيين. وهكذا تُستهلك طاقات المجتمع في إعادة البناء بدلًا من التطوير، وفي تصفية الحسابات بدلًا من صناعة المستقبل. ولا يقل الخلط بين الدستور والعقد الاجتماعي خطورة عن ذلك. فالدستور وثيقة قانونية، أما العقد الاجتماعي فهو اتفاق سياسي وأخلاقي ومجتمعي أوسع بكثير. قد ينجح المجتمع في صياغة دستور متقدم من الناحية القانونية، لكنه يفشل في تطبيقه إذا لم يكن يعكس توافقًا حقيقيًا بين مكوناته. وقد تُكتب أجمل النصوص عن الحقوق والحريات، ثم تتحول إلى حبر على ورق إذا كانت القوى السياسية والعسكرية لا تؤمن بها، أو إذا كان المواطن نفسه لا يشعر بأنها تعبر عن إرادته.

ولذلك فإن العلاقة بين العقد الاجتماعي والدستور تشبه العلاقة بين الروح والجسد. فالعقد الاجتماعي هو الفكرة التي تمنح الدستور الحياة، بينما الدستور هو الأداة القانونية التي تعبر عن تلك الفكرة. فإذا غابت الروح، بقي الجسد موجودًا، لكنه فقد الحياة. وكذلك الدساتير التي تُكتب في غياب توافق وطني حقيقي؛ تبدو متماسكة في نصوصها، لكنها تعجز عن الصمود أمام أول أزمة سياسية كبرى. ويؤكد تاريخ السودان هذه الحقيقة بصورة لافتة. فقد عرف البلاد عددًا من الدساتير المؤقتة، والمراسيم الدستورية، والوثائق الانتقالية، والتعديلات القانونية، لكن ذلك لم يمنع تكرار الانقلابات، ولا اندلاع الحروب، ولا انهيار الفترات الديمقراطية. ولم يكن السبب نقصًا في النصوص وحدها، وإنما غياب اتفاق راسخ حول المبادئ التي ينبغي أن تحكم تلك النصوص. إن الدستور لا يستطيع، بمفرده، أن يخلق الثقة بين المواطنين والدولة، كما لا يستطيع أن يفرض التعايش بين جماعات لا تؤمن بشرعية بعضها بعضًا. إنه ينظم ما تم الاتفاق عليه، لكنه لا يصنع الاتفاق من العدم. ولذلك فإن كتابة دستور جديد في مجتمع منقسم، قبل بناء حد أدنى من التوافق الوطني، تشبه بناء سقف قبل وضع الأساسات.

ولا يعني ذلك التقليل من أهمية الدساتير، فهي تظل من أهم أدوات حماية الحقوق وتنظيم السلطات، لكنها تؤدي وظيفتها على الوجه الأكمل عندما تكون ثمرة لعقد اجتماعي، لا بديلًا عنه. ولهذا السبب، فإن كثيرًا من الدساتير التي كُتبت في ظروف استثنائية انهارت بمجرد تغير موازين القوى، لأنها كانت تعبر عن لحظة سياسية أكثر مما تعبر عن توافق وطني طويل الأمد. وهنا تظهر مسؤولية النخب السياسية والفكرية. فبدل أن تنشغل فقط بصياغة النصوص القانونية، عليها أن تنشغل أولًا ببناء الثقة، وإدارة الحوار، والبحث عن المبادئ المشتركة التي يمكن أن يقف عليها الجميع، مهما اختلفت رؤاهم الأيديولوجية أو مصالحهم السياسية. فالدساتير يمكن تعديلها، والقوانين يمكن تغييرها، أما العقد الاجتماعي فلا يتغير كل عام، لأنه يمثل القواعد الأساسية التي يتفق المجتمع على بقائها فوق المنافسة السياسية.
ولعل من أهم الدروس التي تقدمها التجارب المقارنة أن المجتمعات التي نجحت في الانتقال من الصراع إلى الاستقرار لم تبدأ بالسؤال؛ كيف نكتب دستورًا؟ بل بدأت بالسؤال؛ ما الذي نتفق عليه جميعًا، حتى قبل أن نختلف سياسيًا؟

فهل نتفق على أن حياة الإنسان مصونة؟ وهل نتفق على أن السلطة لا تُكتسب بالقوة المسلحة؟ وهل نتفق على أن القضاء يجب أن يكون مستقلًا؟ وهل نتفق على أن الجيش مؤسسة وطنية لا حزب سياسي؟ وهل نتفق على أن جميع المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات؟ وهل نتفق على أن تداول السلطة يتم عبر الوسائل السلمية وحدها؟
إذا كانت الإجابة عن هذه الأسئلة بالإيجاب، يصبح الدستور ترجمة قانونية لذلك الاتفاق. أما إذا ظلت هذه المبادئ نفسها موضع نزاع، فإن أي دستور، مهما بلغت جودة صياغته، سيظل معرضًا للاهتزاز مع أول اختبار حقيقي. ومن هنا، فإن الطريق إلى السودان الجديد لا يبدأ من قاعات الصياغة الدستورية وحدها، بل يبدأ من إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وبين المواطنين بعضهم مع بعض، ومن الاتفاق على المبادئ التي لا ينبغي أن تكون محل مساومة أو مقايضة سياسية. فالدولة التي تتغير قواعدها الأساسية مع كل أزمة، لا تستطيع أن تمنح مواطنيها شعورًا بالأمان، ولا أن تبني مستقبلًا مستقرًا لأجيالها القادمة.

