منذ فجر الثالث من يونيو 2019، حين اقتحمت قوات مسلحة ساحة اعتصام القيادة العامة في الخرطوم، ظل سؤال واحد يرفض أن يموت:
من أعطى الأمر بفض الاعتصام؟
لم يكن السؤال يومها متعلقاً فقط بمعرفة من أطلق النار أو من اقتحم الخيام، وإنما كان سؤالاً عن سلسلة القيادة والمسؤولية السياسية والعسكرية والجنائية عن واحدة من أكثر الأحداث دموية في تاريخ الثورة السودانية.
فقد كان المعتصمون في قلب الخرطوم يطالبون بالحكم المدني، بعد أن أسقط الشعب نظام عمر البشير، وكان فض الاعتصام بمثابة نقطة تحول كبرى أجهضت جزءاً مهماً من الآمال التي علقتها الجماهير على الثورة.
ومنذ ذلك اليوم، تعددت الروايات، وتضاربت الاتهامات، وتداخلت المسؤوليات، لكن الحقيقة الكاملة لم تصل إلى الشعب السوداني.
لجنة فتح الرحمن سعيد: قوات متعددة شاركت في الفض
في يوليو 2019 أعلنت لجنة التحقيق برئاسة المستشار فتح الرحمن سعيد أن قوات مشتركة من الأجهزة النظامية شاركت في عملية فض الاعتصام، وأن أفراداً وضباطاً من القوات المسلحة وقوات الدعم السريع والشرطة والأمن كانوا ضمن القوة التي اقتحمت منطقة الاعتصام.
وهذه النتيجة، إذا أخذناها باعتبارها ما أعلنته لجنة التحقيق الرسمية في ذلك الوقت، تكشف منذ البداية أن عملية الفض لم تكن بالبساطة التي حاول البعض تصويرها لاحقاً.
لم تكن القضية، وفق هذه الرواية، قضية قوة واحدة دخلت إلى ساحة الاعتصام منفردة، وإنما كانت هناك عناصر من أجهزة عسكرية وأمنية متعددة.
وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيداً:
إذا شاركت قوات متعددة، فمن نسق بينها؟ ومن أصدر الأمر؟ ومن كانت لديه سلطة إصدار الأمر؟
فمعرفة المنفذين لا تعني بالضرورة معرفة صاحب القرار.
لجنة نبيل أديب: ثلاثة آلاف شاهد ومئات التسجيلات
في أكتوبر 2019 تشكلت لجنة التحقيق برئاسة نبيل أديب، وكانت مهمتها تحديد المسؤولين عن التحريض أو المشاركة أو الاتفاق الجنائي أو ارتكاب الانتهاكات.
وبين عامي 2020 و2021 أعلنت اللجنة أنها استمعت إلى نحو ثلاثة آلاف شاهد، وجمعت نحو ثلاثمائة تسجيل فيديو، كما استمعت إلى عدد من كبار المسؤولين، بينهم عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو.
كان من المفترض، إذن، أن تكون هذه اللجنة قد امتلكت مادة ضخمة تسمح بإعادة بناء الأحداث وتحديد المسؤوليات.
ولكن السنوات مرت، ولم يحصل الشعب السوداني على التقرير النهائي الذي ينتظره.
وهنا لا بد أن نسأل:
ما الذي حدث؟
هل عجزت اللجنة عن الوصول إلى الحقيقة؟
أم وصلت إلى نتائج لكنها لم تستطع إعلانها؟
أم أن الظروف السياسية والأمنية حالت دون إكمال مهمتها؟
أم أن مراكز القوى التي كانت اللجنة تحقق معها استطاعت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، تعطيل الوصول إلى النتيجة النهائية؟
لا نستطيع أن نجزم بالإجابة من دون وثائق اللجنة نفسها.
لكن المؤكد أن غياب التقرير النهائي ترك فراغاً هائلاً ملأته الروايات السياسية المتعارضة.
حين يصبح الاتهام السياسي بديلاً عن القضاء
ومن هنا تأتي أهمية التصريح الأخير لأحد قيادات «صمود»، الذي اتهم قوات الدعم السريع بالتورط في فض الاعتصام.
ليس من حق أحد أن يمنع السياسيين من التعبير عن آرائهم، كما أن تورط عناصر من الدعم السريع ليس ادعاءً بلا أساس؛ فالتقرير الأول الذي أعلنته لجنة فتح الرحمن تحدث أصلاً عن مشاركة أفراد من الدعم السريع إلى جانب عناصر من القوات المسلحة والشرطة والأمن.
لكن هناك فرقاً جوهرياً بين القول إن أفراداً من الدعم السريع شاركوا في العملية، وبين إصدار حكم سياسي يحدد المسؤولية الجنائية النهائية عن الجريمة.
