هناك محطات في تاريخ السودان تستحق التوقف عندها، ليس فقط لمعرفة ما حدث، وإنما لفهم الطريقة التي تشكل بها تفكير الأحزاب العقائدية وعلاقتها بالمجتمع.
من أهم سمات هذه الأحزاب أنها تميل إلى النظر إلى الآخرين باعتبارهم موضوعًا للتوجيه، وليسوا شركاء متساوين في الحوار. ويظهر ذلك بصورة واضحة عندما يستخدم الحزب النقابات ومنظمات المجتمع المدني لتحقيق أهداف سياسية، بدل أن تترك هذه المنظمات لأعضائها ليقرروا مواقفهم بحرية.
وتساعد المركزية التنظيمية للأحزاب العقائدية على ذلك؛ إذ يصبح عضو الحزب مطالبًا بالدفاع عن موقف الحزب حتى عندما يكون له رأي شخصي مختلف. وهنا تبدأ المشكلة: تتحول المنظمات التي يفترض أن تكون مجالًا للحوار الحر إلى أدوات للصراع السياسي المباشر.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة موقف الحزب الشيوعي السوداني من اتفاقية الحكم الذاتي وتقرير المصير التي وُقعت في القاهرة في 12 فبراير 1953.
إضراب عمال السكة الحديد
بعد توقيع الاتفاقية، وقع إضراب عمال السكة الحديد في 5 مارس 1953. وكان الإضراب يبدو في ظاهره إضرابًا مطلبيًا، لكنه كان في جوهره مرتبطًا بالموقف السياسي من الاتفاقية.
وكان الحزب الشيوعي، الذي كان يُعرف آنذاك باسم الحركة السودانية للتحرر الوطني (حستو)، قد أعلن معارضته للاتفاقية، بحجة أنها تمدد عمر الاستعمار لثلاث سنوات، وغيرها من الحجج.
وقد أدى ذلك إلى توتر شديد، لأن قطاعات واسعة من الشعب السوداني كانت تنظر إلى الاتفاقية باعتبارها خطوة أساسية نحو الاستقلال.
ومن الطريف أن إحدى البرقيات التي أُرسلت أثناء الإضراب قالت:
«الإضراب نجح، نشاطركم الأحزان».
فرد محرر صوت السودان:
«وأنا بدوري أشاطركم الأحزان في وفاة أبيكم ستالين».
وكانت المفارقة أن ذلك اليوم صادف وفاة الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين.
لكن أهمية هذه الحادثة ليست في الطرفة نفسها، وإنما في ما تكشفه عن شدة الصراع السياسي في ذلك الوقت.
وقد رفضت قيادة نقابة السكة الحديد اقتراحًا بأن تتولى النقابة نفسها اقتراح الإضراب على اتحاد النقابات. ولذلك لجأت قيادة الاتحاد إلى إجراءات أخرى لتبرير الإضراب، وقد ارتبط ذلك بقيادات شيوعية كانت تتمتع بنفوذ قوي داخل الحركة النقابية.
وبسبب الموقف من الاتفاقية حدثت مواجهات بين بعض اللجان العمالية والجماهير التي كانت تحتفل بها، ووصل الأمر إلى السجن والملاحقات.
ثم، عندما اتسعت المعارضة الشعبية لموقف الحزب، اضطرت قيادته في مارس إلى إعادة النظر في موقفها وتأييد الاتفاقية، وفسرت موقفها السابق بأنها نظرت إلى الاتفاقية من جانب واحد.
هذه الواقعة مهمة لأنها تكشف مشكلة أكبر من مجرد الخلاف حول اتفاقية سياسية.
النقابة: حزب سياسي أم مجال للحوار؟
أصدر اتحاد النقابات بعد ذلك بيانًا أكد فيه أن الاتحاد ليس حزبًا سياسيًا، وأن النقابات لا ينبغي أن تفرض على أعضائها موقفًا سياسيًا محددًا، وأن من حق العمال أن تكون لهم آراء سياسية مختلفة.
هذه الفكرة، في جوهرها، مهمة جدًا.
فالنقابة ليست حزبًا سياسيًا، كما أن منظمات المجتمع المدني ليست ملكًا لحزب معين. وظيفتها الأساسية أن توفر مجالًا يستطيع فيه أعضاؤها التعبير عن مصالحهم وآرائهم المختلفة.
