د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
الملخص
يقدم هذا المقال قراءة نقدية وتحليلية لسيرة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، متتبعاً مساره من ضابط مجهول في نظام عمر البشير إلى رئيس مجلس السيادة وقائد حرب “معركة الكرامة”، مسلطاً الضوء على التناقضات الجوهرية التي تطبع شخصيته وسياساته، ومؤكداً أن هذه التناقضات ليست مجرد سمات فردية، بل انعكاس لأزمة بنيوية في الدولة السودانية حيث تحول الجيش من حامٍ للدولة إلى طرف في الصراع على ماهيتها.
ينطلق المقال من مقدمة تحليلية تطرح السؤال المركزي حول كيف تحول ضابط لم يكن معروفاً خارج المؤسسة العسكرية إلى أقوى شخصية في السودان خلال سنوات قليلة، مشيراً إلى المفارقة الأساسية في كونه نتاج النظام السابق ومنقضياً عليه في آن واحد، وفي كونه غير أيديولوجي لكنه تحالف مع الإسلاميين، وفي ظهوره كخيار مقبول للمحتجين رغم انتمائه للنظام العسكري.
يتناول الفصل الأول الجذور الاجتماعية والتكوين العسكري للبرهان، حيث ولد في عام 1960 في قرية قندتو بولاية نهر النيل لعائلة صوفية تنتمي إلى الطريقة الختمية، وهو انتماء يتناقض مع تحالفه لاحقاً مع التيار الإسلامي الذي عارض تاريخياً هذه الطريقة. درس في مدارس قريته ثم التحق بالكلية الحربية ضمن دفعة الضباط رقم 31 وتفوق فيها، وتلقى دورات عسكرية في سوريا والأردن ومصر، وعمل ملحقاً عسكرياً في بكين. شارك في حرب جنوب السودان، ثم في الفترة من 2003 إلى 2009 قاد عمليات عسكرية في دارفور كمنسق للقوات المسلحة وقائد للفرقة 14 مشاة، في ذروة الصراع الذي أوقع نحو 300 ألف قتيل. وفي عام 2015، عُين منسقاً للقوات السودانية في اليمن ضمن التحالف العربي، حيث عمل عن كثب مع قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي، وهي الشراكة التي مهدت لصعودهما المشترك. تدرج في المناصب حتى عُين قائداً للقوات البرية في فبراير 2018، ثم رُقي إلى فريق أول وعُين مفتشاً عاماً للجيش في فبراير 2019، وهو المنصب الذي وضعه في موقع حساس قبيل سقوط نظام البشير.
يخصص الفصل الثاني لتفكيك لقب “رب الفور”، وهو اللقب الأكثر جدلاً في سيرة البرهان. يكشف الفصل أن البرهان هو من أطلق هذا اللقب على نفسه خلال فترة توليه قيادة العمليات في دارفور، حيث صرّح قائلاً “أنا رب الفور” في إشارة إلى سيطرته على قبيلة الفور إحدى أكبر القبائل في الإقليم. يشير الفصل إلى أن البرهان كان شريكاً أساسياً للواء محمد الدابي في تنفيذ عمليات تطهير عرقي في منطقة دار أندوكا بغرب دارفور، حيث ارتكبت جرائم إبادة بحق قبيلة المساليت لصالح القبائل العربية. يوضح الفصل أن اللقب يحمل دلالتين متناقضتين: الأولى تشير إلى الظهور المفاجئ في المشهد السياسي عام 2019 بمعنى “القادم من حيث لا يُتوقع”، والثانية والأكثر إيلاماً تشير إلى دوره العسكري في دارفور بوصفه “المسيطر على الفور” أو “الذي يملك أمرهم”. ويتناول الفصل التداعيات القانونية للقب، مشيراً إلى أن جرائم البرهان في دارفور وقعت قبل إنشاء المحكمة الجنائية الدولية، مما جعله ينجو من الملاحقة القانونية بسبب مبدأ عدم تطبيق القانون بأثر رجعي. ويختتم الفصل بتتبع تداول اللقب في الخطاب الإعلامي والسياسي خلال الحرب الحالية، حيث يستخدمه المنتقدون لتذكير الرأي العام بماضي البرهان في دارفور ومقارنته بدوره في “معركة الكرامة”.
ينتقل الفصل الثالث إلى لحظة التحول الكبرى في أبريل 2019، حيث يوثق كيفية تحول البرهان من مفتش عام للجيش إلى رئيس للمجلس العسكري الانتقالي في غضون 48 ساعة. يوضح الفصل أن البرهان كان أول القيادات وصولاً إلى مقر الإذاعة والتلفزيون، وأنه كان من بين من أبلغوا البشير بعزله، كما كشف عن اتصالاته مع القادة العسكريين لإقناعهم بأن بن عوف ونائبه غير مقبولين من قبل المحتجين، مما جعله الخيار التوافقي. يشرح الفصل عوامل قبوله النسبي من قبل المحتجين، ومنها كونه غير معروف سابقاً، وإلغاؤه حظر التجوال، وإطلاقه سراح المعتقلين، وإعلانه استعداد الجيش للحوار. ثم يتابع الفصل مرحلة تقاسم السلطة مع المدنيين في أغسطس 2019، حيث أصبح رئيساً لمجلس السيادة المؤلف من 11 عضواً، وتولى الحكم لمدة 39 شهراً كان من المقرر أن تنتهي بتسليم السلطة للمدنيين في نوفمبر 2021. وفي هذه المرحلة، تخلى عن الزي العسكري وارتدى البدلات المخططة، وعزز العلاقات الدولية، والتقى برئيس الوزراء الإسرائيلي في فبراير 2020 في خطوة شكلت خرقاً للتقاليد السودانية.
يركز الفصل الرابع على انقلاب 25 أكتوبر 2021، حيث يوثق تفاصيل الإطاحة بالحكومة المدنية وحل مجلسي السيادة والوزراء، وفرض حالة الطوارئ، واعتقال رئيس الوزراء عبد الله حمدوك وعدد من القيادات. يوضح الفصل أن الانقلاب تم بالتعاون مع حميدتي، وأن البرهان برره بضرورة “تجنب الحرب الأهلية” رغم أنه كان على وشك التنازل عن الرئاسة للمدنيين. يكشف الفصل أن الانقلاب جاء نتيجة ضغوط من التيار الإسلامي الذي كان يرى في الاتفاق مع المدنيين تهديداً لمصالحه، خاصة فيما يتعلق بدمج قوات الدعم السريع ومحاكمة المتورطين في جرائم دارفور، مما جعل البرهان يعيد تمكين الإسلاميين رغم خلفيته الصوفية، وهو تناقض بارز في مسيرته. ويشير الفصل إلى أن حميدتي اتهم البرهان في تسجيل صوتي بتنفيذ الانقلاب لإعادة الإسلاميين للسلطة وتعيين رموز نظام البشير في مناصب حساسة.
يتناول الفصل الخامس الحرب الأهلية التي اندلعت في 15 أبريل 2023 تحت شعار “معركة الكرامة”، موضحاً أن الصراع نشأ حول خلافات جوهرية بين البرهان وحميدتي، أبرزها خطة دمج قوات الدعم السريع البالغ عددها 100 ألف عنصر في الجيش ومن سيقود القوة الجديدة. يوثق الفصل أن البرهان أطلق على الحرب اسم “معركة الكرامة” وجعلها عنواناً لخطابه السياسي، مؤكداً أنها لن تنتهي إلا بانتهاء “التمرد”، لكن التحليل يكشف تناقضاً جوهرياً في أن الحرب تخوض ضد شريك السلطة السابق الذي ساعده في الوصول إلى منصبه عام 2019 وشاركه في انقلاب 2021، مما يحول الحرب من صراع وطني إلى صراع وجودي بين جنرالين حول الشرعية. ثم ينتقل الفصل إلى تحليل تحالف البرهان مع الإسلاميين خلال الحرب، موثقاً أن الحركة الإسلامية قدمت ما بين 2000 إلى 3000 مقاتل في العام الأول للحرب، وأن كتيبة “البراء بن مالك” لعبت دوراً حاسماً في قلب موازين المعركة، وهو تحالف وضع البرهان في مواجهة مع المجتمع الدولي بعد أن صنفت الولايات المتحدة الجماعة منظمة إرهابية في مارس 2026. ويختتم الفصل بعرض الأبعاد الإنسانية الكارثية للحرب، حيث نزح نحو 14 مليون شخص، بينهم 9 ملايين نازح داخلياً، في أكبر أزمة نزوح عالمياً، مع تدمير شبه كامل للبنية التحتية وأزمة غذاء حادة، كما يعرض الأبعاد الجيوستراتيجية حيث حظي البرهان بدعم مصري وخليجي بينما اتهمت قطر وإيران بدعم الدعم السريع، ورغم جولاته الدبلوماسية المكثفة، رفض مبادرات الوساطة وأصر على “الحسم” العسكري.