فالذي يفصل في المسؤولية الجنائية هو التحقيق المستقل والقضاء، وليس التصريحات السياسية.
وهنا يصبح موقف «صمود» موضع سؤال مشروع.
فإذا كانت «صمود» تريد أن تقول إن الدعم السريع مسؤول عن جرائم محددة، فعليها أن تقدم الأدلة التي تستند إليها.
وإذا كانت تريد أن تقول إن الجيش والدعم السريع ارتكبا جرائم، فعليها أيضاً أن تقدم الأدلة على كل واقعة، لا أن تجعل إدانة الطرفين موقفاً سياسياً بديلاً عن التحقيق.
فالعدالة لا تقوم على معادلة: الطرفان مذنبان، وبالتالي لا حاجة لمعرفة من فعل ماذا.
العدالة تقول شيئاً مختلفاً تماماً:
من أصدر الأمر؟
من نفذه؟
من شارك؟
من قتل؟
من تستر؟
ومن كانت لديه القدرة على منع الجريمة ولم يفعل؟
إن إدانة الطرفين بلا أدلة منشورة قد تبدو في ظاهرها حياداً، لكنها قد تتحول عملياً إلى حياد سلبي يساوي بين الوقائع المختلفة قبل إثباتها.
والأخطر أن يصبح هذا الحياد وسيلة لتبرير موقف سياسي اتخذته «صمود» تجاه الحرب الحالية، ثم يجري إسقاطه بأثر رجعي على أحداث 2019.
لا ينبغي أن نعيد كتابة تاريخ فض الاعتصام وفق اصطفافات حرب 2023.
قضية الصادق سيد وعثمان عوض الله ( ود القبائل)
وتزداد الحاجة إلى فتح ملف فض الاعتصام عندما نتوقف عند قضية اللواء الصادق سيد والعميد عثمان عوض الله.
فبحسب تقارير صحفية، احتجزت قوات الدعم السريع الضابطين لنحو أربع سنوات على خلفية قضية فض اعتصام القيادة العامة، ثم حررتهما قوة من الجيش في 16 أبريل 2023، بعد يوم واحد من اندلاع الحرب.
وتشير التقارير إلى أن الضابطين كانا منتدبين للعمل مع قوات الدعم السريع، وأن احتجازهما ارتبط بقضية فض الاعتصام.
وهذه القضية تفتح باباً مهماً جداً للتحقيق.
إذا كان الضابطان يمتلكان معلومات عن طبيعة الأوامر التي صدرت في الثالث من يونيو، وعن القوات التي تحركت ومن أعطى التعليمات، فإن شهادتهما لا ينبغي أن تظل خارج النقاش العام.
والسؤال الأهم:
هل استمعت لجنة أديب إليهما؟ وماذا قالا؟
وإذا كانت لديهما معلومات تتعلق بسلسلة القيادة، فلماذا لم تصبح هذه المعلومات جزءاً من تقرير معلن للشعب السوداني؟
لكن يجب هنا أيضاً الحذر من تحويل هذه الأسئلة إلى اتهامات جاهزة.
احتجاز الضابطين من جانب الدعم السريع واقعة يمكن توثيقها، أما سبب الاحتجاز الدقيق وما إذا كان مرتبطاً بموقفهما من أوامر فض الاعتصام فيحتاج إلى وثائق ومحاضر تحقيق، لا إلى الاستنتاج.
أحمد ربيع… من رمز للثورة إلى قضية السلاح
وهنا نصل إلى واحدة من أكثر المفارقات إثارة للأسئلة حول أداء القوى المدنية بعد الثورة: أحمد ربيع.
في أغسطس 2019 وقع أحمد ربيع عن قوى الحرية والتغيير على الوثيقة الدستورية في مواجهة محمد حمدان دقلو ممثلاً للمجلس العسكري. وأصبح بذلك أحد أبرز الوجوه المدنية التي ارتبط اسمها بانتقال السودان من الثورة إلى المرحلة الانتقالية.
كان المشهد يومها يحمل رمزية ضخمة.
رجل يمثل قوى الثورة ويوقع باسمها على الوثيقة التي يفترض أن تنقل السودان من الحكم العسكري إلى الحكم المدني.
لكن ما حدث لاحقاً يطرح أسئلة صعبة على قوى الحرية والتغيير نفسها.
