د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
الملخص
ينطلق المقال من أن الحرب السودانية التي اندلعت في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو «حميدتي» لم تعد حرباً ثنائية بسيطة بين مؤسستين عسكريتين، بل تحولت إلى صراع شديد التعقيد تتداخل فيه التحالفات العسكرية والقبلية والإقليمية والأيديولوجية والاقتصادية. ومع مرور أكثر من ثلاث سنوات على الحرب، وتغير خرائط السيطرة العسكرية، واستعادة الجيش للخرطوم ومناطق واسعة من شمال وشرق ووسط البلاد مقابل استمرار سيطرة الدعم السريع على معظم دارفور وأجزاء من كردفان والنيل الأزرق، أصبحت أي عملية سلام تركز فقط على البرهان وحميدتي عاجزة عن استيعاب الواقع العسكري والسياسي الجديد. فكلا الرجلين أصبح يمثل ائتلافاً واسعاً ومتفككاً من القوات النظامية والحركات المسلحة والتشكيلات القبلية والسياسية، الأمر الذي يجعل مصيرهما ومصير الشبكات التي يقودانها جزءاً مركزياً من مشكلة السلام وإعادة بناء الدولة. وفي الوقت نفسه، أدت الحرب إلى واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، مع نزوح ملايين السودانيين واتساع نطاق الجوع وانهيار الخدمات والمؤسسات الأساسية، بحيث أصبح نجاح التسوية أو فشلها مرتبطاً ليس فقط بمصير القادة العسكريين، وإنما بمستقبل الدولة السودانية نفسها.
تعود جذور الأزمة إلى التطور التاريخي لقوات الدعم السريع من بيئة الجنجويد التي استخدمت في حرب دارفور، ثم تحولها في عهد عمر البشير إلى قوة عسكرية معترف بها قانونياً وتمتلك استقلالاً مالياً وأمنياً متزايداً. استطاع حميدتي أن يبني حول قواته قاعدة اقتصادية واسعة مستندة بصورة خاصة إلى الذهب والمعابر الحدودية والتجارة الإقليمية، وأن يحولها تدريجياً من قوة شبه عسكرية إلى مركز مستقل للقوة العسكرية والاقتصادية والسياسية. وبعد سقوط البشير في أبريل 2019، أصبح البرهان وحميدتي شريكين رئيسيين في السلطة الانتقالية، ثم شاركا في الترتيب الانتقالي الذي أعقب اتفاق تقاسم السلطة بين العسكريين والقوى المدنية في أغسطس 2019. إلا أن هذا الترتيب لم ينجح في معالجة قضية وجود قوات الدعم السريع كقوة عسكرية موازية للجيش، كما لم يعالج بصورة جذرية علاقة المؤسسة العسكرية بالدولة والاقتصاد والسياسة.
أدى الانقلاب العسكري في أكتوبر 2021 إلى تعميق أزمة الانتقال، وأصبحت العلاقة بين البرهان وحميدتي أكثر تنافساً. وعندما بدأت المفاوضات بشأن العودة إلى المسار المدني في 2022، أصبح دمج الدعم السريع في القوات المسلحة محور الخلاف الأساسي. لم يكن الخلاف متعلقاً بمجرد المدة الفنية لعملية الدمج، وإنما بمستقبل القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية التي بناها حميدتي، وبمدى قدرة الجيش على استعادة احتكار الدولة للعنف. ولذلك تحول الخلاف حول الجدول الزمني للدمج إلى صراع وجودي بين مشروعين للقوة، انتهى إلى الحرب المفتوحة في أبريل 2023.
يمثل البرهان في المقال رأس المؤسسة العسكرية التقليدية التي ترى نفسها الحارس الرئيسي لوحدة الدولة وسيادتها واحتكارها المشروع للقوة. إلا أن الجيش الذي يقوده لم يعد مؤسسة منفردة، بل أصبح يعتمد في الحرب على شبكة من الحركات المسلحة الدارفورية والتشكيلات القبلية وقوات التعبئة الشعبية وشبكات مرتبطة بالنظام السابق وغيرها من القوى المسلحة. ولذلك أصبحت مهمة إعادة بناء جيش موحد أكثر تعقيداً من مجرد هزيمة الدعم السريع أو دمجه. ويتركز تصور مصالح البرهان في ثلاثة محاور مترابطة: المحافظة على وحدة الجيش واستعادة احتكار الدولة للعنف؛ منع إعادة تأهيل الدعم السريع ومنحه شرعية سياسية مستقبلية؛ وتأمين مخرج سياسي ومؤسسي يحافظ على قدر من النفوذ العسكري بعد انتهاء الحرب.
في المحور الأول، ينظر البرهان والمؤسسة العسكرية إلى بقاء الدعم السريع كقوة مستقلة باعتباره تهديداً مباشراً لبنية الدولة. ولذلك يصر الجيش على انسحاب الدعم السريع من المدن والمناطق التي يسيطر عليها، وعلى نزع سلاحه وتسريحه وإعادة تنظيم أفراده تحت سلطة الدولة. وقد أدى هذا الموقف إلى رفض ترتيبات يرى الجيش أنها قد تكرس السيطرة الإقليمية للدعم السريع أو تمنحه وضعاً عسكرياً مستقلاً. وفي المحور الثاني، يستند موقف البرهان إلى حجم الانتهاكات المنسوبة إلى الدعم السريع، ولا سيما في دارفور، وإلى المطالب الشعبية والحقوقية بمحاسبة المسؤولين عنها. وقد أصبح الحكم الغيابي بالإعدام على حميدتي وعدد من كبار قادته رمزاً للتعارض بين مسار العدالة ومسار التسوية السياسية. أما المحور الثالث فيتمثل في محاولة المؤسسة العسكرية حماية مصالحها أثناء الانتقال، مع استمرار التأكيد الرسمي على إجراء الانتخابات وخروج الجيش من السياسة، في مقابل وجود مؤشرات ومخاوف من رغبة بعض مراكز القوة العسكرية في تمديد الدور العسكري لفترة أطول.
أما حميدتي فيمثل نموذجاً مختلفاً للقائد العسكري الذي تحول إلى فاعل سياسي واقتصادي مستقل. فقد أسس خلال سنوات طويلة قوة مسلحة تمتلك مصادر تمويل وشبكات تجارية وعلاقات إقليمية، وأصبحت قوات الدعم السريع بالنسبة إليه ولشبكته وسيلة للحفاظ على النفوذ السياسي والاقتصادي والأمني. وبعد الحرب لم يعد حميدتي يسيطر على قوة متماسكة تماماً، بل على تحالف متنوع من وحدات الدعم السريع وحلفاء قبليين وإقليميين وسياسيين، إضافة إلى قوى مرتبطة بمشروع الحكومة الموازية التي أعلنها تحالف «تأسيس». وقد أدى إنشاء هذه الحكومة إلى تحويل الصراع من منافسة عسكرية إلى محاولة لبناء بنية سياسية موازية للدولة، لكنها ظلت تعاني من ضعف الاعتراف الدولي.
تتمثل مصالح حميدتي الأساسية في البقاء السياسي والسلامة الشخصية، والحفاظ على الموارد الاقتصادية التي تمول قوته، وتجنب ذوبان قوات الدعم السريع في الجيش بصورة تنهي استقلالها. ويصبح وقف إطلاق النار بالنسبة إليه سلاحاً ذا حدين: فهو يوفر فرصة للتفاوض وإعادة بناء الشرعية السياسية، لكنه في الوقت نفسه يفتح الطريق أمام التحقيقات والملاحقات القضائية بشأن الانتهاكات المنسوبة إلى قواته. لذلك يميل حميدتي إلى إظهار انفتاح أكبر على بعض المبادرات التفاوضية، بينما يُنظر إلى هذا الانفتاح باعتباره مرتبطاً أيضاً بمحاولة الحصول على مخرج سياسي وقانوني. وتزيد الانشقاقات المتزايدة في صفوف الدعم السريع من ضعف موقفه، لأنها تشير إلى تآكل السيطرة المركزية على القوة التي يقودها وإلى إمكانية انتقال بعض القادة والوحدات إلى جانب الجيش.
ويؤكد المقال أن الاقتصاد يمثل عنصراً أساسياً في فهم موقف حميدتي وليس مجرد مسألة ثانوية. فقد ارتبطت قوة الدعم السريع بالسيطرة على الذهب والطرق التجارية والمعابر والموارد في دارفور وكردفان، بينما يمتلك الجيش وشبكاته الاقتصادية موارد ومؤسسات اقتصادية أخرى. ومن ثم فإن تفكيك اقتصاد الحرب لا يمكن فصله عن تفكيك القوة العسكرية. فأي اتفاق سلام يسمح للقادة العسكريين بالاحتفاظ بمصادر تمويل مستقلة سيبقي جذور الحرب قائمة حتى إذا توقفت المعارك مؤقتاً.