🟠 هل يحتاج السودان إلى دستور جديد أم إلى فكرة جديدة للدولة؟

يُطرح هذا السؤال في السودان كلما دخلت البلاد مرحلة انتقالية جديدة. وسرعان ما تبدأ النقاشات حول شكل الدستور، وعدد مستويات الحكم، وصلاحيات رئيس الدولة، ونظام الانتخابات، وتوزيع المقاعد في البرلمان. وهي كلها قضايا مهمة، لكنها تأتي، في كثير من الأحيان، قبل السؤال الذي ينبغي أن يسبقها جميعًا؛ أي دولة نريد أن نبني؟
إن الدستور، مهما بلغت جودته، لا يستطيع أن يجيب وحده عن هذا السؤال. فهو ينظم الدولة بعد الاتفاق عليها، لكنه لا يخلق ذلك الاتفاق. ولهذا فإن الأمم التي نجحت في بناء دول مستقرة لم تبدأ بالنصوص القانونية، وإنما بدأت بتحديد الفكرة التي تريد أن تجسدها الدولة. فالدستور هو التعبير القانوني عن فكرة سياسية وأخلاقية واجتماعية سبقت وجوده. ولذلك فإن السؤال الحقيقي أمام السودان ليس؛ هل نكتب دستورًا جديدًا؟ وإنما؛ هل ما زلنا نريد الدولة التي ورثناها بعد الاستقلال، أم أن الوقت قد حان لإعادة تعريفها؟ هذا السؤال قد يبدو صادمًا، لكنه ضروري. فالدول، مثل المؤسسات والأفكار، قد تصل إلى لحظة يصبح فيها الإصلاح الجزئي غير كافٍ، ليس لأن كل ما فيها خاطئ، وإنما لأن الأساس الذي قامت عليه لم يعد قادرًا على استيعاب التحولات التي مرت بها. وعندما يحدث ذلك، يصبح الإصلاح أشبه بترميم جدران بيت تصدعت أساساته. قد يبدو أكثر جمالًا بعد الطلاء، لكنه يظل معرضًا للانهيار عند أول هزة كبيرة.
لقد تغير السودان كثيرًا منذ عام ١٩٥٦. تغيرت تركيبته السكانية، واتسعت المدن، وظهرت أجيال جديدة لم تعش تجربة الاستقلال، وانفصل الجنوب، واندلعت حروب في مناطق متعددة، وتبدلت طبيعة الاقتصاد، وتغيرت وسائل الاتصال، وتوسعت مفاهيم الحقوق والحريات، وأصبح السودانيون أكثر اتصالًا بالعالم وأكثر وعيًا بحقوقهم السياسية والاجتماعية. لكن فكرة الدولة، في كثير من جوانبها، ظلت أسيرة تصورات تشكلت في منتصف القرن العشرين، أو حتى قبل ذلك.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي دولة هو أن يتغير المجتمع بينما تبقى الدولة جامدة. فالمجتمع كائن حي يتطور باستمرار، أما الدولة التي تعجز عن التطور معه، فإنها تتحول تدريجيًا إلى مصدر للتوتر بدلًا من أن تكون إطارًا لتنظيمه.
ولهذا، فإن إعادة تأسيس السودان لا تعني هدم كل ما ورثه من مؤسسات أو قوانين أو تقاليد، بل تعني إخضاعها جميعًا لسؤال واحد؛ هل ما زالت تحقق الغاية التي وُجدت من أجلها؟ فإذا كانت المؤسسة العسكرية قد أنشئت لحماية الوطن، فهل تمارس هذا الدور ضمن حدود الدستور، أم أصبحت طرفًا في التنافس السياسي؟ وإذا كانت الإدارة المحلية قد أنشئت لخدمة المواطنين، فهل تمتلك الصلاحيات والموارد التي تمكنها من أداء هذا الدور؟ وإذا كانت الخدمة المدنية وجدت لتكون جهازًا مهنيًا محايدًا، فهل حافظت على حيادها أم أصبحت جزءًا من الصراع السياسي؟ وإذا كان النظام الاقتصادي يهدف إلى تحقيق التنمية والعدالة، فهل نجح في توزيع الفرص بين المواطنين، أم ساهم في تعميق الفوارق بينهم؟ إن إعادة طرح هذه الأسئلة لا تعني التشكيك في الدولة، بل هي محاولة لإنقاذها. فالدولة التي لا تقبل مراجعة نفسها محكوم عليها بأن تراجعها الأزمات بدلًا عنها.

