باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الثلاثاء, 18 أغسطس 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

صراعات حزب الأمة القومي السوداني في زمن الحرب

اخر تحديث: 18 أغسطس, 2026 9:41 صباحًا
شارك

صراعات حزب الأمة القومي السوداني في زمن الحرب: من أزمة الخلافة التي أعقبت رحيل الصادق المهدي إلى التفكك المؤسسي الناجم عن حرب أبريل، وإشكالية استمراره حلقة وصل بين وادي النيل وأقاليم دارفور

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

يمثل حزب الأمة القومي أحد أعمق التنظيمات السياسية جذوراً في السودان، إذ تأسس رسمياً في فبراير 1945 على يد السيد عبد الرحمن المهدي ليكون الذراع السياسية لطائفة الأنصار ذات الامتداد الاجتماعي الواسع في وسط وغرب السودان، وظل منذ استقلال البلاد عام 1956 أحد القوتين الحزبيتين التقليديتين الرئيسيتين إلى جانب الحزب الاتحادي الديمقراطي. وقد توارث قيادة الحزب أحفاد المهدي جيلاً بعد جيل وصولاً إلى الصادق المهدي الذي جمع بين رئاسة الحزب وإمامة طائفة الأنصار طوال عقود، وتولى رئاسة الوزراء مرتين قبل أن يطيح به انقلاب الإنقاذ العسكري بقيادة عمر البشير في يونيو 1989. غير أن هذا العمق التاريخي والرمزي لم يحمِ الحزب من أزمة قيادة حادة تفجرت عقب وفاة الصادق المهدي في نوفمبر 2020، ثم تصاعدت تدريجياً بعد اندلاع الحرب السودانية بين الجيش وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023، لتبلغ ذروتها في سلسلة من قرارات العزل والعزل المضاد بين فبراير وأغسطس 2025، وصولاً إلى واقع مؤسسي غير مسبوق في تاريخ الحزب يقوم على وجود رئيسين مكلفين متنازعين في آن واحد، بل ثلاثة مراكز للشرعية بحلول مطلع عام 2026.

تتجذر الأزمة في فراغ دستوري تركه غياب الصادق المهدي، الذي كان يجمع بين السلطة الزمنية والروحية، مما منحه مرجعية لا تُنازع وقدرة على احتواء الخلافات عبر وزنه الشخصي أكثر من آليات مؤسسية مكتوبة. فبعد وفاته مباشرة في نوفمبر 2020، اختارت مؤسسة الرئاسة اللواء المتقاعد فضل الله برمة ناصر رئيساً مكلفاً بصورة مؤقتة إلى حين انعقاد المؤتمر العام، معتمداً في ذلك على مبدأ اتخاذ القرارات الجماعية عبر مؤسسة الرئاسة، وذلك بسبب غياب نص دستوري واضح ينظم آلية خلافة الرئيس، وهي ثغرة تحولت لاحقاً إلى مصدر رئيسي للنزاع. لكن الانقلاب العسكري في أكتوبر 2021 ثم اندلاع الحرب في أبريل 2023 حالا دون انعقاد المؤتمر العام، واستمر برمة ناصر في موقع الرئيس المكلف لأكثر من خمس سنوات، الأمر الذي جعل شرعيته موضع نزاع متزايد مع مرور الوقت، إذ تحول الترتيب المؤقت إلى وضع قيادي ممتد دون تجديد تفويض مؤسسي واضح.

ويتشابك في هذا الصراع أربعة مستويات متداخلة: صراع الخلافة والزعامة بين شخصيات من عائلة المهدي وقيادات الحزب التاريخية حول من يملك حق تمثيل الإرث السياسي للصادق المهدي؛ والصراع المؤسسي البحت حول ما إذا كانت مؤسسة الرئاسة تملك صلاحية سحب التكليف من الرئيس المكلف أم أن ذلك لا يتم إلا عبر المؤتمر العام أو الهيئة المركزية؛ والصراع حول الموقف من الحرب ذاتها بين دعم الجيش كدولة شرعية، أو رفض الانحياز لأي طرف، أو التعاون مع القوى المتحالفة مع الدعم السريع؛ والصراع حول التحالفات المدنية الخارجية، خصوصاً بعد انضمام الحزب إلى تنسيقية “تقدم” التي تأسست في أكتوبر 2023 بقيادة عبد الله حمدوك، مما أثار مواجهة بين قيادات اعتبرتها إطاراً مدنياً ضرورياً لوقف الحرب، وأخرى اتهمتها بالانحياز الفعلي إلى قوات الدعم السريع، خصوصاً بعد توقيع حمدوك على “إعلان المبادئ” مع حميدتي في يناير 2024. وانطلاقاً من هذا التعدد، لا يصح اختزال الأزمة في كونها مجرد تنافس عائلي، إذ تفاعل العامل العائلي مع خلافات مؤسسية وأيديولوجية وسياسية أوسع نطاقاً.

وقد أخذ الصراع شكلاً خاصاً ومعقداً بسبب حضور أفراد أسرة الصادق المهدي أنفسهم في مواقع قيادية متعارضة، فمريم الصادق المهدي ارتبطت بجناح القيادة الرسمية المدعومة من مؤسسة الرئاسة، بينما ارتبط شقيقها صديق بالتيار المدني المناهض للحرب في أطر مثل “صمود”، كما برز الواثق البرير وهو من أصهار الصادق المهدي والأمين العام للحزب في تيار ثالث منفصل رافض للحرب بإطلاق، فيما ارتبط عبد الرحمن الصادق المهدي بالتيار الأقرب إلى الجيش، مما جعل الخلاف الداخلي أكثر حساسية ورمزية، إذ أن أي حسم لصالح طرف يُقرأ في الوقت نفسه كحسم لصراع عائلي رمزي أوسع داخل بيت المهدي نفسه بامتداداته الدينية في طائفة الأنصار.

ويمتد حزب الأمة جغرافياً واجتماعياً من وسط السودان النيلي وأم درمان والجزيرة مروراً بكردفان وصولاً إلى دارفور، مما جعله على مدى عقود أحد أندر الأطر السياسية القادرة نظرياً على تجسير الفجوة بين “السودان النيلي” المركزي و”السودان الطرفي” في الغرب، غير أن الحرب الحالية أعادت طرح هذا السؤال بإلحاح أكبر، حيث رصد تحليل بعداً جهوياً وإثنياً واضحاً في صراع الأجنحة، إذ ينحدر برمة ناصر والقيادات المساندة له من مكونات اجتماعية ينخرط قطاع كبير من أبنائها في صفوف قوات الدعم السريع، بينما ينحدر خصمه محمد عبد الله الدومة من ولاية غرب دارفور التي اتهمت قوات الدعم السريع بارتكاب إبادة جماعية بحق كيان قبلي مؤثر هناك ينتسب له الدومة. وبذلك، لم يعد الانقسام مجرد خلاف حول تفسير الدستور، بل بات يعكس خط التماس الإثني والجهوي الحاد الذي أنتجته الحرب، مما يهدد بتحويل دور الحزب التجسيري من جسر للوحدة إلى مرآة إضافية للانقسام، وهو ما ينذر بتداعيات خطيرة على وحدة السودان بعد الحرب.

مع استمرار الحرب واتساع رقعتها، تبلورت عملياً ثلاثة اتجاهات رئيسية داخل الحزب: التيار المؤيد للجيش وسلطة بورتسودان، وأبرز قياداته محمد عبد الله الدومة وصديق إسماعيل وإبراهيم الأمين، وموقفه يقوم على دعم الجيش كمؤسسة دولة ورفض ما اعتبر انحيازاً إلى الدعم السريع؛ والتيار المدني الرافض للحرب، وترتبط به قيادات مثل صديق الصادق المهدي والواثق البرير ومريم الصادق المهدي، وموقفه يقوم على المطالبة بوقف الحرب فوراً ورفض الاصطفاف مع أي طرف والتمسك بمسار مدني تفاوضي؛ وتيار فضل الله برمة ناصر والتحالفات المرتبطة بقوات الدعم السريع، حيث عمل ضمن تحالف “تأسيس” الذي أُعلن في نيروبي في فبراير 2025 وضم قوات الدعم السريع والحركات المسلحة والقوى السياسية المدنية، وقبل لاحقاً بمنصب رئاسة المجلس التشريعي في حكومة “تأسيس” الموازية. غير أن هذه التصنيفات ليست ثابتة أو قاطعة، إذ أن بعض القيادات جمعت بين الدعوة لوقف الحرب والمشاركة في تحالفات اعتبرها خصومها منحازة فعلياً لأحد الطرفين، مما يعكس صعوبة الحياد الكامل في بيئة استقطاب حاد.

كان انخراط الحزب في تنسيقية “تقدم” من أبرز نقاط التحول، حيث أيدته مؤسسة الرئاسة بينما عارضه الرئيس المكلف والأمانة العامة أو تحفظا على طريقته، واتهمت مجموعة معارضة القيادة باتخاذ قرارات دون تشاور مؤسسي كافٍ. وفي عام 2024، ظهرت “مجموعة الإصلاح المؤسسي” في بورتسودان واتخذت موقفاً مختلفاً عن الموقف الرسمي الرافض للحرب، واتهمتها القيادة بإنشاء هياكل موازية. ولم تكن أزمة “تقدم” سوى مقدمة لأزمة أكبر حين انقسمت التنسيقية رسمياً في 10 فبراير 2025 إلى فصيلين: الأول أيد مقترح تشكيل حكومة مدنية بديلة في مناطق سيطرة الدعم السريع، والثاني ضم تسعة عشر كياناً من بينها حزب الأمة ورفض هذا المسار، مما أفضى إلى تشكيل تحالف “صمود” بقيادة حمدوك الذي ضم الحزب ومكونات أخرى. ورأى محللون أن هذا الانقسام يمثل قطيعة واضحة داخل “تقدم”، وأن توقيع حمدوك على إعلان المبادئ مع حميدتي كان خطأ سياسياً استوجب تصحيح مسار عبر الانفصال عن الفصيل المتهم بالتماهي مع رؤية الدعم السريع.

بلغ الصراع ذروته في فبراير 2025، عقب توقيع برمة ناصر على “الميثاق التأسيسي” لتحالف “تأسيس” في نيروبي في 23 فبراير، والذي ضم قوات الدعم السريع وحركات مسلحة وفصائل سياسية، وتضمن تصوراً لتشكيل حكومة موازية ونص على علمانية الدولة ومنح حق تقرير المصير في حال عدم إدراج العلمانية في الدستور، وهو بند بالغ الحساسية في السودان. وعلى إثر ذلك، أعلنت مؤسسة الرئاسة في 25 فبراير سحب تكليف برمة ناصر وتعيين محمد عبد الله الدومة رئيساً مكلفاً بدلاً منه، مبررة القرار بأن برمة اتخذ خطوات سياسية كبرى دون تفويض، وأن توقيعه على ميثاق نيروبي خالف مبادئ الحزب خصوصاً في مسألتي العلمانية وتقرير المصير. غير أن المكتب السياسي والجهات المؤيدة لبرمة رفضوا القرار، معتبرين أن مؤسسة الرئاسة لا تملك دستورياً حق عزل الرئيس المكلف، وأن هذه الصلاحية لا يملكها إلا المؤتمر العام، فرد برمة بحل مؤسسة الرئاسة وإعادة تشكيلها من جديد، وبذلك تحول النزاع إلى نزاع صريح حول الشرعية الدستورية والتنظيمية.

في أبريل 2025، قرر مجلس التنسيق استمرار برمة في منصبه مع اعتبار توقيعه على ميثاق نيروبي خطوة استثنائية لا تترتب عليها التزامات مستقبلية، وذلك عقب لقاءات في أبوظبي سعت إلى تسوية توافقية، غير أن هذه التسوية لم تحسم مسألة السلطة الفعلية، واستمر وجود مركزين متنافسين للقيادة. وفي 30 مارس 2025، أعاد برمة تشكيل مؤسسة الرئاسة وأعفى نوابه بما فيهم الدومة وصديق إسماعيل ومريم الصادق، وعين بدلاً منهم قيادات أخرى، ووصف الفريق صديق إسماعيل هذه الإجراءات بأنها رعونة سياسية تفتقد للشرعية. وفي يوليو 2025، اتهم المكتب السياسي المجموعة المؤيدة للدومة بتنفيذ “انقلاب ناعم”، بينما تمسك أنصار الدومة بقرار العزل. وفي أغسطس 2025، أصدر برمة قراراً بإقالة ستة من كبار قادة الحزب من بينهم الدومة وإبراهيم الأمين وصديق إسماعيل، وهو ما رجحت تقارير صحفية أن يؤدي إلى انشقاق فعلي للحزب، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل قبل برمة ناصر لاحقاً منصباً في المجلس التشريعي لحكومة “تأسيس” الموازية التي أُعلن تشكيلها في نيالا في 26 يوليو 2025 برئاسة حميدتي، في خطوة اعتبرت إعلاناً فعلياً عن ارتباطه ببنية سياسية موازية تتجاوز الحزب. وامتد الانقسام إلى يناير 2026 حيث نظم قادة موالون للدومة أول ملتقى سياسي في أم درمان كرس وجود رئيسين مكلفين متنازعين، وأكدت التقارير أن الحزب بات فعلياً منقسماً إلى ثلاثة فصائل: بقيادة برمة ناصر المؤيد للدعم السريع، وبقيادة الدومة المعلن دعمه الكامل للجيش، وبقيادة الأمين العام الواثق البرير الرافض للحرب بإطلاق.