يستند الإطار النظري للمقال إلى فكرة أن إنهاء الحرب لا يعني مجرد وقف إطلاق النار، بل يتطلب تحولاً في العلاقات والمؤسسات والهياكل التي أنتجت النزاع. ومن منظور تحول الصراع، فإن التسوية المستدامة تقتضي معالجة المظالم الهيكلية وإعادة صياغة علاقة الجيش بالمجتمع والدولة، وإعادة بناء المؤسسات السياسية والأمنية والاقتصادية على أسس جديدة. وبناءً على ذلك، فإن مصير البرهان وحميدتي لا يمكن بحثه بمعزل عن إصلاح الدولة السودانية وإعادة بناء قطاع الأمن وتفكيك اقتصاد الحرب.
وتحتل العدالة الانتقالية موقعاً محورياً في هذا الإطار. فالعدالة لا تقتصر على محاكمة الأفراد، بل تشمل كشف الحقيقة، وتوثيق الانتهاكات، وتعويض الضحايا، والإصلاح المؤسسي وضمان عدم التكرار. ويؤكد المقال أن تغيير الولاء السياسي أو العسكري لا ينبغي أن يكون وسيلة تلقائية للإفلات من المسؤولية عن الجرائم الدولية الخطيرة. وفي المقابل، فإن المحاكمات الشاملة والفورية لجميع القادة قد تجعل التفاوض أكثر صعوبة في أثناء الحرب. لذلك يبرز التحدي بين مبدأ «لا سلام بلا عدالة» ومخاوف أن يؤدي تطبيق العدالة بصورة غير مدروسة إلى إطالة الحرب.
ويمثل إصلاح القطاع الأمني ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج الأداتين المؤسسيتين الرئيسيتين للتعامل مع الإرث العسكري للحرب. فالهدف النهائي ينبغي أن يكون جيشاً وطنياً مهنياً واحداً يخضع للسلطة المدنية، مع إنهاء وجود الجيوش والقوات الموازية. لكن تنفيذ ذلك يتطلب معالجة ليس فقط قوات الدعم السريع، وإنما العدد الكبير من الحركات المسلحة والتشكيلات التي ظهرت أو توسعت خلال الحرب وانضمت إلى أحد طرفيها.
عند وقف إطلاق النار، يرى المقال أن مصير القادة سيدخل أكثر مراحله حساسية. فقد طرحت مبادرات دولية ترتيبات تتدرج من هدنة إنسانية إلى وقف دائم لإطلاق النار، ثم انتقال سياسي مدني وإعادة إعمار. غير أن الخلاف حول انسحاب الدعم السريع يمثل العقدة الرئيسية. فالجيش يريد انسحاباً كاملاً من المدن والمناطق التي سيطر عليها الدعم السريع، بينما تسمح بعض المقترحات الدولية بوقف إطلاق النار مع بقاء القوات مؤقتاً في مواقعها والتفاوض لاحقاً على الترتيبات الأمنية. ويعكس هذا الخلاف اختلافاً جوهرياً في تصور الطرفين لمعنى وقف الحرب: بالنسبة للجيش، لا ينبغي أن يتحول وقف إطلاق النار إلى تثبيت للانقسام العسكري والجغرافي؛ وبالنسبة للدعم السريع، فإن الاحتفاظ بمواقع تفاوضية وقوة عسكرية يمكن أن يكون ضرورياً لضمان مستقبل سياسي وأمني.
ويحدد المقال ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمصير القادة عند وقف إطلاق النار. السيناريو الأول هو الانسحاب الكامل للدعم السريع مقابل مخرج آمن وامتيازات أو ضمانات للقيادة، مع نزع السلاح والتسريح تحت رقابة دولية. ويبدو هذا السيناريو جذاباً من زاوية إنهاء الحرب، لكنه يصطدم برفض حميدتي التخلي عن موارده وقوته، وبالمعارضة الشعبية والحقوقية لمنح عفو غير مشروط لقادة متهمين بجرائم خطيرة. السيناريو الثاني هو وقف إطلاق النار مع بقاء قوات الدعم السريع في مواقعها مؤقتاً، وتأجيل الحسم النهائي لمستقبلها إلى مرحلة لاحقة. وهذا الخيار أكثر قابلية للتفاوض لكنه يحمل خطر تحويل خطوط القتال إلى حدود فعلية بين مناطق نفوذ متنافسة. أما السيناريو الثالث فهو انهيار وقف إطلاق النار واستمرار الحرب، وهو السيناريو الأكثر خطورة لأنه قد يؤدي إلى مزيد من التفكك العسكري والمؤسسي، وربما إلى انقسام دائم للدولة.
وتشكل انشقاقات قادة الدعم السريع عاملاً مهماً في هذه المرحلة. فقد شهدت الحرب انتقال عدد من القادة والوحدات من الدعم السريع إلى الجيش، وهو ما يشير إلى تراجع التماسك الداخلي للقوة. ويستفيد البرهان من هذه الانشقاقات لتقوية الجيش وإضعاف حميدتي، إلا أن المقال يلفت إلى خطر تحويل الانشقاق إلى وسيلة للإفلات من المساءلة. فاستيعاب القادة العسكريين السابقين دون فحص مسؤولياتهم عن الانتهاكات قد ينقل المشكلة من قوة مسلحة إلى أخرى بدلاً من حلها.
في الفترة الانتقالية التي تلي وقف إطلاق النار، تصبح القضية أكثر تعقيداً، لأن السودان سيحتاج إلى تحديد مدة الانتقال، وطبيعة السلطة المدنية والعسكرية، ومصير القادة، وجدول إصلاح المؤسسات الأمنية، وآليات العدالة والانتخابات. ويعرض المقال تبايناً كبيراً بين رؤى تدعو إلى انتقال قصير لا يتجاوز تسعة أشهر، ورؤى تقترح ثلاث سنوات، ومقترحات عسكرية قد تمتد إلى خمس سنوات. ويعتبر المقال أن الخلاف في المدد يخفي خلافاً أعمق حول من يملك السلطة أثناء الانتقال وما إذا كان الانتقال سيكون مدنياً فعلاً أم سيعيد إنتاج الحكم العسكري.
ويطرح المقال ثلاثة خيارات رئيسية لمصير البرهان وحميدتي خلال الفترة الانتقالية. الخيار الأول هو إحالة القائدين إلى التقاعد وتشكيل قيادة عسكرية جديدة ومحايدة، وهو الخيار الأكثر وضوحاً من ناحية كسر إرث القيادة التي قادت الحرب، لكنه يواجه صعوبة عملية تتمثل في قدرة القادة على التحكم في ولاءات قواتهم وفي خطر حدوث انشقاقات أو انقلابات إذا تمت الإطاحة بهم دون ترتيبات تضمن السيطرة المؤسسية. الخيار الثاني هو دمج قوات الدعم السريع في الجيش مع احتفاظ قادتها بمواقع قيادية لفترة انتقالية، وهو حل قد يسهل الوصول إلى اتفاق ولكنه يخاطر بإعادة إنتاج الانقسام داخل المؤسسة العسكرية نفسها. الخيار الثالث هو بقاء البرهان في موقع رئاسة الدولة خلال الانتقال مع تشكيل حكومة مدنية، وهو أكثر انسجاماً مع استمرار نفوذ الجيش لكنه يثير مخاوف جدية من إعادة إنتاج النظام العسكري تحت غطاء حكومة مدنية.
وتشكل العدالة الانتقالية الاختبار الأصعب خلال المرحلة الانتقالية. ويمكن أن تشمل محاكم خاصة، ولجان تقصي حقائق، وبرامج لتعويض الضحايا، وإصلاح المؤسسات، وتسليم بعض المطلوبين إلى آليات العدالة الدولية. لكن الحكم على حميدتي بالإعدام يجسد بصورة واضحة الصراع بين مقتضيات السلام ومقتضيات العدالة. فالتسوية السياسية تحتاج أحياناً إلى تقديم حوافز للقادة لإنهاء الحرب، بينما تحتاج الدولة الجديدة إلى منع الإفلات من العقاب. ويقترح المقال تجاوز الثنائية الجامدة بين العفو الشامل والمحاكمة الشاملة من خلال عدالة متدرجة ومتمايزة تفرق بين درجات المسؤولية وأنواع الجرائم.
