أزمة ما بعد الخراب
لا يمثل الإعلان عن تشكيل (لجنة الحوار السوداني) مجرد إضافة رقمية إلى مسار الهيئات والمبادرات المدنية المتعاقبة، بل يكشف عن مأزق بنيوي أعمق يتعلق بمن يملك شرعية تعريف الدولة وتحديد مسارها المستقبلي في مرحلة ما بعد الحرب , فالسؤال الحاسم لم يعد مقتصراً على: من يحكم السودان؟ بل تجاوزه إلى سؤال أكثر عمقاً: من يملك حق تعريف السودان ووطنيته؟ , يأتي هذا السؤال وسط تقاطع إرادات المؤسسة العسكرية، والقوى المدنية، والحركات المسلحة، والأحزاب التقليدية، فضلاً عن تيارات سياسية وفكرية تتنافس جميعها على صياغة الرواية التي ينبغي أن يقوم عليها السودان بعد الحرب , ومن هنا تبرز أهمية اللجنة، ليس باعتبارها بديلاً عن الحكومة أو قيادة سياسية جديدة، ولا بادعاء امتلاكها تفويضاً شعبياً أو حزبياً، بل بوضعها نصب عينيها مهمة تبدو متواضعة شكلاً، لكنها بالغة التعقيد موضوعاً – تهيئة شروط الحوار قبل الانخراط في الحوار ذاته , وهذا الفارق ليس هامشياً، بل هو جوهر الإشكالية السياسية الراهنة
أولاً- تفكيك شروط التفاوض واستقلالية اللجنة , لم يعد الخلاف السوداني محصوراً في بنود جدول أعمال أي مؤتمر سياسي، بل تحول إلى خلاف حول شرعية المشاركة ذاتها: من يحق له الجلوس إلى الطاولة؟ وبأي ضمانات؟ وتحت أي شروط؟ ومن يملك تحديد أجندة الحوار ومخرجاته؟ , هنا تبرز القيمة السياسية الحقيقية للجنة، التي لن تقاس بقدرتها على تنظيم مؤتمر، بل بقدرتها على إنجاز ما يمكن وصفه التفاوض على شروط التفاوض , من يشارك ومن يُستبعد؟ , كيف تُحمى الشخصيات القادمة من الخارج؟
كيف نمنع تحول الملاحقات القانونية والسياسية إلى أداة لإقصاء الخصوم؟
كيف نضمن حرية النقاش؟
ومن يمنع تحول الدولة إلى طرف في الحوار بدلاً من كونها مؤسسة تخضع لمخرجاته؟
تمثل هذه الأسئلة جوهر المعضلة , فالحوار الذي يخوضه طرف وهو خائف من الاعتقال، أو ذاك الذي تحدده السلطة مسبقاً، أو ذاك الذي تتوقف نتائجه على موافقة طرف واحد، لا يعد حواراً سياسياً بالمعنى الحقيقي، بل مجرد اجتماع لتبادل المواقف تحت سقف محدد سلفاً , ولهذا فإن الحديث عن الضمانات المكتوبة والقابلة للتحقق ليس تفصيلاً إجرائياً، وإنما هو جزء من المعركة السياسية حول معنى الحوار نفسه
ثانياً —الاستقلال وسؤال السلطة , المبادرة تتحرك في منطقة شديدة الحساسية، حيث يمكن للسلطة أن تدعم اللجنة وتوفر لها الحماية والتسهيلات، لكن دون أن يعني ذلك حقها في تحديد مسارها أو التحكم في مخرجاتها , وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي لاستقلال اللجنة , فلا يكفي أن تصف اللجنة نفسها بالمستقلة، بل يجب أن تمتلك القدرة على الاستماع إلى خصوم السلطة، حتى أولئك الذين لا تحظى مواقفهم برضاها، وأن تضع شروطاً للحوار تكون الدولة نفسها مطالبة باحترامها، وأن تقول للسلطة «لا» عند الاقتضاء
فإذا استطاعت اللجنة ذلك، تكون قد أثبتت استقلاليتها السياسية. وإذا لم تستطع، فستظل مجرد لجنة ذات حضور مدني، لكنها تعمل داخل السقف السياسي الذي تحدده السلطة
المفارقة التي لا يجوز تجاهلها
لكن ثمة مفارقة سياسية لا يجوز تجاوزها في قراءة مشروع اللجنة- أنها وُلدت في سياق مبادرة دعا إليها الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في الوقت الذي يصر رئيسها وأعضاؤها على استقلالها الكامل عن النفوذ الحكومي.