يتجسد أحد أهم أوجه الصراع في غياب آلية واضحة لخلافة رئيس الحزب، حيث تأسس تكليف برمة على التوافق السياسي لا على نص دستوري حاسم، ثم اختلفت الأطراف حول الجهة التي تملك حق إنهاء هذا التكليف، وهذا الفراغ القانوني تحول مع احتدام الاستقطاب إلى ثغرة بنيوية استغلها كل طرف لتبرير مواقفه، مما جعل من المتعذر التوصل إلى تفسير محايد دون عقد المؤتمر العام الذي ظل مؤجلاً بسبب الحرب. أما الموقف من الجيش فشهد انقساماً حاداً بين من يراه مؤسسة دولة شرعية في مواجهة قوة مسلحة موازية، وبين من يراه خاضعاً لتأثير التيار الإسلامي ويهدد المسار الديمقراطي. وفيما يخص قوات الدعم السريع، رفضت أجنحة واسعة أي تعاون معها بسبب الانتهاكات الموثقة التي شملت قتلاً جماعياً واغتصاباً ونهباً، بينما برر جناح برمة المشاركة في تحالفاتها باعتبارها ترتيبات ضرورية لإنهاء الحرب، غير أن خصومه رأوا أن توقيع وثائق سياسية مع قوة تشكل حكومة موازية يتجاوز موقف الحزب الرافض للانحياز ويحوله إلى شريك في مشروع يهدد وحدة السودان.

وقد اختبرت فرضية “الانخراط السياسي كأداة لضبط سلوك قوات الدعم السريع” في وقائع الفاشر، حيث شنت قوات الدعم السريع هجومها النهائي على المدينة في 26 أكتوبر 2025 بعد حصار دام ثمانية عشر شهراً، وأفضى سقوطها إلى ما وصفته بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق بأنه إبادة جماعية استهدفت الفور والزغاوة، ووثقت منظمة العفو الدولية جرائم شملت القتل والترحيل القسري والتعذيب والاغتصاب والاستعباد الجنسي، ورصد مختبر الحقوق الإنسانية بجامعة ييل أكثر من خمسة وستين تقريراً عن عمليات قتل جماعي. وقد وقعت هذه الجرائم بعد أشهر من إعلان تحالف “تأسيس” وانضمام برمة ناصر إليه، مما يعني أن فرضية كبح السلوك الميداني لم تجد ما يسندها في الوقائع، بل إن الشرعية السياسية التي وفرها التحالف للدعم السريع لم تترافق مع أي كبح لسلوكها العسكري، بل تزامنت مع تصعيد غير مسبوق في حجم الانتهاكات.

ويطرح انضمام برمة ناصر إلى تحالف “تأسيس” سؤالاً مصيرياً حول مستقبل الوحدة الترابية للسودان، خصوصاً بعد أن أعلن التحالف في 26 يوليو 2025 من نيالا تشكيل حكومة موازية كاملة الأركان برئاسة حميدتي، امتدت سيطرتها على معظم دارفور وأجزاء من كردفان مع تعيين حكام لمناطق فيدرالية جديدة، وهو ما قوبل بإدانة دولية ووصفته حكومة بورتسودان بأنه حكومة مزيفة. وقد حذر قياديون من أن هذه الخطوة تطيل أمد الصراع وتقسم السودان إلى إدارتين متنافستين، ورصدت تحليلات أن السودان بات فعلياً مقسماً على طول محور شرقي-غربي. وفي ضوء هذا الواقع، يصعب القول إن انضمام رئيس حزب الأمة إلى هذا التحالف يسهم في تعزيز الوحدة، بل الأدلة تشير إلى العكس لأسباب أربعة: وجود حكومتين متوازيتين يمثل انقساماً مؤسسياً فعلياً؛ ومشاركة قيادة حزبية تاريخية تمنح الغطاء السياسي لمشروع الانقسام؛ واستمرار الجرائم الجسيمة بعد إعلان الحكومة الموازية يجعلها مشروعاً إثنياً إقصائياً؛ وترسيخ واقع اقتصادي وإداري وأمني منفصل يجعل إعادة التوحيد أكثر كلفة وتعقيداً كلما طال أمد الحرب.

الأدق في وصف ما حدث داخل حزب الأمة هو أنه تفكك متعدد الأبعاد لا مجرد انقسام ثنائي، فهو أقرب إلى التشظي المتوازي الذي ينعكس فيه الاستقطاب العسكري الثنائي بين الجيش والدعم السريع داخل كل تنظيم مدني. فالصراع على القيادة الشخصية والرمزية، والانقسام حول تفسير الدستور، والتنافس بين الإرث العائلي والمؤسسات الشكلية، والاستقطاب الحاد الذي فرضته الحرب، كلها عوامل تداخلت لتنتج واقعاً مؤسسياً غير مسبوق. وبحسب معطيات مطلع 2026، يمكن تحديد ثلاثة مراكز متنافسة للشرعية: قيادة برمة ناصر المستندة إلى مجلس التنسيق ومرتبطة بحكومة “تأسيس” الموازية؛ وقيادة الدومة المستندة إلى مؤسسة الرئاسة والقيادات المناوئة لبرمة، وتحظى بحضور في أم درمان وبورتسودان؛ وتيار ثالث بقيادة الواثق البرير، رافض للحرب ومرتبط بتحالف “صمود”. وبذلك، أصبح استعمال اسم “حزب الأمة القومي” لا يعني وجود قيادة موحدة أو موقف سياسي واحد، بل كل فصيل يستخدم الاسم التاريخي للتعبير عن مشروعه الخاص، مما يثير تحدياً أمام أي طرف يسعى للتفاوض مع الحزب ككيان موحد.

يكشف مسار الصراع عن ثلاثة دروس جوهرية: أولاً، غياب آليات مؤسسية واضحة ومكتوبة لتداول السلطة داخل الأحزاب يجعلها هشة أمام أي صدمة سياسية كبرى؛ ثانياً، الحرب السودانية لم تكتفِ بتوليد استقطاب عسكري ثنائي بل أعادت إنتاجه داخل كل تنظيم مدني، مما يعني أن أي مسار سياسي لإنهاء الحرب سيحتاج إلى معالجة موازية لأزمات الشرعية الداخلية في الأحزاب؛ ثالثاً، توظيف الإرث العائلي في الصراعات التنظيمية يتحول إلى عامل تعقيد إضافي حين تنقسم الأسرة نفسها، مما يفرغ الرمزية من وظيفتها التوحيدية. وعلى صعيد التقييم النقدي المتوازن، فإن الأطراف المتنازعة جميعها قدمت حججاً دستورية وسياسية ذات وجاهة نسبية؛ فمن ناحية، يصعب إنكار أن توقيع برمة على ميثاق حكومة موازية يمثل تجاوزاً لخط أحمر سياسي، ومن ناحية أخرى، لا يمكن تجاهل حجة أنصار برمة حول افتقار مؤسسة الرئاسة للصلاحية الدستورية الصريحة لعزل رئيس مكلف. وبين هذين الموقفين، يبقى المؤتمر العام – الغائب منذ أكثر من خمس سنوات – المرجعية الوحيدة القادرة نظرياً على حسم الجدل بصورة نهائية وملزمة. وتضيف الوقائع الموثقة بعداً نقدياً إضافياً يتمثل في أن مبرر “الانخراط السياسي لضبط سلوك الدعم السريع” لم يجد سنداً في الواقع، بل تزامن مع تصعيد غير مسبوق في الانتهاكات بلغ حد الإبادة الجماعية، كما أن تحول “تأسيس” إلى حكومة موازية يمثل تهديداً فعلياً لوحدة السودان، مما يضع حزب الأمة أمام مفارقة صعبة: فبينما يفترض به أن يكون جسراً وطنياً جامعاً، فإن انقسامه على خطوط التماس نفسها التي تنقسم عليها الحرب يهدد بتحويله من حل محتمل إلى جزء إضافي من المشكلة.

النص الكامل للمقال

عندما يسقط العمود: حزب تاريخي على حافة الانهيار

يمثل حزب الأمة القومي أحد أعمق التنظيمات السياسية جذوراً في التاريخ الحديث للسودان، وأكثرها التصاقاً بحركة اجتماعية ودينية سبقت تأسيسه بأكثر من نصف قرن، هي حركة الأنصار المهدية التي قادها محمد أحمد بن عبد الله، الملقب بـ”المهدي” (1843-1885)، ضد الحكم التركي المصري في السودان. فقد تأسس الحزب رسمياً في فبراير 1945 على يد السيد عبد الرحمن المهدي، الابن الوريث للمهدي، ليصبح بذلك الذراع السياسية لطائفة الأنصار ذات الامتداد الاجتماعي الواسع في وسط وغرب السودان، وليظل منذ استقلال البلاد عام 1956 أحد القوتين الحزبيتين التقليديتين الرئيسيتين، إلى جانب الحزب الاتحادي الديمقراطي الذي يمثل الذراع السياسية للطائفة الختمية الصوفية بقيادة أسرة الميرغني (Aberfoyle International Security، 2025). وقد توارث قيادة الحزب أحفاد المهدي جيلاً بعد جيل، وصولاً إلى الصادق المهدي، حفيد عبد الرحمن المهdi، الذي جمع بين رئاسة الحزب وإمامة طائفة الأنصار طوال عقود، وتولى رئاسة الوزراء مرتين، الأولى في الفترة 1966-1967 والثانية في الفترة 1986-1989 قبل أن يطيح به انقلاب الإنقاذ العسكري بقيادة عمر البشير في 30 يونيو 1989.

غير أن هذا العمق التاريخي والرمزي، الذي بدا لعقود ضامناً لتماسك الحزب حول قيادة موحدة، لم يحمِه من أزمة قيادة حادة تفجرت عقب وفاة الصادق المهدي في نوفمبر 2020، ثم تصاعدت تدريجياً بعد اندلاع الحرب السودانية بين الجيش وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023، لتبلغ ذروتها في سلسلة من قرارات العزل والعزل المضاد بين فبراير وأغسطس 2025، وصولاً إلى واقع مؤسسي غير مسبوق في تاريخ الحزب يقوم على وجود رئيسين مكلفين متنازعين في آن واحد (سودان تربيون، يناير 2026). والمتتبع لمسار هذا الصراع يجد أن الخلاف لا يدور حول مسألة الخلافة الشخصية فحسب، بل يمتد ليشمل تفسير دستور الحزب ذاته والمادة 14 منه المتعلقة بصلاحيات الرئيس، وحدود صلاحيات القيادة المؤقتة التي امتدت من ترتيب مفترض أن يكون مؤقتاً في نوفمبر 2020 إلى أكثر من خمس سنوات دون انعقاد المؤتمر العام، والموقف من الجيش وقوات الدعم السريع في حرب وصفتها الأمم المتحدة بأنها تسببت في أكبر أزمة نزوح داخلي في العالم، إذ تجاوز عدد النازحين واللاجئين السودانيين اثني عشر مليون شخص بحلول عام 2025، فضلاً عن العلاقة مع التحالفات المدنية والعسكرية المتنافسة التي أفرزتها الحرب، من “تقدم” إلى “صمود” إلى “تأسيس” (Chatham House، 2024؛ International Crisis Group، 2025).

وتكتسب دراسة هذا الصراع أهمية تتجاوز حدود حزب واحد؛ فحزب الأمة القومي، بوصفه أحد أعمدة الطائفية السياسية السودانية التقليدية، يقدم نموذجاً مكثفاً لأزمة أعمق تعيشها معظم الأحزاب المدنية السودانية في زمن الحرب: أزمة الشرعية المؤسسية في مواجهة الاستقطاب العسكري الثنائي بين الجيش وقوات الدعم السريع، وأزمة الوراثة الرمزية في مواجهة غياب آليات ديمقراطية داخلية راسخة، وأزمة الموقف من التحالفات الخارجية في مواجهة اتهامات متبادلة بالانحياز. وتسعى هذه الدراسة إلى تتبع جذور هذا الصراع وتطوره الزمني بدقة، وتحليل أبعاده المؤسسية والسياسية والعائلية والإقليمية، وصولاً إلى تقييم نقدي شامل لما آل إليه حزب الأمة القومي من تعدد فعلي في مراكز الشرعية والقيادة، مع استخلاص دروس واقعية قابلة للتطبيق على مسار الأحزاب السودانية الأخرى وعلى مسار أي عملية سياسية سودانية مقبلة بعد الحرب.

الجزء الأول: كيف بدأ كل شيء؟ الجذور البنيوية للأزمة قبل أن تشتعل الحرب

 أولاً: إرث بلا وريث: كيف ترك غياب الصادق المهدي فراغاً دستورياً؟

توفي الصادق المهدي في نوفمبر 2020 عن عمر ناهز الخامسة والثمانين، بعد إصابته بفيروس كورونا المستجد، وكان يجمع في شخصه، كما أسلفنا، القيادة السياسية والتنظيمية والرمزية الدينية والعائلية للحزب في آن واحد، بوصفه إماماً لطائفة الأنصار ورئيساً تاريخياً للحزب معاً، وهو جمع نادر بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية جعل من موقعه مرجعية لا تُنازَع طوال عقود، ومنحه قدرة على احتواء الخلافات الداخلية عبر وزنه الشخصي أكثر من عبر آليات مؤسسية مكتوبة وملزمة. وقد اختارت مؤسسة الرئاسة، عقب وفاته مباشرة، اللواء المتقاعد فضل الله برمة ناصر رئيساً مكلفاً للحزب، وذلك في 28 نوفمبر 2020، على أساس أن تكون مهمته إدارة الحزب بصورة مؤقتة إلى حين انعقاد المؤتمر العام الذي يحسم مسألة القيادة بصورة مؤسسية ونهائية عبر انتخاب رئيس دائم (Sudan Tribune، فبراير 2025). واعتُمد في هذا الترتيب مبدأ اتخاذ القرارات بصورة جماعية عبر مؤسسة الرئاسة، وذلك بسبب غياب نص دستوري واضح ينظم آلية خلافة رئيس الحزب في حال وفاته، وهي ثغرة دستورية بدت في حينها تفصيلاً إجرائياً عابراً، لكنها تحولت لاحقاً إلى مصدر رئيسي للنزاع، إذ لم يكن دستور الحزب – الذي يعود في صياغته الأساسية إلى عقود سابقة – قد تصور سيناريو غياب زعيم تاريخي يجمع الشرعيتين الدينية والسياسية معاً. واختير إلى جانب برمة ناصر كل من إبراهيم الأمين ومحمد عبد الله الدومة وصديق محمد إسماعيل نواباً له، بموافقة مجلس التنسيق والمكتب السياسي على هذا الترتيب الانتقالي، في تشكيلة بدت في حينها متوازنة بين تيارات الحزب المختلفة.