وفي مجال إصلاح القطاع الأمني، يشدد المقال على أن دمج الدعم السريع ليس عملية إدارية بسيطة. فالدمج يتطلب أولاً وقفاً مستقراً لإطلاق النار، ثم حصر القوات والأسلحة، ونزع السلاح، والتسريح، وإعادة الإدماج، وإعادة هيكلة القيادة، والتدقيق في أفراد القوات، وإعادة توزيع الموارد، وإخضاع المؤسسة العسكرية لرقابة مدنية. كما يجب التعامل مع القوات الأخرى التي قاتلت إلى جانب الجيش أو الدعم السريع. ويزيد من صعوبة العملية وجود انعدام ثقة عميق بين الأطراف، وتباين كبير في تصورات مدة الدمج، وارتباط القوات بمصالح اقتصادية وشبكات موارد.
وعند الانتقال إلى الانتخابات، يوضح المقال أن الانتخابات ليست مجرد موعد دستوري، وإنما نتيجة لعملية طويلة من إعادة بناء الدولة والأمن والشرعية والمؤسسات. فإجراء انتخابات سريعة في ظل النزوح الجماعي، وانعدام الأمن، وغياب دستور دائم، وضعف مؤسسات الدولة وتدمير الخدمات الأساسية قد يؤدي إلى انتخابات غير شاملة وغير شرعية، وربما إلى إعادة إنتاج الصراع. لذلك يجب أن تكون الانتخابات نهاية عملية انتقال مؤسسي وليس وسيلة لإنهائها شكلياً.
ويعرض المقال ثلاثة خيارات لمشاركة قادة الحرب في الانتخابات. الخيار الأول هو منع قادة الحرب والجماعات المتورطة في الفظائع من الترشح، استناداً إلى مبادئ العدالة الانتقالية وحماية النظام الديمقراطي. ويتميز هذا الخيار بقدرته على منع تحويل القوة العسكرية إلى سلطة انتخابية، لكنه قد يدفع القادة إلى رفض العملية السياسية والعودة إلى الحرب إذا لم تتوافر لهم ضمانات كافية. الخيار الثاني هو السماح لهم بالترشح بشروط صارمة، مثل التعاون مع آليات الحقيقة والعدالة والاعتراف بالمسؤولية، إلا أن هذا الخيار يثير مشكلة أخلاقية وسياسية تتمثل في إمكانية تحويل الجرائم أو القوة العسكرية إلى رصيد انتخابي. أما الخيار الثالث فهو تشكيل حكومة وحدة وطنية تؤجل الانتخابات وتضم مختلف الأطراف، لكنه يحمل خطر إعادة إنتاج تقاسم السلطة بين النخب المسلحة على حساب الديمقراطية والمساءلة.
ويشير المقال إلى أن إعادة هيكلة القيادة العسكرية ينبغي أن تسبق الانتخابات أو تتزامن معها، لأن استمرار قادة الحرب في السيطرة المباشرة على المؤسسات الأمنية قد يسمح لهم بالتأثير على العملية الانتخابية أو تعطيل نتائجها. ولذلك فإن إحالة القيادات الحالية إلى التقاعد، وبناء قيادة مهنية جديدة، وإخضاع الجيش للسلطة المدنية، تمثل شروطاً أساسية لمنع عودة الانقلابات.
وتواجه الترتيبات الانتقالية مجموعة من العوائق البنيوية. أولها انعدام الثقة العميق بين الجيش والدعم السريع، الذي أدى إلى انهيار أو تعثر مبادرات وقف إطلاق النار السابقة وأضعف آليات الوساطة. وثانيها التدخلات الإقليمية والدولية وتضارب مصالح القوى الخارجية، إذ يرتبط كل طرف بشبكات دعم خارجية مختلفة، الأمر الذي يحول الحرب السودانية إلى جزء من تنافس إقليمي أوسع. وثالثها الاقتصاد السياسي للحرب، حيث توفر الموارد الطبيعية والذهب والتجارة غير الرسمية مصدراً لتمويل القوات، مما يجعل استمرار الحرب مربحاً لبعض شبكات النخبة حتى عندما يكون مدمراً للمجتمع. ورابعها الانقسامات الداخلية، إذ لا يمثل أي من البرهان أو حميدتي كتلة موحدة تماماً؛ فهناك تيارات متنافسة داخل الجيش نفسه، كما أن الدعم السريع يشهد انشقاقات وتحولات في الولاءات.
ويقترح المقال مجموعة من التوصيات العملية. أولها اعتماد عدالة انتقالية تدريجية تجمع بين كشف الحقيقة والمساءلة والتعويض، بحيث تبدأ بآليات غير قضائية واسعة النطاق ثم تنتقل إلى الملاحقات القضائية للقادة المسؤولين عن الجرائم الأشد خطورة. والهدف هو منع العفو الشامل من تكريس الإفلات من العقاب، وفي الوقت نفسه عدم جعل العدالة أداة تعطل إنهاء الحرب.
وثانيها ربط إصلاح القطاع الأمني بإصلاح اقتصادي شامل. فلا يكفي دمج المقاتلين إذا ظلت شبكات الذهب والمعابر والتجارة والموارد تحت سيطرة القيادات العسكرية أو الفصائل المسلحة. ولذلك يجب استعادة سيطرة الدولة على الموارد، وإنشاء مؤسسات وطنية شفافة لإدارتها، وقطع مصادر تمويل الحرب.
وثالثها إنشاء آلية مشتركة وطنية ودولية للإشراف على تنفيذ الاتفاق، تجمع الحكومة السودانية والأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، بحيث تراقب وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات، ونزع السلاح، والدمج، والانتقال السياسي، وتقدم تقارير دورية عن الالتزام.
ورابعها وضع جدول زمني واضح وملزم للانتقال، على ألا يتحول تمديد المراحل الانتقالية إلى وسيلة لإعادة إنتاج الحكم العسكري. ويقترح المقال ألا تتجاوز الفترة الانتقالية 36 شهراً، مع تحديد مؤشرات قابلة للرصد لكل مرحلة، وربط الانتخابات بإنجاز الحد الأدنى من الإصلاحات الأمنية والدستورية والمؤسسية.
وخامسها توفير مخرج آمن ومشروط للقادة المتورطين في الانتهاكات، بحيث يشمل التقاعد والضمانات المحدودة والتعاون مع آليات كشف الحقيقة والاعتراف بالمسؤولية والمساهمة في تعويض الضحايا، مع استثناء الجرائم الأكثر خطورة، مثل الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب الجسيمة، من أي حصانة سياسية عامة. وبذلك يصبح «المخرج الآمن» وسيلة لإنهاء الحرب وليس آلية للإفلات من العقاب.
ويخلص المقال إلى أن مصير البرهان وحميدتي لا يمكن اختزاله في سؤال شخصي حول مستقبل رجلين، لأنهما يمثلان شبكات عسكرية واقتصادية وقبلية وسياسية واسعة. كما أن الحرب نفسها غيّرت بنية القوى المسلحة بصورة جعلت إعادة بناء جيش وطني موحد أكثر صعوبة مما كانت عليه قبل أبريل 2023. فقد أدى الصراع الذي بدأ بسبب خلاف حول دمج قوة مسلحة موازية إلى إنتاج عدد أكبر من التشكيلات المسلحة والتحالفات المتنافسة، وهو ما يجعل السلام الحقيقي بحاجة إلى إعادة بناء شاملة لمؤسسات الدولة وليس مجرد اتفاق بين القيادات.
ويؤكد الاستنتاج المركزي أن أي تسوية مستدامة يجب أن تحقق توازناً دقيقاً بين السلام والعدالة والاستقرار والديمقراطية. فالعفو الشامل عن قادة الحرب قد يوقف القتال مؤقتاً لكنه يكرس ثقافة الإفلات من العقاب ويترك أسباب الصراع قائمة، بينما قد تؤدي المحاكمات الفورية والشاملة لكل القادة إلى دفع بعض الأطراف إلى مواصلة الحرب خوفاً من فقدان حياتهم أو حريتهم. ولذلك فإن البديل الأكثر واقعية هو عدالة انتقالية متدرجة ومشروطة، وإصلاح مؤسسي عميق، وإعادة هيكلة القيادة العسكرية، وإنشاء جيش وطني مهني موحد، وتفكيك الاقتصاد العسكري، وإقامة سلطة مدنية ديمقراطية قادرة على فرض سيادة القانون.
ويظل نجاح هذا المسار مرهوناً بعوامل تتجاوز إرادة البرهان وحميدتي، وفي مقدمتها وقف الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة، وتوحيد جهود الوساطة الدولية والإقليمية، وتوفير التمويل لإعادة الإعمار، وبناء قيادة مدنية قادرة على إدارة مرحلة ما بعد الحرب، واستعادة ثقة المواطنين في الدولة. كما أن معالجة قضية القادة العسكريين يجب ألا تتم بمعزل عن ملايين النازحين والضحايا، لأن أي تسوية لا تعالج حقوق المتضررين ستظل عرضة للانهيار.