وقد أثبت التاريخ أن الأمم التي امتلكت الشجاعة لإعادة التفكير في نفسها كانت أكثر قدرة على البقاء من تلك التي اعتبرت مؤسساتها أو أفكارها حقائق نهائية لا يجوز الاقتراب منها. فليست قوة الدولة في جمودها، وإنما في قدرتها على التجدد دون أن تفقد استقرارها، وعلى الإصلاح دون أن تنهار، وعلى استيعاب التغيير دون أن تتخلى عن مبادئها الأساسية. وهنا ينبغي أن ننتبه إلى حقيقة كثيرًا ما تغيب عن النقاش السوداني، وهي أن الدولة ليست هدفًا في ذاتها. فليس المطلوب أن نحافظ على الدولة لمجرد أنها موجودة، وإنما أن نحافظ عليها لأنها الأداة التي تحمي الإنسان وتصون حقوقه وتنظم حياته. فإذا تحولت الدولة إلى عبء على مواطنيها، أو إلى وسيلة لإقصائهم أو تهميشهم أو إخضاعهم، فإن المشكلة لا تكون في المواطنين الذين يطالبون بإصلاحها، بل في الدولة التي نسيت الغاية التي أنشئت من أجلها. إن الدولة الحديثة لم تُخلق ليعيش المواطن في خدمتها، بل خُلقت لتكون هي في خدمة المواطن. وهذه الفكرة البسيطة كانت واحدة من أعظم التحولات في الفكر السياسي الحديث. فبعد قرون كان الإنسان فيها يُنظر إليه باعتباره تابعًا للملك أو الإمبراطور أو السلطان، أصبح هو مصدر الشرعية، وأصبحت الدولة مسؤولة أمامه، لا العكس.

غير أن هذا التحول لم يترسخ بالقدر الكافي في كثير من الدول التي خرجت من الاستعمار، ومنها السودان. فقد ورثت هذه الدول مؤسسات صُممت في الأصل لخدمة السلطة أكثر من خدمة المجتمع، ثم أضيفت إليها، مع مرور الزمن، طبقات جديدة من البيروقراطية، والعسكرة، والمركزية، دون أن يرافق ذلك تحول حقيقي في فلسفة الدولة نفسها. ولذلك فإن المشروع الذي يدافع عنه هذا الكتاب لا يدعو إلى دولة أكبر، ولا إلى دولة أصغر، بل إلى دولة مختلفة؛ دولة تُقاس قوتها بقدرتها على حماية الحقوق، لا بعدد أجهزتها الأمنية، وتُقاس هيبتها بثقة مواطنيها، لا بخوفهم منها، ويُقاس نجاحها بقدرتها على تحقيق العدالة والمساواة، لا بقدرتها على فرض الطاعة.
هذه هي الفكرة الجديدة للدولة التي يحتاجها السودان. أما الدستور، فسيأتي لاحقًا ليترجم هذه الفكرة إلى مواد قانونية، ويحول المبادئ إلى مؤسسات، والحقوق إلى ضمانات، والواجبات إلى قواعد ملزمة للجميع. فالدستور ليس نقطة البداية، وإنما هو ثمرة الرحلة، أما البداية الحقيقية فهي الاتفاق على الدولة التي يستحقها جميع السودانيين، دون استثناء.

🔵 العقد الاجتماعي ليس مصالحة… بل إعادة توزيع للسلطة

من أكثر الأخطاء التي وقعت فيها عمليات السلام في كثير من الدول، ومن بينها السودان، الاعتقاد بأن المصافحة بين الخصوم السياسيين تعني أن العقد الاجتماعي قد وُلد، أو أن توقيع اتفاق سياسي يعني أن الدولة دخلت مرحلة جديدة من الاستقرار. غير أن التجربة تثبت أن السلام السياسي قد يوقف القتال، لكنه لا ينهي أسباب الصراع إذا بقيت بنية السلطة كما هي، أو إذا استمرت علاقات القوة القديمة في إنتاج المظالم نفسها بأشكال مختلفة. ولهذا ينبغي التمييز بين ثلاثة مفاهيم كثيرًا ما تُستخدم وكأنها مترادفات، بينما هي في الحقيقة تعبر عن ثلاث مراحل مختلفة تمامًا: المصالحة السياسية، والتسوية السياسية، والعقد الاجتماعي. فالمصالحة السياسية هي اتفاق بين خصوم على وقف الخصومة أو تخفيفها، وقد تكون ضرورية لتخفيف الاحتقان أو فتح باب الحوار. أما التسوية السياسية فهي اتفاق عملي لإدارة مرحلة معينة، يتضمن عادة تقاسمًا للسلطة أو ترتيبات أمنية أو انتقالًا سياسيًا أو وقفًا لإطلاق النار. وكلتاهما قد تكونان ضروريتين في لحظات الأزمات، لكنهما لا تؤسسان، بالضرورة، لدولة جديدة.

أما العقد الاجتماعي، فهو شيء مختلف تمامًا. إنه لا يعيد توزيع المناصب، بل يعيد توزيع السلطة نفسها. ولا يحدد فقط من يجلس على مقاعد الحكم، بل يحدد من يملك حق اتخاذ القرار، ومن يراقب السلطة، ومن يحاسبها، وما الذي لا تستطيع فعله حتى لو امتلكت أغلبية سياسية ساحقة. وهذا الفارق بالغ الأهمية. فحين تتفاوض القوى السياسية على عدد الوزراء أو نسب المشاركة أو توزيع الحقائب، فإنها تتفاوض داخل الدولة القائمة. أما حين يناقش المجتمع علاقة الجيش بالسياسة، أو استقلال القضاء، أو حقوق الأقاليم، أو مبدأ المواطنة المتساوية، أو حدود السلطة التنفيذية، فإنه لا يتفاوض على حكومة، بل يعيد تأسيس الدولة نفسها..ولذلك فإن العقد الاجتماعي لا يمكن أن يكون اتفاقًا بين النخب وحدها، لأن النخب ليست هي المجتمع. إنها جزء منه، وقد تكون جزءًا مهمًا، لكنها لا تملك الحق في احتكار. تعريف مستقبل البلاد. فإذا اقتصر التأسيس على الأحزاب، أو على العسكريين، أو على الحركات المسلحة، أو على القوى الاقتصادية، فإن النتيجة ستكون عقدًا بين أصحاب النفوذ، لا عقدًا بين المواطنين. إن أكبر خطأ ارتكبته كثير من النخب السودانية، عبر العقود، أنها اعتبرت نفسها الوصي الطبيعي على الدولة. وكلما دخلت البلاد أزمة، اجتمع ممثلو القوى المتصارعة ليتفاوضوا فيما بينهم على شكل المرحلة المقبلة، بينما ظل ملايين المواطنين مجرد متفرجين على مستقبل يُصاغ باسمهم، لا بمشاركتهم.