بيد أن الانقلاب العسكري الذي وقع في 25 أكتوبر 2021 بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، والذي أطاح بالحكومة الانتقالية المدنية-العسكرية المشتركة التي كان يرأسها عبد الله حمدوك، أدخل البلاد في أزمة سياسية ممتدة أعادت ترتيب أولويات جميع القوى السياسية المدنية بما فيها حزب الأمة، وحال دون توفر البيئة المستقرة اللازمة لعقد مؤتمر عام حزبي. ثم جاءت الحرب التي اندلعت لاحقاً في 15 أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، إثر خلافات حول دمج الأخيرة في القوات النظامية ضمن مسار الترتيبات الأمنية للاتفاق الإطاري، لتحول دون عقد المؤتمر العام بصورة شبه نهائية، إذ تحولت الخرطوم وعدد من المدن الكبرى إلى ساحات قتال مباشرة، وتشتت قواعد الحزب وكوادره بين النزوح الداخلي واللجوء إلى دول الجوار مثل مصر وتشاد وجنوب السودان وأوغندا وكينيا. وبذلك استمر برمة ناصر في موقع الرئيس المكلف لفترة أطول بكثير مما كان مقرراً في الترتيب الانتقالي الأول، إذ تجاوزت مدة تكليفه المؤقت خمس سنوات كاملة بحلول عام 2025، الأمر الذي جعل شرعيته موضع نزاع متزايد داخل الحزب مع مرور الوقت، إذ تحول الترتيب المؤقت إلى وضع قيادي ممتد دون تجديد تفويض مؤسسي واضح من المؤتمر العام الذي كان يفترض أصلاً أن يحسم مسألة القيادة على أسس ديمقراطية راسخة.

 ثانياً: أربعة صراعات في صراع واحد: تشريح الأزمة من الجذور

يمكن التمييز في هذا الصراع بين أربعة مستويات متداخلة تفاعلت فيما بينها بصورة متزامنة ومتراكبة لتنتج الأزمة المركبة التي يشهدها الحزب اليوم، ولا يمكن فهم أي منها بمعزل عن الثلاثة الأخرى. يتمثل المستوى الأول في صراع الخلافة والزعامة، حيث برزت منافسة غير معلنة، وأحياناً معلنة بصورة غير مباشرة عبر تصريحات صحفية متبادلة، بين شخصيات من عائلة المهدي من جهة، وقيادات الحزب التاريخية والتنظيمية من جهة أخرى، حول من يملك حق تمثيل الإرث السياسي للصادق المهدي وتجسيد استمراريته الرمزية أمام قواعد الأنصار الاجتماعية الواسعة. أما المستوى الثاني فهو الصراع المؤسسي البحت، الذي انقسمت فيه القيادات حول ما إذا كانت مؤسسة الرئاسة – وهي هيئة جماعية تتكون من الرئيس ونوابه ومساعديه ومستشاريه – تملك صلاحية سحب التكليف من الرئيس المكلف من عدمه، أم أن عزله لا يمكن أن يتم إلا عبر المؤتمر العام أو الهيئة المركزية باعتبارهما السلطة العليا في الحزب وفق التفسير الذي تبناه المكتب السياسي لاحقاً (الراكوبة، أبريل 2025). ويتصل المستوى الثالث بالصراع حول الموقف من الحرب ذاتها، إذ اختلفت القيادات بشأن ما إذا كانت الأولوية لدعم الجيش باعتباره مؤسسة الدولة الوطنية الشرعية، أو لرفض الانحياز لأي طرف من أطراف النزاع والتمسك بموقف مدني محايد، أو للتعاون السياسي المباشر مع القوى المتحالفة مع قوات الدعم السريع سعياً لترتيبات سياسية بديلة. ويتمثل المستوى الرابع في الصراع حول التحالفات المدنية الخارجية، حيث أدى انضمام الحزب إلى تنسيقية القوى المدنية الديمقراطية “تقدم” التي تأسست في أكتوبر 2023 بقيادة رئيس الوزراء الأسبق عبد الله حمدوك، وضمت في مؤتمرها التأسيسي في أديس أبابا في مايو 2024 نحو ستمائة مشارك من الولايات السودانية الثماني عشرة جميعها ومن أربع وعشرين دولة أخرى (Chatham House، 2024)، إلى مواجهة مباشرة بين قيادات اعتبرت هذه التنسيقية إطاراً مدنياً ضرورياً لوقف الحرب، وأخرى اتهمتها بالانحياز السياسي الفعلي إلى قوات الدعم السريع، خصوصاً بعد توقيع حمدوك على “إعلان المبادئ” مع قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو، المعروف بـ”حميدتي”، في أديس أبابا في يناير 2024، وهو ما اعتبره كثير من المراقبين الدوليين والمحليين خطوة زادت من أزمة شرعية “تقدم” ذاتها قبل أن تنعكس هذه الأزمة على الحزب الذي كان أحد أبرز مكوناتها (Khalafallah، مقتبس في Al Jazeera، فبراير 2025).

وانطلاقاً من هذا التعدد في مستويات الصراع، لا يصح اختزال الأزمة في كونها مجرد تنافس عائلي على الوراثة الرمزية؛ فالعامل العائلي كان بلا شك مهماً في إنتاج الشرعية الرمزية للقيادة، لكونه مرتبطاً بقواعد اجتماعية دينية واسعة لا تخضع لمنطق التنظيم الحزبي البحت، غير أنه تفاعل مع خلافات مؤسسية وأيديولوجية وسياسية أوسع نطاقاً وأعمق أثراً، بحيث بات من الصعب عملياً الفصل بين الدوافع الشخصية والدوافع المبدئية لدى كل طرف من أطراف الصراع.

 ثالثاً: عائلة منقسمة على نفسها: أبناء المهدي وأصهاره في خنادق متقابلة

أخذ الصراع الداخلي شكلاً خاصاً ومعقداً بسبب حضور أفراد أسرة الصادق المهدي أنفسهم في مواقع قيادية متعارضة، وهو ما ميّز أزمة حزب الأمة عن أزمات مماثلة في أحزاب سودانية أخرى لا ترتبط بأسرة حاكمة رمزية بالدرجة نفسها. فقد ارتبطت مريم الصادق المهدي، ابنة الزعيم الراحل، بموقع مؤثر ضمن جناح القيادة الرسمية المدعومة من مؤسسة الرئاسة، وقد اتهمت بدورها اللواء برمة ناصر بإنشاء كيان موازٍ لمؤسسات الحزب وارتكاب تجاوزات تنظيمية خطيرة، مشيرة في تصريحات صحفية إلى أن بعض أعضاء الحزب شاركوا معه في توقيع ميثاق نيروبي في مخالفة صريحة لقرارات الحزب ومؤسساته (The CITIZEN، فبراير 2025). في المقابل، ارتبط شقيقها صديق الصادق المهدي بالتيار المدني المناهض للحرب والمشارك في أطر سياسية مثل “صمود”. كما برز الواثق البرير، وهو من أصهار الصادق المهدي والأمين العام للحزب، في الجانب المدني المرتبط بالتنسيقات السياسية المناهضة للحرب أيضاً، بل إن تقارير صحفية حديثة من مطلع عام 2026 صنفته على رأس تيار ثالث منفصل داخل الحزب، مستقل عن جناحي برمة ناصر والدومة معاً، ويتبنى موقفاً معارضاً للحرب بإطلاق يرفض الانحياز الكامل لأي من الطرفين المتحاربين (Sudan Tribune، يناير 2026).

في المقابل، ارتبط عبد الرحمن الصادق المهدي، وهو ضابط سابق في الجيش السوداني، بالتيار الأقرب إلى الجيش وفق ما ورد في تقارير صحفية وتحليلات داخلية، بل رشحته بعض التحليلات كأحد المرشحين المحتملين لقيادة فصيل ثالث من داخل الأسرة يسعى لاستعادة زخم الحزب عبر التقارب مع مؤسسة الجيش (The CITIZEN، فبراير 2025)، بينما انتقدت قيادات أخرى في الحزب ما اعتبرته توظيفاً للإرث العائلي في إدارة شؤون الحزب وصراعاته الداخلية، معتبرة أن الشرعية التنظيمية يجب أن تُبنى على المؤسسات لا على النسب. ولا يعني هذا التوزع وجود كتلة عائلية متجانسة الموقف؛ فأسرة المهدي نفسها انقسمت بشأن الموقف من الحرب والتحالفات والقيادة، وهو ما جعل الخلاف الداخلي أكثر حساسية ورمزية من صراعات الأحزاب السودانية الأخرى المماثلة، ذلك أن أي حسم لصالح طرف داخل الحزب يصعب أن يمر دون أن يُقرأ في الوقت نفسه على أنه حسم لصراع عائلي رمزي أوسع داخل بيت المهدي نفسه، بامتداداته الدينية في طائفة الأنصار التي لا تزال تضم ملايين الأتباع في مختلف أنحاء السودان.

 رابعاً: جسر مكسور؟ هل ما زال حزب الأمة يصل النيل بدارفور

يصف حزب الأمة القومي نفسه رسمياً، عبر موقعه الإلكتروني الرسمي، بأنه يشكل “بحق مسار الوسط السوداني الرابط بين سوداني النيل والغرب، وسوداني الشمال والجنوب، وسوداني التقليد والحداثة، وسوداني الداخل والمهجر، وسوداني المرأة والرجل، وسوداني الشباب والمخضرمين”، معتبراً نفسه “امتداداً لإرث النضال من أجل الاستقلال، والوحدة الوطنية، ونبذ التفرق” (حزب الأمة القومي السوداني، موقع umma.org). وهذا الوصف الذاتي ليس مجرد شعار دعائي عابر، بل يستند إلى واقع اجتماعي وتاريخي فعلي؛ فقاعدة طائفة الأنصار، التي يمثل حزب الأمة ذراعها السياسية، تمتد جغرافياً واجتماعياً من وسط السودان النيلي وأم درمان والجزيرة، مروراً بكردفان، وصولاً إلى دارفور في أقصى الغرب، حيث ينحدر عدد كبير من قيادات الحزب التاريخية وقواعده الشعبية من قبائل ومكونات اجتماعية غربية، إلى جانب حضوره الراسخ في الوسط والشمال النيلي. وقد جعل هذا الامتداد الجغرافي والاجتماعي الواسع من حزب الأمة، على مدى عقود، أحد أندر الأطر السياسية السودانية القادرة نظرياً على تجسير الفجوة التاريخية بين “السودان النيلي” المركزي، الذي هيمن تقليدياً على السلطة والثروة والدولة الحديثة منذ الاستقلال، وبين “السودان الطرفي” في الغرب والشرق والجنوب، الذي طالما اشتكى من التهميش التنموي والسياسي، وهي الفجوة نفسها التي غذّت لاحقاً حروباً أهلية متعددة، من حرب الجنوب الأولى والثانية إلى حرب دارفور التي اندلعت عام 2003 إلى الحرب الحالية.

غير أن الباحثين والمحللين لفتوا في الوقت نفسه إلى أن هذا الدور التجسيري لم يكن دائماً على مستوى الطموح المعلن؛ إذ يشير محلل سوداني، في مقال نشرته صحيفة “سودانايل” الإلكترونية، إلى أن “تهاون حزب الأمة القومي إبان سيطرته على الحكم خلال فترة الديمقراطية الثالثة” في أواخر الثمانينيات “إزاء” التوترات القبلية في دارفور، و”التراخي الواضح تجاه التعقيد الذي صاحب المسألة الأمنية” هناك، أسهما في “استفحال الصراع الإثني وفتح الباب على مصراعيه للتدخل الخارجي المسلح وتصاعده منذ تلك اللحظة للدرجة المروعة” التي شهدتها دارفور لاحقاً (سودانايل، 2009). وهذا يعني أن العلاقة بين حزب الأمة ودوره التجسيري بين السودان النيلي وغربه لم تكن يوماً علاقة خطية بسيطة، بل كانت محكومة بصعود وهبوط، وبقدرة الحزب أو عجزه، في كل مرحلة تاريخية، على ترجمة امتداده الاجتماعي الواسع إلى سياسات فعلية للعدالة والتنمية المتوازنة بين مركز البلاد وأطرافها.

وقد أعادت الحرب الحالية، واقترانها بانقسام حزب الأمة نفسه، طرح هذا السؤال بإلحاح أكبر؛ فقد رصد تحليل نشرته “الجزيرة نت” في يوليو 2025 بعداً جهوياً وإثنياً واضحاً في صراع الأجنحة داخل الحزب، إذ أشار باحث مختص إلى أن فضل الله برمة ناصر والقيادات التي تسانده “ينحدرون من مكونات اجتماعية ينخرط قطاع كبير من أبنائها في صفوف قوات الدعم السريع”، بينما كان محمد عبد الله الدومة، خصمه الرئيسي في الصراع، حاكماً سابقاً لولاية غرب دارفور “التي اتهمت” قوات الدعم السريع “بارتكاب إبادة جماعية بحق كيان قبلي مؤثر هناك ينتسب له” الدومة نفسه (الجزيرة نت، يوليو 2025). وبعبارة أخرى، فإن الانقسام داخل حزب الأمة لم يعد مجرد خلاف حول تفسير الدستور الحزبي أو حول التحالفات السياسية المجردة، بل بات يعكس، ولو جزئياً، خط التماس الإثني والجهوي الحاد الذي أنتجته الحرب ذاتها في دارفور بين المكونات العربية التي شكلت العمود الفقري لقوات الدعم السريع، والمكونات الأفريقية غير العربية، كالفور والزغاوة والمساليت، التي تعرضت لأشد فصول الحرب دموية.

