مخاض الروح وقيامة الرماد
( قصة قصيرة)
محمد صالح محمد
ولد في كنف دوحة أصطفتها الأقدار بأن تُكلّل بالأنجم؛ عائلة تتسابق هاماتها نحو أفق الذكاء المتوهج والوجاهة الاجتماعية المترفة، وهو بينهم كأنما سقط من ثقب في السماء إلى قاع الأرض.
لم يكن يعوزه شيء سوى أن يولد هو بملامحهم، أو يقتات من ذات البهاء الذي يغشى محيا إخوته. ومن تلك الشروخ العظيمة، نما في صدره طائر الهلع؛ هلع النقص، فاستجرى الحيلة، واتخذ من الكذب ترسًا، ومن الادعاء واجهة تخفي عُري روحه أمام مرآة العائلة الناقدة.
كان يقضي نهاره طوافًا بين مقاهي الخرطوم العتيقة، متباعد الخطى بين شارع علي عبداللطيف وناصية “الاسبتاليه”، يرتدي ثوب الوهم وكأنما يملك من الدنيا أسبابها، إلى أن شاءت حكمة الغيب أن يجمعه القدر بزوجة أحبها وأحبته حتى الجنون، فرزق منها بطفلته الأولى التي أشرقت في ليله البهيم كقمر خجول. لكن جحيم الزيف ما برح يطارد خطواته؛ فاستدرجه الشيطان في غفلة من بصيرته ليزور أوراق مركبة أخيه الأكبر ويبيعها سدادًا لديون راكمتها الأكاذيب. وما هي إلا ومضة حتى انكشف المستور، فوقع في الفخ مدركًا أنه ارتكب جرمًا لا يُغفر، وأن مقعده الأبدي سيكون خلف قضبان النسيان، فضلاً عن خسرانه لابنته وزوجته اللتين أطاح بهما طيشه.
هوت به الأرض هوه ساحقة، فأصيب بصدمة نفسية حادة تفشت في تفاصيل كيانه، فهرب من وجه المجتمع ومن ذاته، تائهاً هائماً على وجهه حتى عثر عليه والده وعمه في أحد مشاتل الخرطوم غارقاً في رثاثة روحه وجسده. هنا بدأت مرحلة مريرة من رحلة التعافي والتطبيب النفسي، غير أن رياح الأقدار لم تأتِ بما تشتهي سفن العافية؛ فما إن مضت أشهر قليلة حتى اندلعت نار الحرب في الخرطوم، فاضطر للنزوح مع عائلته الكبيرة بينما كانت زوجته وابنته في مأمن خارج حدود الوطن.
واصل رحلة علاجه وسط صخب النزوح وضنك اللجوء، وهناك التقى بالطبيب النفسي الراحل الدكتور بشير عبدالله (رحمه الله) الذي كان له البلسم والمنقذ؛ إذ أعاد نحت ثقته بأنفاسه، مقرراً في وجهه بحكمة العارف أن مقياس الإنسان لا يختزل في لقب طبيب أو مهندس، وأن احترام النفس يولد من رحم الصدق لا الادعاء. ولما لمس الطبيب دفئًا خفيًا في لغة مريحه، اكتشف أن في صدره موهبة دفينة للكتابة، فدفع إليه بكراس وقلم، وقال له بحنو بالغ: “اكتب ما بداخلك”.
فلم تلبث يده المرتبكة أن خطّت على الورق: “حبيبتي وأم أولادي أفتقدكِ” لتتوالى الكلمات تدفقاً حتى تبيّن أنه يكتب النثر الأدبي العاطفي بأرقى معانيه. وبعد عامين من العلاج المتواصل، قررت الأسرة الكبيرة مغادرة السودان قاطبة نحو الخارج جراء تمدد الموت وانهيار المنظومة الصحية.
في المنفى الجديد، استفتح حياته بمشروع صغير، وكل أمله أن تنصهر جراحه وينال رضى من ظن أنه طعنها في ظهرها، قاطعاً عهد على نفسه أن يرى أبناءه يفتخرون به يوماً، وأن يضمهم إلى صدره مجدداً.
لكن العائق المادي كان سدًا منيعاً، يضاف إليه انعدام ثقة أهله به وتركه وحيداً يصارع العاصفة. وكان أكثر ما يدمي قلبه هو شعور اليتم الخاص بأبنائه؛ إذ لم يجد أخاً ولا سنداً يقيله من عَثْرته، فظل يتساءل بمرارة: “ما ذنب أطفالي ليعاقبوا بلا ذنب؟ لا سؤال ولا مصروف، كأنهم مقطوعون من شجرة!”.
لم يستسلم لليأس، فبدأ خطواته الأولى بحضور دورات تدريبية مكثفة في تطوير الذات وفنون الإعلام، حتى انتزع لقب “مدرب معترف به”. بدأ بخطوات متواضعة، مقدمًا ورش عمل رمزية الأجر ، ولم يكتفِ بذلك بل اقتحم عالم الصحافة كاتبًا للرأي في إحدى المطبوعات لعل الله يفتح عليه أبواب الرزق ليلمّ شمل أطفاله.
وفي غمرة هذا الكفاح، برزت امرأة عظيمة صبّت كفاحها في صناعة البخور وإعداد الطعام لتصير لهؤلاء الأيتام أماً وأباً في آنٍ واحد، ولم تخذله يوماً، فتمسك بها أكثر، مجنداً طاقاته لجمع شمل أولادهم في أسرة قائمة على الاحترام والتقدير.
لقد تحول الرجل إلى شخصية أخرى تماماً؛ نقية، واعية، وصلبة. لكنه وصل إلى قناعة تامة بأن عليه بتر حبل الوصال مع أهله، وأن ينسى أن له عائلة بيولوجية، ليصير أبناؤه هم أهله وعشيرته وحدهم. فقد واصل والده جرحه في كل نقاش بفتح ملفات الماضي المؤلمة، حتى رشق في وجهه ذات يوم جملة وقعت كالصاعقة: “ياريت لو سمعت كلام أخوك وخليت إتسجنت.. كنت إتأدبت!”.
حينها، انطفأت آخر جذوة لرجاء الوصل، واتخذ قراره الأخير بنسيان أهله إلى الأبد. وبدأت روحه تحوم حول سؤال مصيري: كيف يهرب نهائياً من هذا السجن النفسي والمادي المطبق؟ هل يتكسب من سوق الحرب الدائرة في السودان بطريقة سياسية.. وكيف السبيل إلى ذلك؟