ففي أبريل 2025 أعلنت السلطات الإماراتية، في بيان نقلته وسائل إعلام إماراتية، إحباط محاولة غير مشروعة لتمرير عتاد عسكري إلى الجيش السوداني، وقالت إن التحقيقات ربطت صفقات عسكرية بلجنة التسليح في القوات المسلحة السودانية، وذكرت اسم أحمد ربيع أحمد السيد بوصفه الشخص الذي توسط في إتمام الصفقات، كما وصفته بأنه سياسي مقرب من عبد الفتاح البرهان وياسر العطا.
وتحدثت السلطات الإماراتية كذلك عن صفقات شملت أسلحة وذخائر ومدافع رشاشة وقنابل، وعن مبالغ مالية كبيرة وفروق أسعار قالت التحقيقات إنها تقاضاها أعضاء الخلية.
لكن الإنصاف يقتضي التمييز بين التحقيق والاتهام من جهة، والحكم القضائي النهائي من جهة أخرى.
فلا يجوز أن نقول إن أحمد ربيع «أُدين» أو إنه ثبت قضائياً أنه سمسار سلاح ما لم يصدر حكم نهائي بذلك.
لكن حتى مجرد ورود اسمه في قضية بهذا الحجم يطرح سؤالاً سياسياً لا يمكن تجاهله:
كيف تحول رجل اختارته قوى الحرية والتغيير ليوقع باسم الثورة على الوثيقة الدستورية إلى شخصية تصفها التحقيقات الإماراتية بأنها توسطت في صفقات عتاد عسكري للجيش؟
هنا لا يعود السؤال متعلقاً بأحمد ربيع وحده.
بل يتعلق بقدرة القوى المدنية على اختيار ممثليها وفحص خلفياتهم وعلاقاتهم ومواقفهم.
هل كان أحمد ربيع «غواصة»؟
ظهرت لاحقاً روايات تقول إن أحمد ربيع كان منذ البداية «غواصة» للإسلاميين داخل قوى الثورة.
هذه رواية خطيرة، ولا ينبغي تحويلها إلى حقيقة تاريخية بمجرد تداولها.
فإذا كانت هناك أدلة تثبت أنه كان يعمل سراً لمصلحة النظام السابق أو الإسلاميين، فيجب تقديمها.
لكن حتى إذا لم نثبت هذه التهمة، فإن قصة أحمد ربيع تظل كاشفة عن مشكلة أكبر:
لماذا كانت قوى الحرية والتغيير بهذه الدرجة من الغفلة السياسية في اختيار شخصياتها؟
كيف أصبح شخص لم يكن معروفاً على نطاق واسع لدى قطاعات كبيرة من الشارع أحد الوجوه التي تمثل الثورة في أهم لحظة سياسية في تاريخ السودان الحديث؟
لقد كان ذلك انعكاساً لمشكلة أعمق: الثورة السودانية كانت أقوى بكثير من التنظيمات السياسية التي حاولت تمثيلها.
امتلك الشارع الطاقة والقدرة على إسقاط نظام استمر ثلاثين عاماً، لكنه لم يمتلك بالقدر نفسه المؤسسات السياسية القادرة على حماية انتصاره.
وهذه واحدة من أكبر مآسي الثورة.
بين فض الاعتصام والحرب
بعد اندلاع الحرب في أبريل 2023
أصبح من السهل جداً أن يعيد كل طرف قراءة تاريخ 2019 وفق موقعه في الحرب.
أنصار الجيش يقولون إن الدعم السريع كان طرفاً أساسياً في فض الاعتصام.
وأنصار الدعم السريع يشيرون إلى مشاركة قوات من الجيش والشرطة والأمن.
وقوى سياسية تحاول أن تقف في المنتصف فتدين الطرفين معاً.
لكن الحقيقة لا يمكن أن تُبنى بهذه الطريقة.
قد يكون الجيش مسؤولاً عن شيء، والدعم السريع عن شيء آخر، والشرطة عن واقعة ثالثة، وقد تكون هناك مسؤولية سياسية عليا لا تتطابق مع مسؤولية من نفذوا الأوامر في الميدان.
المسؤولية ليست كتلة واحدة.
ولهذا فإن محاولة اختزال فض الاعتصام في إدانة مؤسسة واحدة قد تكون ظلماً للحقيقة، كما أن محاولة تبرئة مؤسسة كاملة باسم حماية الجيش أو حماية الدعم السريع هي أيضاً ظلم للحقيقة.
لماذا تأخر تقرير أديب؟
هنا نصل إلى جوهر القضية.
لقد أعلنت لجنة أديب أنها استمعت إلى آلاف الشهود وجمعت مئات التسجيلات وحققت مع مسؤولين كباراً.
ومع ذلك لا يزال التقرير النهائي غائباً عن الشعب.
وهذا الغياب هو الذي سمح لكل طرف بأن يصنع روايته الخاصة.