وفي المحصلة، يمثل مصير قادة الجيش والدعم السريع اختباراً تاريخياً لقدرة السودان على الخروج من دورة الحرب والانقلاب والإفلات من العقاب. فالهدف النهائي ليس فقط تحديد ما إذا كان البرهان أو حميدتي سيبقى في السلطة أو يخرج منها، وإنما بناء نظام سياسي لا يستطيع فيه أي قائد عسكري أو قوة مسلحة إنشاء دولة موازية أو استخدام السلاح والموارد الاقتصادية لفرض موقع سياسي. والسلام المستدام يتطلب الانتقال من منطق تقاسم السلطة بين النخب المسلحة إلى منطق بناء الدولة والمواطنة والمؤسسات الخاضعة للمساءلة. ومع استمرار النزوح والجوع والانهيار الاقتصادي والخدمي، فإن الفشل في حل معضلة القادة العسكريين وإعادة بناء المؤسسات الأمنية والسياسية لن يعني مجرد تأجيل الديمقراطية، بل قد يؤدي إلى استمرار تفكك الدولة وإعادة إنتاج الحرب بأشكال جديدة. ومن ثم فإن القضية الحقيقية في سودان ما بعد الحرب ليست فقط «ماذا سيحدث للبرهان وحميدتي؟»، وإنما «كيف يستطيع السودان أن يمنع تكرار نموذج البرهان وحميدتي، أياً كانت أسماء القادة الجدد، وأن يؤسس دولة مدنية ديمقراطية تحتكر القوة بالقانون وتخضع مؤسساتها العسكرية والسياسية والاقتصادية للمساءلة؟».
النص الكامل للمقال
مقدمة تحليلية
في 15 أبريل 2023، انفجر الخلاف بين القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) إلى حرب مفتوحة، محولةً الخلاف حول دمج قوات الدعم السريع في الجيش إلى نزاع دموي. بعد أكثر من ثلاث سنوات، لم يعد النزاع مجرد صراع ثنائي بين جيش وميليشيا، بل تحول إلى فسيفساء معقدة من التحالفات القبلية والإقليمية والأيديولوجية. تشير تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية الأفريقية إلى أن نحو 150 مجموعة مسلحة وميليشيا تعمل عبر ساحات النزاع (Africa Center for Strategic Studies, 2026). ومع استعادة الجيش للخرطوم ومعظم شمال وشرق ووسط السودان، بينما تسيطر قوات الدعم السريع على دارفور وأجزاء من كردفان والنيل الأزرق، أصبحت مفاوضات السلام التي تتعامل مع الصراع وكأنه ثنائي بين البرهان وحميدتي غير مناسبة للواقع الجديد (AllAfrica, 2026). فكل من البرهان وحميدتي لم يعد يمثل قوة متماسكة، بل ائتلافاً فضفاضاً من فصائل مسلحة وقبلية وإيديولوجية. إن مصير هذين القائدين، والشبكات المعقدة التي يمثلانها، يشكل جوهر أي تسوية مستقبلية. وقد تجاوزت الحرب حدودها الزمنية لتقترب من يومها الألف في يناير 2026 (Daily Sabah, 2026)، وتسببت في نزوح نحو 14 مليون شخص، بينما يواجه نحو 33.7 مليون شخص، أي حوالي ثلثي سكان السودان، احتياجاً إنسانياً عاجلاً في عام 2026 (UN, 2026).
الخلفية التاريخية وجذور الصراع: من ميليشيات الجنجويد إلى إمبراطورية موازية للدولة
لفهم مصالح ومخاوف قادة الطرفين المتحاربين، لا بد من استيعاب السياق التاريخي الذي أنتج هذا الصراع. تطورت قوات الدعم السريع رسمياً في عام 2013 في عهد الرئيس السابق عمر البشير، كتطوير لميليشيات الجنجويد التي استخدمت لقمع التمرد في دارفور، حيث ارتكبت فظائع واسعة النطاق ضد المدنيين. تحت قيادة حميدتي، الذي ينتمي إلى قبيلة الرزيقات العربية، حصلت هذه القوات على اعتراف قانوني رسمي واستقلال مالي، مما مكّنها من بناء قاعدة اقتصادية مترامية الأطراف، شملت السيطرة على مناجم الذهب في دارفور، والمعابر الحدودية مع تشاد وليبيا وجنوب السودان، وشبكات التجارة غير الرسمية في المنطقة. وقد لاحظ المحللون أن حميدتي تسلل إلى صدارة المشهد السياسي عبر ثغرة أمنية، إذ نجح في فرض نفسه عضواً في مجلس السيادة الانتقالي نائباً لرئيس المجلس البرهان، وذلك في غضون سبع سنوات فقط من الإطاحة بالبشير في 2019 (الجزيرة نت، 2026).
بعد الإطاحة بالبشير في 11 أبريل 2019، إثر احتجاجات شعبية واسعة، تشكل المجلس العسكري الانتقالي برئاسة البرهان ونائبه حميدتي. وفي 17 أغسطس 2019، وقع المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير اتفاقاً لتقاسم السلطة، تشكل بموجبه مجلس سيادة انتقالي يتألف من ستة مدنيين وخمسة عسكريين، مع رئاسة عسكرية للـ21 شهراً الأولى تتبعها رئاسة مدنية للـ18 شهراً المتبقية (Reuters, 2019). غير أن هذا التحالف الهش انهار في 25 أكتوبر 2021، عندما نفذ الجيش والدعم السريع انقلاباً عسكرياً مشتركاً. وقد أشار تقرير لمعهد أصفري إلى أن هذه الفترة الانتقالية تميزت بترتيب لتقاسم السلطة بين طرفين رئيسيين، لكن قوات الدعم السريع ظلت قوة موازية للجيش (Asfari Institute, 2026). وكانت شرارة الحرب المباشرة هي الخلاف حول خطط دمج قوات الدعم السريع في القوات المسلحة السودانية، كجزء من العودة إلى المسار الديمقراطي. وقد نصت مسودة الاتفاق الإطاري التي تم التفاوض عليها في ديسمبر 2022 على دمج قوات الدعم السريع في الجيش خلال فترة انتقالية، لكن الخلاف حول الجدول الزمني للدمج كان عصب الأزمة؛ إذ أراد الجيش فترة سنتين، بينما طالبت قوات الدعم السريع بعشر سنوات (Rasanah, 2026). وهذا الخلاف لم يكن تقنياً بحتاً، بل كان وجودياً؛ فقوات الدعم السريع لم تكن مجرد تشكيل عسكري، بل كانت إمبراطورية اقتصادية مترامية الأطراف.
تحليل لمصالح ومخاوف قيادة الجيش السوداني (البرهان)
يمثل الفريق أول عبد الفتاح البرهان المؤسسة العسكرية التقليدية التي تعتبر نفسها الحارس الشرعي للدولة السودانية. غير أن موقفه اليوم أكثر تعقيداً مما كان عليه في أبريل 2023، إذ يقود ائتلافاً فضفاضاً يضم، إلى جانب الجيش النظامي، حركات دارفورية مرتبطة بمني مناوي وجبريل إبراهيم، وشبكات مسلحة مرتبطة بالنظام السابق، وقوات قبلية، وتشكيلات تعبئة شعبية (AllAfrica, 2026). وقد سعى البرهان إلى مركزة هذا الائتلاف عبر مرسوم أصدره في 2025 يضع جميع التشكيلات المتحالفة تحت القيادة العسكرية (Reuters, 2025). وقد أجرى البرهان تغييرات هي الثالثة من نوعها في قيادة الجيش منذ اندلاع الحرب، بهدف ضخ قيادة جديدة وشد الهياكل القيادية (الاستقلال، 2026). تتلخص مصالحه الأساسية في ثلاثة أبعاد مترابطة:
أولاً: الحفاظ على وحدة المؤسسة العسكرية وسيطرتها وإعادة احتكار الدولة للعنف. يرى البرهان أن وجود قوة موازية للجيش يشكل تهديداً وجودياً للدولة. وقد اشترط الجيش في ردّه على المقترح الأميركي لوقف إطلاق النار أن تنسحب قوات الدعم السريع من جميع المدن التي سيطرت عليها منذ 11 مايو 2023، كشرط مسبق لأي هدنة (Reuters, 2026). كما رفض الجيش في يناير 2026 أي تسوية سياسية تتضمن إعادة دمج قوات الدعم السريع. وقد تعهد رئيس أركان القوات المسلحة، الفريق ياسر العطا، بالقضاء على قوات الدعم السريع بحلول نهاية عام 2026 (Reuters, 2026). وقد صرّح البرهان بأن الجيش يخوض “حرب الكرامة” (Aawsat, 2026)، وأكد أن استمرار الحرب هو الخيار الوحيد لاستعادة الدولة (The National, 2026).