وتترتب على وحدة حزب الأمة أو انقسامه تداعيات مباشرة على مستقبل وحدة السودان بعد الحرب، وذلك من ثلاث زوايا رئيسية. الزاوية الأولى تتعلق بوظيفة الحزب التاريخية كإطار سياسي قادر على استيعاب تنوع السودان الجهوي والإثني ضمن مشروع وطني جامع؛ فانهيار هذه الوظيفة، إذا تكرس الانقسام الحالي بصورة دائمة، يعني فقدان السودان لأحد أهم أطره السياسية المدنية القادرة على تجاوز الاستقطاب الثنائي الحاد بين مركز نيلي وأطراف مهمشة. أما الزاوية الثانية فتتعلق بالرسالة الرمزية التي يبعثها انقسام حزب بحجم وتاريخ حزب الأمة إلى بقية مكونات المجتمع السوداني؛ إذ إن عجز أعرق الأحزاب السودانية عن الحفاظ على وحدته الداخلية في مواجهة استقطاب الحرب يرسل إشارة سلبية إلى قدرة النسيج السياسي السوداني الأوسع على تجاوز هذا الاستقطاب مستقبلاً، ويغذي مخاوف مشروعة من أن يكون التقسيم الفعلي للسودان، الذي بات يتجسد ميدانياً عبر حكومتين متنافستين إحداهما في بورتسودان والأخرى في نيالا، أمراً يتكرر انعكاسه داخل كل مكون سياسي ومجتمعي في البلاد. أما الزاوية الثالثة، والأكثر جوهرية بالنسبة لمستقبل السودان بعد الحرب، فهي أن أي مسار مصالحة وطنية شاملة سيحتاج بالضرورة إلى أطر سياسية ذات مصداقية جهوية وإثنية عابرة للانقسام الحالي بين شرق النيل وغربه، وهو الدور الذي كان حزب الأمة، بحكم تاريخه وامتداده الاجتماعي، الأكثر تأهيلاً للاضطلاع به من بين القوى السياسية السودانية التقليدية؛ فإذا استمر الحزب منقسماً على ذات خط التماس الذي تنقسم عليه الحرب نفسها، فإن قدرته على القيام بهذا الدور التجسيري في مرحلة ما بعد الحرب ستتقلص إلى حد كبير، بل قد ينقلب الدور من كونه جسراً للوحدة إلى كونه مرآة إضافية للانقسام.

الجزء الثاني: كيف اشتعل الصراع؟ السرد الزمني للانهيار المؤسسي

 خامساً: ثلاثة أحزاب في حزب واحد: كيف قسمت الحرب صفوف الأمة؟

حافظ الموقف الرسمي المعلن للحزب، في بداية الحرب في أبريل 2023، على الدعوة إلى وقف القتال ورفض الانحياز إلى أي من الجيش أو قوات الدعم السريع، وهو موقف انسجم مع الخط العام الذي تبنته غالبية القوى المدنية السودانية آنذاك، بما فيها لجان المقاومة والتجمعات المهنية. غير أن هذا الموقف لم يحظَ بإجماع داخلي مستقر؛ إذ رأت قيادات أخرى أن طبيعة الحرب، وما ورد من تقارير موثقة عن ممارسات قوات الدعم السريع من انتهاكات جسيمة بحق المدنيين في الخرطوم ودارفور، بما فيها اتهامات دولية بارتكاب جرائم قد ترقى إلى الإبادة الجماعية في الجنينة بغرب دارفور، تقتضي الوقوف إلى جانب الجيش باعتباره مؤسسة الدولة الشرعية، في حين اعتبرت قيادات مقابلة أن دعم الجيش يعني عملياً إعادة إنتاج الحكم العسكري الذي أطاح بالتجربة الديمقراطية مرتين في تاريخ السودان الحديث، أو التحالف الضمني مع التيار الإسلامي المرتبط ببقايا نظام الإنقاذ الذي أُطيح به في ثورة ديسمبر 2018-أبريل 2019 والمؤيد لبعض قيادات الجيش.

ومع استمرار الحرب واتساع رقعتها الجغرافية لتشمل إقليم كردفان ومناطق واسعة من دارفور، تبلورت عملياً ثلاثة اتجاهات رئيسية داخل الحزب، ظلت حدودها متداخلة أحياناً لكنها اتخذت طابعاً أكثر وضوحاً وتصلباً كلما تقدمت الحرب في مسارها. يتمثل الاتجاه الأول في التيار المؤيد للجيش وسلطة بورتسودان – التي أصبحت المقر المؤقت للحكومة والمؤسسات السيادية بعد سيطرة قوات الدعم السريع على معظم أنحاء العاصمة الخرطوم – وأبرز القيادات المرتبطة به محمد عبد الله الدومة، وصديق إسماعيل، وإبراهيم الأمين، إلى جانب قيادات أخرى، وموقفها السياسي العام يقوم على دعم الجيش باعتباره مؤسسة الدولة، ورفض ما اعتُبر انحيازاً إلى قوات الدعم السريع أو إلى التحالفات المدنية المرتبطة بها. أما الاتجاه الثاني فهو التيار المدني الرافض للحرب، وترتبط به قيادات مثل صديق الصادق المهدي، والواثق البرير، ومريم الصادق المهدي، وقيادات أخرى شاركت في تنسيقية “تقدم” ثم لاحقاً في “صمود”، وموقفها العام يقوم على المطالبة بوقف الحرب فوراً ودون شروط، ورفض الاصطفاف مع أي من الطرفين المتحاربين، والتمسك بمسار مدني تفاوضي لحل الأزمة يفضي إلى استعادة المسار الديمقراطي المدني الذي انقطع بانقلاب أكتوبر 2021. ويتمثل الاتجاه الثالث في تيار فضل الله برمة ناصر والتحالفات المرتبطة بقوات الدعم السريع، حيث عمل برمة ناصر وقيادات شاركت معه ضمن تحالف “تأسيس” الذي أُعلن في نيروبي بكينيا في فبراير 2025، ضمن إطار سياسي يضم قوات الدعم السريع وحلفاءها من الحركات المسلحة والقوى السياسية والمدنية، دفاعاً عن ترتيبات سياسية بديلة للسلطة القائمة في بورتسودان، وقبولاً لاحقاً بمنصب رئاسة المجلس التشريعي في حكومة “تأسيس” الموازية (Aberfoyle International Security، نوفمبر 2025).

وتجدر الإشارة إلى ضرورة التعامل مع هذه التصنيفات الثلاثة بحذر منهجي؛ فالحدود بين الأجنحة ليست دائماً ثابتة أو قاطعة، كما أن بعض القيادات جمعت في مواقفها بين الدعوة إلى وقف الحرب من جهة والمشاركة في تحالفات اعتبرها خصومها السياسيون منحازة فعلياً إلى أحد طرفي النزاع من جهة أخرى، وهو ما يعكس صعوبة الحياد الكامل في بيئة استقطاب حاد كالتي تشهدها الساحة السودانية منذ ثلاث سنوات ونصف السنة من الحرب.

 سادساً: تقدم إلى الانقسام: كيف تحول التحالف المدني إلى فخ سياسي؟

كان انخراط حزب الأمة القومي في تنسيقية “تقدم” من أبرز نقاط التحول في مسار الصراع الداخلي، وقد بدأ هذا الانخراط قبل أن تتحول التنسيقية نفسها إلى ساحة خلاف سوداني أوسع تجاوز حزب الأمة إلى عموم القوى المدنية. فقد أيدت مؤسسة الرئاسة ومجلس التنسيق مشاركة الحزب في هذا الإطار المدني منذ تأسيسه في أكتوبر 2023، في حين عارض رئيس الحزب المكلف والأمانة العامة هذه المشاركة، أو تحفظا على الأقل على طريقتها وحدود التمثيل فيها، بحسب ما أظهرته اجتماعات داخلية متكررة بين عامي 2023 و2024. واتهمت مجموعة معارضة داخل الحزب القيادةَ باتخاذ قرارات تتعلق بـ”تقدم” دون تشاور مؤسسي كافٍ مع بقية الهياكل الحزبية، وهو خلاف تكرر لاحقاً في صيغة أخرى حين اجتمعت هيئة القيادة بزعامة نائب الرئيس محمد عبد الله الدومة في مايو 2024 ورفضت مشاركة الحزب في اجتماعات التنسيق التابعة لـ”تقدم”، منتقدة طريقة اختيار ممثلي الحزب فيها باعتبارها تمت دون تشاور واسع، فيما أعلن الرئيس المكلف فضل الله برمة ناصر أن اجتماع الدومة “غير شرعي” وأكد التزام الحزب بـ”تقدم” (Sudan Tribune، مايو 2024).

وفي عام 2024، ظهرت مجموعة أطلقت على نفسها اسم “مجموعة الإصلاح المؤسسي”، واتخذت من مدينة بورتسودان منصة لنشاطها السياسي والتنظيمي، مستفيدة من كون بورتسودان المقر الفعلي للمؤسسات السيادية والحكومية المعترف بها دولياً. وأكدت قيادات من الحزب أن هذه المجموعة تبنت اسماً وموقفاً سياسياً مختلفين تماماً عن الموقف الرسمي المعلن للحزب، واتهمتها بالاقتراب من الحكومة القائمة في بورتسودان ومن الجيش، وبمعارضة خط الحزب الرسمي الرافض للحرب والاصطفاف مع أي طرف من أطرافها.

وفي أبريل 2024، أعلنت قيادات حزبية من عدة ولايات سودانية اعتراضها الصريح على موقف القيادة من “تقدم”، واتهمت الحزب بدعم قوات الدعم السريع ضمناً، وطالبت بالانسحاب الفوري من التنسيقية. وردت القيادة الحزبية على هذه الاعتراضات بالقول إن هذه الاجتماعات لا تمثل مؤسسات الحزب المركزية، وأنها تستهدف عملياً تغيير موقفه السياسي المعلن عبر إنشاء هياكل موازية غير معترف بها. ولم تكن أزمة “تقدم” هذه سوى مقدمة لأزمة أكبر تفجرت داخل التنسيقية نفسها في مطلع عام 2025، حين انقسمت “تقدم” رسمياً في 10 فبراير 2025 إلى فصيلين: الأول أيد مقترح تشكيل حكومة مدنية بديلة في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع بقيادة نائب رئيس “تقدم” الهادي إدريس، والثاني، وضم تسعة عشر كياناً سياسياً ومدنياً من بينها حزب الأمة القومي والتجمع الاتحادي السوداني والتجمع الفيدرالي وأحزاب أخرى، رفض هذا المسار بشدة، معتبراً أنه سيكرس الانقسام الفعلي للسودان تحت غطاء الحوكمة المدنية (DNE Africa، فبراير 2025). وقد أفضى هذا الانقسام إلى تشكيل تحالف “التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة”، المعروف اختصاراً بـ”صمود”، بقيادة عبد الله حمدوك، وضم إلى جانب حزب الأمة القومي كلاً من حزب المؤتمر السوداني، والتجمع السوداني الوطني، والتجمع الاتحادي، وحزب البعث الاشتراكي العربي، والحزب الوطني السوداني، والحزب الاتحادي الموحد، وحزب التواصل، والحزب الناصري، وحركة الحق، والحزب الوطني الاتحادي، والحركة الشعبية لتحرير السودان-الفصيل الديمقراطي الثوري، وتيار الشعب الموحد، من بين مكونات أخرى (Sudans Post، فبراير 2025). وقد رأى محللون سياسيون سودانيون، مثل مصعب عبد الله في تصريحات لموقع “الترا سودان”، أن هذا الانقسام يمثل قطيعة واضحة داخل “تقدم” نفسها، وأن توقيع حمدوك على إعلان المبادئ مع حميدتي في أديس أبابا في مطلع يناير 2024 كان خطأ سياسياً استوجب لاحقاً عملية تصحيح مسار عبر الانفصال عن الفصيل المتهم بالتماهي مع رؤية الدعم السريع (Sudan Events، يناير 2025). ووصف آلان بوزويل، الخبير المتخصص في الشأن السوداني بمعهد أبحاث الأزمات الدولية (International Crisis Group)، هذا التطور بأن اتفاق إعلان المبادئ ولّد قلقاً متزايداً لدى دبلوماسيين غربيين من أن أجزاء من “تقدم” باتت متماهية مع الدعم السريع، فيما أكد حميد خليف الله، الباحث السياسي السوداني والمرشح لدرجة الدكتوراه في جامعة مانشستر، أن هذا التوقيع فاقم أزمة شرعية “تقدم” ذاتها، إذ بدت التنسيقية أقرب إلى ما تريد قوات الدعم السريع سماعه، بينما ظل الجيش أكثر مقاومة لمسارات التفاوض (مقتبس في Al Jazeera / DNyuz، فبراير 2025).

 سابعاً: ليلة نيروبي: التوقيع الذي فجّر الحزب من الداخل

بلغ الصراع الداخلي ذروة جديدة وحاسمة في فبراير 2025، عقب توقيع فضل الله برمة ناصر على “الميثاق التأسيسي” المرتبط بتحالف “تأسيس” (Tasis)، الذي أُعلن رسمياً في اجتماع تأسيسي عُقد في مركز كينياتا الدولي للمؤتمرات بالعاصمة الكينية نيروبي في 18 فبراير 2025، وضم قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي” إلى جانب الحركة الشعبية لتحرير السودان-قطاع الشمال بقيادة عبد العزيز الحلو، وحركات مسلحة من دارفور وشرق السودان مثل مؤتمر البجا وحركة “الأحرار” العربية الرشايدة، وفصائل من أحزاب سياسية تقليدية من بينها حزب الأمة القومي والحزب الاتحادي الديمقراطي وحركة العدل والمساواة ذات القاعدة الزغاوية، ليصل مجموع الموقعين على الميثاق إلى أكثر من أربعين كياناً مسلحاً وسياسياً ومدنياً (Wikipedia contributors / Sudan Founding Alliance، 2026؛ Aberfoyle International Security، نوفمبر 2025). وبعد تأجيلات متكررة، وُقّع الميثاق التأسيسي رسمياً في تمام الساعة الثانية صباحاً من يوم 23 فبراير 2025 في مركز “إيدج” للمؤتمرات بنيروبي (The Sudan Times، يوليو 2025)، وتضمن الميثاق تصوراً لتشكيل حكومة موازية أُطلق عليها اسم “حكومة السلام والوحدة” في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، إضافة إلى تناوله قضايا خلافية بالغة الحساسية مثل النص على علمانية الدولة، ومنح حق تقرير المصير في حال لم تُدرج العلمانية في الدستور الانتقالي أو الدائم للبلاد، وهو بند اعتُبر في السودان، ذي الأغلبية المسلمة والتاريخ الطويل من الحروب الأهلية المرتبطة بمسائل الهوية الدينية والقومية، بالغ الحساسية سياسياً واجتماعياً.

