نزار عثمان السمندل
ينتظر الرجل دوره أمام التكيّة، والهاتف في يده. وراءه يوم آخر من الجوع والقلق، وأمامه شاشة صغيرة تتسع للعالم.
يمر خبر عن الحرب، يظهر وجه مشهور، ثم تشتعل خصومة، فينتقل الناس من خبر إلى آخر، ما يوحي بأن البلاد التي تضيق بهم على الأرض؛ تتسع لهم على الشاشة.
يبحث الرجل عن خبر يخصّه، فيجد حرباً أخرى. حرباً على الرواية، وعلى الخصم، وعلى معنى الوطنية، وعلى من يستحق أن يُصدَّق ومن يستحق أن يُكره.
رصاصة تخطئ الجسد قد تصيب الوعي، وربما تترك كلمة في الرأس أثراً أبقى من توقيع الرصاص.
الحرب التي تهدم البيوت وتفرق الأسر وتدفع الناس إلى التكايا ومراكز النزوح، وجدت امتداداً لها في الهواتف. المعركة لا تتوقف عند ما يحدث على الأرض؛ تمتد إلى الطريقة التي يرى بها الناس ما يحدث، وإلى اللغة التي يتحدثون بها عنه، وإلى الصور التي يحملها بعضهم عن بعض.
تلك المساحة دخلها أصحاب شهرة وتأثير، بعضهم جاء من الفن وبعضهم من المنصات الرقمية. ندى القلعة وميادة قمر الدين حضرتا في المجال العام بمواقف مرتبطة بالحرب، فيما صعد الانصرافي إلى مساحة صناعة الرأي من بوابة الخطاب السياسي المباشر.
لكل واحد تجربته وجمهوره وأسلوبه، لكن حضور هذه الأسماء يكشف تحولاً يتجاوز الشهرة: صار الفرد قادراً على الدخول إلى قلب النقاش العام، وأن يؤثر في مزاج الناس من موقع لم يكن معدّاً أصلاً لهذه الوظيفة.
الفنان الذي عرفه الناس من الأغنية يستطيع أن يصبح صاحب موقف في الحرب، وصاحب المنصة يستطيع أن يتحول إلى مفسر للأحداث ومحدد للأولويات. الشهرة هنا تتحول إلى قوة، والقوة في زمن الحرب تحمل معها مسؤولية الكلمة ووقعها وتوقيتها.
موقف سياسي يمكن أن يفتح باباً للنقاش، ويمكن أيضاً أن يضيف خصومة جديدة إلى مجتمع أنهكته الخصومات. خطاب يرفع المعنويات يمكن أن يمنح الناس قدرة على الاحتمال، ويمكن أن يتحول إلى تعبئة إذا اختزل الحرب في معسكرين، والناس في مؤيدين وخائنين.
لكن الحرب لا تحتاج دائماً إلى من يتحدث عنها؛ يكفي أحياناً أن ينجح آخرون في جعل الناس يتحدثون عن أي شيء سواها، كما تفعل أسماء أخرى من عالم المنصات، مثل آية آفرو ورحال وبارود.
لدى هؤلاء، تصبح الحياة الخاصة مادة عامة، وتتحول العلاقات والخلافات والمواقف الشخصية إلى عرض مفتوح أمام جمهور واسع.
لا يتعلق الأمر بالحرب مباشرة، لكنه يلتقي معها في مكان أكثر خطورة: الانتباه.
كلما ارتفع التفاعل، اتسعت مساحة الحضور. وكلما كانت الحكاية أكثر إثارة، كان الطريق إلى الجمهور أقصر.
الخصومة الشخصية أسهل تداولاً من التقرير، والمقطع المثير أسرع من التحقيق، والفضيحة أكثر قدرة على اجتذاب العيون من قصة مستشفى ينتظر الدواء.
تلك ليست حكاية أشخاص وحدهم.
