الجريدة هذا الصباح..
الوثيقة المدنية تنزِع من الفريق البرهان أهم ورقة بيده الآن، وتعيده قائدًا عسكريًا،
وتحرجه أمام الوسطاء الدوليين، وتكشف أنه لا يملك قرار جمع القوى السياسية.
أطياف
صباح محمد الحسن
إثبات قدرة
طيف أول:
لا شيء يستطيع أن يحكم قبضته ليمحو تلك الملامح،
لأنها جاءت في هزيع صدقٍ، لكن هذا الصمت الذي يجثم على حقول الأمل اصطادها،وكأنه يحاول أن يؤتي خفقها ألمًا!
وما جاء في وثيقة الموقف المشترك للقوى المناهضة للحرب،التي اجتمعت بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا على مدى يومين،وشاركت فيها قوى إعلان المبادئ السوداني، وحزب المؤتمر الشعبي، وحزب الأمة،وعدد من منظمات المجتمع المدني، والشبكات النسوية والشبابية،إلى جانب شخصيات عامة؛ وأكدت رفض دعوة البرهان للحوار،واعتبرتها «حوارًا تضليليًا» يهدف إلى شرعنة الحكم العسكري.هذا بالإضافة إلى الدعوة إلى استبعاد المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية ،من أي مشاركة في عملية السلام أو الفترة الانتقالية،وتوحيد المبادرات والوساطات الدولية، والدعوة إلى جمع جهود الرباعية والخماسية والترويكا
في منبر تفاوضي واحد، لمنع أطراف الحرب من استغلال تباينات الوسطاء،وهيكلة عملية السلام في ثلاثة مسارات متزامنة (مسار إنساني، ومسار لوقف إطلاق النار، ومسار سياسي صريح يستهدف معالجة جذور الأزمة السودانية) .
وبالرغم من أن المشهد الآن تجاوز دعوة البرهان للحوار الميت “إكلينيكيًا”،وانتقل إلى بديل حلٍّ عسكري بتخطيط إقليمي،وأن رفض الحوار بهذا الثقل من الحضور المدني قد يعيد فيه الروح ذكرًا أكثر مما يسلبها منه،ويأتي به إلى الواجهة من جديد بعد أن نسفته حالة الرفض والمناهضة التي أعقبت الدعوة.وأكدت أن البرهان فشل في وضع الأساس المتين للحوار بعدم كسب قوى مدنية فاعلة .
إلا أن ما جاء في هذه الوثيقة أمس أكد أن الموقف المدني الذي لخصته الوثيقة له عدة واجهات مضيئة وهو أنه أكد أن القوى المدنية، وفي يومين، أثبتت أنها قادرة على إنتاج منصة سياسية قادرة على صياغة نصٍّ يغيّر اتجاه الرياح السياسية،وأنها تملك شرعية تستطيع أن تنتزع بها من يد البرهان أهم ورقة كان يلوّح بها،وهي ورقة الحوار؛ أي نزع الشرعية السياسية، وإعادته قائدًا عسكريًا بلا غطاء سياسي.
وبذلك تصبح الوثيقة أول محاولة جادة لإعادة ترتيب المشهد السياسي السوداني داخل السودان وخارجه.
وكشفت الوثيقة عن موقف سياسي أكد إثبات القدرة لدى القوى المدنية على صناعة موقف مقنع للداخل والخارج،
لن يستطيع البرهان أن يخرج به من حواره المزعوم.
فتأثير هذا الموقف على الداخل السوداني يقوم على إضعاف مبادرة البرهان داخليًا؛ فحين تقول القوى المدنية إن الحوار بلا وقف حرب هو بلا معنى فهي تضع البرهان في خانة العاجز عن إنتاج مسار سياسي،وتُظهر أن القوى المدنية قادرة على الدفع بشروط للحوار،بينما السلطة العسكرية غير قادرة.كما أن للموقف بلا شك تأثيرًا على الخارج والإقليم؛
إذ إنه يحرج البرهان أمام الوسطاء الدوليين، فحين ترهن القوى المدنية الحوار بوقف الحرب،فإن أي دولة تدعم مبادرة البرهان تبدو وكأنها تدعم حوارًا بلا مصداقية،
فالوسطاء الدوليون سيدركون أن البرهان لا يملك القدرة على جمع القوى السياسية.
حتى أن هذا الموقف يشكّل أرضية قوية لتقوية موقف القوى المدنية أمام واشنطن،ويكون مفتاحًا مناسبًا لباب الحوار بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية.
لذلك فإن الوثيقة تضع المؤسسة العسكرية في عزلة سياسية جديدة داخل المشهد المدني،مما يجعلها محاولة لقطع الطريق أمام إعادة تدوير الإسلاميين عبر الحوار،بالإضافة إلى أنها خلقت اصطفافًا مدنيًا جديدًا ضد مشروعهم بنسخة جديدة،
وهو ما يؤكد انتقال الكلمة المدنية من البيانات الفردية إلى الفعل: “الموقف الجماعي”.
وقالت الوثيقة إن الحوار الذي لا يرتبط بوقف الحرب ومخاطبة الكارثة الإنسانية لا معنى ولا مصداقية لأي عملية سياسية تنعقد فيما المدافع لا تزال تدوي،والمسيرات تقصف، والمجاعة تفتك بالبلاد، والنزوح لم يتوقف، والفظائع تُرتكب على مدار الساعة في كافة أرجاء الوطن.ففصل المسار السياسي عن وقف الحرب ومعالجة الكارثة الإنسانية
يُفرغ أي عملية سياسية من جدواها وهدفها النهائي الذي يجب أن يكون وقف وإنهاء الحرب.
وهنا تشرح الوثيقة الدرس للبرهان،وتقوم بإعادة تعريف شروط الحوار (وقف الحرب، ومعالجة الكارثة الإنسانية)،
لتؤكد أن الحوار ليس بندًا سياسيًا، بل نتيجة طبيعية لوقف الحرب،وهي عملية تحويل المسار السياسي إلى مسار مرتبط بالإنقاذ
وهذا في رأيي لا يعيد تعريف الحوار فحسب،بل يعيد تعريف الفعل السياسي نفسه أنه ليس حوارًا فقط، بل حماية للمدنيين.
كما حذرت الوثيقة من أن تعدد المسارات الدولية دون تنسيق
يُضعف الضغط الجماعي المطلوب لوقف الحرب،
بينما توحيد الجهود هو وحده الكفيل بإنتاج تسوية متماسكة وقابلة للتنفيذ على أرض الواقع.
لذلك يمكن القول إن وثيقة القوى المدنية أمس وضعت المدنيين في موقع الفاعل السياسي الحقيقي،
بينما تركت السلطة العسكرية في موقع “عدم الاستطاعة” لإنتاج مسار سياسي قابل للحياة.
طيف أخير:
لا_للحرب
قالت السفارة السودانية بالقاهرة أمس
إن جبريل إبراهيم وبدر عبد العاطي بحثا زيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين،
وجدد عبد العاطي موقف مصر الثابت الداعم لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية.
لكن هذه الكلمات لا تكفي إن وُضعت على الكفة الثانية من ميزان “التبادل التجاري”.
