هذا المقال ليس رد فعل على قضية بعينها بقدر ما هو خوف عميق وجاد ومتكرر ينشأ في اللحظة التي ينهار فيها أحد الأعمدة التي اعتاد الناس الاتكاء عليها. وما سأكتبه هو تأمل في الصدمة الأخلاقية التي تحدث عندما تتزعزع صورة القدوة الدينية في مجتمع بني جزء كبير من وعيه على الرموز لا على المبادئ.
المشكلة الحقيقية ليست في أن رجل دين يخطئ فالبشر كما خلقهم الله خطاؤون المشكلة الحقيقية في أن المجتمع صنع حول بعض الشخصيات هالة من العصمة غير المعلنة فصار صوت قارئ القرآن الجميل دليلا على التقوى وصار حفظ القرآن دليلا على النزاهة وصارت الشهرة الدينية دليلا على الطهارة. وفي اعتقادي هذا خطأ تربوي وفكري كبير لأننا بذلك نربط الدين بإنسان لا بمبدأ وبمجرد أن يسقط الإنسان يسقط معه كل شيء خاصة في نظر من لم يتعلموا الفصل بين الدين والمتدين وبين القدوة والسلوك.
المنبر الديني لا يصنع ملائكة ولا يمنح العصمة ولا يغير طبيعة البشر ومن يقف على المنبر قد يكون صالحا وقد يكون ضعيفا وقد يكون متناقضا وقد يكون ضحية نفسه أو ضحية صورة صنعها له المجتمع. فالإنسان الذي يقف على المنبر ليس كائنا سماويا هو ابن بيئته وابن ضعفه وابن تربيته وابن خوفه وابن رغباته وابن تناقضاته. لكن المجتمع بدافع الاحترام أو بدافع الحاجة إلى قدوة ينسى هذه الحقيقة فيحمل الشخص فوق طاقته ويلبسه ثوبا أكبر من حجمه ثم ينهار حين يكتشف أن الثوب كان وهما وأن الإنسان كان إنسانًا كغيره من خلق الله
المنبر في الأصل مساحة صغيرة ومكان مرتفع قليلًا ليسمع الصوت لا ليرفع الإنسان فوق الناس ولكن حين تتضخم الحاجة إلى القدوة وحين يختلط الدين بالسلطة وحين يصبح الصوت وسيلة حكم لا وسيلة هداية يتحول المنبر إلى عرش صغير ويتحول الواعظ إلى ظل للسلطة ويتحول الجمهور إلى حارس للوهم.
في السودان لم يكن المنبر يومًا بريئا فقد كان جزءًا من ماكينة سياسية ضخمة استخدم فيها الدين لتثبيت السلطة واستخدم فيها الواعظ لتبرير القمع والظلم واستخدمت فيها الخطب لإسكات الأسئلة. السودان تحديدا دفع ثمنا باهظا لهذا الخلط فقد عاش اهله عقودا من رفع الشعارات الدينية في السياسة وعقودا من استخدام المنبر لتبرير القمع وعقودا من تصوير المطالبين بالحرية والكرامة وكأنهم ضد الدين وعقودا من تحويل الدين إلى بطاقة هوية سياسية وفي المقابل ظهرت قصص وفضائح واتهامات حول أشخاص كانوا يقدمون للناس كرموز للطهر والورع. هذا التناقض صنع جرحا عميقا في الوعي السوداني جرحا بين ما يقال على المنبر وما يمارس في الواقع وبين ما يطلب من الناس وما يفعله من يطلبونه وبين الدين كقيمة والدين كأداة.
السودان تحديدا جرح المنبر الديني فيه أعمق لأن المنبر في السودان لم يكن دينيا فقط ولكن عبر عقود مضت كان المنبر الديني سياسيا وكان أداة تعبئة وأداة تبرير وأداة تخوين وأداة لصناعة صورة أخلاقية لمن لا يستحقها. ولأن المنبر استخدم لتغطية القمع ولتبرير الظلم ولإسكات الأصوات المطالبة بالحرية فإن أي سقوط لشخصية دينية اليوم يجب ألا يقرأ كحادثة فردية ولكن يجب ان يقرأ كجزء من تاريخ طويل من الخلط بين الدين والسلطة.