المنصة نفسها تعمل بهذه الطريقة. صاحب المحتوى يريد جمهوراً، والجمهور يريد قصة، والمنصة تريد بقاء الجميع أطول وقت ممكن. تنشأ دائرة لا تحتاج إلى يد خفية تديرها؛ يكفي أن يعرف كل طرف ما يريده الآخر.
والجمهور السوداني، وسط كل هذا، ليس مجرد متلقٍ ساذج.
إنه جمهور مرهق.
إنسان عاش الخوف، وفقد البيت، أو ابتعد عن مدينته، أو انتظر قريباً لا يعرف مصيره، يحتاج أحياناً إلى دقيقة لا تشبه يومه. يبحث عن الضحك، عن الأغنية، عن الحكاية الخفيفة، عن أي شيء لا يذكره بالموت.
هذه الحاجة إنسانية.
لكن الهروب المؤقت يمكن أن يتحول إلى إقامة طويلة، وعندها يصبح ما كان استراحة من الواقع بديلاً عنه.
المشكلة لا تكمن في أن السودانيين يضحكون وسط الحرب، وإنما في أن مساحة الضحك والخصومة والفرجة تستطيع أن تبتلع مساحة السؤال: من يموت؟ من يجوع؟ من نزح؟ من فقد مستشفاه؟ من ينتظر العودة؟ وماذا سيبقى من البلاد بعد أن تنتهي البنادق؟
فراغ المجال العام ساعد على اتساع هذه الظاهرة.
الصحافة تراجعت، والمؤسسات الثقافية انكمشت، والمنابر التي كانت تمنح القضايا العامة وقتاً للتفكير فقدت كثيراً من قدرتها على الوصول. بعض المثقفين انحازوا إلى الاصطفاف، وبعضهم ظل يتحدث بلغة بعيدة عن الشارع، بينما دخل الهاتف إلى كل بيت تقريباً حاملاً معه من يملك القدرة على جذب الانتباه.
صاحب المنصة لم يعد ينتظر منبراً. يصنع من هاتفه منبراً، ومن حياته مادة، ومن جمهوره قوة.
لكن الوصول ليس قيمة في ذاته. قد يصل مقطع إلى مليون شخص ولا يترك وراءه سوى ضجة عابرة. وقد تصل رسالة من غرفة طوارئ إلى مئات فقط، لكنها تقود إلى دواء، أو غذاء، أو إنقاذ إنسان. قد تجمع صورة واحدة آلاف التعليقات، بينما تقف امرأة أمام تكيّة طوال النهار لتطعم نازحين لا يعرف أسماءهم أحد.
هناك حياة أخرى تجري بعيداً عن صخب الشهرة.
متطوعون يحملون الطعام، أطباء يقاومون انهيار المستشفيات، شباب يبحثون عن المفقودين، نساء يفتحن بيوتهن للنازحين، وصحافيون يحاولون أن يتركوا وراءهم شهادة على ما جرى.
هؤلاء لا يملكون بالضرورة جمهوراً واسعاً. لكنهم يملكون أثراً.
والبلاد التي تبحث عن طريق للخروج من حربها تحتاج إلى أن ترى الفرق بين من يجمع الناس حول نفسه، ومن يجمعهم حول حاجة؛ بين من يصنع حضوراً، ومن يصنع حياة.
قد يظل الرجل أمام التكية ممسكاً بهاتفه، يبحث عن خبر يخصه. الشاشة ستظل مفتوحة على كل شيء: الحرب، والغناء، والخصومات، والفرجة، ومناشدات النجدة.
لكن ما يدخل العين لا يستحق بالضرورة أن يدخل الذاكرة.
وسط كل هذا الضجيج، يصبح الانتباه نفسه مسؤولية.
وما يبقى من السودان بعد الحرب لن تصنعه البنادق وحدها، ولا الاتفاقات وحدها، ولا الكلمات التي تصدرت الشاشات.
سيصنعه أيضاً ما اختار السودانيون أن يتذكروا، وما اختاروا أن ينسوا، وما منحوه من وقتهم واهتمامهم في أكثر سنواتهم قسوة.
