وجدي كامل
إذا ما غاب علي عبد اللطيف من مركز الذاكرة الوطنية السودانية، فليس ذلك نتيجة بسيطة لهزيمة ثورة 1924، أو أثرًا مباشرًا للسياسة الاستعمارية وحدها. فلقد عنت الهزيمة العسكرية والسياسية للثورة القضاء على التنظيم وانتهاء لحظة المواجهة. ولكن فإن اختفاء الرمز أو تراجع حضوره في السردية الوطنية له علاقة بأسباب ومؤثرات أخرى. ولطالما قدم لنا التاريخ أمثلة عديدة لثورات هُزمت عسكريًا، لكنها تحولت لاحقًا إلى مكونات أساسية في الذاكرة الجماعية، وصار قادتها رموزًا بانية للهوية الوطنية. فعمر المختار، الذي هُزمت مقاومته وأُعدم على يد الاستعمار الإيطالي، تحول إلى أحد أبرز رموز الهوية الوطنية الليبية. وأحمد عرابي، الذي انتهت ثورته بالهزيمة والنفي، لم يختفِ من الذاكرة المصرية، بل أصبح رمزًا من رموز الحركة الوطنية. وكذلك تحولت هزيمة عبد القادر الجزائري وأسره ونفيه إلى جزء من السردية الوطنية الجزائرية، كما أصبح جوزيبي غاريبالدي، رغم إخفاقات حركته العسكرية والسياسية، أحد الرموز المؤسسة للهوية الوطنية الإيطالية. ومن هنا يطرح مصير علي عبد اللطيف سؤالًا أكثر تعقيدًا: كيف انتقل الرجل من موقع قائد لأكبر حركة سياسية سودانية حديثة إلى موقع هامشي داخل الرواية الوطنية؟ وكيف تحولت تجربة سياسية حملت تصورًا جديدًا للسودان والدولة والمواطنة إلى سيرة شخصية يطغى فيها البعد المأساوي على المشروع الذي مثّلته؟
“رغم وجود شارع بوسط الخرطوم باسمه، وتوفر سيرة جمعية اللواء الأبيض وثورة 1924 بكتب المطالعة المدرسية، كما وجود أعمال درامية تلفزيونية وإذاعية عن تلك المناسبة الوطنية، ومن ضمنها صورة علي عبد اللطيف”.
تقدم أعمال إيلينا فيزّاديني، وبخاصة أطروحتها للدكتوراه وكتابها اللاحق حول ثورة 1924، مدخلًا مهمًا لفهم هذه المفارقة. فهي لا تنظر إلى الثورة باعتبارها حادثة عسكرية محدودة أو تمردًا عابرًا ضد الإدارة الاستعمارية، بل باعتبارها لحظة تاريخية كشفت عن صراع أعمق حول معنى السودان، وحول السؤال المتعلق بمن يملك حق تمثيل الأمة.
فالثورة لم تكن مجرد مواجهة بين مجموعة من الضباط والإدارة البريطانية، بل كانت تحديًا لبنية سياسية واجتماعية كاملة قامت على التراتب الاجتماعي، والولاءات التقليدية، وأشكال الشرعية التي استندت إلى النسب والطائفة والمكانة الموروثة.
ولهذا فإن نسيان علي عبد اللطيف لم يكن مجرد إهمال لشخصية تاريخية، وإنما كان مرتبطًا بصعوبة استيعاب المشروع الذي حمله. فقد جاء الرجل من خارج الأطر التقليدية التي كانت تمنح الأفراد مكانتهم السياسية والاجتماعية، وحاول أن يؤسس شرعية مختلفة تقوم على التعليم، والانتماء الوطني، والمشاركة السياسية.
الاستعمار بعد 1924: قمع الثورة وإعادة تشكيل المجال السياسي
تكشف وثائق الفترة التي اعتمدت عليها فيزّاديني أن السلطات البريطانية لم تتعامل مع علي عبد اللطيف باعتباره شخصًا انتهى تأثيره بمجرد اعتقاله، بل باعتباره مركزًا رمزيًا يمكن أن يستمر في إنتاج الحركة التي ارتبط اسمه بها.
فحتى بعد اعتقال القيادة الأولى للواء الأبيض، لم تتوقف مظاهر الاحتجاج. بل اتخذت الحركة أشكالًا جديدة من التعبئة امتدت إلى مناطق مختلفة. ففي بورتسودان، على سبيل المثال، خرجت مظاهرة لاستقبال سجناء سياسيين نُقلوا من الخرطوم، وتشير الوثائق البريطانية إلى أن عدد المشاركين بلغ نحو ألف شخص، ضموا فئات اجتماعية متنوعة من السودانيين والمصريين والعمال والموظفين.