ولذلك، فإن معظم الاتفاقيات السودانية كانت تتحدث عن تقاسم السلطة أكثر مما تتحدث عن تقييد السلطة. والفرق بين الأمرين جوهري. فتقاسم السلطة يحدد من يحكم، أما تقييد السلطة فيحدد ما الذي لا يجوز للحاكم أن يفعله، مهما كان اسمه أو حزبه أو رتبته العسكرية أو حجم تأييده الشعبي. إن التاريخ يعلمنا أن المجتمعات لا تصبح آمنة عندما يصل إليها الحاكم الصالح، بل عندما تبني مؤسسات تمنع حتى الحاكم غير الصالح من تدميرها. فالرهان على أخلاق الحكام وحدها رهان خاسر، لأن الأشخاص يتغيرون، أما المؤسسات فهي التي تبقى.
ومن هنا، فإن العقد الاجتماعي لا يقوم على حسن النوايا، وإنما على توزيع القوة بحيث لا يستطيع أحد احتكارها. إنه يفترض أن البشر قد يخطئون، وقد يطمعون، وقد يسيئون استخدام السلطة، ولذلك يبني نظامًا يجعل إساءة استخدام السلطة أكثر صعوبة، ويجعل محاسبة المسؤولين أكثر سهولة. وهذا ما يفسر أن الديمقراطيات المستقرة لا تعتمد على فضيلة السياسيين، بل على قوة المؤسسات. فالقانون لا يفترض أن جميع الحكام ملائكة، وإنما يفترض أنهم بشر، ولهذا يضع لهم حدودًا لا يستطيعون تجاوزها. وفي الحالة السودانية، يكتسب هذا المبدأ أهمية مضاعفة. فقد أثبت التاريخ الحديث أن تركيز السلطة في يد مؤسسة واحدة، أو حزب واحد، أو قائد واحد، أو حتى فكرة واحدة، كان دائمًا مقدمة لأزمة جديدة. ولم يكن الخلل في الأشخاص وحدهم، بل في النظام الذي أتاح لهم أن يحتكروا السلطة دون رقابة كافية أو مساءلة حقيقية. ولهذا فإن العقد الاجتماعي الجديد لا ينبغي أن يسأل فقط؛ من سيحكم السودان؟ بل يجب أن يسأل، قبل ذلك؛ كيف نمنع أي شخص أو مؤسسة أو جماعة من احتكار حكم السودان مرة أخرى؟

إن هذا السؤال هو نقطة التحول بين دولة الأشخاص ودولة المؤسسات، بين دولة الغلبة ودولة القانون، وبين الدولة التي تعيش على موازين القوة، والدولة التي تعيش على قوة القواعد. وهنا نصل إلى واحدة من أهم النتائج التي سيبني عليها هذا الكتاب فصوله اللاحقة؛ إن إعادة تأسيس السودان لا تتطلب مجرد إعادة توزيع المقاعد في قمة السلطة، بل تتطلب إعادة توزيع السلطة ذاتها بين الدولة والمجتمع، وبين المركز والأقاليم، وبين السلطات الدستورية، وبين الأجيال الحالية والأجيال القادمة. فالدولة التي تتركز فيها السلطة في يد واحدة، مهما كانت نوايا صاحبها، تظل دولة معرضة للانهيار. أما الدولة التي تُوزع فيها السلطة، وتُراقب فيها السلطة، وتُقيد فيها السلطة، فهي الدولة التي تملك فرصة حقيقية للاستمرار.

🟢 السلطة… لماذا يفسدها الاحتكار؟

ليس هناك مفهوم تعرض لسوء الفهم في التاريخ السياسي أكثر من مفهوم السلطة. فالبعض ينظر إليها باعتبارها غاية السياسة، بينما يراها آخرون مجرد أداة للحكم. والحقيقة أن السلطة ليست خيرًا في ذاتها ولا شرًا في ذاتها، وإنما هي وسيلة لتنظيم المجتمع. فالطبيب يمارس سلطة داخل غرفة العمليات، والقاضي يمارس سلطة داخل المحكمة، والمعلم يمارس سلطة داخل المدرسة، والدولة تمارس سلطة على المجتمع كله. ومن دون سلطة لا يمكن تنفيذ قانون، ولا حماية حق، ولا بناء مؤسسة. المشكلة، إذن، ليست في وجود السلطة، وإنما في طبيعة العلاقة بينها وبين المجتمع. فكلما زادت السلطة من دون رقابة، اقتربت من الاستبداد، وكلما ضعفت السلطة إلى درجة العجز، اقترب المجتمع من الفوضى. وبين هذين الطرفين تتحرك جميع النظم السياسية في العالم، محاولة الوصول إلى توازن يجعل الدولة قوية بما يكفي لحماية المجتمع، ومقيدة بما يكفي حتى لا تتحول إلى مصدر للخطر عليه. وقد أدرك المفكرون منذ قرون أن السلطة تحمل في داخلها ميلًا طبيعيًا إلى التوسع. فكل مؤسسة تسعى، بطبيعتها، إلى زيادة نفوذها، وكل جهاز يحاول توسيع صلاحياته، وكل حاكم يميل إلى الاعتقاد بأن المصلحة العامة تقتضي منحه سلطات استثنائية. ولذلك لم يكن السؤال الذي شغل الفلاسفة هو؛ كيف نعطي السلطة للحاكم؟ بل؛ كيف نمنع السلطة من تجاوز حدودها؟