ثانياً: منع إعادة تأهيل قوات الدعم السريع سياسياً وإجهاض أي دور مستقبلي لها. يواجه البرهان ضغوطاً من قطاعات واسعة من المجتمع السوداني، وخصوصاً النازحين والضحايا في دارفور، تطالب بعدم منح قوات الدعم السريع أي شرعية سياسية. وقد أصدرت محكمة سودانية في 13 يوليو 2026 حكماً بالإعدام غيابياً بحق حميدتي و15 من كبار قادته، بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية مرتبطة بفظائع في غرب دارفور، مع أمر بمصادرة أصول الدعم السريع وإصدار نشرات حمراء من الإنتربول (BBC, 2026). وقد تركزت المحاكمة على الفظائع المرتكبة في مدينة الجنينة، عاصمة ولاية غرب دارفور (BBC, 2026). ورغم أن هذا الحكم رمزي إلى حد كبير، إلا أنه يمنح حكومة البرهان زخماً قانونياً وسياسياً. وقد وصف تحالف “تأسيس” الذي يضم قوات الدعم السريع المحاكمة بأنها “محاكمة صورية” (BBC, 2026).
ثالثاً: تأمين مخرج آمن للقيادة العسكرية من خلال صياغة فترة انتقالية تضمن الحفاظ على النفوذ. يدرك البرهان أن استمرارهم في الحكم بعد الحرب سيكون موضع تساؤل، لذلك يسعون إلى ترتيبات تضمن مخرجا آمناً. وقد أشار البرهان إلى استعداده لمنح العفو لمن ينضمون إلى الجيش (سودان تربيون، 2026). وقد رحب علناً بانضمام قادة منشقين عن الدعم السريع، مثل اللواء النور أحمد آدم (النور القبة) الذي انضم للجيش في أبريل 2026 (The Majalla, 2026). ويؤكد البرهان التزامه بإجراء الانتخابات بنهاية الفترة الانتقالية وخروج الجيش من العملية السياسية (الأناضول، 2026). ومع ذلك، كشفت وثيقة مسربة عن خطة للبرهان لإدارة البلاد من خلال حكومة عسكرية لمدة خمس سنوات (African News Agency, 2026).
تحليل لمصالح ومخاوف قيادة قوات الدعم السريع (حميدتي)
يمثل محمد حمدان دقلو (حميدتي) نموذجاً فريداً للقائد العسكري-الاقتصادي-السياسي الذي بنى إمبراطورية موازية للدولة. غير أن موقفه اليوم، لم يعد يمثل قوة متماسكة، بل ائتلافاً فضفاضاً يضم، إلى جانب تنظيم الدعم السريع الأساسي، قوى قبلية وإقليمية حليفة، وانضم إليه عبد العزيز الحلو من الحركة الشعبية لتحرير السودان-الشمال (SPLM-N) الذي عُين نائباً لرئيس المجلس الرئاسي في الحكومة الموازية التي أعلنها تحالف “تأسيس” في يوليو 2025 (Reuters, 2025). وقد أنشأت قوات الدعم السريع حكومة بديلة في يوليو 2025، مع مجلس رئاسي برئاسة حميدتي والسياسي المدني محمد حسن التعايشي رئيساً للوزراء (Freedom House, 2026). وقد واجهت هذه الحكومة الموازية صعوبات في الحصول على اعتراف دولي (Africa Confidential, 2026). تتلخص مصالح حميدتي في ثلاثة أبعاد مترابطة:
أولاً: البقاء السياسي والسلامة الشخصية في مواجهة تهديدات وجودية متزايدة. يمثل وقف إطلاق النار تهديداً وجودياً لحميدتي، إذ سيُفتح الباب أمام مساءلة قانونية محتملة عن جرائم الحرب. وقد زادت حدة هذا التهديد بعد حكم الإعدام الغيابي الصادر بحقه في يوليو 2026. وقد أعلن المدعي العام المساعد للمحكمة الجنائية الدولية في وقت سابق من يوليو 2026 أن المحكمة تملك “أدلة ملموسة” تربط قادة قوات الدعم السريع بجرائم حرب (BBC, 2026). لذلك يسعى حميدتي إلى استخدام القوة العسكرية كورقة تفاوضية لضمان مخرج آمن. وقد أظهر حميدتي انفتاحاً أكبر على المفاوضات مقارنة بالبرهان، حيث رحب في يونيو 2026 بالمقترح الأميركي لوقف إطلاق النار (Africa Confidential, 2026). غير أن موقفه هذا يُشتبه على نطاق واسع بأنه مدفوع برغبة في اكتساب الشرعية (ذا ناشيونال، 2026). وفي مايو 2026، كشف قائد منشق عن الدعم السريع، علي السافنا، أن حميدتي اعترف له بأن الحرب “خرجت من يده” (الجزيرة نت، 2026).
ثانياً: الحفاظ على القاعدة الاقتصادية التي تمول قدراته العسكرية والسياسية. سيطرت قوات الدعم السريع على مناطق غنية بالموارد، خصوصاً في دارفور وكردفان، بما في ذلك مناجم الذهب والطرق التجارية والمعابر الحدودية. وقد أشار تقرير لمكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلى أن عائدات الذهب والصمغ العربي تشكل “مصدراً رئيسياً للإيرادات” لكل من الجيش وقوات الدعم السريع (OHCHR, 2026). وتسيطر قوات الدعم السريع على معظم حقول الذهب في دارفور وكردفان، بينما يشرف الجيش على الإنتاج في المناطق الشمالية والشرقية (EU, 2026). وقد قدّرت تقديرات أن ما بين 50% و80% من إنتاج السودان من الذهب يتم تهريبه عبر الدول المجاورة (EU, 2026). وقد صادرت قوات الدعم السريع أكثر من 1.3 طن من الذهب غير المكرر في بداية النزاع (IPS, 2026). وقد فرض الاتحاد الأوروبي في يوليو 2026 حظراً على استيراد الذهب السوداني (EU, 2026)، كما فرضت المملكة المتحدة عقوبات على شبكات الذهب غير المشروعة (UK Government, 2026).
ثالثاً: تجنب الذوبان في الجيش والحفاظ على كيان قواته كقوة مستقلة. كان الخلاف حول دمج الدعم السريع هو السبب المباشر للحرب. لذلك يسعى حميدتي إلى أي ترتيب يحافظ على كيان قواته، أو على الأقل يضمن لقيادته مواقع متقدمة في المؤسسة العسكرية الموحدة. وقد طرح تحالف “تأسيس” رؤية سياسية تتضمن إعادة بناء مؤسسات الدولة على “أسس جديدة” وإنشاء جيش وطني جديد. غير أن هذا الطرح يواجه رفضاً قاطعاً من الجيش. وقد صرّح حميدتي في خطاب له بأنه لن يسمح بتقسيم السودان (Aawsat, 2026).
إطار نظري متكامل للتعامل مع مصير القادة العسكريين في مرحلة ما بعد النزاع
تشير الأدبيات الأكاديمية في مجال حل النزاعات إلى أن إنهاء الحروب الأهلية يتطلب معالجة “دوافع العنف” الأساسية. فوفقاً لنموذج “تحول الصراع” الذي طوّره كل من ليدركاخ (Lederlach, 2003) وميال (Miall, 2004)، فإن التحول المستدام يتطلب إعادة هيكلة العلاقات بين الأطراف المتنازعة، ومعالجة جذور الظلم الهيكلي. في السياق السوداني، يعني ذلك أن مصير قادة الجيش والدعم السريع لا يمكن فصله عن إعادة هيكلة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والدولة والمجتمع، وعن تفكيك الاقتصاد السياسي للحرب. وقد أشار تحليل معهد أصفري إلى أن الفترة الانتقالية الهشة التي أعقبت 2019 فشلت في معالجة جذور الصراع (Asfari Institute, 2026).
تمثل العدالة الانتقالية إطاراً حاسماً للتعامل مع قادة الأطراف المتحاربة، إذ تجمع بين آليات قضائية وغير قضائية بهدف معالجة انتهاكات الماضي وبناء السلام. وقد شددت منظمة هيومن رايتس ووتش على أن “المسؤولين عن جرائم دولية خطيرة لا يحصلون على إعفاء إذا غيروا جانبهم”، ودعت الجيش إلى ضمان محاسبة قادة الدعم السريع المنشقين (Human Rights Watch, 2026). وقد أكدت الدول الأفريقية الثلاث في بيان مشترك أمام مجلس الأمن أن “العدالة والمساءلة تظلان أساسيتين لتعزيز السلام والاستقرار في السودان” (A3, 2026). وفي مايو 2026، أكد رئيس الوزراء كامل إدريس تصميم حكومته على فتح ملف العدالة الانتقالية (العربية، 2026).