وعلى إثر ذلك، أعلنت مؤسسة الرئاسة، في 24 أو 25 فبراير 2025 بحسب اختلاف الروايات الصحفية الدقيقة حول التوقيت، سحب تكليف برمة ناصر من رئاسة الحزب، وتعيين محمد عبد الله الدومة رئيساً مكلفاً بدلاً منه، على أن يمارس صلاحيات الرئيس المنتخب ويتخذ قراراته عبر مؤسسة الرئاسة (Sudan Tribune، فبراير 2025). وبررت مؤسسة الرئاسة قرارها بأن برمة ناصر اتخذ خطوات سياسية كبرى دون تفويض من مؤسسات الحزب أو تشاور معها، وأن توقيعه على وثائق إعلان أديس أبابا في يناير 2024 ثم على ميثاق نيروبي في فبراير 2025 قد خالف مبادئ الحزب ومؤسساته الدستورية، لا سيما فيما يتعلق بمسألتي العلمانية وتقرير المصير، مشيرة في بيانها إلى أنها رصدت مخالفات متعددة منذ أبريل 2023، أبرزها المشاركة في إعلان أديس أبابا دون تفويض، ثم توقيعه على الميثاق التأسيسي الذي اعتبرته البيانات الرسمية “يتناقض مع مبادئ الحزب في عدة نقاط جوهرية” (Beam Reports، فبراير 2025). كما أوضح البيان الرسمي أن تكليف برمة ناصر الأصلي كان قد استند إلى “شرعية غير دستورية” ناتجة عن التوافق السياسي، نظراً لأن دستور الحزب لم يحدد أصلاً آلية واضحة لخلافة الرئيس (Sudan Tribune، فبراير 2025).

غير أن المكتب السياسي والجهات المؤيدة لبرمة ناصر رفضت هذا القرار جملة وتفصيلاً، واعتبرت أن مؤسسة الرئاسة هي في حقيقتها هيئة استشارية أو جماعية لا تملك دستورياً حق عزل الرئيس المكلف، وأن هذه الصلاحية لا يملكها إلا المؤتمر العام بوصفه السلطة العليا في الحزب. وقد أكد رئيس المكتب السياسي محمد المهدي حسن، في بيان صدر في أواخر مارس 2025، أن المكتب السياسي هو السلطة الأولى في الحزب وأنه يقوم بمهام الهيئة المركزية والمؤتمر العام، وأن نواب الرئيس ومساعديه ومستشاريه لا يملكون صلاحية إعفائه أصلاً، موضحاً أن مؤسسة الرئاسة جهاز أفقي يكوّنه رئيس الحزب وتحت سلطاته، وهو من يعيّن أعضاءها ويعفيهم لا العكس (الراكوبة، أبريل 2025). وردّ برمة ناصر على قرار سحب تكليفه بحل مؤسسة الرئاسة نفسها، وإنهاء تكليف نوابه ومساعديه ومستشاريه، وإعادة تشكيلها من جديد على أسس مغايرة، مستنداً في ذلك إلى الصلاحيات المنصوص عليها للرئيس في المادة 14 من دستور الحزب، معتبراً في بيانه أن “ما صدر من قرارات باسم مؤسسة الرئاسة مخالف لدستور الحزب ولا يعبر عن مؤسساته المنصوص عليها بالدستور”، على أن يتم التشاور مع رئيس المكتب السياسي والأمين العام بشأن ترتيبات الدعوة لانعقاد مؤتمر عام استثنائي (سودافاكس، فبراير 2025). وبذلك تحول النزاع من خلاف سياسي حول التحالفات الخارجية إلى نزاع صريح ومباشر حول الشرعية الدستورية والتنظيمية لكل طرف من الأطراف المتنازعة، وهو نمط من التنازع القانوني-التنظيمي المتبادل تكرر لاحقاً بصور متعددة طوال عام 2025 كاملاً.

 ثامناً: هدنة هشة: تسوية أبوظبي التي لم تُصلح شيئاً

في أبريل 2025، قرر مجلس التنسيق استمرار برمة ناصر في منصبه، مع اعتبار توقيعه على ميثاق نيروبي خطوة استثنائية لا ينبغي أن تترتب عليها التزامات مستقبلية تجاه قوات الدعم السريع، في محاولة لاحتواء الأزمة دون حسم جذري لمصدر الشرعية. وجاء هذا القرار عقب لقاءات جرت في أبوظبي بالإمارات العربية المتحدة بين برمة ناصر والأمين العام للحزب الواثق البرير، سعت إلى تجاوز الأزمة التنظيمية القائمة عبر تسوية توافقية، دون أن تحسم بصورة قاطعة مسألة من يملك السلطة الفعلية لعزل الرئيس أو الإبقاء عليه.

غير أن هذه التسوية لم تُنهِ الصراع فعلياً؛ فقد ظل فريق الدومة متمسكاً بأن قرار سحب التكليف الصادر في فبراير 2025 صحيح ونافذ، في حين تمسك فريق برمة ناصر بأن هذا القرار غير دستوري من أساسه. ونتيجة لهذا التنازع المستمر، استمر وجود مركزين متنافسين للقيادة: مركز يدعم برمة ناصر ويستند إلى مجلس التنسيق والمكتب السياسي، ومركز آخر يدعم الدومة ويستند إلى مؤسسة الرئاسة والقيادات التي أعلنت عزل برمة ناصر في الأصل. وقد لاحظ محللو الشأن السوداني أن هذا النمط من التسويات المؤقتة غير الحاسمة أصبح سمة متكررة في إدارة الأزمة، إذ فضّل الطرفان في مناسبات متعددة تجميد الخلاف بدلاً من حسمه عبر آلية دستورية واضحة، وهو ما أبقى الباب مفتوحاً أمام تجدد الأزمة في كل محطة سياسية أو عسكرية جديدة تطرأ على مسار الحرب السودانية.

 تاسعاً: حرب الإقالات: من العزل إلى حكومة نيالا الموازية

في 30 مارس 2025، أعاد برمة ناصر تشكيل مؤسسة الرئاسة من جديد، فأعفى الفريق صديق إسماعيل، ومريم الصادق المهدي، ومحمد عبد الله الدومة من مواقعهم كنواب للرئيس، وعيّن بدلاً منهم قيادات أخرى، من بينها إبراهيم الأمين، وخالد أصيل، وبابكر دقنة، كما عيّن صديق الصادق المهدي مساعداً له (Sudan Tribune، مارس 2025). وقد عُدّت هذه الخطوة رداً مباشراً على قرار عزله الصادر في فبراير 2025، وقد عمقت بدورها الانقسام بين القيادات المؤيدة له والقيادات المناوئة له داخل الحزب. ووصف الفريق صديق إسماعيل، أحد النواب المقالين في هذا القرار، إجراءات برمة ناصر في تصريحات لموقع “الترا سودان” بأنها “رعونة سياسية تتطلب الحسم”، مؤكداً أن برمة لا يحق له إصدار مثل هذه القرارات لأنها تفتقد إلى الشرعية ولا يمكن أن يُعمل بها داخل مؤسسات الحزب (Ultra Sudan، مارس 2025).

وفي يوليو 2025، اتهم المكتب السياسي المجموعة المؤيدة للدومة بتنفيذ “انقلاب ناعم” على مؤسسات الحزب وانتحال صفة القيادة، مؤكداً أن تعيين رئيس الحزب أو إعفاءه لا يمكن أن يتم عبر اجتماعات جهوية أو بيانات إعلامية منفردة. وفي المقابل، تمسك أنصار الدومة بقرار مؤسسة الرئاسة الصادر في فبراير 2025، واعتبروا برمة ناصر فاقداً للتكليف كلياً، وأكد الدومة، في تصريح صادر في 12 يوليو 2025، أن مؤسسة الرئاسة سحبت التكليف عن برمة ناصر لمخالفته الشرط الأساسي الذي ينص على عدم اتخاذ القرار منفرداً، ولتجاوزه أطر الحزب المدني، ولانضمامه إلى جسم مسلح يحارب الشعب، مع تأكيد الحزب في الوقت نفسه رفضه لأي محاولة لتصفية القوات المسلحة تستهدف الوصول إلى السلطة لقضايا بعيدة عن مصلحة الشعب (سونا/سودانيل، يوليو 2025). وشهد الشهر ذاته تطوراً موازياً مثيراً للجدل، حين التقى وفد من الفصيل المؤيد لبرمة ناصر برئيس مجلس الوزراء في بورتسودان، وهو ما أثار إدانة واسعة من قيادات حزبية أخرى واعتُبر دليلاً إضافياً على حجم التفكك الذي بلغه الحزب (Sudan Tribune، يوليو 2025).

وفي أغسطس 2025، وتحديداً في السابع من الشهر، أصدر برمة ناصر قراراً بإقالة ستة من كبار قادة الحزب، هم نواب الرئيس الثلاثة إبراهيم الأمين ومحمد عبد الله الدومة وصديق محمد إسماعيل، ومساعد الرئيس بشرى عبد الحميد، إضافة إلى مستشاري الرئيس إسماعيل كتر ونعيمة عجبنا (صحيفة مداميك، أغسطس 2025). وقدّم القرار باعتباره إجراءً لاستعادة هيبة الحزب ومنع تحويل المناصب القيادية إلى منصات شخصية، بعد مراجعة دقيقة للأداء التنظيمي والسياسي وتقييم مدى الالتزام بالخط العام للحزب وموجهاته الاستراتيجية، بينما رأى خصومه في هذا القرار عملية تطهير تنظيمي واضحة تستهدف بصورة مباشرة الجناح المؤيد للجيش داخل الحزب. وقد رجّحت تقارير صحفية معاصرة، من بينها تقرير لصحيفة سودان تربيون بتاريخ 9 أغسطس 2025، أن يؤدي هذا القرار إلى انشقاق فعلي للحزب إلى فصيلين متمايزين، خصوصاً في ظل الانقسام الحاد القائم في المواقف؛ إذ يُعرف عن برمة ناصر تأييده لقوات الدعم السريع، بينما يدعم نوابه المقالون وقيادات أخرى الجيش، في حين يتمسك فريق ثالث بالحياد ويدعو إلى وقف الحرب دون انحياز لأي طرف (Sudan Tribune، أغسطس 2025). ولم يقف الأمر عند حدود القرارات الإدارية؛ فقد أكدت مصادر متابعة أن برمة ناصر قَبِل لاحقاً منصباً رسمياً في المجلس التشريعي لحكومة “تأسيس” الموازية التي أُعلن تشكيلها في مدينة نيالا بجنوب دارفور في 26 يوليو 2025 برئاسة محمد حمدان دقلو رئيساً للمجلس السيادي للحكومة الموازية ونائبه عبد العزيز الحلو، ورئاسة محمد حسن التعايشي للوزراء، في خطوة اعتُبرت تتويجاً عملياً لمسار الانفصال التنظيمي الذي بدأ بتوقيعه على ميثاق نيروبي قبل نحو ستة أشهر (Maghrebi.org، يوليو 2025؛ Mada Masr، أغسطس 2025). وقد وصف مراقبون هذه الخطوة بأنها إعلان فعلي عن ارتباط برمة ناصر ببنية سياسية موازية كاملة تتجاوز حزب الأمة إلى مشروع دولة بديلة، وهو ما جعل من الصعب على أي تسوية داخلية لاحقة أن تعيد وحدة الحزب إلى ما كانت عليه قبل فبراير 2025.

وامتد الانقسام إلى أوائل عام 2026؛ ففي 10 يناير 2026، نظّم قادة موالون للدومة أول ملتقى سياسي للحزب في مقره التاريخي بمدينة أم درمان، في خطوة كرّست عملياً وجود رئيسين مكلفين متنازعين للحزب في آن واحد، ودعا المشاركون فيه أعضاء الحزب داخل السودان وخارجه للوقوف صفاً واحداً خلف موقف التنظيم من الحرب تحت قيادة الدومة، مع الإعلان الصريح عن دعم الجيش بوصفه المؤسسة الوطنية الشرعية (Sudan Tribune، يناير 2026). وأكدت التقارير الصحفية في هذا السياق أن الحزب بات فعلياً منقسماً إلى ثلاثة فصائل متمايزة: الأول بقيادة برمة ناصر المؤيد لقوات الدعم السريع، والثاني بقيادة الدومة المعلن دعمه الكامل للجيش، والثالث المرتبط بالأمين العام الواثق البرير الرافض للحرب بإطلاق (Sudan Tribune، يناير 2026).

الجزء الثالث: ما الذي يتنازعون عليه فعلاً؟ تفكيك القضايا الجوهرية وأثرها على مستقبل السودان

 عاشراً: قضايا لا تحتمل الحياد: أربعة خطوط صدع تمزق الحزب

من يملك حق العزل؟ الثغرة الدستورية التي لا يسدها أحد

يتمثل أحد أهم أوجه هذا الصراع في غياب آلية واضحة ومنصوص عليها بدقة لخلافة رئيس الحزب المتوفى. فقد تأسس تكليف برمة ناصر أصلاً على التوافق السياسي بين مؤسسات الحزب لا على نص دستوري حاسم وقاطع يحدد سلفاً من يخلف الرئيس وما هي المدة الزمنية المسموح بها للترتيب المؤقت، ثم اختلفت الأطراف لاحقاً حول الجهة التي تملك فعلياً حق إنهاء هذا التكليف: هل هي مؤسسة الرئاسة الجماعية، أم المكتب السياسي، أم الهيئة المركزية، أم المؤتمر العام وحده باعتباره أعلى سلطة تشريعية داخل الحزب؟ وهذا الفراغ القانوني، الذي بدا في اللحظة الأولى عام 2020 تفصيلاً إجرائياً يمكن تجاوزه بالتوافق، تحول مع تطاول أمد الأزمة واحتدام الاستقطاب السياسي في البلاد إلى ثغرة بنيوية استغلها كل طرف لتبرير مواقفه، بحيث بات من المتعذر عملياً التوصل إلى تفسير محايد ومقبول من جميع الأطراف لنصوص دستور الحزب دون عقد المؤتمر العام الذي ظل هو نفسه مؤجلاً بسبب استمرار الحرب.