ثم جاءت أحداث عطبرة وتمرد طلاب المدرسة الحربية لتؤكد أن اسم علي عبد اللطيف أصبح جزءًا من خطاب سياسي يتجاوز شخصه.
وتكتسب مظاهرة طلاب المدرسة الحربية أهمية خاصة؛ لأن الهتافات التي رُفعت خلالها لم تقتصر على الملك فؤاد أو سعد زغلول، بل تضمنت اسم علي عبد اللطيف نفسه. وتنقل فيزّاديني شهادة أحد الطلاب الذين هتفوا:
“Long Live King Fu’ad, Sa‘d Zaghlūl, ‘Alī ‘Abd al-Latīf and Long Live the Nile Valley.”
أي:
“يحيا الملك فؤاد، وسعد زغلول، وعلي عبد اللطيف، وتحيا وادي النيل.”
تكشف هذه العبارة أن علي عبد اللطيف لم يكن في الوعي السياسي لتلك اللحظة مجرد ضابط سابق أو موظف شارك في احتجاجات، بل أصبح رمزًا لمشروع سياسي جديد، يجمع بين فكرة التحرر الوطني وفكرة إعادة تعريف الجماعة السياسية.
لكن هنا يظهر السؤال المركزي: إذا كان علي عبد اللطيف قد أصبح رمزًا بهذا الحجم عام 1924، فلماذا انتهى به الأمر إلى العزلة والنسيان؟
لا تكمن الإجابة في القمع الاستعماري وحده، رغم دوره الحاسم، وإنما في التحولات السياسية والاجتماعية التي أعقبت الهزيمة، وفي الطريقة التي أعيد بها ترتيب الذاكرة الوطنية بعد ذلك.
وتكتب فيزّاديني:
“The Intelligence Department slowly realized that the ‘neutralization’ of the League’s leaders had not been sufficient to prevent problems.”
(Vezzadini, The 1924 Revolution, p. 75)
أي:
“أدرك قسم الاستخبارات تدريجيًا أن تحييد قادة الجمعية لم يكن كافيًا لمنع استمرار المشكلات.”
وتكشف هذه الملاحظة أن الإدارة البريطانية أدركت مبكرًا الفرق بين إبعاد القيادة وإنهاء الفكرة. فقد كان اعتقال علي عبد اللطيف ورفاقه نجاحًا أمنيًا، لكنه لم يكن انتصارًا سياسيًا كاملًا.
ولهذا انتقلت السياسة الاستعمارية من استهداف الأشخاص إلى محاولة تفكيك البيئة التي أنتجت الحركة نفسها. فتوسعت الاعتقالات، وتشددت المراقبة، وأصبحت الرسائل والبرقيات والاجتماعات ومظاهر التعاطف مع المعتقلين جزءًا من دائرة الاشتباه السياسي.
وتصف إحدى الشهادات التي تنقلها فيزّاديني ذلك الوضع بقولها:
“The Secret Police are scattered like locusts.”
أي:
“إن الشرطة السرية منتشرة كالجراد.”
(Vezzadini, p. 85)
لم تكن هذه العبارة مجرد وصف لحملة أمنية واسعة، بل تكشف عن محاولة خلق مناخ من الخوف يجعل النشاط السياسي نفسه محفوفًا بالمخاطر.
ومع ذلك، فإن القمع الاستعماري، على أهميته، لا يكفي وحده لتفسير مصير علي عبد اللطيف في الذاكرة الوطنية. فقد استطاعت الإدارة البريطانية هزيمة الثورة عسكريًا، لكنها لم تكن القوة الوحيدة التي أسهمت لاحقًا في إعادة تشكيل صورة الرجل وموقعه في التاريخ.
النخب الوطنية بعد 1924: وراثة السياسة دون وراثة المشروع
تكشف صفحات إيلينا فيزّاديني عن تحول مهم حدث بعد أحداث عام 1924. فالهزة التي أحدثتها الثورة لم تختفِ بانتهاء المواجهات، بل دفعت قطاعات من النخبة السودانية التقليدية إلى إعادة التفكير في علاقتها بالحكم الاستعماري، وفي الوسائل التي يمكن من خلالها التعبير عن المطالب السياسية.
وتشير فيزّاديني إلى أن الأعيان، والشخصيات الدينية، والتجار، بدأوا يعقدون اجتماعات سياسية ويناقشون قضايا تتعلق بالمشاركة في الإدارة، وضرورة الاستشارة، وتقليل هيمنة السلطة البريطانية.
وتكتب:
“The balance of power was shifting, and the government had to face the consequences.”