يمثل إصلاح القطاع الأمني (SSR) وبرامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (DDR) الأدوات الأساسية لمعالجة مسألة القادة. وقد أشارت مقترحات أميركية إلى أن الترتيبات الأمنية اللاحقة لوقف إطلاق النار يجب أن تشمل انسحاب قوات الدعم السريع ونزع سلاحها وتسريحها وإعادة دمج أفرادها تحت إشراف الأمم المتحدة (Reuters, 2026). وقد أعلن نائب القائد العام، الفريق ياسر العطا، في مارس 2026 عن بدء عملية دمج جميع القوات غير النظامية التي قاتلت إلى جانب الجيش في مؤسسات الدولة الأمنية (سودان تربيون، 2026).
الفصل الأول: مصير قادة الجيش والدعم السريع عند وقف إطلاق النار
يمثل وقف إطلاق النار المرحلة الأكثر حساسية. وقد طرحت الولايات المتحدة في منتصف عام 2026 مقترحاً من خمس نقاط يتضمن هدنة إنسانية فورية، وضمان وصول المساعدات، ووقفاً دائماً لإطلاق النار، وعملية انتقال سياسي بقيادة مدنية، وخطة للتعافي وإعادة الإعمار (The New Arab, 2026). وقد نص المقترح على هدنة إنسانية لمدة 90 يوماً، وآلية بقيادة الأمم المتحدة لدعم عمليات انسحاب محدودة للدعم السريع (Reuters, 2026; Aawsat, 2026). وقد سيطرت قوات الدعم السريع على الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، بعد حصار دام عامين في يونيو 2026 (Africa Confidential, 2026).
وقد قبلت الحكومة السودانية بقيادة الجيش معظم البنود لكنها اعترضت على الانسحاب المحدود، واشترطت أن تنسحب قوات الدعم السريع من جميع المدن التي سيطرت عليها منذ 11 مايو 2023 (Reuters, 2026). وقد وثقت وثيقة حكومية موافقة الخرطوم على العديد من المبادئ الرئيسية، بما في ذلك تشكيل لجنة تنسيق بقيادة أمريكية تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية (Aawsat, 2026). غير أن البرهان ظل متشدداً، حيث صرّح بأن الخرطوم ستقبل فقط مقترحات تضمن الأمن والاستقرار (AA, 2026). وقد تعرضت جهود الوساطة للشلل بسبب التنافس بين أعضاء “الرباعية” (مصر، الإمارات، الولايات المتحدة، السعودية)، حيث اتهم البرهان الإمارات بدعم قوات الدعم السريع (Daily Sabah, 2026).
خيارات مصير القادة عند وقف إطلاق النار:
الخيار الأول: الانسحاب الكامل والمخرج الآمن. في هذا السيناريو، توافق قوات الدعم السريع على الانسحاب مقابل ضمانات أمنية للقيادة، تشمل العفو أو الحصانة. وقد أشارت تقارير إلى أن الجيش اشترط أن يتم الانسحاب ونزع السلاح والتسريح تحت إشراف الأمم المتحدة (الأناضول، 2026). غير أن هذا الخيار يواجه عقبات كبيرة، أبرزها رفض حميدتي التخلي عن قاعدته الاقتصادية، ورفض الجيش منح العفو لقادة متهمين بارتكاب جرائم حرب، خاصة بعد حكم الإعدام الصادر بحق حميدتي (BBC, 2026). وقد أشارت هيومن رايتس ووتش إلى أن منح إعفاء لقادة منشقين يشكل خطراً على العدالة (Human Rights Watch, 2026).
الخيار الثاني: وقف إطلاق النار مع بقاء قوات الدعم السريع في مواقعها. في هذا السيناريو، يتم الاتفاق على وقف إطلاق النار مع بقاء القوات في المدن التي تسيطر عليها، على أن يتم التفاوض على الترتيبات الأمنية النهائية لاحقاً. هذا هو النموذج الذي تفضله الولايات المتحدة (Aawsat, 2026). غير أن الجيش يرفض هذا الخيار، معتبراً أنه يكرس سيطرة الدعم السريع على مناطق استراتيجية. وقد أبدى حميدتي قبوله بالمقترح الأميركي، مما وضع البرهان تحت ضغط للقبول به (Africa Confidential, 2026).
الخيار الثالث: انهيار وقف إطلاق النار واستمرار الحرب. في هذا السيناريو، يفشل الطرفان في التوصل إلى اتفاق، وتستمر الحرب. وقد تعهد الفريق ياسر العطا بالقضاء على قوات الدعم السريع بحلول نهاية عام 2026 (Reuters, 2026). وقد دعا البابا ليون الرابع عشر في أغسطس 2026 إلى “وقف فوري لإطلاق النار” (The National, 2026). غير أن استمرار الحرب سيزيد من تعقيد مسألة مصير القادة، وقد يؤدي إلى انهيار الدولة بالكامل، أو انقسام على غرار النموذج الليبي (Africa Confidential, 2026; مركز المستقبل، 2026).
انشقاقات قادة الدعم السريع وتأثيرها على وقف إطلاق النار:
شهدت الفترة الأخيرة موجة من الانشقاقات، حيث انضم عدد من القادة البارزين إلى الجيش، بدءاً بأبو عاقلة كيكل في أواخر 2024، ثم انضم اللواء النور أحمد آدم (النور القبة) في أبريل 2026 على رأس قوة تضم أكثر من 40 مركبة قتالية (The Majalla, 2026; AA, 2026). وفي مايو 2026، أعلن العميد علي رزق الله (السافنا) انضمامه رسمياً إلى القوات المسلحة (SUNA, 2026). وفي يوليو 2026، استسلمت وحدة تابعة لـ”المجموعة 26″ للجيش (AA, 2026). وقد رحب البرهان بهذه الانشقاقات، لكن هيومن رايتس ووتش حذرت من منح إعفاء لهؤلاء القادة عن جرائمهم السابقة (Human Rights Watch, 2026). وقد أثار استقبال الجيش لهؤلاء القادة غضباً بين النازحين والضحايا في دارفور (U.S. News, 2026). وتشير هذه الانشقاقات إلى تآكل تماسك قوات الدعم السريع، مما قد يضعف موقف حميدتي التفاوضي.
الفصل الثاني: مصير قادة الجيش والدعم السريع أثناء الفترة الانتقالية
في حال التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، ستلي ذلك فترة انتقالية. وقد طرحت عدة رؤى لمدتها، تتراوح بين 9 أشهر و3 سنوات وحتى 5 سنوات في بعض المقترحات العسكرية. وقد نصت مقترحات تقاسم السلطة السابقة على نموذج مجلس سيادة من 11 عضواً (Reuters, 2019). وقد أشار رئيس الوزراء كامل إدريس إلى أن حكومته تستعد لإطلاق حوار وطني شامل كخطوة نحو انتخابات حرة (SANA, 2026). كما أعلن البرهان أن الانتخابات ستجري خلال فترة لا تتجاوز تسعة أشهر (News of Bahrain, 2026). غير أن الخلاف حول الجدول الزمني للدمج يعكس خلافاً أعمق؛ فقد طالب الجيش بستة أشهر، بينما قالت قوات الدعم السريع إن العملية ستستغرق أكثر من عقد (Rasanah, 2026). وقد كشفت وثيقة مسربة عن خطة للبرهان لحكم عسكري لمدة خمس سنوات انتقالية (African News Agency, 2026)، مما أثار مخاوف القوى المدنية (Guardian, 2026).
خيارات مصير القادة خلال الفترة الانتقالية:
الخيار الأول: إحالة القادة إلى التقاعد وتشكيل قيادة عسكرية جديدة. يتضمن هذا السيناريو إحالة البرهان وحميدتي إلى التقاعد، وتشكيل قيادة جديدة محايدة. وقد تضمنت بعض المبادرات “إحالة قائد القوات المسلحة الحالي وقائد قوات الدعم السريع الحالي إلى المعاش”. غير أن تنفيذ هذا البند يواجه تحديات كبيرة، أبرزها رفض القادة التنحي، وصعوبة ضمان ولاء القوات. وقد أشار رئيس الوزراء كامل إدريس إلى وجود انشقاقات داخل الجيش (New Age, 2026).
الخيار الثاني: تقاسم المناصب القيادية في الجيش الموحد. في هذا السيناريو، يتم دمج قوات الدعم السريع مع احتفاظ قادتها بمناصب قيادية متقدمة، مع جدول زمني للانسحاب التدريجي. وقد نصت بعض الاتفاقيات على أن قوات الدعم السريع ستخضع للقيادة العامة للقوات المسلحة (New Age, 2026). غير أن هذا السيناريو يخاطر بتكريس الانقسامات داخل المؤسسة العسكرية.