وهذه المفارقة لا تعني بالضرورة أن اللجنة صنيعة حكومية، كما لا تكفي وحدها للحكم على استقلالها أو نفيه. لكنها تضعها منذ لحظة التأسيس أمام امتحان سياسي لا يمكن تفاديه.
فالسلطة التي تفتح الباب أمام مبادرة للحوار تستطيع، بحكم موقعها، أن توفر الحماية والتسهيلات والبيئة القانونية والأمنية اللازمة لعملها. لكن هذه المساندة ينبغي ألا تتحول إلى حق في امتلاك المبادرة أو تحديد مسارها أو التحكم في مخرجاتها.
وهنا تحديداً يصبح إصرار رئيس اللجنة على استقلالها عن النفوذ الحكومي ذا أهمية سياسية تتجاوز مجرد التصريح الإعلامي , فالاستقلال الحقيقي لا يُقاس بما تقوله اللجنة عن نفسها، وإنما بما تستطيع أن تفعله عندما تتعارض رؤيتها مع إرادة السلطة
هل تستطيع أن تستمع إلى القوى التي ترفض البرهان؟ , هل تستطيع أن تدعو شخصيات لا تحظى بقبول السلطة؟
هل تستطيع أن تضع شروطاً للحوار تكون الدولة نفسها مطالبة بالالتزام بها؟ , وهل تستطيع، في اللحظة الحاسمة، أن تقول للسلطة – , «لا، هذا الشرط يتعارض مع استقلال الحوار»؟ هنا فقط يتحول الاستقلال من صفة معلنة إلى ممارسة سياسية , وفي المقابل، سيكون من الخطأ أيضاً أن تتعامل القوى المدنية مع مجرد نشأة المبادرة في سياق دعوة من البرهان باعتبارها دليلاً كافياً على أنها أداة حكومية. فالسياسة لا تُقرأ بالنوايا وحدها، وإنما بالوقائع والممارسة والنتائج , قد تكون السلطة قد فتحت الباب للمبادرة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها ستستطيع السيطرة على ما يدخل منه , وهنا تكمن المساحة التي تستطيع اللجنة أن تتحرك فيها , إنها مطالبة بأن تثبت أن المبادرة يمكن أن يكون لها أبٌ سياسي، دون أن يكون لها مالك سياسي , وهذه ربما تكون أصعب معادلة تواجهها منذ لحظة تأسيسها , فاللجنة إذا استطاعت أن تستفيد من التسهيلات التي توفرها الدولة دون أن تسمح للدولة بأن تتحول إلى وصي على الحوار، فإنها تكون قد حققت معادلة نادرة في السياسة السودانية- التعاون مع السلطة دون الارتهان لها، والاستقلال عنها دون الدخول في خصومة مسبقة معها , أما إذا أصبحت حدود حركتها مرهونة بما تقبله السلطة أو ترفضه، فسوف يفقد حديثها عن الاستقلال جزءاً كبيراً من معناه , ولهذا فإن أفضل ما يمكن أن يفعله أعضاء اللجنة الآن ليس الدفاع المتكرر عن استقلالهم بالكلمات، وإنما إظهار هذا الاستقلال في أول اختبار عملي: اختيار من يستمعون إليه، ومن يدعونه، وما الشروط التي يضعونها، وكيف يتعاملون مع الرافضين للحوار، وكيف يحمون حق المختلفين في التعبير , هناك فقط ستنتقل اللجنة من سؤال- «هل هي مستقلة؟» إلى سؤال أكثر أهمية- «ماذا ستفعل باستقلالها؟ , ثالثاً- الانتقال من «الحوار مع الأشخاص» إلى «الحوار حول الدولة», هذه النقطة تضع القوى المدنية أمام اختبار مختلف , ففي الوقت الذي يرفض فيه جزء من الخطاب السياسي المدني الحوار مع الفريق أول عبد الفتاح البرهان، باعتبار أن ذلك يعني اعترافاً بشرعية مسار سياسي وعسكري مرفوض، تطرح اللجنة المسألة بصيغة مغايرة- ليس بالضرورة «الحوار مع البرهان»، بل «الحوار بين السودانيين حول شكل الدولة ومستقبلها» , والفارق بين الصيغتين كبير , الأولى تجعل الحوار شخصياً ومتمركزاً حول قائد