جيل اليوم لا يقدس الرموز كما كان يفعل الجيل السابق هو جيل يرى ويسمع ويقارن ويسأل ويشكّل رأيه بنفسه عبر ما أتيح له من الأدوات العلمية وتكنولوجيا المعلومات المتطورة وعندما يرى تناقضا صارخا بين الخطاب والسلوك لا يكتفي بالاستغراب ولكن يسأل الأسئلة الصعبة التي ما تعود الناس على سماعها في الماضي وهنا يبدأ الانهيار ليس لأن الدين ضعيف ولكن لأن طريقة تقديمه كانت هشة وقائمة على الأشخاص لا على الفكرة.
الخوف هنا ليس من سقوط شخص بقدر ما هو خوف من سقوط الثقة والثقة هي الجسر الذي يعبر عليه الشباب نحو الدين وإذا انهار الجسر قد لا يعبروا مرة أخرى والخوف الأكبر أن يتحول السؤال المشروع إلى شك شامل وأن يتحول الشك إلى قطيعة وأن تتحول القطيعة إلى رفض كامل لكل ما يرتبط بالدين ليس لأن الدين فقد قيمته بل لأننا لم نعلمهم منذ البداية أن الدين أكبر من رجاله وان النص أقدس من قارئه وان الشهرة الدينية ليست شهادة حسن سلوك وان اللحية لا تمنح العصمة وان المنبر ليس ضمانا للأخلاق وان القدوة الحقيقية هي السلوك لا الصورة
علينا أن نعلم الجيل الحالي ان الدين ليس ملكا لأحد ولا يختزل في أحد ولا ينهار بسقوط أحد علينا ان نعلمهم ان الدين فكرة وقيم ومثل ومبادئ وطريق انساني وليس شخصا مهما كان صوته جميلا أو لحيته طويلة وليس علينا أن ندافع عن الأشخاص ولكن علينا ان ندافع عن الفكرة والدين لا يسقط بسقوط أحد والقدوة ليست منصبا ولكن هي ممارسة وأن الأخلاق لا تقاس بالمظهر ولكن بالفعل.
المنبر يجب أن يعود إلى الإنسانية دون أن يفقد القداسة ويجب أن يكون مكانا للصدق لا للتمثيل ومكانا للوعي لا للهيبة ومكانا للقيم لا للأشخاص. وحين ننجح في أن نفصل بين المنبر ومن يقف عليه وعندما نعلم الشباب أن الدين لا يختزل في بشر وعندما نعيد القداسة إلى النص لا إلى القارئ عندها فقط يصبح المنبر آمنا ويصبح الدين أقوى ويصبح المجتمع أقدر على مواجهة الصدمات دون أن يفقد بوصلته
رحم الله شيخنا الحسن ود حمد وشيوخا آخرين عرفوا ان أن المنبر ليس مكانا لرفع الصوت بل مكانًا لرفع الحق وعرفوا أن النص أمانة وأن الناس أمانة وأن القداسة في الرسالة لا في الواعظ. رحم الله شيوخا كانوا أكبر من المنبر لأنهم كانوا أصغر أمام الله وكانوا يعرفون أن الظلم يبدأ من كلمة وأن العدل يبدأ من كلمة ولذا كانوا يزنون العبارة بميزان العدل ليتأكدوا أن الكلمة لا تظلم أحدا ولا ترفع أحدا فوق حجمه ولا تبرّر باطلا ولا تسقط حقًا
السودان الذي جرح من المنبر الديني والذي رأى أهله كيف تستخدم الخطب لتبرير الظلم وكيف تلبس السلطة الظالمة ثوبا دينيا يحتاج اليوم منبرا يعيد القداسة إلى النص ويعيد الإنسانية إلى الواعظ ويعيد العدل إلى الكلمة ويعيد الثقة إلى الناس.
abdalla_gaafar@yahoo.com
Dr. Abdalla Gaafar Mohamed Siddig