جيش الدولة أم غطاء الإسلاميين؟ معضلة لا حل لها

يرى الجناح المؤيد للجيش أن الحرب تمثل مواجهة بين مؤسسات الدولة الشرعية وبين قوة مسلحة موازية هي قوات الدعم السريع، التي تحدرت أصلاً من ميليشيات “الجنجويد” التي استُخدمت في حرب دارفور مطلع الألفية، وأن الحياد العملي في هذه المواجهة يصب عملياً في مصلحة الدعم السريع بإطالة أمد الحرب وتقويض هيبة مؤسسات الدولة الرسمية. أما خصوم هذا الجناح فيرون أن الجيش خاضع لتأثير التيار الإسلامي المرتبط بحزب المؤتمر الوطني المنحل، وأن دعمه يهدد بشكل مباشر مسار الانتقال المدني الديمقراطي في البلاد، ويعيد إنتاج الدائرة نفسها من الانقلابات العسكرية التي عرفها السودان منذ استقلاله عام 1956، والتي شهدت أكثر من خمس محاولات انقلابية ناجحة، كان آخرها انقلاب أكتوبر 2021.

شريك سلام أم قوة إبادة؟ الانقسام حول الدعم السريع

ترفض أجنحة واسعة داخل الحزب أي تعاون سياسي مع قوات الدعم السريع بسبب الانتهاكات الموثقة المنسوبة إليها، والتي شملت وفق تقارير أممية وحقوقية دولية عمليات قتل جماعي واغتصاب ونهب ممنهج طالت مدنيين في الخرطوم والجزيرة ودارفور، بينما يبرر جناح برمة ناصر مشاركته في التحالفات المرتبطة بها باعتبارها جزءاً من ترتيبات سياسية ضرورية لإنهاء الحرب وتأسيس نظام سياسي جديد بعدها، مستنداً إلى تصريحات لقيادات قوات الدعم السريع تؤكد السعي لدولة علمانية ديمقراطية لا تمييز فيها على أساس اللون أو العرق. غير أن خصوم هذا الجناح يرون أن توقيع وثائق سياسية رسمية مع قوات الدعم السريع، خصوصاً وثيقة تنص على إنشاء حكومة موازية كاملة الأركان بمجلس سيادي ومجلس وزراء ومجلس تشريعي، يتجاوز بمراحل موقف الحزب المعلن الرافض للانحياز لأي طرف من أطراف النزاع، ويحوّل الحزب فعلياً إلى شريك مباشر في مشروع سياسي يهدد وحدة السودان الترابية، وفق تحذيرات صدرت عن جهات دولية عدة من بينها الأمم المتحدة، التي أعربت عن قلقها العميق إزاء إعلان الحكومة الموازية.

ثلاث رايات لثلاثة مصائر: تقدم وصمود وتأسيس

أصبحت التحالفات الخارجية للحزب بمثابة مرآة عاكسة للانقسامات الداخلية القائمة فيه، بل ربما كانت في بعض المحطات هي السبب المباشر في تفجر الأزمات الداخلية أكثر من كونها نتيجة لها. فتنسيقية “تقدم”، التي تحولت لاحقاً بعد انشقاق فبراير 2025 إلى “صمود”، كانت إطارين مدنيين متعاقبين يركزان على وقف الحرب والعودة إلى المسار المدني الديمقراطي، وارتبط بهما جناح صديق الصادق المهدي والواثق البرير وقيادات أخرى من التيار المدني داخل الحزب. أما تحالف “تأسيس”، الذي تأسس في نيروبي في فبراير 2025 وأعلن حكومته الموازية رسمياً في نيالا في يوليو 2025، فكان تحالفاً سياسياً وعسكرياً ارتبط بقوات الدعم السريع، وقد انضم إليه برمة ناصر، ثم تحول توقيعه على ميثاقه التأسيسي إلى السبب المباشر في أزمة سحب التكليف منه. وفي مقابل هذين الإطارين، برز تيار بورتسودان الذي ارتبط بالقيادات المؤيدة للجيش والرافضة لمشاركة الحزب في أي أطر اعتبرتها منحازة إلى قوات الدعم السريع، وقد تكرس هذا التيار مؤسسياً عبر الملتقى السياسي الذي عُقد في أم درمان في يناير 2026 تحت قيادة الدومة.

 حادي عشر: هل يهدئ السياسي المجزرة؟ الفاشر تجيب

كان أحد أبرز المبررات التي ساقها أنصار فضل الله برمة ناصر لانضمامه إلى تحالف “تأسيس” هو أن الانخراط السياسي المباشر مع قوات الدعم السريع، بدلاً من مقاطعتها، قد يفتح مساراً للتأثير في سلوكها الميداني وضبط انتهاكاتها عبر إشراكها في مشروع سياسي مسؤول يفرض عليها معايير الحوكمة والمساءلة، خصوصاً أن حميدتي نفسه أدلى بتصريحات متكررة تؤكد السعي إلى “دولة علمانية وديمقراطية” لا تمييز فيها على أساس اللون أو العرق (RFI / Africanews، يوليو 2025). غير أن الوقائع الموثقة على الأرض، فيما يتعلق تحديداً بالفترة التي أعقبت الإعلان عن تحالف “تأسيس” في فبراير 2025 ثم إعلان حكومته الموازية في نيالا في يوليو 2025، لا تدعم هذا الافتراض، بل تشير إلى العكس تماماً من حيث حجم الانتهاكات وشدتها.

فبعد أشهر قليلة من إعلان تحالف “تأسيس” وانضمام برمة ناصر إليه، شنت قوات الدعم السريع في 26 أكتوبر 2025 هجومها النهائي على مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، بعد حصار استمر ثمانية عشر شهراً متواصلاً قطع عن سكانها الغذاء والدواء والإمدادات الإنسانية الأساسية، وأفضى سقوط المدينة إلى ما وصفته منظمات حقوقية دولية بأنه أحد أفظع فصول الحرب السودانية. فقد أعلنت بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان، في تقرير صدر في فبراير 2026، أن الأدلة تثبت ارتكاب ثلاثة أفعال أساسية من أفعال الإبادة الجماعية خلال الاستيلاء على الفاشر، هي “قتل أفراد ينتمون إلى جماعة محمية، وإلحاق ضرر جسدي وعقلي جسيم بها، وتعمد إخضاعها لأحوال معيشية يُقصد بها إهلاكها كلياً أو جزئياً”، مؤكدة أن “حجم العملية وتنسيقها وتأييد قيادة قوات الدعم السريع العليا لها علناً يثبت أن الجرائم المرتكبة في الفاشر وما حولها لم تكن تجاوزات عشوائية للحرب” (UN News، فبراير 2026؛ محمد شاندي عثمان، رئيس البعثة، مقتبس في المصدر نفسه). وقد وثّق هذا التقرير استهداف الجرائم لجماعتي الفور والزغاوة تحديداً على أساس هويتهما الإثنية، في تكرار مباشر لنمط الانتهاكات التي ارتكبتها ميليشيات الجنجويد، التي تحدرت منها قوات الدعم السريع، في حرب دارفور الأولى مطلع الألفية.

وقد فصّلت منظمة العفو الدولية، في تقرير صدر في يوليو 2026 بعنوان “مدينة تحت الحصار، وأطفال تحت النيران: جرائم قوات الدعم السريع ضد الإنسانية في شمال دارفور”، هذه الانتهاكات استناداً إلى مقابلات أجرتها مع مائتين وستة وأربعين شخصاً، من بينهم مئتان وثمانية ناجين، وخلصت إلى أن جرائم قوات الدعم السريع شملت “القتل، والترحيل القسري، والسجن، والتعذيب، والاغتصاب، والاستعباد الجنسي، وأشكالاً أخرى من العنف الجنسي، والاستعباد، والإبادة، والاضطهاد” (Amnesty International، يوليو 2026). وقد أفادت المنظمة بأن مئات المدنيين أُعدموا وعُذّب كثيرون آخرون أو احتُجزوا فور سقوط المدينة، وأن قوات الدعم السريع هاجمت مستشفى السعودية للولادة، وهو منشأة محمية بموجب القانون الدولي، وقتلت فيها عشرات الأشخاص، إضافة إلى ارتكاب عنف جنسي واسع النطاق شمل ضحايا من القاصرات دون الثامنة عشرة (Amnesty International USA، يوليو 2026). كما رصد مختبر الحقوق الإنسانية بجامعة ييل أكثر من خمسة وستين تقريراً وثّقت عمليات قتل جماعي وفظائع أخرى بحق الفور والزغاوة وجماعات أصلانية أخرى، من بينها بناء قوات الدعم السريع سياجاً ترابياً (“البرم”) حاصر المدنيين المتبقين داخل المدينة عند سقوطها، وتحديد مائة وخمسين مجموعة من الأجسام المتوافقة مع جثث بشرية، بعضها أُحرق ودُفن من قبل قوات الدعم السريع، وهو ما دفع وزارة الخزانة الأمريكية إلى فرض عقوبات على ثلاثة من قادة قوات الدعم السريع لدورهم في “حصار الفاشر الذي استمر ثمانية عشر شهراً وسقوطها لاحقاً، والذي ارتكبت خلاله قوات الدعم السريع حملة مروعة من القتل العرقي والتعذيب والتجويع والعنف الجنسي” (Yale School of Public Health، فبراير 2026).

وتؤكد المفوضية السامية لحقوق الإنسان بدورها هذا النمط؛ إذ حوّلت الفاشر، بحسب وصف منسق الشؤون الإنسانية بالأمم المتحدة توم فليتشر، إلى “مسرح جريمة” وصفه بأنه “استعراض رعب مطلق”، فيما أمر مجلس حقوق الإنسان الأممي بفتح تحقيق في “الفظائع” المرتكبة هناك، مؤكد مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك أن “المجتمع الدولي عليه واجب واضح بالتحرك”، وأن “ثمة الكثير من التظاهر والأداء، والقليل جداً من الفعل” (Al Jazeera، نوفمبر 2025 وفبراير 2026). كما أشارت تقارير لاحقة إلى استمرار العنف المميت في عدة مناطق من كردفان بعد سقوط الفاشر، بما في ذلك هجمات بالمسيّرات استهدفت مدنيين، وقتل خمسة متطوعين من الهلال الأحمر السوداني في بلدة بارا بشمال كردفان بعد سيطرة قوات الدعم السريع عليها، إضافة إلى مقتل طفلين في غارة بطائرة مسيّرة على مسجد في وسط السودان (Al Jazeera، فبراير 2026).

وبناءً على هذه الوقائع الموثقة من مصادر أممية وحقوقية دولية متعددة ومستقلة، يمكن الخلوص إلى أن انضمام رئيس حزب الأمة القومي وبعض مؤيديه إلى تحالف “تأسيس” لم يقترن، خلال الفترة الممتدة من فبراير 2025 حتى مطلع عام 2026 على الأقل، بأي انخفاض ملموس في وتيرة جرائم قوات الدعم السريع أو حدتها؛ بل إن أفظع الانتهاكات الموثقة في هذه الحرب، والتي وصفها محققون أمميون بأنها ترقى إلى الإبادة الجماعية، وقعت بعد أشهر من إعلان التحالف وبعد أن أصبح برمة ناصر نفسه جزءاً رسمياً من مؤسساته التشريعية. وهذا لا يعني بالضرورة الحكم على النوايا الشخصية لبرمة ناصر أو غيره من القيادات التي انضمت إلى “تأسيس”، لكنه يعني، من زاوية تحليل السياسات وأثرها الفعلي على الأرض، أن فرضية “الانخراط السياسي كأداة لضبط السلوك الميداني لقوات الدعم السريع” لم تجد ما يسندها في الوقائع الموثقة حتى تاريخ إعداد هذه الدراسة، بل إن مسار الأحداث يشير إلى أن الشرعية السياسية التي وفرها تحالف “تأسيس” لقوات الدعم السريع، عبر ضم شخصيات مدنية وحزبية تاريخية إلى مؤسساته، لم تترافق مع أي كبح فعلي لسلوكها العسكري في الميدان.

 ثاني عشر: نيالا مقابل بورتسودان: هل يتجه السودان إلى انقسام دائم؟

يطرح انضمام رئيس حزب الأمة القومي وبعض مؤيديه إلى تحالف “تأسيس” سؤالاً مصيرياً يتجاوز مسألة الجرائم الميدانية إلى مسألة أعمق تتعلق بمستقبل الوحدة الترابية للسودان نفسه، خصوصاً في ضوء أن التحالف لم يكتفِ بتوقيع ميثاق سياسي، بل أعلن رسمياً في 26 يوليو 2025، من مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور، تشكيل حكومة موازية كاملة الأركان أطلق عليها اسم “حكومة السلام والوحدة”، برئاسة محمد حمدان دقلو “حميدتي” رئيساً لمجلس سيادي مكون من واحد وثلاثين عضواً، ونيابة عبد العزيز الحلو، ورئاسة محمد حسن التعايشي للوزراء (Africanews، يوليو 2025؛ Jordan Times، ديسمبر 2025؛ Maghrebi.org، يوليو 2025). وقد امتدت سيطرة هذه الحكومة الموازية، بحسب تقارير صحفية متعددة، على معظم إقليم دارفور وأجزاء من كردفان، مع تعيين حكام لثماني مناطق فيدرالية جديدة رسمها الإطار الدستوري الانتقالي للتحالف، بما في ذلك تعيين حكام لولايتي الخرطوم والشرق رغم عدم وجود أي حضور ميداني فعلي لقوات الدعم السريع في هاتين المنطقتين حتى تاريخ الإعلان، وهو ما اعتُبر خطوة رمزية تهدف إلى الإيحاء بأن الحكومة الموازية تحكم السودان بأكمله لا غرب البلاد فحسب (Aberfoyle International Security، نوفمبر 2025).