والثانية تطرح السؤال على مستوى الدولة والمجتمع والنظام السياسي بأسره , وهنا قد نجد مدخلاً للخروج من الاستقطاب الذي حوّل السياسة السودانية إلى معسكرات مغلقة , فالسؤال الأعمق ليس: هل نتحاور مع البرهان؟
بل- كيف نبني دولة يستطيع السودانيون المختلفون أن يعيشوا فيها دون أن يحتاج كل طرف إلى امتلاك الجيش ليضمن وجوده السياسي؟
إن الانتقال من (الحوار مع الأشخاص) إلى -الحوار حول الدولة , قد يكون من أهم التحولات التي يمكن أن تنتجها المبادرة إذا استطاعت أن تحافظ على استقلالها , رابعاً: القوى المدنية وامتحان الشروط , إن رفض المبادرة لمجرد أنها نشأت في سياق السلطة قد يشكل خطأً سياسياً، كما أن قبولها دون شروط قد يكون خطأً أكبر , لذلك يبدو الموقف الأكثر حكمة هو القبول المشروط بضمانات واضحة وقابلة للتحقق , نعم للحوار، لكن لا لحوار تتحكم السلطة في أجندته , ونعم للمشاركة، لكن لا لإقصاء أي قوة سياسية سلمية لمجرد اختلافها , نعم لإعادة بناء الدولة، لكن لا لإعادة إنتاج النظام القديم , نعم للمصالحة الوطنية، لكن لا على حساب العدالة , بهذه المعادلة يمكن للقوى المدنية أن تنتقل من موقع رد الفعل إلى موقع صناعة الشروط , وهذا هو جوهر العمل السياسي , فالقوة السياسية التي ترفض الحوار من حيث المبدأ تترك المجال للآخرين كي يحددوا شكل الحوار وحدوده. أما القوة التي تدخل الحوار بشروط واضحة، فتستطيع أن تجعل مشاركتها نفسها أداة لإعادة تشكيل العملية السياسية
خامساً- العدالة الانتقالية وفخ الإقصاء الجماعي
في ملف التعامل مع القوى الإسلامية، يثبت الواقع السوداني استحالة بناء استقرار حقيقي عبر الإقصاء الجماعي أو المصالحة المجانية -المخرج ليس الإقصاء الجماعي ولا المصالحة بلا شروط، بل الفصل بين المسؤولية الجنائية الفردية والحق في ممارسة العمل السياسي السلمي , من ارتكب جريمة يجب أن يحاسب أمام القانون , ومن يريد ممارسة السياسة يجب أن يلتزم بقواعد العمل السياسي السلمي والديمقراطي , وهكذا تصبح العدالة الانتقالية شرطاً موضوعياً لا غنى عنه لنجاح أي مسار تفاوضي، وليست مجرد أداة لتصفية الحسابات , فالعدالة لا تعني الانتقام، كما أن المصالحة لا تعني إسقاط المسؤولية , وإذا كان السودان يريد أن يخرج من دائرة الحرب والثأر السياسي، فإنه يحتاج إلى بناء قاعدة جديدة تقول إن المسؤولية فردية أمام القانون، بينما الحق في المشاركة السياسية تحكمه قواعد الدولة الديمقراطية
سادساً- رمزية التشكيل وتنوع الرأسمال المعرفي
يتجاوز اختيار أعضاء اللجنة المعايير الحزبية التقليدية، ليضم نخباً من حقول الفكر والأكاديميا والقانون والأدب والصحافة، من أمثال البروفيسور قاسم بدري، وعثمان ميرغني، والدكتور محمد جلال هاشم، والدكتور الواثق كمير، والمحامي نبيل أديب، والروائي عبدالعزيز بركة ساكن، إلى جانب شخصيات أخرى من الداخل والخارج , وهذه الأسماء ليست مجرد قائمة عضوية، بل تحمل في مجموعها دلالة سياسية , فوجود شخصيات أكاديمية وقانونية وإعلامية وثقافية يوحي بمحاولة تشكيل رأسمال مدني وثقافي موازٍ للرأسمال الحزبي التقليدي , قاسم بدري يمثل، في هذا السياق، رمزاً للمؤسسة التعليمية والمدنية، بما تمنحه من شرعية مختلفة عن الشرعية الحزبية , وعثمان ميرغني يضيف إلى اللجنة الخبرة الصحفية وقدرة التعامل مع المجال العام وصناعة السردية السياسية , ومحمد جلال هاشم يحضر بثقل السؤال الفكري المتعلق بالمركز والهامش والهوية وبنية الدولة السودانية , والواثق كمير يضيف بعداً أكاديمياً يرتبط بقضايا الدولة والحكم والسياسة والتنمية , أما نبيل أديب، فيمثل الحضور القانوني الذي يجعل قضايا الحقوق والعدالة والضمانات جزءاً لا يمكن تجاهله من أي حوار سياسي و ويمنح حضور عبدالعزيز بركة ساكن اللجنة بعداً ثقافياً وإنسانياً مختلفاً، حيث تدخل الذاكرة الاجتماعية والحرب والهامش والإنسان العادي إلى مساحة غالباً ما تهيمن عليها لغة السياسيين , لكن قيمة هذه الأسماء لا تكمن في مكانتها الفردية وحدها، وإنما في إمكان تحويل تنوعها إلى رؤية مشتركة , فالسودان جرب طويلاً أن تجلس الأحزاب مع الأحزاب، والعسكر مع السياسيين، والحركات مع الحكومات، ثم تعود الأزمة إلى نقطة البداية , ربما تحاول اللجنة أن تقول إن المشكلة أصبحت أكبر من قدرة الأحزاب وحدها على حلها , لكن هذا يقود إلى سؤال لا يمكن تجاهله:
هل يستطيع المثقفون والأكاديميون والقانونيون حل أزمة سياسية صنعتها القوة والسلاح؟
الإجابة = لا يستطيعون وحدهم , لكنهم يستطيعون أن يفعلوا شيئاً لا تستطيع البندقية فعله- إعادة تعريف الأسئلة التي ينبغي أن يتفاوض حولها أصحاب القوة و وهذا هو الدور الذي يمكن أن ينجحوا فيه
سابعاً- الطريق الثالث كفضاء سياسي جديد
ربما تكون الفرصة الأهم التي توفرها هذه اللجنة، إن حافظت على استقلالها، هي فتح مساحة ثالثة في السياسة السودانية
ليس طريق الجيش , ولا طريق الدعم السريع , ولا طريق القوى المدنية المتصارعة على تمثيل الثورة , بل طريق إعادة بناء المجال الوطني ذاته , لكن الطريق الثالث لا يعني الوقوف على مسافة واحدة من الجريمة والضحية، ولا مساواة المعتدي بالمعتدى عليه، ولا محو المسؤوليات السياسية والجنائية , الطريق الثالث يعني شيئاً آخر , أن تكون هناك مساحة سياسية لا تحددها البندقية , مساحة يستطيع فيها السوداني أن يقول رأيه دون أن يصبح ذلك سبباً لاعتقاله أو تخوينه أو تصنيفه في معسكر دون آخر , ولهذا فإن الطريق الثالث ليس «منطقة وسط» بين طرفين متحاربين بالضرورة , إنه مشروع سياسي مستقل في تعريفه للدولة والمواطنة والسلام والعدالة , فالوقوف في المنتصف بين مشروعين لا يعني بالضرورة إنتاج مشروع ثالث و أما امتلاك رؤية مختلفة للدولة، فهذا هو الذي يجعل الطريق الثالث ممكناً , ثامناً: سؤال الوطنية
ربما يكون السؤال الأعمق الذي ينبغي أن يخرج به السودانيون من هذه المرحلة هو- من يملك الوطنية؟ ,و لقد احتكر كل طرف تعريفها , الجيش يقول – الدفاع عن الدولة هو الوطنية – بعض القوى المدنية تقول- مقاومة العسكر هي الوطنية.