يتناول الفصل السادس مساعي البرهان على الساحة الدولية، حيث سعى منذ انقلابه في 2021 إلى ترسيخ شرعيته الدولية، وألقى كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2022، وكثف زياراته الخارجية إلى مصر والسعودية وتركيا وإريتريا، وظهر في قمم عربية وأفريقية لتثبيت صورته كزعيم شرعي. ومع ذلك، واجه انتقادات حادة، حيث اتهمه منتقدوه باستخدام التطبيع مع إسرائيل كأداة للبقاء في السلطة، وكتب أحد النقاد ساخراً “رب الفور يطلب الخلاص الأميركي” في إشارة إلى مقاله في وول ستريت جورنال. كما واجه البرهان ضغوطاً من المجتمع الدولي، حيث دعا أعضاء في مجلس الشيوخ الأمريكي إلى فرض عقوبات عليه في أبريل 2023، واتهمت منظمات حقوق الإنسان قوات الجيش وحلفاءه بارتكاب فظائع بحق المدنيين في دارفور. ورغم ذلك، ظل المجتمع الدولي منقسماً، حيث اعترفت به معظم الدول العربية والأفريقية بينما امتنعت دول غربية عن منحه شرعية كاملة، واكتفت بالدعوة لوقف إطلاق النار والعودة للمسار الديمقراطي.
تختتم المقالة بخاتمة نقدية تؤكد أن سيرة البرهان ليست مجرد سيرة رجل، بل مرآة تعكس أزمة الدولة السودانية البنيوية، حيث تقوم السياسة على تحالفات هشة ومتغيرة يكون الولاء فيها للسلطة والبقاء لا للوطن والدستور. وتخلص إلى أن البرهان ليس رجل مشروع سياسي واضح، بل رجل لحظة صعد في فراغ سياسي عام 2019، واستبقى السلطة بانقلاب عام 2021، ووجد نفسه في حرب وجودية عام 2023، ويتخذ في كل محطة قرارات للبقاء متناقضة مع صورته السابقة ومبادئه المعلنة، مما قاده إلى تحالفات مع خصوم الثورة وحرب مع شريكه السابق. وتطرح الخاتمة سؤالاً مصيرياً حول إمكانية تعافي الدولة السودانية من هذه العقدة التاريخية التي تجعل الجيش طرفاً في الصراع على ماهيتها، وتختتم بأن رحلة البرهان تظل مفتوحة على كل الاحتمالات، لكن التاريخ سيسجل أنه جسّد في مسيرته كل ما هو متناقض ومعقد في دولة ظلت تبحث عن ذاتها بين جيشها وشعبها.
النص الكامل للمقال
مقدمة تحليلية: في فخ التناقض – لماذا يُعد البرهان ظاهرة سياسية فريدة؟
عندما وقف عبد الفتاح البرهان، في فجر الثاني عشر من أبريل 2019، ليؤدي اليمين الدستورية رئيساً للمجلس العسكري الانتقالي، لم يكن أحد – ربما باستثناء المقربين منه – يتوقع أن هذا الضابط الذي قضى عقوداً في ظل نظام عمر البشير، والذي لم يعرف عنه السودانيون شيئاً يذكر، سيصبح خلال سنوات قليلة القوة الأكثر نفوذاً والأكثر إثارة للجدل في البلاد. ففي مشهد سياسي عربي طالما أفرز “جنرالات مفاجئين”، يظل البرهان حالة خاصة؛ فهو ليس انقلابياً تقليدياً يأتي من خارج النظام، بل هو نتاج له، وفي الوقت نفسه منقض عليه. إنه ليس ضابطاً أيديولوجياً، لكنه تحالف مع الإسلاميين الذين كانوا عماد النظام القديم. وليس ديمقراطياً، لكنه ظهر في لحظة تاريخية كـ”خيار مقبول” للمحتجين على استمرار وجوه النظام السابق.
هذا المقال يسعى إلى تفكيك هذه التناقضات الجوهرية التي تطبع مسيرة البرهان، من خلال تتبع أربعة محاور رئيسية: أصوله الاجتماعية وتكوينه العسكري بوصفهما مفتاحاً لفهم تناقضاته اللاحقة؛ لحظة صعوده المفاجئ بوصفها محطة تحول نوعي؛ سياسته في السلطة بين الانقلاب والشراكة؛ وأخيراً تحوله إلى قائد حرب وجودية تحت شعار “معركة الكرامة” التي أعادت تشكيل السودان ومزقته. وسيخلص المقال إلى أن تناقضات البرهان ليست مجرد سمات شخصية، بل هي انعكاس لأزمة بنيوية في الدولة السودانية ذاتها، حيث أصبح الجيش، بقيادته، ليس حامياً للدولة بل طرفاً في الصراع على ماهيتها.
الفصل الأول: الجذور والتكوين – من ختمية قندتو إلى قيادة الجيش
النشأة في قلب المتناقضات الاجتماعية والسياسية
ولد عبد الفتاح البرهان عبد الرحمن في الحادي عشر من يوليو عام 1960 في قرية قندتو بولاية نهر النيل، وهي قرية صغيرة تبعد نحو 173 كيلومتراً شمال العاصمة الخرطوم، وتقع غرب مدينة شندي التاريخية، وينتمي أغلب سكانها إلى قبيلة الشايقية (الجزيرة نت، 2026؛ بي بي سي، 2025). كان البرهان الثالث بين سبعة أبناء وبنتين، لأسرة متواضعة الحال لكنها ذات مكانة دينية مرموقة (خيراوي، 2026؛ الجزيرة نت، 2023). والده هو البرهان عبد الرحمن البرهان، ووالدته صفية الصديق التي يعود نسبها إلى الشيخ علي الحفيان، أحد شيوخ الصوفية في السودان (الجزيرة نت، 2023). أما جده لأبيه فهو عبد الرحمن البرهان، وتشير بعض المصادر إلى أن أسرة البرهان تنتمي إلى أسرة آل الشيخ عبود التي تنتمي إليها أسرة الرئيس الأسبق إبراهيم عبود (الجزيرة نت، 2023؛ خيراوي، 2026).
هذه الخلفية الجغرافية والاجتماعية ليست مجرد معلومات سيرة ذاتية، بل تحمل دلالات سياسية عميقة. فالانتماء إلى قبيلة الشايقية، إحدى أكبر القبائل السودانية وأكثرها نفوذاً في شمال السودان، منح البرهان شبكة علاقات قبلية واسعة شكلت أحد أعمدة قوته لاحقاً. أما الانتماء الصوفي تحديداً إلى الطريقة الختمية – إحدى أكبر الطرق الصوفية في السودان – فيكشف عن مفارقة كبرى: الطريقة الختمية كانت تقليدياً حليفة للحزب الاتحادي الديمقراطي، وهو حزب سياسي مدني عريق، كما أن لها امتدادات قبلية وسياسية تعارضت تاريخياً مع التيار الإسلامي الذي حكم السودان منذ انقلاب 1989 (بي بي سي، 2025؛ نون بوست، 2023). ومع ذلك، سيكون البرهان هو الرجل الذي يعيد التيار الإسلامي إلى واجهة السلطة بعد سقوط البشير. وقد درجت بعض المصادر على ذكر أن جده لأبيه، عبد الرحمن البرهان، ينتمي إلى أسرة آل الشيخ عبود التي تنتمي إليها أسرة الرئيس الأسبق إبراهيم عبود (الجزيرة نت، 2023). وإذا صح هذا، فإن البرهان يحمل في جذوره امتداداً لنموذج الحكم العسكري في السودان، مما يضفي على مسيرته بعداً رمزياً إضافياً؛ فهو وريث، ولو بالامتداد العائلي غير المباشر، لتقليد عسكري طويل في البلاد.