المشكلة تظهر عندما ينظر حزب عقائدي إلى النقابة باعتبارها أداة في الصراع السياسي أو الطبقي المباشر على حساب ” القبول العام”، فيسعى إلى توجيهها من الداخل. وقد يكون المجال العام له علاقة بالصراع الطبقى والسياسى بيد ان ذلك ياتى ذلك فى التحليل النهائى .
وهنا تظهر آلية مثل الفراكشن الشيوعي ( ولاحقا اصبحت لجنة التنسيق بعد المؤتمر الخامس) أي وجود أعضاء حزبيين داخل النقابة يعملون بصورة منظمة لتوجيه مواقفها بما يتفق مع سياسة الحزب.
وهذه الآلية لا تقتصر على النقابات. ويمكن أن تمتد إلى اتحادات الطلاب ومنظمات المجتمع المدني وغيرها.
وبذلك تتحول المنظمة من فضاء للحوار بين أعضائها إلى وسيلة لتنفيذ قرار اتُخذ خارجها.
ما علاقة ذلك بالمجال العام؟
لفهم خطورة هذه المسألة، نحتاج إلى مفهوم بسيط طرحه الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، وهو مفهوم المجال العام.
المجال العام هو المساحة التي يلتقي فيها الناس خارج مؤسسات الدولة والأحزاب، ويتناقشون بحرية في القضايا التي تهم المجتمع.
وقد يكون هذا المجال في الصحف، والنقابات، والجامعات، والأندية، والجمعيات، والمنتديات وغيرها.
أهمية المجال العام أنه يسمح للناس بأن يختلفوا، ثم يناقشوا اختلافاتهم، ويصلوا إلى مواقف مشتركة من خلال الحوار.
وهنا لا تكون الحقيقة ملكًا لحزب أو جماعة، وإنما تصبح نتيجة لحوار مفتوح يستطيع كل طرف فيه أن يقدم حجته وينتقد حجة الطرف الآخر.
وهذا هو جوهر العقلانية التواصلية: أن نصل إلى التفاهم من خلال الحوار والحجة، وليس من خلال امتلاك القوة أو الادعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة.
لماذا كان المجال العام مهمًا في السودان؟
في الأربعينات والخمسينات كان المجال العام السوداني يتكون من مؤتمر الخريجين، والأحزاب، والصحف، والجمعيات الأدبية، والطلاب والنقابات.
ولم تكن هذه المؤسسات تحكم الدولة، لكنها كانت قادرة على التأثير في الرأي العام.
وهنا تكمن أهميتها.
فالرأي العام المستقل يستطيع أن يراقب السلطة، ويناقش قراراتها، ويمنحها الشرعية أو يسحبها منها.
لكن هذا الدور لا يمكن أن يقوم به إلا إذا كانت مؤسسات المجتمع المدني مستقلة، وإذا كان الاختلاف بينها مشروعًا ومقبولًا.
أما إذا سيطر حزب واحد على النقابات والصحف والطلاب والجمعيات، فإن المجال العام يفقد استقلاله، ويصبح من السهل توجيه الرأي العام بدل أن يكون الرأي العام هو الذي يراقب السلطة.
من إضعاف المجال العام إلى الدكتاتورية
هذه النقطة تساعدنا على فهم جانب من تاريخ السودان بعد الاستقلال.
فقد عاش السودان ثلاث تجارب ديمقراطية قصيرة، أعقبتها فترات طويلة من الحكم العسكري.
ولا يمكن تفسير ذلك فقط بأخطاء السياسيين أو الصراعات بين الأحزاب. فهناك مشكلة أعمق تتعلق بضعف المؤسسات المدنية والثقافة الديمقراطية.
عندما يضعف المجال العام، يفقد المجتمع إحدى أهم وسائل الدفاع عن الديمقراطية.
وعندما تفشل الأحزاب والمنظمات المدنية في إدارة الاختلاف بالحوار، يبدأ الناس في فقدان الثقة فيها.
وفي مثل هذه الظروف يصبح التدخل العسكري أسهل؛ لأن المجتمع يكون قد فقد ثقته في المؤسسات المدنية والسياسية.