إن أعظم إنجازات الفكر الدستوري الحديث لم تكن في اختراع السلطة، وإنما في اختراع القيود عليها. فالفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، وحرية الصحافة، وحق المعارضة، والانتخابات الدورية، والمراجعة القضائية، والرقابة البرلمانية، كلها لم تُنشأ لأن الناس لا يثقون في الدولة، بل لأنهم يدركون أن الثقة وحدها لا تكفي، وأن السلطة تحتاج دائمًا إلى من يراقبها، كما يحتاج الميزان إلى من يراجعه حتى لا يختل. ولعل التاريخ السوداني يقدم مثالًا واضحًا على خطورة تركيز السلطة. ففي كل مرحلة تقريبًا، كان النظام السياسي يتجه، بدرجات مختلفة، نحو جمع السلطات في مركز واحد. فالمركز يسيطر على القرار السياسي، وعلى الموارد المالية، وعلى الأجهزة العسكرية والأمنية، وعلى الإدارة المدنية، بينما تظل الأقاليم في موقع المتلقي للقرارات أكثر من مشاركتها في صنعها. ومع مرور الزمن، لا يتحول المركز فقط إلى العاصمة، بل إلى فكرة سياسية ترى نفسها المصدر الطبيعي للسلطة، بينما تُنظر إلى بقية البلاد باعتبارها أطرافًا ينبغي إدارتها، لا شركاء في إدارة الدولة.
وهنا يبدأ الاختلال البنيوي. فكلما تركزت السلطة، تركزت معها الثروة، ثم تركزت معها الخدمات، ثم تركزت معها فرص التعليم والعمل والاستثمار. وعندها لا يعود التفاوت مجرد نتيجة طبيعية لاختلاف الظروف، بل يصبح جزءًا من طريقة عمل الدولة نفسها. ويبدأ سكان المناطق الأقل حظًا في الشعور بأنهم لا يملكون نصيبًا عادلًا من القرار ولا من الموارد، وأن الدولة التي يُفترض أن تمثل الجميع، أصبحت تمثل بعضهم أكثر من بعض.

ولا يقتصر الأمر على العلاقة بين المركز والأقاليم. فالسلطة قد تتركز أيضًا داخل المؤسسة الواحدة. فقد يهيمن الجهاز التنفيذي على البرلمان، أو يضعف القضاء أمام السلطة السياسية، أو تتحول الأحزاب نفسها إلى مؤسسات يديرها أفراد لا مؤسسات، فتغيب الديمقراطية داخل التنظيمات التي تطالب بالديمقراطية خارجها. وهذا يقود إلى مفارقة مؤلمة؛ إذ لا يمكن لمجتمع أن يبني دولة ديمقراطية إذا كانت مؤسساته السياسية والاجتماعية نفسها تدار بعقلية الاحتكار. فمن الصعب أن تؤمن الأحزاب بتداول السلطة داخل الدولة إذا كانت لا تؤمن بتداولها داخل الحزب، ومن الصعب أن تدافع جماعة عن استقلال القضاء وهي لا تقبل النقد داخل صفوفها، ومن الصعب أن يطالب قائد بالحرية للمجتمع إذا كان لا يمنحها لمن يعملون معه.
إن العقد الاجتماعي الجديد لا يكتفي بإعادة توزيع السلطة بين مؤسسات الدولة، بل يسعى أيضًا إلى نشر ثقافة تعتبر السلطة مسؤولية مؤقتة، لا امتيازًا دائمًا. فالمنصب العام ليس ملكًا لصاحبه، ولا حقًا مكتسبًا، ولا وسيلة لتحقيق النفوذ الشخصي، وإنما وظيفة يؤديها باسم المجتمع ولصالحه، ويخضع فيها للمساءلة منذ اليوم الأول لتوليه المسؤولية وحتى اليوم الأخير.