درس البرهان المرحلة الابتدائية والمتوسطة في مدارس قريته، ثم انتقل إلى مدينة شندي لإكمال تعليمه الثانوي (خيراوي، 2026). وفي مطلع الثمانينيات، التحق بالكلية الحربية السودانية ضمن دفعة الضباط رقم 31، وتفوق فيها وحظي باحترام زملائه، كما وصفه أحد الضباط المتقاعدين بأنه كان “على رأس دفعته” وأنه “يحظى باحترام زملائه الضباط” (عبد الهادي، 2019). وقد تخرجت الدفعة 31 من الكلية الحربية وقدمت خمسة من منسوبيها لتصدّر المشهد السياسي عقب نجاح ثورة 2019، أبرزهم البرهان والفقيد جمال عمر (سودافاكس، 2020). وقد تلقى البرهان دورات تدريبية عسكرية في سوريا والأردن ومصر، كما عمل ملحقاً عسكرياً للسودان في بكين لعدة سنوات (عبد الهادي، 2019؛ بي بي سي، 2025؛ وكالة فرانس برس، 2019؛ دويتشه فيله، 2019).
المسيرة العسكرية: من جبهات الجنوب إلى اليمن
بدأ البرهان حياته العسكرية ضابطاً في سلاح المشاة، وتنقل بين وحدات الجيش المختلفة، وعمل لفترة طويلة مع قوات حرس الحدود (الجزيرة نت، 2023). ثم انتقل إلى جبهات القتال في جنوب السودان، حيث خدم في مناطق أعالي النيل والإستوائية التي أصبحت لاحقاً جزءاً من دولة جنوب السودان المستقلة (عبد الهادي، 2019). وفي الفترة بين 2003 و2008، شارك البرهان كقائد إقليمي في إقليم دارفور، في ذروة الصراع الذي أوقع، وفق تقديرات، نحو 300 ألف قتيل وتسبب في نزوح ملايين السودانيين (بي بي سي، 2025؛ بي بي سي، 2023). وتشير تقارير إلى أن البرهان كان في دارفور بصفته منسق القوات المسلحة في الإقليم وقائداً للفرقة 14 مشاة، وأنه كان المسؤول الأعلى في شمال دارفور (تويتر، 2023). وقد قضى البرهان في دارفور نحو ست سنوات متواصلة، من 2003 إلى 2009 (تويتر، 2023).
وفي عام 2015، أوكلت إلى البرهان مهمة تنسيق نشر القوات السودانية في اليمن ضمن التحالف العربي الذي تقوده السعودية، في إطار تحول رئيسي في السياسة الخارجية السودانية تمثل بقطع العلاقات مع إيران والانضمام إلى التحالف السعودي (وكالة فرانس برس، 2019؛ عبد الهادي، 2019؛ دويتشه فيله، 2019). وقد أرسل البشير قوات سودانية إلى اليمن عام 2015 في إطار هذا التحول، حيث تخلت الخرطوم عن علاقاتها المستمرة منذ عقود مع إيران (دويتشه فيله، 2019). وقد عمل البرهان عن كثب مع قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) في هذا الملف، وهي الشراكة التي رفعت من حضور الرجلين إقليمياً ودولياً، ومهدت الطريق لصعودهما المشترك إلى السلطة لاحقاً (إذاعة فرنسا الدولية، 2023). وقد لاحظت المحللة ويلو بيريدج أن “ملف اليمن جعل البرهان يعمل عن كثب مع قوات الدعم السريع السودانية. وبدعم من هذه المجموعة يبدو أنه وصل إلى السلطة الآن” (وكالة فرانس برس، 2019).
في 26 فبراير 2018، عُين البرهان قائداً للقوات البرية ورئيساً لأركان الجيش (بي بي سي، 2025؛ ب.ب.، 2024؛ ويكيبيديا، 2026). وفي 26 فبراير 2019، قبل أسابيع قليلة من سقوط نظام البشير، رقّاه البشير من رتبة فريق ركن إلى فريق أول، وعينه مفتشاً عاماً للقوات المسلحة (بي بي سي، 2025؛ الجزيرة نت، 2023؛ وكالة الأناضول، 2019). كان هذا التعيين الأخير، الذي جاء في سياق محاولات البشير لإعادة هيكلة القيادة العسكرية في مواجهة الاحتجاجات المتصاعدة، حاسماً في مسيرة البرهان؛ إذ وضعه في موقع يتيح له أن يكون حلقة الوصل بين النظام الساقط والمرحلة الجديدة.
الفصل الثاني: “رب الفور” – تفكيك لقب الجدل في سيرة البرهان
السياق التاريخي للقب ونشأته في دارفور
قبل الخوض في تفاصيل صعود البرهان السياسي عام 2019، لا بد من التوقف عند اللقب الأكثر إثارة للجدل في مسيرته: “رب الفور”. فهذا اللقب ليس مجرد تسمية عابرة أطلقت عليه في لحظة سياسية راهنة، بل هو يمثل مرآة لتاريخه العسكري في إقليم دارفور، وحجر عثرة في محاولاته المستمرة لتقديم نفسه كقائد وطني جامع.
تشير المصادر السودانية الموثقة إلى أن البرهان هو من أطلق هذا اللقب على نفسه خلال فترة توليه قيادة العمليات العسكرية في إقليم دارفور (التنوير، 2025؛ دروب، 2025). فبينما كان يشغل منصب “منسق القوات المسلحة” في الإقليم وقائداً للفرقة 14 مشاة، بلغ به الغرور حد أنه صرّح قائلاً: “أنا رب الفور” (التغيير، 2025؛ دروب، 2025؛ فيسبوك، 2025). وقد وثّقت منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي هذه المقولة، حيث كتب أحد الناشطين: “البرهان قال انه رب الفور… ولا انت ما سمعتا؟” (الراكوبة، 2024).
ويرتبط هذا اللقب بشكل مباشر بدور البرهان في حرب دارفور (2003-2009) ضد قبيلة “الفور”، إحدى أكبر القبائل في الإقليم والتي تنتمي إلى المجموعة الإفريقية، وكانت من أكثر المتضررين من النزاع. وقد ذهب البرهان إلى دارفور برتبة الملازم في عام 1990، وفي عام 1998 ترقى إلى رتبة الرائد (فيسبوك، 2022؛ سودانايل، 2024). وفي الفترة من 1998 إلى 2002، عمل البرهان مديراً لمكتب اللواء محمد أحمد مصطفى الدابي، الذي ذهب إلى دارفور بسلطات رئيس الجمهورية وممثلاً له بسلطات فوق الوالي، ونفذ أول جريمة تطهير عرقي وإبادة جماعية لأهالي غرب دارفور في منطقة دار أندوكا، حيث قتل أبناء قبيلة المساليت والقبائل الأصلية الأخرى لصالح القبائل العربية هناك (فيسبوك، 2022). وطوال فترة إبادة الدابي لأهالي غرب دارفور، كان البرهان شريكاً أصيلاً وساعداً أيمن للدابي، ومدير مكتبه وأمين سره (فيسبوك، 2022).
الدلالات المزدوجة للقب: بين المفاجأة والإدانة
يحمل لقب “رب الفور” دلالتين متناقضتين تماماً:
الدلالة الأولى: تشير إلى المفاجأة والظهور المفاجئ في المشهد السياسي عام 2019، بمعنى “القادم من حيث لا يُتوقع” أو “صاحب الظهور المفاجئ”. وقد استُخدم هذا المعنى في السياقات الإعلامية التي وصفت صعود البرهان من الظل إلى صدارة المشهد السياسي في غضون 48 ساعة.
الدلالة الثانية: وهي الأعمق والأكثر إيلاماً، تشير إلى دوره العسكري في حرب دارفور، حيث استخدم اللقب للإشارة إلى “المسيطر على الفور” أو “الذي يملك أمرهم”، في إشارة إلى سيطرته العسكرية على قبيلة الفور وقادته (التنوير، 2025؛ سودانايل، 2024). وقد ربط كثير من الناشطين والناجين من حرب دارفور هذا اللقب “باعتزاز مزعوم بأحداث دامية تعود لعام 2003” (التنوير، 2025).
تداول اللقب في الخطاب السياسي والإعلامي
لم يقتصر تداول لقب “رب الفور” على منصات التواصل الاجتماعي، بل امتد إلى الخطاب السياسي والإعلامي السوداني، حيث استخدمه منتقدو البرهان كأداة لإدانته واستذكار جرائمه في دارفور. ففي مقال نُشر في صحيفة “وول ستريت جورنال” بتاريخ 26 نوفمبر 2025، شن المنتقدون حملة واسعة على البرهان، وكتب أحد النقاد ساخراً: “رب الفور يطلب الخلاص الأميركي” (الراكوبة، 2025)، في إشارة إلى مقاله في الصحيفة الأميركية الذي روج فيه لروايته عن الحرب. كما وصفه آخرون بأنه “المسخ الذي يعرف نفسه برب الفور” (سودانايل، 2024).