لو صدر التقرير في الوقت المناسب، مع نشر الأدلة التي يمكن نشرها، لكان من الممكن أن يقول للشعب:
هذا ما ثبت.
وهذا ما لم يثبت.
وهؤلاء هم المسؤولون.
وهذه هي الأدلة.
أما الآن، فقد أصبح كل تصريح سياسي قادراً على إعادة فتح الجرح، وكل طرف قادراً على استخدام دماء الضحايا لتدعيم موقفه في الحرب الحالية.
وهذا ظلم آخر للضحايا.
الحقيقة أولاً… ثم السياسة
إن السودان لا يحتاج اليوم إلى رواية جديدة عن فض الاعتصام.
يحتاج إلى الحقيقة.
إذا أثبت التحقيق أن أفراداً من الدعم السريع شاركوا في قتل المعتصمين، فيجب أن يحاسبوا.
وإذا أثبت أن أفراداً من القوات المسلحة أو الشرطة أو الأمن شاركوا، فيجب أن يحاسبوا.
وإذا ثبت أن ضباطاً أو قادة سياسيين أصدروا الأوامر، فيجب أن تمتد إليهم المسؤولية.
وإذا لم تثبت بعض الاتهامات، فيجب أن يقال ذلك صراحة.
هذه هي العدالة.
أما أن نقرر مسبقاً أن طرفاً واحداً مسؤول، أو أن الطرفين مسؤولان بالتساوي، ثم نبحث عن الأدلة التي تؤيد موقفنا، فهذه ليست عدالة؛ إنها سياسة.
والأمر نفسه ينطبق على القوى المدنية.
لا يجوز لـ«صمود» أن تجعل من إدانة الطرفين بديلاً عن التحقيق، كما لا يجوز لقوى الحرية والتغيير أن تهرب من مسؤوليتها عن أخطاء المرحلة الانتقالية، وعن الطريقة التي اختارت بها ممثليها، وعن ضعف قدرتها على حماية مؤسسات الثورة من الاختراق السياسي.
فقضية أحمد ربيع، بصرف النظر عما ستنتهي إليه القضية الإماراتية قضائياً، تكشف سؤالاً مؤلماً عن معايير الاختيار والرقابة داخل القوى المدنية.
وقضية الصادق سيد وعثمان عوض الله تكشف أسئلة لم تُجب عنها الدولة بصورة مقنعة.
وتأخر تقرير أديب يكشف فشلاً مستمراً في تحقيق العدالة.
أما التصريحات السياسية الجديدة التي تعيد توزيع الاتهامات، فإنها لا يمكن أن تحل محل القضاء.
السودان لا يستطيع أن يبني المستقبل فوق قبر الحقيقة
لقد مرت أكثر من سبع سنوات على فض اعتصام القيادة العامة.
كبر أطفال الشهداء.
تغيرت الحكومات.
سقطت تحالفات سياسية.
اندلعت حرب مدمرة.
وتغيرت موازين القوى.
لكن الحقيقة ما زالت معلقة.
وقد يكون أخطر ما حدث أن السودانيين بدأوا يتعاملون مع القضية باعتبارها جزءاً من الصراع السياسي، بدلاً من أن تكون قضية عدالة وطنية.
وهذا هو ما يجب أن يتغير.
لا نريد إدانة الدعم السريع لأننا نختلف معه اليوم.
ولا نريد تبرئته لأننا نختلف مع الجيش.
ولا نريد إدانة الجيش لأننا نختلف مع قيادته.
ولا نريد تبرئة أي طرف لأن ذلك يخدم مصالحنا السياسية.
نريد أن نعرف من فعل ماذا.
نريد الوثائق.
نريد محاضر التحقيق.
نريد تقرير لجنة أديب.
نريد معرفة ما قاله الشهود.
نريد معرفة ما حدث للضباط الذين احتُجزوا بسبب القضية.
ونريد أن نعرف لماذا استطاعت لجنة أن تستمع إلى آلاف الشهود وتجمع مئات التسجيلات، ثم تعجز حتى الآن عن تقديم الحقيقة للشعب.
فالعدالة لا تعني أن ننتصر لرواية سياسية.
العدالة تعني أن ننتصر للحقيقة.
والسؤال الذي يجب أن يظل مفتوحاً، إلى أن تجيب عنه الأدلة والقضاء، هو:
من أعطى الأمر بفض اعتصام القيادة العامة؟
وإذا لم نستطع الإجابة عن هذا السؤال بعد سبع سنوات، فكيف يمكن أن نطلب من السودانيين أن يثقوا بأن الجرائم التي ارتكبت بعد ذلك ستجد طريقها يوماً إلى العدالة؟
طلعت محمد الطيب
talaat1706@gmail.com