ولهذا فإن قوة الدولة لا تُقاس بعدد السلطات التي تمتلكها، وإنما بعدد السلطات التي قبلت أن تقيد نفسها بها. فالدولة التي تخضع حكومتها للقانون أقوى من الدولة التي تخضع القانون لحكومتها، والدولة التي يستطيع مواطنها مقاضاة أعلى مسؤول فيها أقوى من الدولة التي يخشاها الجميع، لأن الأولى تستند إلى الشرعية، بينما تستند الثانية إلى الخوف، والخوف لا يبني استقرارًا دائمًا. وفي السودان، لا يكفي أن نطالب بانتقال السلطة من طرف إلى آخر، أو من مؤسسة إلى أخرى. المطلوب هو تغيير الفلسفة التي تقوم عليها السلطة نفسها. فبدل أن تُفهم السلطة باعتبارها سيطرة، ينبغي أن تُفهم باعتبارها أمانة. وبدل أن تكون وسيلة لفرض الإرادة، ينبغي أن تكون وسيلة لتنفيذ إرادة المجتمع كما يعبر عنها القانون والدستور. وعندما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، يصبح السؤال السياسي مختلفًا. فلا يعود السؤال؛ من يحكم؟ بل؛ كيف يُحكم؟ ولا يعود الاهتمام منصبًا على أسماء الحكام، بل على القواعد التي يخضعون لها. وحين تصبح القواعد أهم من الأشخاص، تبدأ الدولة في التحرر من الحلقة المفرغة التي تجعل مستقبلها مرتبطًا دائمًا بمصير فرد أو جماعة، وتدخل مرحلة النضج التي تقوم فيها المؤسسات بدورها، مهما تغيرت الوجوه وتعاقبت الحكومات.

🟣 السيادة… لمن تكون؟

إذا كانت السلطة تعني القدرة على اتخاذ القرار، فإن السيادة تعني الحق في امتلاك القرار النهائي الذي لا يعلوه قرار آخر داخل الدولة. ولهذا كانت قضية السيادة، عبر التاريخ، من أكثر القضايا إثارة للجدل، لأنها لا تتعلق فقط بمن يحكم، وإنما بمن يملك الحق في أن يقول الكلمة الأخيرة عندما تتعارض الإرادات. في الدول القديمة كانت السيادة تُنسب إلى الملك. لم يكن الحاكم يدير الدولة فحسب، بل كان يُنظر إليه باعتباره الدولة نفسها. وكانت إرادته هي القانون، ولم يكن هناك فرق واضح بين شخصه وبين المؤسسة التي يحكمها. ولهذا كان موت الملك، أو عزله، كثيرًا ما يعني دخول الدولة بأكملها في مرحلة من الاضطراب، لأن الدولة لم تكن منفصلة عن الحاكم. ومع تطور الفكر السياسي، بدأت هذه الفكرة تتغير. فلم تعد السيادة ملكًا لفرد، بل أصبحت تُنسب إلى الأمة أو الشعب. ولم يعد الحاكم مالكًا للدولة، وإنما أصبح موظفًا عامًا يمارس سلطاته باسم المجتمع ووفقًا للقانون. وكان هذا التحول من أعظم الإنجازات السياسية في التاريخ الحديث، لأنه حرر الدولة من الارتباط بالأشخاص، وربطها بالإرادة العامة للمواطنين.

غير أن الاعتراف النظري بسيادة الشعب لا يعني بالضرورة تحققها في الواقع. فكثير من الدول تعلن في دساتيرها أن الشعب هو مصدر السلطات، بينما تُمارس السلطة الفعلية داخل مؤسسات مغلقة لا يملك المواطنون رقابة حقيقية عليها. وهنا تظهر الفجوة بين السيادة القانونية والسيادة الواقعية. فالسيادة القانونية هي ما تقوله النصوص، أما السيادة الواقعية فهي ما يحدث على الأرض. وإذا تعارض الاثنان، فإن النصوص تفقد قيمتها تدريجيًا، لأن الناس لا يحكمون على الدولة بما تكتبه في دساتيرها، بل بما يعيشونه في حياتهم اليومية. وهذا التمييز ضروري لفهم التجربة السودانية. فمنذ الاستقلال، أكدت النصوص الدستورية، بدرجات مختلفة، أن الشعب هو مصدر الشرعية. لكن الواقع كثيرًا ما سار في اتجاه آخر. ففي بعض المراحل أصبحت القوة العسكرية هي المرجع النهائي، وفي مراحل أخرى تغلبت الإرادة الحزبية أو الأمنية أو الأيديولوجية على الإرادة الشعبية، فأصبح المواطن يسمع أن السيادة له، بينما يرى أن القرار يصنع في مكان آخر. وهنا تبدأ أزمة الشرعية. فحين يشعر المواطن بأن صوته لا يغير شيئًا، وأن المؤسسات المنتخبة لا تمتلك القرار الحقيقي، وأن موازين القوة أهم من النصوص الدستورية، تتراجع ثقته في العملية السياسية كلها. ولا يعود السؤال؛ من فاز في الانتخابات؟ بل؛ من يملك السلطة الفعلية؟ ومن يستطيع تعطيل إرادة الناخبين؟ ومن يحدد مستقبل البلاد عندما تقع الأزمات؟ إن العقد الاجتماعي لا يكتمل إلا عندما تتطابق السيادة القانونية مع السيادة الواقعية، أي عندما تصبح إرادة المواطنين، عبر المؤسسات الدستورية، هي المصدر الحقيقي للسلطة، لا مجرد شعار يتكرر في المناسبات الرسمية.