وفي مقال آخر، طرح كاتبه سؤالاً بلاغياً: “وكيف يتحول من وُصف في خطابات منتقديه بـرب الفور، ذلك اللقب الذي ربطه كثير من الناجين والناشطين باعتزاز مزعوم بأحداث دامية تعود لعام 2003، إلى إله الحرب والدمار؟” (التنوير، 2025). وقد وصف ناشطون آخرون البرهان بأنه “الذي يفوق حتى البو البشير حقارة وسقوطاً” (سودانايل، 2024)، في إشارة إلى عمر البشير.
التداعيات القانونية والأخلاقية للقب
يحمل لقب “رب الفور” تداعيات قانونية وأخلاقية خطيرة، إذ يرتبط بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور. وقد أشارت منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي إلى أن البرهان نجا من الملاحقة القانونية بسبب غياب المحكمة الجنائية الدولية في فترة ارتكاب الجرائم (فيسبوك، 2022). فوفقاً لهذه المصادر، عندما كان البرهان ورفيقه الدابي يبيدون أهالي دار أندوكا العزل، لم تكن المحكمة الجنائية الدولية قد نشأت بعد. صحيح أن قانون نظام روما قد صدر في عام 1998 ووقعت عليه حكومة السودان ضمن دول العالم، ولكن المحكمة الجنائية الدولية التي تطبق قانون نظام روما نشأت في بداية يوليو 2002، ورفضت حكومة السودان المصادقة على المحكمة لأنها كانت قد بدأت في ارتكاب جرائم الإبادة وجرائم الحرب في عموم إقليم دارفور (فيسبوك، 2022). وعندما أحال مجلس الأمن بالأمم المتحدة الحالة في دارفور إلى المدعي بالمحكمة الجنائية الدولية بموجب القرار رقم 1593 لسنة 2005 الصادر بتاريخ 31 مارس 2005، نص في فاتحة القرار على عبارة “إحالة الوضع في إقليم دارفور منذ يوليو 2002 إلى المدعي بالمحكمة الجنائية الدولية بلاهاي- هولندا” (فيسبوك، 2022). وتفسير ورود هذا التاريخ في الإحالة هو أن قانون نظام روما دخل حيز التطبيق بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية ومباشرة عملها في يوليو 2002، وذلك تطبيقاً لمبدأ “عدم تطبيق القانون بأثر رجعي” (فيسبوك، 2022). وهذا يعني أن الجرائم التي ارتكبت قبل يوليو 2002، بما في ذلك جرائم البرهان في دار أندوكا، لا تخضع لولاية المحكمة الجنائية الدولية.
اللقب في سياق الحرب الحالية
مع اندلاع الحرب في أبريل 2023، عاد لقب “رب الفور” إلى الواجهة بقوة، إذ استخدمه منتقدو البرهان لتذكير الرأي العام بماضيه في دارفور، ومقارنته بين دوره في تلك الحقبة ودوره الحالي في “معركة الكرامة”. فقد كتب أحد الناشطين: “برهان الغدار ما غريب فأنت تقتل أبناء دارفور من 2003 وقلت انا رب الفور” (فيسبوك، 2025). كما استخدم اللقب في سياق انتقاد تحالف البرهان مع قادة حركات دارفور المسلحة، إذ اتهمه البعض باستغلالهم واستدراج الحرب إلى دارفور (فيسبوك، 2025).
ويشير هذا التداول المتجدد للقب إلى أن إرث البرهان في دارفور يظل حجر عثرة في مسيرته، وأن محاولاته لتقديم نفسه كقائد وطني في “معركة الكرامة” تصطدم باستمرار بتذكير الرأي العام بماضيه في الإقليم الذي مزقته الحرب.
الفصل الثالث: صعود “رب الفور” – لحظة التحول في أبريل 2019
من الظل إلى الصدارة في 48 ساعة
في الحادي عشر من أبريل 2019، أطاح الجيش السوداني بعمر البشير بعد ثلاثة عقود من الحكم. لكن أول من تولى رئاسة المجلس العسكري الانتقالي كان وزير الدفاع الفريق عوض بن عوف، الذي أعلن في خطابه التلفزيوني حل النظام وإقامة حكم عسكري انتقالي لمدة عامين. لكن استمرار بن عوف في منصبه لم يتجاوز يوماً واحداً فقط؛ فالمحتجون في ساحة القيادة العامة رفضوه بوصفه “وجهاً من وجوه النظام السابق” (بي بي سي، 2025؛ وكالة فرانس برس، 2019). وفي الثاني عشر من أبريل، أعلن بن عوف استقالته، وعين الفريق عبد الفتاح البرهان رئيساً للمجلس العسكري الانتقالي (بي بي سي، 2025؛ الجزيرة نت، 2023). وكان البرهان أول قيادات الجيش وصولاً إلى مقر الإذاعة والتلفزيون السوداني، قبل وصول بن عوف لقراءة بيان القوات المسلحة (بي بي سي، 2023). كما ذكرت مصادر أنه كان من بين القيادات التي أبلغت البشير بعزله من الرئاسة (بي بي سي، 2023).
هكذا، في غضون 48 ساعة، تحول البرهان من مفتش عام للجيش في نظام البشير إلى رئيس المجلس العسكري الانتقالي. وقد كشفت مصادر عسكرية أن البرهان قام، في اللحظات الحرجة التي أعقبت سقوط البشير، بسلسلة من الاتصالات مع القادة العسكريين، وكان هو من أبلغ ابن عوف ونائبه كمال عبد المعروف أن تعيينهما في المجلس العسكري مرفوض من قبل الشعب بسبب علاقتهما الوثيقة بالبشير ودورهما في قمع الاحتجاجات (عبد الهادي، 2019). وقد وُصف تدخل البرهان بأنه “تدخل في الوقت المناسب يتمتع بكاريزما مكنته من إعادة تجميع صفوف الجيش وتوحيدها في دعم الثورة” (عبد الهادي، 2019).
هذا المشهد يحمل في طياته أولى التناقضات الكبرى في مسيرة البرهان: رجل من نظام البشير يصبح، بلحظة جرأة سياسية، المتحدث باسم مطالب المحتجين داخل المؤسسة العسكرية. وقد حظي البرهان بقبول نسبي من قبل المحتجين، ويرى مراقبون أن ذلك يعود إلى عدة عوامل: أولاً، كونه غير معروف سابقاً، فلم تكن له “سمعة” سلبية مرتبطة بقمع الاحتجاجات؛ ثانياً، إلغاؤه حظر التجوال وإطلاقه سراح المعتقلين السياسيين في الأيام الأولى من توليه المنصب؛ وثالثاً، إعلانه استعداد الجيش للحوار مع المكونات السياسية المدنية (الجزيرة نت، 2024). وقد وصفته وسائل إعلام بأنه “جندي مخضرم لا يعرف عنه الكثير خارج الجيش” (وكالة فرانس برس، 2019)، في إشارة إلى أنه لم يكن جزءاً من الصراعات السياسية العلنية. وقال ضابط في الجيش طلب عدم الكشف عن هويته إن “البرهان ضابط رفيع المستوى في القوات المسلحة، لكنه في الأساس جندي مخضرم”، وأضاف “لم يكن يوماً تحت الأضواء كما هو الحال بالنسبة لبن عوف أو كمال عبد المعروف” (دويتشه فيله، 2019).
“رب الفور”: بين السخرية والإدانة
في السياق نفسه، وفي إشارة إلى هذا الصعود المفاجئ من الظل إلى صدارة المشهد، أطلق عليه السودانيون لقب “رب الفور”. ولكن هذا اللقب، الذي يعني حرفياً “صاحب الظهور المفاجئ” أو “القادم من حيث لا يُتوقع”، يحمل في طياته دلالات أعمق وأكثر إيلاماً تتعلق بماضيه في دارفور.
فقد ربط كثير من الناشطين والناجين من حرب دارفور هذا اللقب “باعتزاز مزعوم بأحداث دامية تعود لعام 2003” (التنوير، 2025)، في إشارة إلى الفترة التي كان فيها البرهان قائداً إقليمياً في دارفور بين 2003 و2008، حيث قاد عمليات عسكرية ضد قبائل الفور وغيرها من الجماعات المتمردة. وتشير منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي إلى أن البرهان “ذهب إلى دارفور برتبة الملازم في 1990، وفي 1998 ترقى لرتبة الرائد” (فيسبوك، 2022)، وأن لقب “رب الفور” يُستخدم بسخرية لوصفه بأنه “المسيطر على الفور” أو “الذي يملك أمرهم”. وقد كتب أحد الناشطين ساخراً: “هذا هو البرهان الذي يفوق حتى البو البشير حقارة وسقوطاً. هذا المسخ يعرف نفسه برب الفور” (سودانايل، 2024).