وقد قوبل هذا الإعلان بإدانة سودانية ودولية واسعة؛ إذ وصفته وزارة خارجية الحكومة المعترف بها دولياً والمتمركزة في بورتسودان بأنه “حكومة مزيفة”، وطالبت المجتمع الدولي بعدم التعامل معها بأي صفة (Maghrebi.org، يوليو 2025)، بينما أدانت عدة دول، من بينها الولايات المتحدة الأمريكية، الميثاق التأسيسي فور توقيعه في فبراير 2025 ونفت عنه أي شرعية سياسية (Maghrebi.org، يوليو 2025). وقد حذّر القيادي في الجبهة الثورية السودانية ياسر عرمان من أن هذه الخطوة “من المرجح أن تطيل أمد الصراع وتقسم السودان إلى إدارتين متنافستين”، في مقارنة صريحة مع التجربة الليبية التي أفضت فيها الحرب الأهلية إلى انقسام البلاد بين حكومتين متوازيتين في الشرق والغرب لأكثر من عقد من الزمن (Maghrebi.org، يوليو 2025). وقد رصدت تحليلات صحفية مستقلة، من بينها تحليل نشرته “الجزيرة” الإنجليزية عقب سقوط الفاشر مباشرة في أواخر أكتوبر 2025، أن “السودان بات فعلياً مقسماً على طول محور شرقي-غربي، حيث تدير قوات الدعم السريع حكومة موازية عبر دارفور، بينما يتمركز الجيش على طول النيل والبحر الأحمر في الشمال والشرق والوسط” (Al Jazeera، أكتوبر 2025)، وهو وصف يكاد يطابق حرفياً التخوف الذي عبّر عنه ياسر عرمان قبل أشهر من ذلك.

وفي ضوء هذا الواقع الميداني والسياسي الموثق، يصعب القول إن انضمام رئيس حزب الأمة القومي وبعض مؤيديه إلى تحالف “تأسيس” يسهم في تعزيز وحدة غرب السودان والسودان النيلي؛ بل إن الأدلة المتاحة تشير إلى العكس تماماً، لأسباب أربعة رئيسية يمكن تفصيلها كما يلي. يتمثل السبب الأول في أن مجرد وجود حكومتين متوازيتين تتخذان من نيالا وبورتسودان مقرين لهما، ولكل منهما مجلس سيادي ومجلس وزراء ومجلس تشريعي خاص بها، يمثل بحد ذاته انقساماً مؤسسياً فعلياً للدولة السودانية، بصرف النظر عن أي اعتراف دولي أو رفض له؛ فالانقسام هنا ليس افتراضياً أو نظرياً بل واقع إداري وعسكري قائم على الأرض. ويتمثل السبب الثاني في أن مشاركة قيادة حزبية تاريخية بحجم حزب الأمة القومي، بامتداده الاجتماعي الواسع بين السودان النيلي وغربه كما فُصّل في الفصل السابق من هذه الدراسة، في هذه الحكومة الموازية، تمنحها غطاءً سياسياً ومدنياً وتاريخياً يصعب أن توفره قوة عسكرية بحتة كقوات الدعم السريع بمفردها، وبذلك فإن انضمام برمة ناصر لا يقتصر أثره على تصويت شخصي أو موقف فردي، بل يوظَّف فعلياً في الخطاب الدعائي لتحالف “تأسيس” كدليل على أن مشروعه يحظى بتأييد من “السودان النيلي” التقليدي لا من مكونات دارفور والغرب فحسب، وهو ما يعمق بدوره الانقسام الرمزي بين الروايتين المتنافستين حول من يمثل الشرعية الوطنية الجامعة. ويتمثل السبب الثالث في أن استمرار الجرائم الجسيمة، وبلوغها حد الإبادة الجماعية وفق تقييم بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق كما فُصّل في الفصل السابق، بعد إعلان الحكومة الموازية وخلالها، يجعل من الصعب موضوعياً اعتبار هذا المشروع أداة لبناء دولة جامعة تحظى بثقة جميع مكونات السودان، بل يجعله في نظر شرائح واسعة من الرأي العام السوداني، وتحديداً في أوساط الفور والزغاوة والمساليت وغيرها من المكونات غير العربية في دارفور التي تعرضت للانتهاكات مباشرة، مشروعاً إثنياً إقصائياً لا مشروعاً وطنياً توحيدياً، بصرف النظر عن الخطاب الرسمي المعلن حول العلمانية والمساواة. ويتمثل السبب الرابع، والأخطر على المدى البعيد، في أن استمرار هذا الانقسام المؤسسي المزدوج، على مستوى الدولة وعلى مستوى الحزب الذي يفترض أن يكون جسراً لها، يرسخ تدريجياً واقعاً اقتصادياً وإدارياً وأمنياً منفصلاً بين شطري البلاد، عبر عملات مصرفية منفصلة، وإدارات حكومية موازية، وجيوش وأجهزة أمنية متنافسة، وهو ما يجعل أي مسار مستقبلي لإعادة التوحيد أكثر كلفة وتعقيداً كلما طال أمد الحرب واستمرت مؤسسات موازية للحزب والدولة في العمل بصورة منفصلة.

وخلاصة القول في هذا الفصل أن انضمام رئيس حزب الأمة القومي وبعض مؤيديه إلى تحالف “تأسيس”، مقروءاً في ضوء تشكيل هذا التحالف حكومة موازية كاملة عاصمتها نيالا، لا يخدم موضوعياً هدف تعزيز وحدة السودان النيلي وغربه، بل يسهم عملياً، ولو بصرف النظر عن النوايا المعلنة لأطرافه، في ترسيخ منطق الانقسام الترابي والمؤسسي الذي حذر منه محللون ومراقبون دوليون متعددون، وفي تحويل حزب كان يفترض به تاريخياً أن يكون جسراً وطنياً جامعاً إلى طرف فاعل في مشروع يحمل مخاطر جدية على وحدة السودان في مرحلة ما بعد الحرب.

الجزء الرابع: أين يقف الحزب اليوم، وماذا يعني ذلك للسودان غداً؟

 ثالث عشر: ثلاثة رؤساء ولا رئيس: خلاصة التفكك

الأدق في وصف ما حدث داخل حزب الأمة القومي هو أنه تفكك متعدد الأبعاد لا مجرد انقسام ثنائي بسيط بين جناحين متقابلين، بل هو أقرب إلى ظاهرة “التشظي المتوازي” التي تشهدها عموم القوى المدنية السودانية في زمن الحرب، حيث ينعكس الاستقطاب العسكري الثنائي الكبير بين الجيش وقوات الدعم السريع داخل كل تنظيم مدني على حدة، فتتكرر بنية الانقسام نفسها من مستوى الدولة إلى مستوى الحزب إلى مستوى الأسرة الواحدة. فهناك صراع على القيادة بالمعنى الشخصي والرمزي، وانقسام حول تفسير اللوائح والدستور الداخلي بالمعنى المؤسسي، وتنافس بين إرث عائلي ورمزية تاريخية من جهة، ومؤسسات حزبية شكلية من جهة أخرى، إضافة إلى استقطاب حاد فرضته الحرب ذاتها بين الجيش وقوات الدعم السريع.

كما أن الحرب لم تُنشئ هذا الخلاف من فراغ؛ بل كشفت عن توترات كانت كامنة منذ وفاة الصادق المهدي في نوفمبر 2020، وأعادت تنظيمها وتسريع وتيرتها بصورة حادة. وكان تأجيل انعقاد المؤتمر العام لأكثر من خمس سنوات متتالية، واستمرار القيادة المكلفة لفترة تجاوزت بكثير ما كان مقرراً لها أصلاً، وغياب آلية متفق عليها بوضوح للخلافة، عوامل بنيوية جعلت أي اختلاف في الموقف من الحرب يتحول بسرعة إلى نزاع مفتوح على الشرعية ذاتها، بحيث لم يعد ممكناً الفصل بين ما هو خلاف سياسي حول التحالفات وما هو خلاف قانوني حول تفسير الدستور الحزبي.

وبحسب المعطيات المتاحة حتى مطلع عام 2026، يمكن تحديد ثلاثة مراكز متنافسة للشرعية داخل الحزب حالياً: قيادة برمة ناصر التي تستند إلى مجلس التنسيق وبعض مؤسسات الحزب، وارتبطت عملياً بمنصب في المجلس التشريعي لحكومة “تأسيس” الموازية؛ وقيادة الدومة التي تستند إلى مؤسسة الرئاسة والقيادات المناوئة لبرمة ناصر، وتحظى بحضور تنظيمي واضح في أم درمان وبورتسودان؛ وتيار ثالث يقوده الأمين العام الواثق البرير، رافض للحرب بإطلاق ومرتبط بتحالف “صمود” المدني. لذلك فإن استعمال اسم “حزب الأمة القومي” في البيانات والتحالفات المختلفة لا يعني بالضرورة وجود قيادة موحدة أو موقف سياسي واحد يمثل الحزب بأسره، بل بات كل فصيل يستخدم الاسم التاريخي للحزب للتعبير عن مشروعه السياسي الخاص، وهو ما يثير تحدياً حقيقياً أمام أي طرف خارجي، سوداني أو دولي، يسعى للتفاوض مع “حزب الأمة القومي” بوصفه كياناً موحداً.

 دروس من الأمة: ماذا يعلّمنا انهيار أعرق الأحزاب السودانية؟

يكشف مسار الصراع داخل حزب الأمة القومي، بين نوفمبر 2020 ويناير 2026، عن ثلاثة دروس جوهرية قابلة للتعميم على مسار الأحزاب السودانية الأخرى وعلى أي عملية سياسية سودانية مقبلة بعد الحرب. الدرس الأول هو أن غياب آليات مؤسسية واضحة ومكتوبة لتداول السلطة داخل الأحزاب، والاعتماد بدلاً من ذلك على الشرعية الشخصية أو العائلية أو التوافقية غير الملزمة، يجعل هذه الأحزاب هشة بصورة خطيرة أمام أي صدمة سياسية كبرى، سواء كانت وفاة زعيم تاريخي أو اندلاع حرب أهلية؛ ذلك أن حزب الأمة، رغم عمره التنظيمي الذي يتجاوز ثمانين عاماً ورصيده التاريخي الكبير، لم يستطع تجاوز أزمة الخلافة بصورة سلسة لأن دستوره لم يتوقع سيناريو غياب الزعيم الجامع بين السلطتين السياسية والدينية. والدرس الثاني هو أن الحرب السودانية لم تكتفِ بتوليد استقطاب عسكري ثنائي بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل أعادت إنتاج هذا الاستقطاب داخل كل تنظيم مدني سوداني تقريباً، بما في ذلك الأحزاب التاريخية العريقة، وهو ما يعني أن أي مسار سياسي لإنهاء الحرب سيحتاج بالضرورة إلى معالجة موازية لأزمات الشرعية الداخلية في هذه الأحزاب، وإلا ظلت مشاركتها في أي عملية تفاوضية مثار شك دائم حول من يمثلها فعلياً. والدرس الثالث هو أن توظيف الإرث العائلي والرمزي في الصراعات التنظيمية، وإن بدا في ظاهره أداة لحسم الخلاف عبر الاستناد إلى شرعية تاريخية لا تُنازَع، يتحول في الواقع إلى عامل تعقيد إضافي حين تنقسم الأسرة نفسها، كما حدث مع أبناء الصادق المهدي وأصهاره، مما يفرغ الرمزية العائلية من وظيفتها التوحيدية ويحولها إلى ساحة صراع موازية.

وعلى صعيد التقييم النقدي المتوازن، ينبغي الإقرار بأن الأطراف المتنازعة جميعها قدمت حججاً دستورية وسياسية ذات وجاهة نسبية؛ فمن ناحية، يصعب إنكار أن توقيع برمة ناصر على ميثاق يقر تشكيل حكومة موازية كاملة، بما يحمله ذلك من مخاطر جدية على وحدة السودان الترابية، يمثل تجاوزاً واضحاً لخط أحمر سياسي كان الحزب قد التزم به علناً منذ بداية الحرب. ومن ناحية أخرى، لا يمكن أيضاً تجاهل الحجة القانونية التي ساقها أنصار برمة ناصر حول افتقار مؤسسة الرئاسة، بوصفها هيئة استشارية جماعية، إلى الصلاحية الدستورية الصريحة لعزل رئيس مكلف اختير أصلاً بموافقة مجلس التنسيق والمكتب السياسي معاً. وبين هذين الموقفين، يبقى المؤتمر العام – الغائب منذ أكثر من خمس سنوات بفعل ظروف الانقلاب ثم الحرب – هو المرجعية الوحيدة القادرة نظرياً على حسم هذا الجدل بصورة نهائية وملزمة لجميع الأطراف، وهو ما يجعل استعادة انعقاده، ولو في صيغة افتراضية أو خارج الحدود السودانية بالنظر إلى ظروف الحرب الراهنة، أولوية عملية وقابلة للتنفيذ لأي محاولة جادة لإعادة توحيد الحزب مستقبلاً.

وتضيف الوقائع الموثقة في الفصلين السابقين بعداً نقدياً إضافياً لهذا التقييم؛ إذ يتضح أن مبرر “الانخراط السياسي لضبط سلوك قوات الدعم السريع”، الذي ساقه أنصار برمة ناصر لتبرير انضمامه إلى “تأسيس”، لم يجد سنداً في الوقائع الموثقة من مصادر أممية وحقوقية مستقلة ومتعددة، بل تزامن مع تصعيد غير مسبوق في حجم الانتهاكات بلغ حد الإبادة الجماعية وفق تقييم أممي رسمي. كما يتضح أن تحول “تأسيس” من ميثاق سياسي إلى حكومة موازية كاملة الأركان عاصمتها نيالا يمثل تهديداً فعلياً وموثقاً لوحدة السودان الترابية بين نيله وغربه، لا مجرد تخوف نظري، وهو ما يضع حزب الأمة القومي، بحكم دوره التاريخي المفترض كجسر وطني جامع، أمام مفارقة صعبة: فبينما يُفترض أن يكون الحزب، بحكم امتداده الاجتماعي الفريد، أحد أكثر الأطر السياسية تأهيلاً لمعالجة الانقسام الجهوي والإثني الذي تعمقه الحرب، فإن انقسامه الداخلي على خطوط التماس نفسها التي تنقسم عليها الحرب يهدد بتحويله من حل محتمل لهذه المعضلة الوطنية إلى جزء إضافي من المشكلة ذاتها.