غير أن السيادة الشعبية لا تعني أن الأغلبية تستطيع أن تفعل ما تشاء. فهذه واحدة من أكثر النقاط التي يساء فهمها. فالأغلبية تملك حق الحكم، لكنها لا تملك حق إلغاء حقوق الإنسان، ولا حق مصادرة الحريات الأساسية، ولا حق تحويل الدولة إلى أداة لمعاقبة الأقليات أو تهميشها. فالعقد الاجتماعي لا يحمي فقط حق الأغلبية في أن تحكم، بل يحمي أيضًا حق الأقلية في أن تعارض، وحق الفرد في ألا يُسحق تحت إرادة الأكثرية. ومن هنا نشأ المفهوم الحديث للديمقراطية الدستورية. فالديمقراطية ليست مجرد حكم الأغلبية، وإنما حكم الأغلبية داخل حدود يفرضها الدستور، وتحميها المحاكم، وتحرسها المؤسسات المستقلة. فالأغلبية تستطيع أن تغير الحكومة، لكنها لا تستطيع أن تلغي المساواة أمام القانون، أو أن تمنع مواطنًا من حقه في التعبير، أو أن تجعل القضاء تابعًا لها، لأن هذه المبادئ ليست ملكًا للأغلبية، بل هي جزء من العقد الذي قام عليه المجتمع كله.

وفي السودان، تكتسب هذه الفكرة أهمية استثنائية. فالبلاد ليست مجتمعًا متجانسًا يعيش في إقليم واحد، بل وطن واسع ومتنوع، يضم ثقافات ولغات وتقاليد وتجارب تاريخية متعددة. وفي مثل هذا المجتمع، لا يمكن أن تقوم السيادة على منطق الغلبة العددية وحده، كما لا يمكن أن تقوم على منطق القوة المسلحة. وإنما يجب أن تقوم على قاعدة أعمق: أن جميع المواطنين شركاء متساوون في ملكية الدولة، وأن الأغلبية تحكم، لكن ضمن عقد يحمي الجميع، ويمنع تحول الديمقراطية إلى أداة لإنتاج هيمنة جديدة. ولذلك، فإن أحد أهم أهداف العقد الاجتماعي السوداني الجديد يجب أن يكون إعادة تعريف السيادة نفسها. فلا تكون السيادة للجيش، ولا للحزب، ولا للقبيلة، ولا للزعيم، ولا للعاصمة، بل للشعب السوداني بكل تنوعه، يمارسها عبر مؤسسات دستورية مستقلة، ويقيدها بسيادة القانون، ويحميها قضاء لا يخضع إلا للدستور. وعندما تستقر هذه الفكرة في وجدان المجتمع، يتغير معنى السياسة كله. فلا يعود الوصول إلى السلطة يعني امتلاك الدولة، ولا تعني خسارة الانتخابات فقدان الوطن، ولا يصبح السلاح طريقًا مختصرًا إلى القرار. بل تصبح الدولة فضاءً مشتركًا يتنافس الجميع داخله وفق قواعد واحدة، وهم مطمئنون إلى أن ما يحميهم ليس حسن نية الحكام، وإنما عقد اجتماعي جعل السيادة للشعب، والقانون فوق الجميع، والدولة ملكًا لكل مواطنيها بالتساوي.

🟠 الحرية… لماذا يتنازل الإنسان عن جزء منها؟

قد يبدو العقد الاجتماعي، في ظاهره، صفقة غريبة. فالإنسان يولد حرًا، ثم يقبل، بإرادته، أن يخضع لقوانين، وأن يدفع ضرائب، وأن يلتزم بقرارات لم يشارك أحيانًا في اتخاذها، وأن يعاقب إذا خالفها. لماذا يقبل بذلك؟ ولماذا لا يحتفظ بحريته كاملة؟.هذا السؤال شغل الفلاسفة منذ قرون، لكن أهميته لا تقتصر على الفلسفة، بل تمتد إلى كل نظام سياسي يريد أن يفهم العلاقة بين المواطن والدولة. إن الحرية المطلقة تبدو جذابة في الخيال، لكنها تصبح مستحيلة في المجتمع. فحرية الإنسان تنتهي عندما تبدأ حرية غيره. وإذا أطلق المجتمع الحرية بلا ضوابط، فلن تكون النتيجة اتساع الحرية، بل اتساع سلطة الأقوى. سيأخذ القوي ما يريد، وسيدافع الضعيف عما يستطيع، وسيتحول القانون إلى القوة، بدل أن تتحول القوة إلى قانون.
ولهذا، فإن الإنسان لا يتنازل عن جزء من حريته لأنه يحب القيود، بل لأنه يريد أن يحمي بقية حريته. إنه يقبل بعدم أخذ ما ليس له، حتى يضمن ألا يأخذ الآخرون ما له. ويقبل بالخضوع لقاضٍ مستقل، حتى لا يصبح خصمه هو القاضي. ويقبل بدفع الضرائب، حتى يحصل على خدمات لا يستطيع توفيرها بمفرده. ويقبل بوجود جيش، حتى لا يضطر إلى حمل السلاح للدفاع عن نفسه كل يوم.