إذن، يجمع لقب “رب الفور” بين دلالتين متناقضتين: من جهة، يشير إلى المفاجأة والظهور المفاجئ في المشهد السياسي، ومن جهة أخرى، يحمل إشارة إلى تاريخ دموي في دارفور، مما يعكس، منذ البداية، الطبيعة المزدوجة لصورة البرهان: القادم الجديد الذي يحمل في جعبته تركة ثقيلة من الماضي.
أغسطس 2019: تقاسم السلطة مع المدنيين
في 17 يوليو 2019، وقّع المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير اتفاقاً سياسياً لتقاسم السلطة، تلاه في 4 أغسطس الاتفاق الدستوري. وفي 21 أغسطس 2019، أدّى البرهان القسم الدستوري أمام مجلس القضاء السوداني ليصبح رسمياً رئيساً للمجلس السيادي السوداني، وهي هيئة حاكمة من 11 عضواً، خمسة منهم عسكريون وخمسة مدنيون، إضافة إلى عضو توافقي (الجزيرة نت، 2024؛ بي بي سي، 2025؛ ويكيبيديا، 2026). وكان المجلس، بموجب الاتفاق، يتولى الحكم لمدة 39 شهراً تنتهي بتسليم السلطة لحكومة مدنية منتخبة، على أن يتناوب البرهان مع قيادي مدني على رئاسة المجلس خلال الفترة الانتقالية. وكان من المقرر أن تذهب رئاسة مجلس السيادة إلى المدنيين في يوم 17 نوفمبر 2021 (القدس العربي، 2021).
في هذه المرحلة، بدأ البرهان يظهر بملامح جديدة: تخلى عن الزي العسكري في المناسبات الرسمية ليرتدي البدلات المخططة، وعزز علاقات السودان مع القوى العالمية والإقليمية (إذاعة فرنسا الدولية، 2023). وفي فبراير 2020، التقى برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أوغندا، في خطوة شكلت خرقاً للتقاليد السودانية الطويلة وبداية لعملية تطبيع العلاقات مع إسرائيل (إذاعة فرنسا الدولية، 2023). كما حافظ على علاقات وثيقة مع مصر ودول الخليج، وقام بزيارات متعددة إليها. لكن هذه الانفتاحات الدولية، التي كانت جزءاً من استراتيجيته لاكتساب الشرعية، كانت تخفي توترات متزايدة داخل مؤسسة الحكم حول مستقبل التحول الديمقراطي.
الفصل الرابع: الانقلاب على الشراكة – 25 أكتوبر 2021
تفاصيل الانقلاب
في فجر 25 أكتوبر 2021، وبينما كان السودانيون يستيقظون على مشهد غير مألوف، بث التلفزيون الرسمي خطاباً للبرهان أعلن فيه حل مجلس السيادة ومجلس الوزراء، وفرض حالة الطوارئ، وإعفاء ولاة المدن وتعليق العمل بمواد من الوثيقة الدستورية (بي بي سي، 2021؛ ويكيبيديا، 2021). وفي الوقت نفسه، اعتقلت قوات عسكرية مشتركة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك وزوجته من مقر إقامتهما بالخرطوم، واقتادتهما إلى جهة غير معلومة (بي بي سي، 2021). كما اعتقلت القوات الأمنية عدداً من أعضاء مجلس السيادة والوزراء وقيادات سياسية، بينهم محمد الفكي سليمان وفيصل محمد صالح وحمزة بلول (بي بي سي، 2021). وأغلقت قوات الأمن المطار، وعلقت الرحلات الجوية الدولية، وقطعت خدمات الإنترنت على نطاق واسع، وانتشرت وحدات من الجيش وقوات الدعم السريع في الشوارع الرئيسية بالعاصمة (بي بي سي، 2021؛ الجزيرة نت، 2021).
وفي الأيام التالية، خرج آلاف المحتجين إلى شوارع الخرطوم والمدن الأخرى، ووقعت اشتباكات بينهم وبين قوات الأمن؛ وأفادت لجنة أطباء السودان بإصابة 12 شخصاً على الأقل في اليوم الأول من الاحتجاجات (بي بي سي، 2021). وبلغ عدد القتلى في الأيام التالية 20 شخصاً وإصابة 140 آخرين (ويكيبيديا، 2021). وفي نوفمبر 2021، أعاد البرهان تشكيل مجلس سيادة جديد احتفظ فيه بمنصبه رئيساً، وأبقى على حميدتي نائباً له (فرانس 24، 2021). وفي 21 نوفمبر، وقّع البرهان وحمدوك اتفاقاً سياسياً أعاد بموجبه حمدوك إلى منصب رئيس الوزراء، لكن هذا الاتفاق لم يدم طويلاً، إذ استقال حمدوك في 2 يناير 2022، معلناً فشل الجهود للتوصل إلى توافق.
تبريرات الانقلاب وتناقضاتها
برر البرهان انقلابه بأنه كان ضرورياً “لتجنب الحرب الأهلية” (سي إن إن، 2021)، متهماً شركاءه المدنيين بتوفير الأجواء للانقلاب (الأهرام ويكلي، 2021). لكن هذا التبرير بدا متناقضاً مع حقيقة أنه كان من المفترض أن يتنازل عن رئاسة المجلس لقائد مدني في غضون أسابيع قليلة، وفقاً للجدول الزمني للفترة الانتقالية (سي إن إن، 2021). والأكثر إثارة للدهشة هو أن البرهان نفذ الانقلاب بالتعاون مع حميدتي، حليفه في المجلس العسكري ورئيس قوات الدعم السريع، مما كشف عن تحالف وثيق بين الجنرالين كان يهدف إلى إجهاض التحول الديمقراطي والحفاظ على نفوذ المؤسسة العسكرية. وقد تجاوز البرهان وحميدتي خلافات كثيرة ليكونا يداً واحدة في الانقلاب (دويتشه فيله، 2021).
وقد أشارت تقارير لاحقة إلى أن الانقلاب لم يكن مجرد قرار فردي من البرهان، بل جاء نتيجة ضغوط متزايدة من التيار الإسلامي الذي كان يرى في الاتفاق مع المدنيين تهديداً لمصالحه. ففي الأشهر التي سبقت الانقلاب، تصاعدت التوترات بين المكونين العسكري والمدني في مجلس السيادة حول قضايا جوهرية، أبرزها عملية دمج قوات الدعم السريع في الجيش النظامي، ومحاكمة المتورطين في جرائم دارفور، وإصلاح المؤسسة الأمنية التي كانت خاضعة لنفوذ الإسلاميين. وبانقلابه، أعاد البرهان التيار الإسلامي إلى واجهة السلطة، مما شكل تناقضاً آخر في مسيرته: الرجل الذي خرج من بيئة صوفية تقليدية، والذي كان يوصف بأنه “غير منتمٍ للإخوان المسلمين”، أصبح الأداة التي أعادت تمكين الإسلاميين في الدولة (فرانس 24، 2025؛ عبد الهادي، 2019). وقد أشار حميدتي في تسجيل صوتي إلى أن البرهان نفّذ انقلاب 2021 بهدف إعادة الإسلاميين للسلطة، حيث عيّن الكثيرين من رموز نظام عمر البشير في مناصب حساسة (فيسبوك، 2021).
الفصل الخامس: من الانقلاب إلى الحرب – “معركة الكرامة” وإعادة تشكيل السودان
اندلاع الحرب وانقلاب التحالفات
في 15 أبريل 2023، اندلع القتال بين القوات المسلحة السودانية بقيادة البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة حميدتي في الخرطوم والمدن الأخرى. بدأت المعارك في محيط مطار الخرطوم والقصر الجمهوري، وسرعان ما انتشرت إلى ولايات دارفور وكردفان والنيل الأزرق (ويكيبيديا، 2023). وقد أوضحت دراسة أكاديمية أن “العداء المتصاعد بين الجنرالين هو صراع على ممارسة السلطة في الدولة وسعي للسيطرة على البنية الأمنية”، وأن “انتقال السودان إلى الحكم الديمقراطي يبدو سراباً منذ أن قاومت الجماعات المسلحة المختلفة التخلي عن مصالح مجموعاتها لصالح المصلحة الوطنية” (أباسيليم وآخرون، 2024).