(Vezzadini, p. 89)
أي:
“كان ميزان القوة يتحول، وكان على الحكومة أن تواجه النتائج.”
غير أن هذا التحول يحمل مفارقة أساسية. فقد أصبحت بعض المطالب السياسية مقبولة عندما جاءت من النخب التقليدية، بينما ظل المشروع الأكثر جذرية الذي حمله علي عبد اللطيف خارج حدود المجال السياسي المقبول.
فاللواء الأبيض لم يطالب فقط بإصلاحات إدارية، أو بمشاركة محدودة في إدارة الدولة، وإنما طرح سؤالًا أكثر عمقًا: من هو السوداني؟ وعلى أي أساس تُبنى الدولة السياسية؟
وكان هذا السؤال أكثر إزعاجًا من مجرد المطالبة بمقاعد استشارية أو تحسين شروط المشاركة داخل النظام القائم، لأنه كان يمس الأساس الذي تقوم عليه الشرعية نفسها.
من هزيمة الحركة إلى عزل الرمز: كيف بدأ إنتاج النسيان؟
ثالثًا: مشكلة علي عبد اللطيف… أنه لم يكن مجرد سياسي خاسر
لا يتعامل التاريخ مع جميع المهزومين بالطريقة نفسها. فبعض الشخصيات التي خسرت معاركها السياسية تتحول لاحقًا إلى رموز مؤسسة للذاكرة الوطنية، بينما يتراجع آخرون إلى الهامش، ليس لأن أدوارهم كانت أقل أهمية، وإنما لأن المشاريع التي ارتبطوا بها ظلت عصية على الاندماج الكامل داخل الرواية التي اختار المجتمع أن يروي بها تاريخه.
ومن هذه الزاوية تبدو تجربة علي عبد اللطيف مختلفة عن كثير من الشخصيات التي ارتبطت بتاريخ السودان الحديث. فقد استطاعت الذاكرة الوطنية أن تستوعب أسماء كثيرة من قادة الحركة الوطنية، لكنها ظلت أقل قدرة على استيعاب الرجل الذي حاول، منذ وقت مبكر، أن يقترح مصدرًا جديدًا للشرعية السياسية.
لم يكن علي عبد اللطيف شيخ طائفة، ولا زعيم قبيلة، ولا وريثًا لبيت ديني أو اجتماعي ذي نفوذ. كانت شرعيته تنبع من موقع مختلف؛ من التعليم الحديث، والخبرة العسكرية، والإيمان بأن الانتماء إلى الوطن يمكن أن يكون أساسًا للعمل السياسي، وأن المواطنة قادرة، ولو بصورة نظرية، على تجاوز الفوارق التي حددت مكانة الأفراد داخل المجتمع التقليدي.
ومن هنا تكتسب ملاحظات يوشيكو كوريتا حول مفهوم «المنبتين» أهمية خاصة، وإن كانت تحتاج إلى مراجعة نقدية. فالمشكلة لم تكن أن هؤلاء الضباط والمتعلمين كانوا بلا جذور اجتماعية، أو أنهم انفصلوا عن مجتمعهم، بل إنهم كانوا ينتمون إلى السودان وفق تعريف مختلف للانتماء؛ تعريف يقوم على الوطن والوطنية، لا على الروابط التقليدية وحدها.
لقد حاولوا نقل فكرة الانتماء من دائرة العلاقات الموروثة التي تمنح المكانة عبر القبيلة أو الطائفة أو النسب، إلى رابطة سياسية أوسع يمثلها الوطن بوصفه إطارًا جامعًا للمواطنين.
ولعل هذا ما جعل تجربة علي عبد اللطيف تبدو، في زمانها، أكثر راديكالية مما تبدو عليه اليوم. فقد كان يتحرك داخل مجتمع ما تزال المكانة الاجتماعية والسياسية فيه تُكتسب، بدرجة كبيرة، عبر الانتماءات التقليدية، بينما كان يدافع عن تصور مختلف تصبح فيه المكانة السياسية ثمرة المشاركة العامة والانتماء إلى وطن مشترك.
وعند هذه النقطة لا تبدو هزيمة ثورة 1924 مجرد إخفاق لتنظيم سياسي أو نهاية لمسيرة قائد، وإنما تكشف أيضًا عن تعثر إحدى المحاولات المبكرة لإعادة تعريف الشرعية السياسية في السودان.
وربما لهذا السبب بقي علي عبد اللطيف شخصية يصعب احتواؤها داخل السردية الوطنية التقليدية؛ فهو لم يكن يمثل مجرد فصل من الماضي، بل ظل يحمل سؤالًا مفتوحًا حول الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه الدولة الحديثة.
Sent from Yahoo Mail for iPhone
wagdik@yahoo.com