 بين الوقائع والروايات: كيف قرأنا هذا الصراع؟

تعتمد المصادر المتاحة عن هذا الصراع الداخلي بدرجة كبيرة على بيانات الأطراف المتنازعة أنفسها وعلى تقارير الصحافة السودانية والإقليمية والدولية، وذلك لأن مؤسسات الحزب لم تحسم بصورة مستقلة ونهائية مسألة الجهة صاحبة الشرعية الفعلية. لذلك ينبغي التمييز بدقة في أي بحث أكاديمي جاد بين ثلاثة مستويات من المعطيات: الوقائع الموثقة، مثل صدور قرارات العزل وإعادة التشكيل بتواريخها المحددة والتي تكرر ورودها في مصادر صحفية متعددة ومستقلة؛ وروايات الأطراف المتنازعة حول شرعية تلك القرارات ومدى دستوريتها، وهي روايات متعارضة بطبيعتها ويصعب الحسم فيها دون الرجوع إلى نص دستور الحزب الكامل وتفسيره القانوني المتخصص؛ والتفسيرات التحليلية التي تربط هذا الانقسام بالصراع العسكري الدائر في البلاد أو بالتنافس العائلي على الإرث الرمزي للصادق المهدي، وهي تفسيرات ذات طابع تأويلي يعتمد على قراءة الباحث لحركة الأحداث أكثر من اعتمادها على وقائع قاطعة. وقد اعتمدت هذه الدراسة، حيثما أمكن، على مصادر إخبارية متعددة ومستقلة نسبياً عن بعضها (سودان تربيون، بيم ريبورتس، الترا سودان، الراكوبة، سودافاكس، مداميك، سونا، الجزيرة نت) للتحقق من تكرار الوقائع الأساسية، كما استعانت بتقارير مراكز أبحاث متخصصة في الشأن السوداني (International Crisis Group، Chatham House، Aberfoyle International Security) وبتقارير أممية وحقوقية دولية موثقة بدقة (الأمم المتحدة، منظمة العفو الدولية، مختبر الحقوق الإنسانية بجامعة ييل) فيما يتعلق بالفصلين الخاصين بجرائم قوات الدعم السريع ووحدة السودان، لتوفير سياق تحليلي أوسع وأكثر توازناً واستناداً إلى أدلة موثقة.

 المراجع

١. الراكوبة. “خلافات عميقة تضرب حزب الأمة القومي.” أبريل 2025. تاريخ الوصول: 17 أغسطس 2026. https://www.alrakoba.net/32040824

٢. الراكوبة. “تقرير تحليلي: حزب الأمة السوداني.. من التوحد إلى التشرذم في زمن الحرب.” أغسطس 2025. تاريخ الوصول: 17 أغسطس 2026. https://www.alrakoba.net/32073301

٣. سودافاكس. “فوضى حزب الأمة برمة يفصل مؤسسة الرئاسة.” 25 فبراير 2025. تاريخ الوصول: 17 أغسطس 2026. https://sudafax.com/471832

٤. سودان تربيون (النسخة العربية). “تحديث: خلافات تنظيمية حادة في «الأمة القومي» وبرمة ناصر يحل مؤسسة الرئاسة.” 25 فبراير 2025. تاريخ الوصول: 17 أغسطس 2026. https://sudantribune.net/article297898

٥. سودان تربيون (النسخة العربية). “انقسام حزب الأمة يتعمق… برمة ناصر يقيل قيادات بارزة في التنظيم.” 9 أغسطس 2025. تاريخ الوصول: 17 أغسطس 2026. https://sudantribune.net/article303766

٦. سودان تربيون (النسخة العربية). “ملتقى سياسي في «دار الأمة» يعمق الخصام بين أجنحة الحزب العريق.” 10 يناير 2026. تاريخ الوصول: 17 أغسطس 2026. https://sudantribune.net/article/309220

٧. سودانيل تي في. “حزب الأمة يسحب تكليف فضل الله برمة.” يوليو 2025. تاريخ الوصول: 17 أغسطس 2026. https://sudanaile.com/2025/07/13

٨. صحيفة مداميك. “برمة ناصر يصدر قراراً بإنهاء تكليف (6) من قادة حزب الأمة القومي.” 9 أغسطس 2025. تاريخ الوصول: 17 أغسطس 2026. https://www.medameek.com/?p=180650

٩. بيم ريبورتس (Beam Reports). “مؤسسة الرئاسة بحزب الأمة القومي تعزل برمة ناصر وتكلف الدومة.” 25 فبراير 2025. تاريخ الوصول: 17 أغسطس 2026. https://www.beamreports.com/2025/02/25

١٠. تارا نيوز. “مؤسسة الرئاسة بحزب الأمة القومي تسحب الثقة من فضل الله برمة ناصر.” 25 فبراير 2025. تاريخ الوصول: 17 أغسطس 2026. https://tara-news.com/2025/02/25

١١. رقراق نيوز. “حزب الأمة القومي يعفي اللواء فضل الله برمة ناصر من رئاسة الحزب.” فبراير 2025. تاريخ الوصول: 17 أغسطس 2026. https://raqraq.com/raqraqnews/9565

١٢. ألترا سودان (Ultra Sudan). “نائب رئيس حزب الأمة القومي ‘المقال’ لـ’الترا سودان’: ما يقوم به برمة رعونة سياسية.” 31 مارس 2025. تاريخ الوصول: 17 أغسطس 2026.

١٣. ألترا سودان (Ultra Sudan). “حزب الأمة القومي يسحب تكليف فضل الله برمة برئاسة الحزب.” 2025. تاريخ الوصول: 17 أغسطس 2026.

١٤. وكالة السودان للأنباء (سونا). “الأمة القومي يعلن سحب تكليف برمة ناصر من رئاسة الحزب.” 12 يوليو 2025. تاريخ الوصول: 17 أغسطس 2026. https://suna-sd.net

١٥. الجزيرة نت. “هل تتفق تيارات حزب الأمة السوداني بعد لقاء رئيس الوزراء؟” 10 يوليو 2025. تاريخ الوصول: 17 أغسطس 2026. https://www.aljazeera.net/politics/2025/7/10

١٦. سودانايل. “إشكالية العلاقة بين دارفور ووسط شمال السودان النيلي.” 2009. تاريخ الوصول: 17 أغسطس 2026. https://sudanile.com

١٧. حزب الأمة القومي السوداني. “الرئيسية.” الموقع الرسمي للحزب. تاريخ الوصول: 17 أغسطس 2026. https://www.umma.org

Wikipedia contributors. “Sudan Founding Alliance.” Accessed August 17, 2026. https://en.wikipedia.org/wiki/Sudan_Founding_Alliance

Aberfoyle International Security. “National Umma Party.” Monthly Bulletin, November 2025. Accessed August 17, 2026. https://www.aberfoylesecurity.com

Al Jazeera / DNyuz. “After Splinter, Can Sudan’s Anti-War Coalition Reinvent Itself?” February 20, 2025. Accessed August 17, 2026. https://dnyuz.com/2025/02/20/after-splinter-can-sudans-anti-war-coalition-reinvent-itself

Al Jazeera. “Fears of Mass Atrocities After Sudan’s El-Fasher Falls to Paramilitaries.” October 29, 2025. Accessed August 17, 2026. https://www.aljazeera.com/gallery/2025/10/29

Al Jazeera. “Sudan’s El-Fasher ‘A Crime Scene’ After RSF Takeover: UN Aid Chief.” November 19, 2025. Accessed August 17, 2026. https://aljazeera.com/news/2025/11/19

Al Jazeera. “UN Accuses Paramilitary RSF of Committing War Crimes in Sudan’s El-Fasher.” February 13, 2026. Accessed August 17, 2026. https://www.aljazeera.com/news/2026/2/13

Al Jazeera. “Amnesty Says RSF Committed Ethnic Cleansing in Sudan’s El-Fasher.” July 1, 2026. Accessed August 17, 2026. https://www.aljazeera.com/news/2026/7/1

Africanews. “Sudan: RSF Paramilitaries and Allies Declare Parallel Government.” July 3, 2025. Accessed August 17, 2026. https://www.africanews.com/2025/07/03

Amnesty International. “Sudan: RSF Atrocities in El Fasher ‘A Stain on the Conscience of Humanity’ – New Report.” July 14, 2026. Accessed August 17, 2026. https://www.amnesty.org/en/latest/news/2026/07/sudan-rsf-atrocities-in-el-fasher-a-stain-on-the-conscience-of-humanity-new-report

Amnesty International USA. “Sudan: RSF Atrocities in El Fasher ‘A Stain on the Conscience of Humanity’ – New Report.” July 1, 2026. Accessed August 17, 2026. https://www.amnestyusa.org/press-releases/sudan-rsf-atrocities-in-el-fasher-a-stain-on-the-conscience-of-humanity-new-report

Chatham House. “A Strong Civilian Coalition Is Vital to Avert Sudan’s Disintegration.” June 21, 2024. Accessed August 17, 2026. https://www.chathamhouse.org/2024/06/strong-civilian-coalition-vital-avert-sudans-disintegration

Daily News Egypt (DNE Africa). “Sudan’s Civilian Coalition ‘Taqaddum’ Splits Over Formation of Parallel Government.” February 10, 2025. Accessed August 17, 2026. https://africa.dailynewsegypt.com/sudan-civilian-taqaddum-splits-parallel

International Crisis Group. “Sudan’s Calamitous War: Finding a Path toward Peace.” Briefing No. 204, January 21, 2025. Accessed August 17, 2026. https://www.crisisgroup.org/brf/africa/horn-africa/sudan/b204-sudans-calamitous-war-finding-path-toward-peace

Jordan Times. “Sudan’s RSF, Allies Sign Charter for Rival Government: Sources.” December 2, 2025. Accessed August 17, 2026. https://jordantimes.com/news/region/sudans-rsf-allies-sign-charter-rival-government-sources

JURIST. “Amnesty International Finds RSF Committed War Crimes During Siege and Capture of Sudan City.” July 4, 2026. Accessed August 17, 2026. https://www.jurist.org/news/2026/07

Mada Masr. “Sudan Nashra: RSF-led Coalition Declares Parallel Govt in Western Sudan.” August 2, 2025. Accessed August 17, 2026. https://www.madamasr.com/en/2025/08/02

Maghrebi.org. “Sudan: RSF-led Alliance Announce Creation of Parallel Government.” July 29, 2025. Accessed August 17, 2026. https://maghrebi.org/2025/07/29

Sudan Events. “Disputes Within ‘Taqaddum’: A Split Looms Over the Coordination Body.” January 31, 2025. Accessed August 17, 2026. https://sudanevents.com

Sudans Post. “Hamdok Leads New Civilian Coalition After Taqaddum Split.” February 11, 2025. Accessed August 17, 2026. https://www.sudanspost.com/hamdok-leads-new-civilian-coalition-after-taqaddum-split

Sudan Tribune. “Sudan’s Umma Party Sacks Acting Leader Over Pact with RSF-Aligned Groups.” February 25, 2025. Accessed August 17, 2026. https://sudantribune.com/article297885

Sudan Tribune. “Sudan’s Umma Party Acting Leader Replaces Deputies Amid Internal Strife.” March 30, 2025. Accessed August 17, 2026. https://sudantribune.com/article/299219

Sudan Tribune. “National Umma Party Plunges into Internal Strife Amidst War of Statements.” May 23, 2024. Accessed August 17, 2026. https://sudantribune.com/article286033

Sudan Tribune. “Deep Divisions in Sudan’s Historic Umma Party Erupt over Talks with PM.” July 8, 2025. Accessed August 17, 2026. https://sudantribune.com/article/302671

Sudan Tribune. “Umma Party Leaders Hold First Khartoum Meeting Amid Deepening Split.” January 10, 2026. Accessed August 17, 2026. https://sudantribune.com/article/309223

The CITIZEN. “National Umma Party: Changing Positions or Tactical Moves from the ‘Old Playbook’?” February 25, 2025. Accessed August 17, 2026. https://citizen-sd.com/2025/02/national-umma-party-changing-positions-or-tactical-moves-from-the-old-playbook

The East African. “The Hurdles for RSF Parallel Government in War-Torn Sudan.” August 2, 2025. Accessed August 17, 2026. https://www.theeastafrican.co.ke/tea/news/north-africa/the-hurdles-for-rsf-parallel-government-in-war-torn-sudan-5140446

The Sudan Times. “Sudan’s TASIS Alliance: What It Is, Who Leads It, What Comes Next?” July 2, 2025. Accessed August 17, 2026. https://thesudantimes.com/sudan/sudans-tasis-alliance-what-it-is-who-leads-it-what-comes-next

UN News. “Sudan: ‘Hallmarks of Genocide’ Found in El Fasher, UN Investigators Detail Mass Killings and Ethnic Targeting.” February 20, 2026. Accessed August 17, 2026. https://news.un.org/en/story/2026/02/1166997

Yale School of Public Health. “UN Concludes RSF Committed Genocide in El-Fasher; Yale Lab Provided Key Evidence.” February 19, 2026. Accessed August 17, 2026. https://ysph.yale.edu/news-article/un-concludes-rsf-conducted-genocide-in-el-fasher-yale-lab-provided-key-evidence

Author

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

كمال الهدي
ناس فيصل نكروه حطب !! .. بقلم: كمال الهِدي
منبر الرأي
حكاية البنت {ام دلاقين} … بقلم: د. إشراقه مصطفى حامد
منبر الرأي
الإنقاذ يومذاك في تسلُّطيَّة نازيَّة (1 من 2) .. بقلم: الدكتور عمر مصطفى شركيان
بيانات
بيان من الاتحاد العام لابناء دارفور بالمملكة المتحدة و ايرلندا
منبر الرأي
بكاءٌ على الأطلال… لا يريد أن يبكي.

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

السودان: تبسُّمُكَ في وجهِ عدوِّكَ .. بقلم: جمال محمد إبراهيم

جمال محمد ابراهيم
منبر الرأي

متحف لبيوت الأشباح ،، أولم يحن الوقت؟! .. بقلم: حسن الجزولي

حسن الجزولي
منبر الرأي

عبد الخالق محجوب أنثربولجياً .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم
منبر الرأي

الإتفاق . . ! .. بقلم: الطيب الزين

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss