زين العابدين صالح عبد الرحمن
هذا العنوان استلفته من مقال بعنوان ” السياسة و اللغة” للكاتب البريطاني جورج أورويل حيث ٌقال ( إن السياسيين يثيرون الدهماء من خلال انتهاكم للغة.. و تجد أكاذيبهم دائما تلطخ أثواب الصدق، فتنحرف المعاني عن مقاصدها التي تحملها ذات اللغة) إذا استطاعت النخب السياسية أن تظهر رغائبها الحقيقة في العمل السياسي، تكون قد قطعت نصف الطريق لحل أية مشكلة، و لكن إخفاء المقاصد يعد سببا أساسيا في توالد الأزمات في السودان، و عبر كل مراحل النظم التي حكمت البلاد..
الملاحظ إن المواقف السياسية لا تبنى على الأهداف الحقيقة، لذلك تجد أغلبية الخطابات يستخدم فيها التورية، و هي حمالة أوجه، و هذه تعود لأن تراكم الثقافة الشمولية السائدة بسبب طول أنظمة حكمها في البلاد.. حيث جعلت التورية بديلا للشفافية، اللنخب السياسية خطابها معنين واحد قريب يغطى المعنى البعيد ” أي المقصود” لذلك تجد إن غلبية النخب في الأحزاب، و حتى بيانات بعض الأحزاب تستلف لسان الشعب، و الهدف المقصود هو الترويج.. و هناك المعنى الظاهر و الأخر الذي احتاج للتورية، فصاحب الخطاب إذا كان شخص أو حزب، هو الذي سوف يكشف عن المقصد، إذا اعتقد إن حديثه قد وجد آذان صاغية و ترحيب، أما إذا لم يجد التأييد يأخذ المعنى غير المقصود..
أيدت حوار الداخل ليس من اليوم منذ حدوث الخلاف داخل الفترة الانتقالية، و أرجعت ذلك لعدم تشكيل ” المجلس التشريعي” لآن تشكيل المجلس التشريعي كان حسم قضايا كثيرة كان عليها خلاف، و كان تمسك بحرفية الوثيقة الدستورية.. المجلس التشريعي كان نقل الصراع السياسي داخل المجلس، و لكن الكل تهرب من تشكيل المجلس حتى لا يكونوا تحت المساءلة و الاستجواب.. و كانوا يريدون مد الفترة الانتقالية لأطول فترة ممكنة.. ونسوا أن الصراع بينهم لا يملك مرجعية يتم احترامها من قبل الجميع، فكل جانب يحاول حسم الصراع لنفسه، و كان الشارع بعيدا عن الكل.. حتى جاءت الحرب و كان لابد أن تغير المعادلات..
هذا الصراع الذي أدى إلي الحرب خلق تيارين، الأول مؤيد للجيش و يريده مواصلة القتال حتى النصر أو استسلام الميليشيا.. و الهدف هو أبعاد الميليشيا و عدم عودتها مرة أخرى للعمل العسكري و السياسي.. هذا الإبعاد سوف يحدث تغييرات جوهرية في الأجندة السياسية المطروحة في الساحة.. التيار الثاني يريد بقاء الميليشيا و فتح باب التفاوض بينها و الجيش هي الفرصة التي تعود بالساحة السياسية للأجندة التي كانت قبل الحرب.. و لا اعتقد هناك منطقة أوسطى يمكن الرهان عليها..
أية حوار سياسي في ظل الحرب، يحتاج إلي قوة تحرس هذا الحوار، و تعمل على انجاز النتائج التي وصل إليها، فالفريق الأول يراهن على قوة الجيش، لذلك لا يتردد في تأييده، و حس الحرب بالانتصار.. الفريق الثاني يعتمد على المجتمع الخارجي و تأييده، و دفعه إلي حظر الطيران في كل السودان و فتح منافذ للإغاثة، و ÷و صراع ينقل القضية السودان إلي اختبار مسألة التحالفات الإستراتيجية و الاستفادة من الصراع الدائر بين الاقطاب..
قضية المهمة هي قضية الحوار، كنت اعتقد إن الحوار السوداني السوداني لا تؤثر عليه ظلال الخارج و التلويحات باستخدام المنظمات، من أجل ممارسة الضغط.. و الخارج مهما وقف في جانب، لكنه في النهاية ينحاز إلي الجانب الذي يعتقد سوف يحقق له أجندته.. لآن الخارج لا يتدخل في أية صراع إلا حماية لمصالحه.. و أكبر دليل على ذلك الانقلاب الذي حدث قبل أيام في النيجر، و الذي حسم بسرعة، لأنه صطدم بمصالح الدول الكبرى و حدث تدخل مباشر..
لجنة الحوار التي عقدت مؤتمرها في الخرطوم، كان من الفترض أن تبحث عن عنصر الشباب من الجنسين، و تحول الحوار من حوار نخب مأزومة إلي حوار شعبي.. حيث تتوزع اللجنة إلي مجموعات و تطوف على الولايات، و تعقد حوارات مع الناس في المحليات و حتى في الأحياء، لكي تصبح هناك رؤية شعبة لقضية الحرب و الحكم، أما أن تظل قلة من النخب داخل و خارج السودان هؤلاء هم الذين يحددون مصير البلاد، و هم جزء من الأزمة المتواصلة.. و دائما بعد الانتفاضات و الثورات تسيطر النخب السياسية على إدارة العملية و تفشل، و تعود البلاد مرة أخرى إلي الحكم الشمولي، و يرجعوا للشعب مرة أخرى لكي يقدم التضحيات لكي تسيطر و تحكم قلة دون رقيب او مساءلة، ألان؛ أفضل أن يكون التعامل مع الشعب بشكل مباشر، و حثهم لكي يقدموا ارائهم في كل القضايا الموضوعة في الأجندة.. أن التحول الديمقراطي يؤسس على الوعي الجمعي، و ليس على قلة من النخب تنظر لمصالحها قبل مصالح الوطن و المواطنيين..
إن الديمقراطية ممارسة و أفكار تقدم بهدف التغيير، و سلوك ديمقراطي يؤسس على الأراء و احترام الرأي الأخر، و أحترام للقوانين، و جهاز عدلي متكامل، و مؤسسة تراقب الفعل التنفيذي و و تحترم من قبل الجميع.. و ليس شعارات ترفع لتغطية أجندة غير معروفة.. الديمقراطية هي حل أزمة السودان، لكن بعيدا عن تدخل النفوذ الخارجي. و خطاب الوصاية الذي درج عليه.. النفوذ الخارجي لا يتدخل إلا لتنفيذ أجندته التي لا تتلاءم مع مصالح البلاد.. نسأل الله حسن البصيرة..