واحدة من أهم النقاط الأساسية العالقة بين حميدتي والبرهان، هي الخلاف حول خطة ضمّ قوات الدعم السريع التي يبلغ عددها 100 ألف عنصر، إلى الجيش وحول من سيقود القوة الجديدة بعد ذلك (بي بي سي، 2023). وتشير المصادر إلى أن حميدتي رفض مشاركة قواته في العمليات العسكرية التي شنها الجيش السوداني على عدد من المجموعات الإثيوبية المسلحة منتصف عام 2021، مما زاد الخلاف بينهما (مركز الدراسات الاستراتيجية، 2023). وجاءت المواجهات المسلحة بعد أيام من التوتر مع إعادة نشر قوات الدعم السريع لعناصرها حول العاصمة، في خطوة رأى فيها الجيش تهديداً (بي بي سي، 2023).
ما إن اندلعت الحرب، حتى أطلق البرهان عليها اسم “معركة الكرامة”، وجعلها عنواناً لخطابه السياسي والعسكري (الجزيرة نت، 2025؛ وكالة الأناضول، 2026). وقد أكد البرهان أن “كل السودانيين منخرطون بفاعلية في معركة الكرامة ضد أوباش التمرد”، في إشارة إلى قوات الدعم السريع (وكالة الأناضول، 2026). وفي خطاباته المتلاحقة، شدد على أنه “لا مهادنة مع الدعم السريع وسنمضي في معركة الكرامة” (وكالة الأناضول، 2025)، وتوعد بـ”تطهير السودان من أي مرتزق ومتمرد وخائن” (الجزيرة مباشر، 2026). وفي 16 يناير 2026، قال البرهان إن معركة الكرامة لن تنتهي إلا بانتهاء التمرد وكل من يدعمه (الشرق الأوسط، 2026). وفي 8 مايو 2026، جدد البرهان القول بأنه “ماضون بحرب الكرامة وحضن الوطن مفتوح لمن يلقي السلاح” (وكالة الأناضول، 2026).
لكن تحليل خطاب “معركة الكرامة” يكشف عن تناقضات جوهرية. فالحرب التي يخوضها البرهان اليوم هي ضد الرجل الذي كان شريكه في السلطة، والذي ساعده في الوصول إلى منصبه عام 2019، والذي شاركه في انقلاب 2021. و”التمرد” الذي يتحدث عنه هو قوات كانت جزءاً من المؤسسة العسكرية، بل كانت الذراع الضاربة للجيش في الكثير من العمليات. وفي هذا السياق، تتحول “معركة الكرامة” من كونها حرباً وطنية ضد “المتمردين” إلى صراع وجودي بين جنرالين كانا شريكين، حول من يمثل الشرعية ومن يمثل الفوضى.
تحالف التناقض: البرهان والإسلاميون في الحرب
ربما يكون التحالف بين البرهان والإسلاميين أبرز مظاهر التناقض في مسيرته خلال الحرب. فبينما ينحدر البرهان من أسرة صوفية، ويوصف بأنه غير منتمٍ للإخوان المسلمين (عبد الهادي، 2019)، تشير تقارير متعددة إلى تحالفه الوثيق مع التيار الإسلامي خلال الحرب. فقد أفادت وكالة رويترز، نقلاً عن مصادر في الحركة الإسلامية السودانية، بأن الإسلاميين قدموا ما بين 2000 إلى 3000 مقاتل في العام الأول للحرب دعماً للجيش (ميدل إيست أونلاين، 2025). كما كشفت وثيقة حصلت عليها رويترز من مسؤول إسلامي رفيع أن الحركة الإسلامية ساعدت في تجنيد الآلاف من المقاتلين، وأن “كتيبة البراء بن مالك” المرتبطة بالحركة الإسلامية لعبت دوراً ميدانياً حاسماً في قلب موازين المعركة ضد قوات الدعم السريع (سكاي نيوز عربية، 2026).
وقد أشارت صحيفة فايننشال تايمز إلى أن الحرب “لم تعد مجرد مواجهة بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل تحولت إلى ساحة لإعادة تموضع التيارات الإسلامية داخل مؤسسات الدولة السودانية” (سكاي نيوز عربية، 2026). ويؤكد محللون أن “تحالف البرهان مع الإسلاميين يمثل ركيزة أساسية لبقاء نحو ثلثي أراضي البلاد تحت سيطرته” (فرانس 24، 2025). وتوضح المحللة السودانية خلود خير أن “الإسلاميين مستاؤون للغاية من احتمال وقف إطلاق النار، فهم يريدون استمرار الحرب أطول مدة ممكنة” لأن إطالة أمد الصراع “تصب في مصلحتهم، إذ تضعف القوى المؤيدة للديمقراطية التي أطاحت بحكم البشير الإسلامي عام 2019” (فرانس 24، 2025). ويقول محللون إن العلاقة بين البرهان والإسلاميين ليست علاقة طارئة نشأت بسبب الحرب، بل تمتد جذورها إلى سنوات طويلة داخل المؤسسة العسكرية (سكاي نيوز عربية، 2026).
هذا التحالف وضع البرهان في مواجهة مع المجتمع الدولي، خاصة بعد أن صنفت الولايات المتحدة “جماعة الإخوان المسلمين” في السودان منظمة إرهابية أجنبية في مارس 2026 (معهد واشنطن، 2026). ومع ذلك، يبدو أن البرهان غير قادر أو غير راغب في قطع هذا التحالف، مما يعكس تناقضاً آخر: بين سعيه للحصول على الشرعية الدولية واعتماده على قوى محلية مصنفة إرهابياً.
أبعاد الحرب الإنسانية والجيوستراتيجية
بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، أصبحت الأرقام مذهلة في حجم المأساة. فوفقاً لتقارير الأمم المتحدة، اضطر نحو 14 مليون شخص إلى الفرار منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، منهم 9 ملايين نازح داخل السودان و4.4 مليون عبر الحدود، مما يجعلها أكبر أزمة نزوح في العالم (الأمم المتحدة، 2026؛ الجزيرة نت، 2026). وأوضحت المفوضية أن النزوح بالنسبة لكثيرين تحوّل إلى حلقة مفرغة ومرهقة من البحث عن أمان نسبي ثم الفرار مجدداً، مشيرة إلى أن واحداً من كل 4 سودانيين أصبح اليوم في عداد النازحين (الأمم المتحدة، 2026). كما تشير تقديرات إلى أن أكثر من 7.25 مليون شخص نزحوا داخلياً منذ بدء الحرب، بينهم قرابة 2.7 مليون من ولاية الخرطوم وحدها (الجزيرة نت، 2025). وتضاف إلى ذلك أزمة غذاء حادة تهدد ملايين السودانيين بالمجاعة، وتدمير شبه كامل للبنية التحتية في مناطق واسعة من البلاد. وتستمر خروقات حقوق الإنسان، بما في ذلك الانتهاكات الجنسية المرتبطة بالنزاع، والتجنيد القسري، والاعتقالات التعسفية، والمجازر وغيرها، مع تعرض المدنيين لخطر خاص أثناء محاولتهم الوصول إلى مناطق أكثر أمناً (الأمم المتحدة، 2026).
وعلى الصعيد الجيوستراتيجي، أعادت الحرب تشكيل تحالفات القوى الإقليمية والدولية تجاه السودان. فقد حظي البرهان بدعم من مصر التي ترى في استقرار الجيش السوداني ركيزة لأمنها القومي، ومن دول الخليج وعلى رأسها السعودية والإمارات (مركز الأزمات، 2023)، بينما اتُهمت قطر وإيران بدعم قوات الدعم السريع (مركز الأزمات، 2023). كما سعى البرهان إلى تعزيز علاقاته مع تركيا وإريتريا وإسرائيل (الأهرام ويكلي، 2023؛ إذاعة فرنسا الدولية، 2023). وقد قام بجولات دبلوماسية مكثفة في 2023 و2024 شملت مصر والسعودية وتركيا والبحرين وإريتريا، في محاولة لكسب تأييد دولي وعرقلة أي اعتراف بحميدتي كشريك في المفاوضات (الأهرام ويكلي، 2023؛ نيوعرب، 2023).
لكن هذه الجهود واجهت تحديات كبيرة. فقد رفض البرهان مراراً مبادرات الوساطة الإقليمية والدولية، مصراً على أن الحرب لن تنتهي إلا بـ”حسم” قوات الدعم السريع أو استسلامها (رويترز، 2023). وفي خطاب ألقاه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 21 سبتمبر 2023، وصف البرهان قوات الدعم السريع بأنها “ميليشيا إرهابية” ودعا المجتمع الدولي إلى تصنيفها كمنظمة إرهابية (الأمم المتحدة، 2023). كما انتقد الاتحاد الأفريقي لتعليقه عضوية السودان إثر انقلاب 2021، واتهمه بـ”التحيز” ضد الشرعية السودانية (نيوعرب، 2023). وفي 24 سبتمبر 2024، توجه البرهان إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بدورتها الـ79 (الجزيرة نت، 2024).
الفصل السادس: البرهان على الساحة الدولية – بين السيادة والعزلة
سعي محموم للشرعية الدولية
منذ انقلابه في 2021، سعى البرهان إلى ترسيخ شرعيته الدولية بصفته القائد الفعلي للسودان. وفي سبتمبر 2022، ألقى كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، مجدداً التزامه بـ”حكومة مدنية تمثل كل السودانيين” (فرانس 24، 2023). ومع اندلاع الحرب، كثف زياراته الخارجية إلى مصر والسعودية وتركيا وإريتريا، وظهر في قمم عربية وأفريقية، في محاولة لتثبيت صورته كزعيم شرعي للدولة في مواجهة “تمرد” حميدتي (الأهرام ويكلي، 2023؛ نيوعرب، 2023). وفي 28 أبريل 2022، حث البرهان المبعوثين الدوليين على “دعم وتشجيع الأحزاب السياسية وأطراف العملية السياسية، للوصول إلى توافق وطني بشأن تشكيل حكومة انتقالية” (وكالة الأناضول، 2022).
وقد رأى محللون أن هذه الزيارات “عززت مكانة الجنرال البرهان كقائد معترف به دولياً للسودان” (ذا ناشيونال، 2023). لكن في المقابل، شن منتقدوه حملة واسعة اتهموه فيها باستخدام “التطبيع مع إسرائيل كأداة للبقاء في السلطة” (معهد واشنطن، 2025؛ جيروزاليم بوست، 2025). وكتب أحد النقاد ساخراً: “رب الفور يطلب الخلاص الأميركي” (الراكوبة، 2025)، في إشارة إلى مقاله في وول ستريت جورنال الذي روج فيه لروايته عن الحرب. وفي 31 يوليو 2024، نجا البرهان من محاولة اغتيال بطائرة مسيرة، وفقاً لمصادر في الجيش السوداني تحدثت لبي بي سي (بي بي سي، 2024).
التناقض الدولي: اعتراف وعقوبات
في تناقض آخر، بينما كان البرهان يسعى للحصول على اعتراف دولي، واجهت حكومته اتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في دارفور وغيرها من مناطق النزاع. وفي أبريل 2023، دعا أعضاء في مجلس الشيوخ الأمريكي إدارة بايدن إلى “فرض عقوبات فورية على الجنرالين البرهان وحميدتي” (لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي، 2023). كما واجه البرهان ضغوطاً متزايدة من منظمات حقوق الإنسان التي اتهمت قوات الجيش وحلفاءه من الميليشيات الإسلامية بارتكاب فظائع بحق المدنيين في دارفور، في تكرار لمأساة 2003.
لكن المجتمع الدولي ظل منقسماً في موقفه من البرهان. فبينما اعترفت به معظم الدول العربية والأفريقية بصفته القائد الشرعي للسودان، امتنعت دول غربية عن منحه شرعية كاملة، واكتفت بالدعوة إلى وقف إطلاق النار والعودة إلى المسار الديمقراطي. وقد خلص تقرير لمركز تريندز للأبحاث (2025) إلى أن “تعزيز البرهان للسلطة، مقترناً بدمج الميليشيات الإسلامية في القوات المسلحة السودانية، قد حول السودان من دولة انتقالية هشة إلى مركز محتمل لانعدام الأمن عبر الوطني”. وفي 29 مايو 2026، وصف بابكر فيصل في برنامج “بلا قيود” على بي بي سي دعوة البرهان للحوار بأنها “دعوة زائفة وغير حقيقية” تهدف إلى إعاقة السلام (بي بي سي، 2026).
خاتمة نقدية: البرهان والتناقض البنيوي للدولة السودانية
بعد تتبع هذه الرحلة المليئة بالتحولات والتناقضات، يمكن القول إن سيرة عبد الفتاح البرهان ليست مجرد سيرة رجل، بل هي مرآة تعكس أزمة الدولة السودانية ذاتها. فتناقضاته ليست سمات شخصية عابرة، بل هي انعكاس لبنية سياسية وعسكرية تقوم على تحالفات هشة ومتغيرة، حيث لا يكون الولاء للوطن أو للدستور بقدر ما يكون للسلطة وللبقاء.
البرهان ليس رجل مشروع سياسي واضح، بل هو رجل لحظة؛ صعد في لحظة فراغ سياسي عام 2019، واستبقى السلطة بانقلاب عام 2021، ووجد نفسه في حرب وجودية عام 2023. في كل محطة، اتخذ القرارات التي بدت ضرورية للبقاء، حتى لو كانت متناقضة مع صورته السابقة أو مع مبادئه المعلنة. وقد دفعته هذه التناقضات إلى تحالفات مع قوى كانت بالأمس القريب خصوماً لدودين للثورة التي ادعى تمثيلها، وإلى حرب مع شريكه السابق الذي لا يختلف عنه في الرغبة بالسلطة.
والسؤال الأعمق الذي تطرحه سيرة البرهان هو: هل يمكن للدولة السودانية أن تتعافى من هذا العقدة التاريخية التي تجعل الجيش، بدلاً من أن يكون حامياً للدولة، طرفاً في الصراع على ماهيتها؟ وهل يمكن لقائد حمل راية “معركة الكرامة” أن يقود بلاده إلى الكرامة الحقيقية، وهي تعاني أسوأ أزمة إنسانية في تاريخها، وينظر إليه الملايين بوصفه أحد طرفي الصراع وليس حلاً له؟
في نهاية المطاف، تظل رحلة عبد الفتاح البرهان مفتوحة على كل الاحتمالات. فقد يكون، كما يرى أنصاره، القائد الذي أعاد للجيش هيبته ودافع عن سيادة السودان. وقد يكون، كما يراه خصومه، امتداداً لنظام البشير بلباس جديد، قاد البلاد إلى حرب عبثية مزقتها وأغرقتها في دمائها. ولكن الأكيد أن التاريخ، حين سيكتب فصل هذه الحقبة من حياة السودان، سيكون البرهان واحداً من أبرز شخصياتها، ليس لأنه صنعها فقط، بل لأنه عاشها وتناقضاتها، وجسّد في مسيرته كل ما هو متناقض ومعقّد في هذه الدولة التي طالما بحثت عن ذاتها بين جيشها وشعبها.
المراجع
- أباسيليم، أو. دي.، غبيريفي، دي. إي.، وأوسيبانجو، أو. أ. (2024). التنافس العنيف على السلطة والاضطراب السياسي في السودان: تقييم تأملي للعداء المتصاعد بين الجنرالين برهان وحميدتي. مجلة دراسات السياسة والاقتصاد، 11(3). [تاريخ الوصول: 9 أغسطس 2026]
- الجزيرة نت. (2021، 25 أكتوبر). انقلاب السودان.. البرهان يحل مجلسي السيادة والوزراء ويعتقل حمدوك. الجزيرة نت. [تاريخ الوصول: 9 أغسطس 2026]
- الجزيرة نت. (2023، 18 أبريل). عبد الفتاح البرهان.. من الظل إلى الرجل الأول في السودان. الجزيرة نت. [تاريخ الوصول: 9 أغسطس 2026]
- الجزيرة نت. (2024، 29 يوليو). مجلس السيادة السوداني.. هيئة لقيادة البلاد في المرحلة الانتقالية. الجزيرة نت. [تاريخ الوصول: 9 أغسطس 2026]
- الجزيرة نت. (2024، 24 سبتمبر). البرهان يتوجه إلى نيويورك للمشاركة بدورة الجمعية العامة. الجزيرة نت. [تاريخ الوصول: 9 أغسطس 2026]
- الجزيرة نت. (2025، 14 أغسطس). البرهان: معركة الكرامة مستمرة مهما كانت التكلفة. الجزيرة نت. [تاريخ الوصول: 9 أغسطس 2026]
- الجزيرة نت. (2025، 17 ديسمبر). بالأرقام.. ملايين السودانيين بين الجوع والنزوح والتعنيف. الجزيرة نت. [تاريخ الوصول: 9 أغسطس 2026]
- الجزيرة نت. (2026، 12 أبريل). الأمم المتحدة: السودان يواجه أكبر أزمة نزوح وسط انتهاكات جسيمة وغياب للتمويل. الجزيرة نت. [تاريخ الوصول: 9 أغسطس 2026]
- خيراوي، ع. (2026، 11 فبراير). عبد الفتاح البرهان…سيرة تنقصها الفِكرْ والحِكْمة والإنجاز. سودانايل. [تاريخ الوصول: 9 أغسطس 2026]
- بي بي سي. (2021، 25 أكتوبر). الانقلاب في السودان: عبد الفتاح البرهان يحل مجلسي السيادة والوزراء ويعلن حالة الطوارىء. بي بي سي عربي. [تاريخ الوصول: 9 أغسطس 2026]
- بي بي سي. (2023، 15 أبريل). اشتباكات السودان: ما خلفية الصراع الحالي بين عبد الفتاح البرهان وحميدتي؟ بي بي سي عربي. [تاريخ الوصول: 9 أغسطس 2026]
- بي بي سي. (2023، 17 أبريل). عبدالفتاح البرهان: من هو قائد الجيش السوداني رئيس مجلس السيادة في البلاد؟ بي بي سي عربي. [تاريخ الوصول: 9 أغسطس 2026]
- بي بي سي. (2024، 31 يوليو). نجاة عبد الفتاح البرهان من محاولة اغتيال بطائرة مسيرة. بي بي سي عربي. [تاريخ الوصول: 9 أغسطس 2026]
- بي بي سي. (2025، 5 نوفمبر). من هو قائد الجيش السوداني ورئيس مجلس السيادة في البلاد؟ بي بي سي عربي. [تاريخ الوصول: 9 أغسطس 2026]
- بي بي سي. (2026، 29 مايو). بابكر فيصل في بلا قيود: البرهان يسعى لإعطاء الجيش… بي بي سي عربي. [تاريخ الوصول: 9 أغسطس 2026]
- سكاي نيوز عربية. (2026، 19 مايو). تقارير غربية: تحالف البرهان يعزز نفوذ الإخوان في السودان. سكاي نيوز عربية. [تاريخ الوصول: 9 أغسطس 2026]
- سودافاكس. (2020، 27 مارس). الدفعة 31 و الثورة.. جنرالات في واجهة الأحداث. سودافاكس. [تاريخ الوصول: 9 أغسطس 2026]
- سودانايل. (2024، 11 ديسمبر). العنبج البرهان “رب الفور” اين هو من نساء ورجال الفور. سودانايل. [تاريخ الوصول: 9 أغسطس 2026]
- التنوير. (2025، 29 نوفمبر). من رب الفور إلى إله الحرب والدمار… هل بلغ بك الغرور هذا الحد يا برهان؟ التنوير. [تاريخ الوصول: 9 أغسطس 2026]
- الراكوبة. (2025، 27 نوفمبر). ربّ الفور يطلب الخلاص الأميركي: قراءة في مقال البرهان بوول ستريت جورنال. الراكوبة. [تاريخ الوصول: 9 أغسطس 2026]
- الراكوبة. (2024، 13 ديسمبر). العنبج البرهان،، رب الفور،، أين هو من نساء ورجال الفور. الراكوبة. [تاريخ الوصول: 9 أغسطس 2026]
- عبد الهادي، خ. (2019، 4 مايو). حوار حصري – عبد الفتاح البرهان: جنرال مخلص يواجه اختباراً سياسياً في السودان. الشرق الأوسط. [تاريخ الوصول: 9 أغسطس 2026]
- القدس العربي. (2021، 25 أكتوبر). صحيفة فرنسية: لهذه الأسباب قام اللواء البرهان بالانقلاب في السودان. القدس العربي. [تاريخ الوصول: 9 أغسطس 2026]
- وكالة الأناضول. (2019، 13 أبريل). من هو رئيس المجلس العسكري السوداني عبد الفتاح برهان؟ وكالة الأناضول. [تاريخ الوصول: 9 أغسطس 2026]
- وكالة الأناضول. (2022، 28 أبريل). البرهان يدعو المجتمع الدولي لدعم التوافق الوطني بالسودان. وكالة الأناضول. [تاريخ الوصول: 9 أغسطس 2026]
- وكالة الأناضول. (2025، 14 أغسطس). البرهان: لا مهادنة مع الدعم السريع وسنمضي في معركة الكرامة. وكالة الأناضول. [تاريخ الوصول: 9 أغسطس 2026]
- وكالة الأناضول. (2026، 8 مايو). البرهان: ماضون بحرب الكرامة وحضن الوطن مفتوح لمن يلقي السلاح. وكالة الأناضول. [تاريخ الوصول: 9 أغسطس 2026]
- وكالة فرانس برس. (2019، 13 أبريل). جندي محنك” برهان يصبح حاكماً جديداً للسودان. وكالة فرانس برس. [تاريخ الوصول: 9 أغسطس 2026]
- الشرق الأوسط. (2026، 16 يناير). البرهان: معركة «الكرامة» مستمرة حتى انتهاء «التمرد». الشرق الأوسط. [تاريخ الوصول: 9 أغسطس 2026]
- فرانس 24. (2021، 11 نوفمبر). السودان: عبد الفتاح البرهان يشكل مجلس سيادة انتقاليا جديدا. فرانس 24. [تاريخ الوصول: 9 أغسطس 2026]
- فرانس 24. (2023، 21 أبريل). World leaders emboldened Sudan’s warring generals: analysts. فرانس 24. [تاريخ الوصول: 9 أغسطس 2026]
- فرانس 24. (2025، 4 ديسمبر). هل يعرقل تحالف البرهان مع الإسلاميين فرص إنهاء الحرب في السودان؟ فرانس 24. [تاريخ الوصول: 9 أغسطس 2026]
- مركز تريندز للأبحاث. (2025). تأثير الإخوان المسلمين على القيادة العسكرية السودانية وانعكاساته على الاستقرار الإقليمي. مركز تريندز للأبحاث. [تاريخ الوصول: 9 أغسطس 2026]
- معهد واشنطن. (2025، 17 ديسمبر). Burhan Is Using Sudan-Israel Normalization to Secure His Power. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى. [تاريخ الوصول: 9 أغسطس 2026]
- معهد واشنطن. (2026، 20 أبريل). العقوبات وجماعة الإخوان المسلمين في السودان: فك الارتباط بين البرهان والإسلاميين وإيران. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى. [تاريخ الوصول: 9 أغسطس 2026]
- ميدل إيست أونلاين. (2025، 1 أكتوبر). تحالف “قمم” يحمل البرهان مسؤولية تغلغل الإسلاميين في الجيش. ميدل إيست أونلاين. [تاريخ الوصول: 9 أغسطس 2026]
- نون بوست. (2023، 27 أبريل). من درويش صوفي إلى ضابط منسي فمشروع طاغية.. ماذا نعرف عن البرهان؟ نون بوست. [تاريخ الوصول: 9 أغسطس 2026]
- دويتشه فيله. (2019، 13 أبريل). عبد الفتّاح البرهان.. من ملحق سابق لرئيس بحكم الأمر الواقع. دويتشه فيله. [تاريخ الوصول: 9 أغسطس 2026]
- دويتشه فيله. (2021، 25 أكتوبر). انقلاب السودان- تحالف البرهان وحميدتي ودعم إقليمي متستر! دويتشه فيله. [تاريخ الوصول: 9 أغسطس 2026]
- دروب. (2025). التناقض في إنتقاد تحالف تأسيس وتناسي جرائم البرهان. دروب. [تاريخ الوصول: 9 أغسطس 2026]
- التغيير. (2025، 27 نوفمبر). الحقيقة التي لم يذكرها البرهان في وول ستريت جورنال..! التغيير. [تاريخ الوصول: 9 أغسطس 2026]
المصادر الأجنبية
- AFP. (2019, April 13). ‘Veteran’ soldier Burhan becomes Sudan’s new ruler. AFP. [Accessed: August 9, 2026]
- Al Jazeera. (2026, April 16). Abdel Fattah al-Burhan: From the shadows to Sudan’s top man. Al Jazeera. [Accessed: August 9, 2026]
- BBC. (2021, October 25). Sudan coup: Burhan dissolves government and declares state of emergency. BBC News. [Accessed: August 9, 2026]
- Crisis Group. (2023). Sudan: The Regional Dimensions of the Conflict. International Crisis Group. [Accessed: August 9, 2026]
- France 24. (2023, April 21). World leaders emboldened Sudan’s warring generals: analysts. France 24. [Accessed: August 9, 2026]
- Reuters. (2023, June 28). Al-Bashir Islamists Aiding al-Burhan, Sudan Army. Reuters. [Accessed: August 9, 2026]
- Sudan Tribune. (2023). Sudan’s Al Burhan looks to win legitimacy war with UN general assembly visit. Sudan Tribune. [Accessed: August 9, 2026.