الخيار الثالث: بقاء البرهان رئيساً للدولة طوال الفترة الانتقالية. يطرح هذا السيناريو بقاء البرهان رئيساً لمجلس السيادة، مع تشكيل حكومة مدنية برئاسة رئيس وزراء مدني. وقد أشار البرهان إلى التزامه بإجراء الانتخابات (الأناضول، 2026). غير أن هذا الخيار يثير مخاوف القوى المدنية من تكريس الحكم العسكري، وقد دفع بعض القوى المدنية إلى ترشيح البرهان كمرشح مستقل للرئاسة (Sudan Horizon, 2026).
آليات العدالة الانتقالية ومصير القادة:
تشمل آليات العدالة الانتقالية المحتملة محكمة خاصة، ولجنة تقصي حقائق، وبرامج تعويض، وإصلاحات مؤسسية. وقد صرّح الناطق باسم حركة تحرير السودان بأن “مرحلة العدالة الانتقالية ستنطلق بعد انتهاء الحرب” (العربية، 2026). غير أن التحدي الأكبر يتمثل في التناقض الجوهري بين “لا سلام بدون عدالة” و”لا عدالة بدون سلام”. وقد أثار حكم الإعدام الصادر بحق حميدتي هذا التناقض بشكل حاد. وقد أشارت مشاورات البرهان إلى إمكانية إسقاط تهم عن قياديين معارضين (الجزيرة نت، 2026). وقد دعت منظمات حقوق الإنسان إلى محاكمة جميع مرتكبي الانتهاكات، وأشار ميثاق “نحو بناء دولة جديدة” إلى ضرورة تسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية (AllAfrica, 2026). وأكدت وزارة العدل السودانية حرصها على وضع رؤية لآليات العدالة الانتقالية (SUNA, 2026).
إصلاح القطاع الأمني ودمج القوات:
يمثل إصلاح القطاع الأمني ودمج قوات الدعم السريع أحد أهم التحديات. وقد نصت المقترحات الأميركية على تشكيل جيش وطني موحد مع ترتيبات لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (Reuters, 2026). وتتضمن الترتيبات انسحاب قوات الدعم السريع ونزع سلاحها تحت إشراف الأمم المتحدة (الأناضول، 2026). غير أن عملية الدمج تواجه تحديات: اختلاف الجدول الزمني (Rasanah, 2026)، وانعدام الثقة، ووجود نحو 150 مجموعة مسلحة أخرى (Africa Center for Strategic Studies, 2026)، والاقتصاد السياسي للحرب حيث تقدر قيمة الذهب المهرب سنوياً بين 9 و10 مليارات دولار (Deluair, 2026). وقد أشار الفريق ياسر العطا إلى بدء دمج القوات غير النظامية التي قاتلت إلى جانب الجيش (سودانايل، 2026)، مع اقتراح خطة وطنية لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (السودان اليوم، 2026).
الفصل الثالث: مصير قادة الجيش والدعم السريع في الانتخابات التالية للفترة الانتقالية
تتباين الرؤى حول موعد إجراء الانتخابات. ففي حين تدعو بعض المبادرات إلى فترة انتقالية قصيرة (9 أشهر)، تطرح رؤى أخرى فترة تمتد لثلاث سنوات، بل وخمس سنوات في بعض المقترحات العسكرية. وقد أعلن رئيس الوزراء كامل إدريس أن حكومته تستعد لإطلاق حوار وطني شامل (SANA, 2026). كما طرح حزب المؤتمر الشعبي رؤية انتقالية لمدة عام واحد (النيلي، 2026). وقد أعلن البرهان أن الانتخابات ستجري خلال فترة لا تتجاوز تسعة أشهر (News of Bahrain, 2026)، لكن وثيقة مسربة كشفت عن خطة لحكم عسكري لمدة خمس سنوات (African News Agency, 2026). وتواجه الانتخابات تحديات كبيرة: غياب دستور دائم، ونزوح نحو 14 مليون شخص، وانعدام الأمن في مناطق واسعة، وضعف المؤسسات، حيث دُمرت أو نُهبت معظم المستشفيات والمدارس (AllAfrica, 2026; Al Jazeera, 2026).
خيارات مشاركة القادة في الانتخابات:
الخيار الأول: استبعاد قادة الحرب من الترشح، استناداً إلى مبادئ العدالة الانتقالية. وقد دعت بعض المقترحات إلى “استبعاد الجماعات الإرهابية وعناصر الميليشيات التي ارتكبت فظائع” (Reuters, 2026). غير أن هذا الخيار يواجه رفض القادة، وقاعدتهم الشعبية، وضعف البدائل المدنية. وقد دفع بعض القوى المدنية إلى ترشيح البرهان كمرشح مستقل (Sudan Horizon, 2026).
الخيار الثاني: السماح للقادة بالترشح مع اشتراطات، مثل الاعتراف بالمسؤولية والتعاون مع آليات العدالة. غير أن هذا الخيار يثير إشكاليات أخلاقية وقانونية، إذ قد يكافأ من ارتكبوا جرائم حرب بالوصول إلى السلطة. وتشير تجارب مقارنة، مثل تجربة ليبيريا، إلى أن استبعاد قادة الميليشيات قد يكون ضرورياً، لكنه قد يدفعهم إلى العودة للعنف (Manning & Themnér, 2025).
الخيار الثالث: تشكيل حكومة وحدة وطنية دون انتخابات فورية، تضم جميع الأطراف. وقد طرح تحالف “تأسيس” رؤية تتضمن إعادة بناء الدولة على “أسس جديدة”. غير أن هذا الخيار يخاطر بتكريس تقاسم السلطة بين النخب على حساب الديمقراطية.
إعادة هيكلة القيادة العسكرية قبل الانتخابات:
من المرجح أن تسبق الانتخابات عملية إعادة هيكلة للقيادة العسكرية، تشمل إحالة القادة الحاليين إلى التقاعد. وقد تضمنت بعض المبادرات “إحالة قائد القوات المسلحة الحالي وقائد قوات الدعم السريع الحالي إلى المعاش”. غير أن تنفيذ هذا البند يواجه رفض القادة التنحي، وخطر الانقلابات. وقد أشار البرهان إلى التزامه بإجراء الانتخابات (الأناضول، 2026)، لكن هذا الالتزام قد لا يكون كافياً. وقد أجرى البرهان تغييرات في قيادة الجيش لضخ قيادة جديدة (الاستقلال، 2026)، لكن نجاحها يتوقف على قدرة القيادة الجديدة على فرض سلطتها.
التحديات والعوائق أمام تنفيذ الترتيبات الانتقالية
أولاً: انعدام الثقة بين الأطراف وانهيار آليات الوساطة. يعاني الطرفان من انعدام عميق في الثقة، وقد انسحب الجيش من محادثات جدة في أغسطس 2026 (Reuters, 2026). وقد فشلت جميع جهود الهدنة منذ 15 أبريل 2023. وقد أشار تحليل لمركز الأزمات الدولية إلى أن انعدام الثقة هو العائق الأكبر (International Crisis Group, 2026).
ثانياً: التدخلات الإقليمية والدولية وتناقض المصالح. فمصر تدعم الجيش، بينما تقدم الإمارات دعماً لقوات الدعم السريع. وقد أدى هذا التنافس إلى إضعاف آليات الوساطة. وقد أقر الكونغرس الأمريكي مشروع قانون لتجميد أصول قادة الجيش والدعم السريع (الكونغرس الأمريكي، 2026). وقدمت الولايات المتحدة مقترحاً من خمس نقاط (The New Arab, 2026). كما أشارت تقارير إلى دعم إيران للجيش بطائرات مسيرة (رويترز، 2024)، وتعمق العلاقة بين الحوثيين وشبكات إسلامية (وكالة راينو، 2026).
ثالثاً: الاقتصاد السياسي للحرب وشبكات الموارد. فقوات الدعم السريع تمول نفسها عبر السيطرة على مناجم الذهب، والجيش يعتمد على موارد متنوعة. وقد أشار تقرير للأمم المتحدة إلى أن عائدات الذهب والصمغ العربي تشكل مصدراً رئيسياً للإيرادات (OHCHR, 2026). وقد فرض الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة عقوبات على تجارة الذهب (EU, 2026; UK Government, 2026). وقد نص حكم الإعدام بحق حميدتي على مصادرة أصول الدعم السريع (BBC, 2026).
رابعاً: الانقسامات داخل كل طرف وتعقيد المشهد العسكري. ففي صفوف الدعم السريع، شهدت الفترة الأخيرة انشقاقات وانضمام بعض القادة إلى الجيش (The Majalla, 2026; SUNA, 2026; AA, 2026). وقد رحب البرهان بهذه الانشقاقات، لكن هيومن رايتس ووتش حذرت من منح إعفاء لهم (Human Rights Watch, 2026). وفي الجيش أيضاً، توجد تيارات مختلفة، بعضها يؤيد التفاوض وبعضها يصر على الحل العسكري، وقد أشار رئيس الوزراء كامل إدريس إلى وجود انشقاقات داخل الجيش (New Age, 2026).