وهذا ما يجعل دراسة تاريخ الأحزاب العقائدية والنقابات والمجتمع المدني أمرًا مهمًا لفهم تاريخ السودان الحديث.
المشكلة ليست في الاختلاف وإنما في احتكار الحقيقة
ليس المقصود هنا أن الحزب الشيوعي وحده ارتكب هذه الأخطاء. فالمشكلة أوسع من حزب بعينه.
الأحزاب العقائدية، سواء كانت شيوعية أو فاشية أو إسلامية، تشترك في ميل خطير عندما تعتبر نفسها صاحبة الحقيقة النهائية.
عندما يحدث ذلك، يصبح الحوار مع الآخرين أقل أهمية، لأن الحزب يعتقد أنه يعرف مسبقًا ما هو صحيح وما هو خطأ.
ومن هنا يتحول الآخر من شريك في الحوار إلى موضوع يجب إقناعه أو توجيهه أو السيطرة عليه.
وهذا عكس العقلانية التواصلية تمامًا.
فالعقلانية التواصلية تقوم على افتراض بسيط:
لا أحد يمتلك الحقيقة كاملة، ولذلك نحتاج إلى الآخرين لكي نختبر أفكارنا ونصحح أخطاءنا.
وهذه الفكرة مهمة بصورة خاصة في مجتمع مثل السودان، حيث المؤسسات ضعيفة، والتعليم محدود، والفقر والأمية تركا أعباء كبيرة على المجتمع.
في مثل هذه الظروف تصبح منظمات المجتمع المدني والنقابات والصحافة والتعليم جزءًا أساسيًا من بناء الدولة، وليس مجرد أدوات للصراع السياسي.
مؤتمر الخريجين: تجربة تحتاج إلى قراءة جديدة
ومن هنا تأتي أهمية إعادة قراءة تجربة مؤتمر الخريجين العام.
صحيح أن المؤتمر كان محدود التمثيل؛ فقد نشأ في مجتمع كانت فيه الأمية واسعة، ولم يضم في تكوينه النساء والعمال والمهمشين بصورة كافية.
لكن هذا لا يلغي أهميته التاريخية.
فمن رحم المؤتمر خرج عدد كبير من قادة الحركة الوطنية، وأسهم في تكوين المجال العام السوداني وفي خلق جيل من المتعلمين الذين حملوا قضية الاستقلال.
لذلك من الخطأ اختزال المؤتمر في وصف أيديولوجي مثل «صفوة» أو «برجوازية صغيرة».
الأفضل أن ننظر إليه باعتباره تجربة تاريخية لها نقاط ضعفها، لكنها كانت أيضًا تجربة غنية في بناء الوعي الوطني والمشاركة العامة.
إن إعادة قراءة تاريخ السودان ليست ترفًا فكريًا. فنحن نعيش اليوم نتائج أزمات تراكمت منذ الاستقلال.
وتكشف لنا قصة اتفاقية 1953 أن المشكلة لم تكن فقط في الموقف من الاتفاقية، وإنما في الطريقة التي أُدير بها الخلاف.
كان يمكن تأييد الاتفاقية باعتبارها خطوة نحو الاستقلال، ثم نقدها والمطالبة بتعديل ما فيها من نواقص.
وكان يمكن أن يختلف الشيوعيون مع غيرهم، وأن يدافعوا عن رأيهم داخل المجال العام.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول النقابات ومنظمات المجتمع المدني إلى أدوات لتنفيذ قرار حزب سياسي.
فالعملية الديمقراطية لا تقوم فقط على الانتخابات، وإنما تحتاج قبل ذلك إلى مجال عام حر ومستقل، ومنظمات مدنية قادرة على الحوار، وقبول الاختلاف، واحترام حق الآخر في أن يكون شريكًا كاملًا في النقاش.
ولعل الدرس الأهم من تاريخنا هو أن الديمقراطية لا تستطيع أن تعيش إذا كان كل طرف يعتقد أنه يمتلك الحقيقة وحده.
الديمقراطية تبدأ عندما ندرك أن الآخر ليس موضوعًا نريد السيطرة عليه، وإنما شريكًا نحتاج إلى الحوار معه.
وهذا هو الطريق من ثقافة الوصاية وفرض الإرادة إلى ثقافة الحوار والعقلانية التواصلية.
طلعت محمد الطيب