القوى المسلحة تطرح سردياتها عن الهامش والعدالة , والإسلاميون يمتلكون رواية أخرى عن الدولة والمجتمع , وبين هذه السرديات، ضاع السودان باعتباره فكرة مشتركة , لذلك فإن مهمة أي حوار حقيقي لا ينبغي أن تبدأ بتوزيع المناصب، بل بإعادة بناء المشترك الوطني عبر الإجابة عن أسئلة جوهرية- ما الدولة التي نريدها؟ , ما علاقة الجيش بالسياسة؟ , ما موقع الدين في المجال العام؟ , -وكيف تُدار العلاقة بين المركز والأقاليم؟ – وكيف تُبنى العدالة الانتقالية؟ – وكيف تُعاد صياغة المؤسسة العسكرية؟ , كيف يصبح السلاح خاضعاً للدولة؟ , وكيف يصبح الاختلاف السياسي سبباً للتنافس لا للحرب؟
هذه الأسئلة أكثر أهمية من أسماء الحكومات القادمة , لأن السودان إذا لم يجب عنها، فسوف يعيد إنتاج الأزمة نفسها تحت أسماء جديدة
تاسعاً – اللجنة أمام اختبار التاريخ , لا ينبغي المبالغة في التفاؤل – فالسودان شهد مبادرات ولجاناً ومنابر تفاوضية كثيرة، انتهى بعضها إلى وثائق جميلة لكنها عجزت عن تغيير الواقع , لذلك لن تُقاس اللجنة الجديدة بعدد الأسماء التي تضمها، ولا بعدد المؤتمرات التي تعقدها، ولا بجمال بياناتها , ستُقاس بقدرتها على الحفاظ على استقلالها، وبقدرتها على جمع المختلفين دون أن تتحول إلى أداة لإقصاء أحد، وبقدرتها على جعل الحوار وسيلة لإعادة تأسيس الدولة، لا مجرد صفقة جديدة بين النخب , لكن هناك معياراً رابعاً ربما يكون أكثر أهمية- هل تستطيع اللجنة أن تتحمل رفضها من بعض الأطراف دون أن تفقد توازنها؟ _ فالحوار الحقيقي لن يبدأ عندما يوافق الجميع على , اللجنة، بل ربما يبدأ عندما يرفضها بعضهم , عندها ستظهر قدرتها على الاستماع إلى الرافضين، وفهم مخاوفهم، وتعديل مسارها إذا لزم الأمر، دون أن تفقد جوهر مهمتها , خاتمة: حوار جديد أم لجنة أخرى؟ , السودان لا يحتاج إلى حوار جديد بالمعنى التقليدي، بل إلى فكرة جديدة للحوار , حوار لا يكون غايته أن يتقاسم السياسيون السلطة بعد الحرب، بل أن يتفق السودانيون أولاً على شكل الدولة التي تستحق أن تُبنى بعد كل هذا الموت , وهنا يظل السؤال مفتوحاً:
هل وُلدت لجنة الحوار لتكون لجنة أخرى في تاريخ الأزمات السودانية، أم أنها تستطيع أن تكون بداية الطريق الثالث؟
الإجابة لن تأتي من المؤتمر الصحفي. , ولن تأتي من أسماء أعضاء اللجنة، مهما كانت محترمة. – لن تأتي من البيانات التي ستصدرها لاحقاً , الإجابة ستأتي عندما تبدأ اللجنة في طرق أبواب المخالفين، والاستماع إلى الرافضين، ووضع الشروط على من يملك السلطة، كما تضعها على من يريد الوصول إليها , ستأتي عندما تستطيع أن تقول للسلطة: نعم للتعاون، ولكن لا للوصاية
وتقول للقوى المدنية- نعم للمشاركة، ولكن لا لاحتكار تمثيل السودان , وتقول للإسلاميين: نعم للحق السياسي، ولكن لا للإفلات من العدالة , وتقول للقوى المسلحة: نعم للحوار، ولكن لا لتحويل السلاح إلى مصدر للشرعية , وتقول للمجتمع السوداني كله – لا أحد يملك السودان وحده , وعندها فقط يمكن القول إن الحوار قد بدأ فعلاً. , فربما لا تكون القضية في النهاية هي – من سيحكم السودان؟ , بل السؤال الأعمق هو , أي سودان نريد أن نحكمه؟ , ومن يملك حق تعريفه؟
ربما تكون الإجابة التي يحتاجها السودان بعد هذه الحرب أن الوطن ليس غنيمة تنتصر فيها جماعة على أخرى، ولا سردية يحتكرها طرف، ولا مؤسسة تفرض تعريفها بالقوة ,الوطن هو المساحة التي يتساوى فيها المختلفون في الحق، ويتحمل فيها الجميع مسؤولياتهم أمام القانون، ويصبح فيها السلاح خاضعاً للدولة، وتصبح الدولة خاضعة للمواطن , وعند هذه النقطة فقط، يمكن أن يتحول «الطريق الثالث» من مجرد شعار سياسي إلى مشروع لإعادة تأسيس السودان.
زهير عثمان