توصيات سياسية قابلة للتطبيق
أولاً: اعتماد مقاربة تدريجية للعدالة الانتقالية تجمع بين الكشف والمساءلة. بدلاً من العفو الشامل أو المحاكمة الشاملة، يمكن البدء بآليات غير قضائية (لجنة تقصي الحقائق، التعويضات) قبل الانتقال إلى الملاحقات القضائية للقادة الكبار. وقد أثبتت تجارب مثل جنوب أفريقيا أن لجان الحقيقة والمصالحة يمكن أن تكون جسراً بين العدالة والسلام. وقد أكد رئيس الوزراء كامل إدريس تصميم حكومته على فتح ملف العدالة الانتقالية (العربية، 2026).
ثانياً: ربط إصلاح القطاع الأمني بإصلاح اقتصادي شامل وتفكيك اقتصاد الحرب. يجب أن تتضمن ترتيبات ما بعد النزاع آليات لاستعادة سيطرة الدولة على الموارد الاقتصادية، بما في ذلك مناجم الذهب والمعابر الحدودية، عبر إنشاء هيئة وطنية لإدارة الموارد الطبيعية. وقد أشار الفريق ياسر العطا إلى بدء دمج القوات غير النظامية (سودانايل، 2026). وقد فرض الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة عقوبات على تجارة الذهب (EU, 2026; UK Government, 2026).
ثالثاً: إنشاء آلية دولية-وطنية مشتركة للإشراف على تنفيذ الترتيبات. يمكن إنشاء آلية تجمع بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية والحكومة السودانية، تكون مهمتها الإشراف على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار وترتيبات الفترة الانتقالية. وقد اقترحت الولايات المتحدة أن تتم عملية الانسحاب ونزع السلاح تحت إشراف الأمم المتحدة (Reuters, 2026).
رابعاً: وضع جدول زمني واضح وملزم للانتقال مع آليات رصد. يجب أن تتضمن الترتيبات جدولاً زمنياً واضحاً لكل مرحلة، بحيث لا تتجاوز الفترة الانتقالية 36 شهراً، مع إجراء انتخابات في نهايتها. وقد أشارت مقترحات تقاسم السلطة إلى نموذج 39 شهراً (Reuters, 2019)، لكن الجدول الزمني يجب أن يكون مرناً دون أن يصبح أداة لتمديد الحكم العسكري.
خامساً: ضمان مخرج آمن للقادة المتورطين في انتهاكات جسيمة مع الحفاظ على المساءلة. يمكن تقديم “مخرج آمن” يتضمن إحالتهم إلى التقاعد، ومنحهم حصانة محدودة مقابل التعاون الكامل مع آليات كشف الحقيقة، وتقديم اعتراف علني بالمسؤولية، والمساهمة في تعويض الضحايا. غير أن هذا المخرج يجب أن يستثني الجرائم الأكثر خطورة (الإبادة الجماعية، الجرائم ضد الإنسانية، جرائم الحرب الجسيمة). وقد أشار البرهان إلى استعداده لمنح العفو لمن ينضمون إلى الجيش (سودان تربيون، 2026)، لكن هذا العفو يجب أن يكون مشروطاً.
خاتمة نقدية: بين إرث الإفلات من العقاب ومستقبل الدولة المدنية
يمثل مصير قادة الجيش وقوات الدعم السريع في سودان ما بعد الحرب أحد أكثر التحديات تعقيداً. فهؤلاء القادة ليسوا مجرد أفراد، بل هم رموز لمؤسسات عسكرية واقتصادية متشابكة، ولشبكات قبلية وإقليمية. والمفارقة المأساوية أن الحرب التي بدأت بسبب الخلاف حول الدمج، قد أنتجت واقعاً أكثر تجزؤاً، حيث أصبح الجيش نفسه ائتلافاً فضفاضاً يضم نحو 150 مجموعة مسلحة (Africa Center for Strategic Studies, 2026)، مما يجعل مهمة إعادة بناء جيش وطني موحد أكثر صعوبة. وقد حذّر تحليل من أن مفاوضات السلام تتعامل مع حرب لم تعد موجودة على الأرض (AllAfrica, 2026).
توصل هذه المقالة إلى أن التعامل مع مصالح ومخاوف قادة الجيش والدعم السريع يتطلب مقاربة متوازنة تجمع بين مبادئ العدالة الانتقالية ومتطلبات الاستقرار السياسي. فلا يمكن قبول العفو الشامل الذي يكرس الإفلات من العقاب، كما لا يمكن فرض محاكمات شاملة قد تعرقل عملية السلام. البديل الأمثل هو مقاربة تدريجية ومشروطة، تبدأ بآليات غير قضائية لكشف الحقيقة وتعويض الضحايا، وتؤدي إلى إصلاح مؤسسي جذري يشمل إعادة هيكلة القيادة العسكرية ودمج قوات الدعم السريع في جيش وطني مهني، مع ترك الباب مفتوحاً للملاحقات القضائية للجرائم الأكثر خطورة.
غير أن نجاح أي من هذه السيناريوهات يتوقف على عوامل تتجاوز إرادة الأطراف السودانية، وتشمل التزام المجتمع الدولي بدعم عملية السلام، ووقف التدخلات الإقليمية التي تغذي الحرب، وتوفير موارد مالية كافية لإعادة الإعمار. كما يتطلب نجاح الانتقال وجود قيادة مدنية قادرة على بناء توافق وطني، وإعادة بناء ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة. إن حكم الإعدام الغيابي الصادر بحق حميدتي يسلط الضوء على التناقض الجوهري بين متطلبات العدالة ومتطلبات السلام، ويطرح سؤالاً صعباً: هل يمكن تحقيق سلام دائم في السودان دون تقديم تنازلات مؤلمة بشأن المساءلة؟ أم أن محاسبة قادة الحرب شرط لا غنى عنه لكسر دائرة العنف؟
في النهاية، يبقى الدرس الأهم من تجارب ما بعد النزاع حول العالم أن السلام المستدام لا يتحقق باتفاقات تقاسم السلطة بين النخب فحسب، بل بإعادة هيكلة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبناء مؤسسات شفافة وخاضعة للمساءلة، وضمان عدم عودة أولئك الذين دمروا البلاد إلى ممارسة السلطة بأشكال جديدة. إن مصير قادة الجيش والدعم السريع هو اختبار حقيقي لقدرة السودان على كسر دائرة العنف والانقلابات. ومع دخول الحرب عامها الرابع، وتشريد نحو 14 مليون شخص (BBC, 2026)، وتهديد المجاعة لأكثر من نصف السكان حيث يواجه 29 مليون شخص نقصاً في الغذاء (Al Jazeera, 2026)، فإن ثمن الفشل في معالجة هذه القضية سيكون باهظاً، ليس فقط للسودان، بل للمنطقة بأسرها.
المراجع (جزء، البقية عبر التواصل مع الكاتب)
- Africa Center for Strategic Studies. (2026). Sudan Conflict: Armed Actors. Washington, DC: Africa Center for Strategic Studies. Accessed August 10, 2026.
- Africa Confidential. (2026). Burhan under pressure after Hemeti backs US ceasefire plan. Africa Confidential, 66(19). Accessed August 10, 2026.
- Africa Confidential. (2026). Hemeti’s new Darfur-based government faces recognition struggle. Africa Confidential, 66(22). Accessed August 10, 2026.
- African News Agency. (2026). The ‘Regional Project’ Manoeuvre: Al-Burhan Seeks to Legitimise Military Rule by Dismantling International Initiatives and Neutralising His Allies. African News Agency. Accessed August 10, 2026.
- AllAfrica. (2026). Sudan’s Peace Process Is Negotiating a War That No Longer Exists. AllAfrica. Accessed August 10, 2026.
- Asfari Institute. (2026). Forgotten Sudan: Structural Fragility and the Failure of the International System. Beirut: Asfari Institute for Civil Society and Citizenship. Accessed August 10, 2026.
- A3 (Gabon, Ghana, Mozambique). (2026). Joint Statement at the UNSC Briefing on the Situation in Sudan. African Union. Accessed August 10, 2026.
- BBC. (2026). Sudan’s paramilitary RSF chief Hemedti sentenced to death over war crimes. BBC News. Accessed August 10, 2026.
- Daily Sabah. (2026). Sudan army considers US-Saudi truce as war nears 1,000 days. Daily Sabah. Accessed August 10, 2026.
- Deluair. (2026). Yemen and Sudan in 2026: Two War Economies, One Red Sea Risk Pool. Deluair. Accessed August 10, 2026.