وهكذا فإن الدولة، في صورتها المثالية، لا تنتقص الحرية، بل تحميها. فهي لا تمنع الإنسان من أن يعيش كما يشاء، وإنما تمنع الآخرين من الاعتداء على حقه في أن يعيش كما يشاء. لكن هذه المعادلة تنهار عندما تتجاوز الدولة حدودها. فإذا استخدمت السلطة القانون لإسكات المعارضين، أو لقمع حرية الرأي، أو للتمييز بين المواطنين، فإنها لا تعود تحمي الحرية، بل تصبح هي نفسها مصدرًا للخطر عليها. وهنا يفقد العقد الاجتماعي معناه، لأن المواطن لم يعد يحصل على الحماية التي تنازل من أجلها عن جزء من حريته. ولهذا، فإن الحرية ليست نقيض الدولة، كما أنها ليست نقيض النظام. إنها نقيض التعسف. فالدولة التي تمنع الاعتداء على الحقوق توسع مساحة الحرية، أما الدولة التي تجعل نفسها فوق القانون، فإنها تضيق تلك المساحة، مهما رفعت من شعارات الأمن أو الاستقرار. إن المجتمعات المستقرة لا تقيس الحرية بعدد الكلمات التي يستطيع الناس قولها فقط، بل أيضًا بعدد الأشياء التي لا يخافون من قولها، ولا يخافون من التفكير فيها، ولا يخافون من الدفاع عنها أمام السلطة. فالحرية الحقيقية ليست أن يسمح لك القانون بالكلام، وإنما أن تكون مطمئنًا إلى أن القانون سيحميك عندما تتكلم.

وفي السودان، ارتبطت الحرية، عبر عقود، بمعارك طويلة ضد الاستبداد والانقلابات والرقابة والقمع. لكن التجربة السودانية تكشف أيضًا أن الحرية لا تواجه خطرًا واحدًا فقط. فهي قد تُهددها الدولة عندما تتحول إلى سلطة مطلقة، وقد تُهددها الجماعات المسلحة عندما تفرض إرادتها بالقوة، وقد تُهددها الجماعات الاجتماعية عندما تمنع الفرد من الاختلاف، وقد تُهددها الفوضى عندما يصبح العنف أقوى من القانون. ومن هنا، فإن الدفاع عن الحرية لا يعني إضعاف الدولة، كما أن بناء دولة قوية لا يعني التضحية بالحرية. إن التحدي الحقيقي هو بناء دولة تستطيع أن تحمي المجتمع دون أن تخنقه، وأن تطبق القانون دون أن تستخدمه أداة للانتقام أو الإقصاء، وأن تفرض النظام دون أن تلغي حق الإنسان في الاختلاف. ولهذا السبب، فإن العقد الاجتماعي الجديد للسودان لا ينبغي أن يجعل الحرية مجرد حق دستوري يُذكر في باب الحقوق، بل يجب أن يجعلها مبدأً مؤسسًا لطبيعة الدولة نفسها. فكل سلطة تُمنح لمؤسسة عامة يجب أن يُطرح معها سؤال موازٍ؛ من يراقب استخدام هذه السلطة؟ وكيف يُمنع التعسف؟ وما الضمانة التي يملكها المواطن إذا تحولت السلطة إلى أداة ضده؟ إن الأمم لا تُعرف فقط بما تمنحه لمواطنيها من حقوق، بل أيضًا بما تضعه من قيود على حكوماتها. وكلما ازدادت القيود القانونية والمؤسسية على السلطة، ازدادت مساحة الحرية الحقيقية للمجتمع. ومن هنا، فإن الحرية ليست منحة من الدولة، ولا هدية من الحاكم، ولا مكافأة تمنحها السلطة لمن يوافقها. إنها حق أصيل يسبق وجود الدولة نفسها، والدولة لا تخلقه، بل تعترف به وتحميه. وإذا نسيت الدولة هذه الحقيقة، فإنها تفقد مبرر وجودها، لأن الإنسان لم ينشئ الدولة ليصبح أقل حرية، وإنما أنشأها ليعيش حريته في ظل قانون يحميه من تعسف الآخرين، ومن تعسف الدولة نفسها.

وبهذا المعنى، فإن الحرية ليست بندًا في العقد الاجتماعي، بل هي أحد الأسباب الجوهرية التي وُلد العقد الاجتماعي من أجلها. فمن دون حرية، يصبح العقد إذعانًا، ومن دون قانون، تصبح الحرية فوضى، ومن دون توازن بينهما، لا يمكن لأي دولة أن تبني سلامًا دائمًا أو ديمقراطية مستقرة أو مواطنة متساوية….يتبع…

khirawi@hotmail.com

Author
علاء خيراوي

علاء خيراوي

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
أوباما وتونسية التأريخ !؟؟ .. بقلم: سعيد عبدالله سعيد شاهين
منبر الرأي
من سيربح الرهان .. بقلم: عثمان يوسف خليل/ المملكة المتحدة
وكما يقول المثل: “من حفر حفرة لأخيه وقع فيها”.
منبر الرأي
اخلاء المدن من القوات العسكرية
السودان بين خياري الدمقرطة والتمزيق .. بقلم: الطيب الزين

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

غَليانٌ يَستوْجِـبَ احتـواءاً عَـاقِـلا .. بقلم: جَـمَـال مُـحَـمّــد إبراهيْـــم

جمال محمد ابراهيم
منبر الرأي

المجلس المركزي للحرية والتغيير: نصدقكم مرات ولكن لا نصدقكم أكثر المرات .. بقلم / عمر الحويج

طارق الجزولي
منبر الرأي

عبد الصبور وطه ومعرض القاهرة للكتاب .. بقلم : بدرالدين حسن علي

بدرالدين حسن علي
منبر الرأي

الاستاذ ايوب صديق (شايت وين)؟ .. بقلم: عبدالله مكاوي

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss