الإمارات في حرب السودان وفق الأدلة والبيانات والبراهين: كيف حوّل الدعم المالي والعسكري واللوجستي لقوات الدعم السريع ميزان الحرب وأطال الصراع وأضعف احتكار الجيش للقوة، وما الذي ينتظر السودان حتى 30 أغسطس 2026؟
د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
الملخص
شهدت الحرب السودانية منذ اندلاعها في 15 أبريل 2023 تحولاً من صراع مسلح بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع إلى حرب متعددة المستويات تتداخل فيها العوامل العسكرية والاقتصادية والإقليمية والدولية، وأصبحت أدوار القوى الخارجية عاملاً مؤثراً في إطالة أمد الحرب وفي تغيير موازين القوة بين الطرفين. وفي هذا السياق، يخلص المقال إلى أن الدور الإماراتي يمثل أحد أكثر عناصر التدخل الخارجي إثارة للجدل، ليس فقط بسبب الاتهامات المتعلقة بتقديم الدعم العسكري والمالي واللوجستي لقوات الدعم السريع، وإنما أيضاً بسبب شبكة المصالح الاقتصادية والذهب والعلاقات الإقليمية التي جعلت الإمارات جزءاً مهماً من البيئة الخارجية التي مكنت قوات الدعم السريع من الاستمرار في القتال. وفي المقابل، فإن تفسير ضعف الجيش السوداني لا يمكن اختزاله في الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع؛ إذ يرتبط أيضاً بالانقسامات المؤسسية التي سبقت الحرب، وبطبيعة الدولة العسكرية، وبالاختلالات الاقتصادية والسياسية، وبالتحالفات الخارجية المضادة، وبالتطورات الميدانية التي جعلت الحرب صراعاً بين منظومتين مسلحتين تتمتع كل منهما بدرجات مختلفة من الدعم الخارجي.
يبدأ المقال من الخلفية التاريخية للعلاقة بين الإمارات والسودان، موضحاً أن السياسة الإماراتية تجاه السودان لم تبدأ مع حرب 2023، وإنما تشكلت خلال السنوات السابقة للحرب، ولا سيما بعد سقوط عمر البشير في أبريل 2019. فقد تعاملت الإمارات، إلى جانب السعودية، مع السودان باعتباره جزءاً من منظومة الأمن الإقليمي المرتبطة بالبحر الأحمر والخليج ومصر واليمن، وسعت إلى دعم ترتيبات سياسية وأمنية تضمن الحد من نفوذ الإسلاميين، وتحافظ على الاستقرار، وتؤمن المصالح الاقتصادية والاستراتيجية. وفي مرحلة ما بعد سقوط البشير، أصبحت العلاقات مع المكون العسكري أكثر أهمية، كما أن العلاقة مع قوات الدعم السريع اكتسبت بعداً خاصاً بسبب مشاركة مقاتلين سودانيين في الحرب اليمنية وعلاقات محمد حمدان دقلو، المعروف بحميدتي، الإقليمية. ومن ثم فإن الحرب الحالية لا تمثل بداية العلاقة الإماراتية مع الدعم السريع، وإنما نقطة انتقال من علاقة سياسية وأمنية واقتصادية سابقة إلى علاقة أصبحت موضع اتهامات واسعة بتقديم الدعم في سياق حرب شاملة.
ويشرح المقال أن فهم الدور الإماراتي يتطلب الفصل بين عدة مستويات مختلفة من الأدلة. المستوى الأول هو الأدلة المتعلقة بنقل الأسلحة والمعدات العسكرية إلى قوات الدعم السريع. المستوى الثاني يتعلق بالشبكات اللوجستية التي يُعتقد أنها ساعدت على وصول هذه المعدات، ولا سيما عبر تشاد ومناطق الحدود الغربية للسودان. المستوى الثالث يتعلق بالتمويل والذهب والشركات والشبكات التجارية التي ارتبطت بقيادات الدعم السريع أو بوسطاء يعملون في الإمارات. المستوى الرابع يتعلق بالدعم السياسي والدبلوماسي، بما في ذلك قدرة الإمارات على التأثير في البيئة الدولية والإقليمية المحيطة بالحرب. أما المستوى الخامس فيتعلق بوجود متعاقدين ومقاتلين أجانب، وهي قضية ازدادت أهميتها في الأدلة المنشورة خلال عامي 2025 و2026. وتؤكد الدراسات والتقارير الحديثة أن العلاقة بين الإمارات والدعم السريع ينبغي ألا تختزل في صورة واحدة تتمثل في “توريد السلاح”، بل ينبغي فهمها بوصفها شبكة متعددة القنوات تجمع بين المال والتجارة واللوجستيات والعلاقات السياسية والقدرات العسكرية.
ومن أكثر الأدلة أهمية في هذا السياق ما يتعلق بالأسلحة والمعدات ذات المنشأ الصيني التي ظهرت في ساحات القتال السودانية. فقد خلص تحقيق لمنظمة العفو الدولية نُشر في مايو 2025 إلى أن أسلحة صينية متطورة أعيد تصديرها عبر الإمارات وصلت إلى قوات الدعم السريع، وأن بعض هذه الأسلحة استخدم في دارفور وظهر كذلك في الخرطوم، في سياق اعتبرته المنظمة انتهاكاً لحظر الأسلحة المفروض على دارفور. وتكتسب هذه الأدلة أهمية خاصة لأنها لا تعتمد فقط على الادعاءات السياسية المتبادلة، وإنما تربط بين أنواع محددة من المعدات ومسارات إعادة التصدير والجهة التي أعادت تصديرها. وفي الوقت نفسه، ينفي الجانب الإماراتي تقديم الأسلحة إلى قوات الدعم السريع، ولذلك يظل التقييم العلمي الأفضل قائماً على التفريق بين ما تم توثيقه ميدانياً وبين الاستنتاجات المتعلقة بالمسؤولية الحكومية المباشرة عن كل شحنة بعينها. وتؤكد هذه النقطة أهمية عدم الخلط بين وجود معدات مرت عبر الإمارات وبين إثبات أن كل عملية نقل تمت بأمر مباشر من الحكومة الإماراتية.
وتبرز تشاد باعتبارها أحد أهم عناصر فهم البنية اللوجستية للحرب. فقد أشارت تقارير وتحقيقات متعددة إلى أن مطار أم جرس في شرق تشاد أصبح جزءاً من شبكة إمداد مرتبطة بالحرب في دارفور، مع اتهامات بأن أسلحة ومعدات وصلت عبر الأراضي التشادية إلى قوات الدعم السريع. وقد نفت الإمارات هذه الاتهامات، كما أن الحكومة التشادية نفت في مراحل مختلفة بعض الادعاءات المتعلقة باستخدام أراضيها لتسليح طرف في الحرب. إلا أن تكرار الأدلة المتعلقة بالرحلات الجوية وحركة المعدات والارتباط الجغرافي بين شرق تشاد ودارفور جعل المسار التشادي محوراً رئيسياً في تحليل الحرب. وتزداد أهمية هذا المسار لأن الحدود بين تشاد ودارفور ليست مجرد حدود سياسية، بل منطقة اجتماعية واقتصادية وقبلية متداخلة، الأمر الذي يجعل حركة الأشخاص والبضائع والسلاح أكثر سهولة من الحدود الرسمية التقليدية.
ويولي المقال أهمية خاصة للدور الاقتصادي للذهب. فقد كانت قوات الدعم السريع، وخصوصاً شبكة الشركات المرتبطة بعائلة حميدتي، قد بنت قبل الحرب مصالح كبيرة في قطاع الذهب. وأصبحت الإمارات خلال السنوات السابقة للحرب مركزاً مهماً لتجارة الذهب السوداني والإفريقي. ولذلك فإن الحرب لا يمكن فهمها فقط باعتبارها منافسة على السلطة، بل أيضاً باعتبارها صراعاً على مصادر التمويل التي تسمح للقوات المسلحة المتنافسة بشراء السلاح ودفع الرواتب والحفاظ على شبكات التجنيد والإمداد. وفي هذا السياق، يمثل الذهب مورداً استراتيجياً للدعم السريع، لأنه يوفر قدرة على تحويل الموارد الطبيعية إلى سيولة خارج النظام المصرفي الرسمي، كما يتيح استخدام شبكات تجارية عابرة للحدود. وتشير التحقيقات والتقارير إلى أن جانباً كبيراً من الذهب السوداني يصل إلى الإمارات، وإن كان تحديد نسبة الذهب المرتبط مباشرة بالدعم السريع أمراً أكثر صعوبة بسبب اتساع تجارة الذهب غير الرسمية وتعدد الوسطاء والمصدرين.
وتشير أدلة أحدث في عام 2026 إلى أهمية متابعة هذه الشبكات بصورة أكثر دقة. فقد تناولت تحقيقات صحفية حديثة مزاعم بشأن تهريب كميات من الذهب من السودان في بدايات الحرب إلى دول مجاورة ثم نقلها إلى الإمارات، بينما رفضت جهات إماراتية هذه المزاعم واعتبرت بعضها غير مدعوم بأدلة كافية. ولذلك فإن التحليل العلمي المتوازن يجب أن يميز بين ثلاث قضايا مختلفة: وجود تجارة واسعة للذهب السوداني في الإمارات، ووجود ذهب مرتبط بشبكات الدعم السريع، وإثبات تورط مؤسسات حكومية إماراتية مباشرة في كل عملية تهريب. الأولى موثقة بدرجة كبيرة، والثانية مدعومة بأدلة متعددة، بينما تتطلب الثالثة مستوى أعلى من الإثبات لكل عملية محددة.
ومن الناحية العسكرية، ساهم الدعم الخارجي في تخفيف بعض القيود التي كانت ستواجه قوات الدعم السريع لو اضطرت إلى الاعتماد على مواردها الداخلية وحدها. فالحرب الحديثة لا تعتمد على السلاح الفردي فقط، بل تحتاج إلى طائرات مسيرة، وذخائر دقيقة، ومركبات، وأجهزة اتصالات، ومعدات استطلاع، وقطع غيار، ووقود، وأنظمة قيادة وسيطرة، ومعلومات استخبارية، وقدرة على تعويض الخسائر البشرية والمادية. وكلما تمكن طرف من الوصول إلى هذه الموارد بصورة مستمرة، ازدادت قدرته على مواصلة الحرب حتى في مواجهة خسائر كبيرة. ومن هنا فإن الدعم الخارجي لا يقاس فقط بعدد الأسلحة التي تدخل البلاد، وإنما بقدرته على الحفاظ على سلسلة الإمداد وعلى جعل الخسائر العسكرية قابلة للاستبدال.
ويفسر ذلك جانباً من قدرة قوات الدعم السريع على الاحتفاظ بمواقع واسعة في دارفور وعلى خوض حرب طويلة في مناطق أخرى. ومع ذلك، فإن المقال يرفض تفسير النجاحات العسكرية للدعم السريع باعتبارها نتيجة مباشرة للدعم الإماراتي وحده. فقد استفادت قوات الدعم السريع أيضاً من طبيعة تنظيمها شبه العسكري، ومن خبرتها الطويلة في دارفور، ومن انتشارها الجغرافي، ومن السيطرة على طرق تجارية، ومن الموارد المحلية، ومن التجنيد، ومن تحالفات قبلية ومحلية متفاوتة، فضلاً عن دعم خارجي آخر. كما أن الجيش السوداني نفسه حصل على دعم خارجي، وخاصة من مصر وإيران ودول أخرى، واستفاد من الطيران والقوة النارية الثقيلة والبنية المؤسسية للدولة ومن السيطرة على أجزاء كبيرة من شرق وشمال السودان. لذلك فإن الصورة الواقعية هي حرب بالوكالة جزئياً، لكنها ليست حرباً بالوكالة بالكامل.
ويشرح المقال أن “إضعاف الجيش السوداني” لا ينبغي أن يُفهم فقط باعتباره عملية عسكرية مباشرة تستهدف تدمير القوات المسلحة السودانية، وإنما باعتباره نتيجة غير مباشرة لاختلال توازن الموارد والقدرات. فاستمرار تدفق الموارد إلى قوة شبه عسكرية منافسة للجيش يؤدي إلى إضعاف احتكار الدولة للسلاح، ويجعل الجيش مضطراً إلى تخصيص موارد ضخمة لحرب طويلة، ويؤخر إعادة بناء المؤسسات، ويزيد من استنزاف الاقتصاد الوطني، ويحول دون عودة الجيش إلى مؤسسة احترافية واحدة داخل دولة مدنية. وبذلك فإن التأثير الأهم للدعم الخارجي قد لا يكون إسقاط الجيش عسكرياً، بل منع أي طرف من تحقيق حسم سريع، وتحويل الحرب إلى صراع استنزاف طويل يضعف الدولة كلها.
وقد أدى هذا النمط إلى نتائج إنسانية واقتصادية شديدة الخطورة. فالحرب أنتجت واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم، وأدت إلى انهيار قطاعات واسعة من الخدمات الصحية والتعليمية والغذائية، وإلى انتشار الجوع والأمراض والعنف الجنسي والانتهاكات الواسعة للقانون الدولي الإنساني. كما ساهم استمرار تدفق الأسلحة من الخارج في زيادة صعوبة الوصول إلى وقف إطلاق النار، لأن الأطراف المسلحة تستطيع الاستمرار في القتال عندما لا تكون الموارد الداخلية وحدها هي المحدد لقدرتها العسكرية. وأكدت منظمات حقوق الإنسان أن جميع أطراف الحرب ارتكبت انتهاكات جسيمة، مع توثيق واسع النطاق للجرائم المنسوبة إلى قوات الدعم السريع، بما في ذلك القتل الجماعي والعنف الجنسي والنهب والتهجير القسري والانتهاكات ذات الطابع الإثني، إلى جانب انتهاكات ارتكبتها القوات المسلحة السودانية وحلفاؤها.
ويولي المقال أهمية خاصة لدارفور، لأن طبيعة الصراع هناك تجعل العلاقة بين الدعم الخارجي والجرائم المحلية أكثر تعقيداً. ففي دارفور، لا تنفصل الحرب الحالية عن إرث الصراع الذي بدأ بصورة واسعة منذ عام 2003، وعن الجنجويد والتحولات التي أدت إلى إنشاء قوات الدعم السريع، وعن التوترات الإثنية والقبلية، وعن الصراع على الأرض والموارد. ولذلك فإن وصول أسلحة ومعدات حديثة إلى الدعم السريع يمكن أن يغير ليس فقط ميزان القوة بينه وبين الجيش، بل أيضاً ميزان القوة بين المكونات المحلية المختلفة. وقد أصبح ذلك شديد الخطورة في شمال دارفور، وخاصة حول الفاشر، حيث ارتبط حصار المدينة والقتال حولها بمخاوف دولية واسعة من جرائم جماعية وعنف إثني.
وقد أكدت تقارير حقوقية لاحقة سقوط الفاشر في يد قوات الدعم السريع في أكتوبر 2025 وما تبع ذلك من تقارير عن عمليات قتل جماعي وعنف جنسي واختطاف وتهجير وانتهاكات أخرى. كما أصدرت منظمة العفو الدولية تقارير مفصلة عن الجرائم المرتكبة في شمال دارفور، بينما وثقت منظمات دولية أخرى الوضع الإنساني الكارثي. وتزداد أهمية هذه الوقائع عند دراسة الدعم الخارجي لأن امتلاك طرف مسلح قدرة متزايدة على الحصار والهجوم والاحتفاظ بالأراضي يمكن أن يؤدي إلى نتائج إنسانية واسعة تتجاوز مجرد تغيير السيطرة العسكرية على مدينة أو إقليم.
ومن التطورات المهمة في عام 2026 توسع الأدلة المتعلقة بالمقاتلين الأجانب والمتعاقدين العسكريين. فقد نشرت هيومن رايتس ووتش في مايو 2026 تقريراً تناول دور الإمارات في نشر مقاتلين كولومبيين ومتعاقدين عسكريين لدعم قوات الدعم السريع، واستندت إلى تحقيقات ومقابلات وأدلة تتعلق بالتجنيد والتدريب والتحرك إلى السودان. ويشير هذا التطور إلى أن الدعم الخارجي يمكن أن يتجاوز نقل الأسلحة إلى بناء قدرات بشرية متخصصة. وإذا ثبتت هذه الشبكات على نطاق واسع، فإنها تعني انتقال الصراع من نموذج الدعم اللوجستي إلى نموذج أكثر تعقيداً يشمل التدريب والمرتزقة والخبرات العسكرية الخاصة. ويشكل ذلك تحدياً إضافياً للقانون الدولي ولأنظمة حظر الأسلحة، لأن المقاتلين والمتعاقدين يمكن أن يعملوا من خلال شركات ووسطاء ومسارات دولية تجعل تحديد المسؤولية القانونية والسياسية أكثر تعقيداً.
وفي المقابل، لا ينبغي تجاهل الدعم الخارجي الذي تلقته القوات المسلحة السودانية. فقد ارتبط الجيش بعلاقات وثيقة مع مصر، كما حصل على دعم من إيران، ولا سيما في مجال الطائرات المسيرة، إضافة إلى علاقات أخرى مع دول مختلفة. وأصبح الصراع تدريجياً أقرب إلى تنافس إقليمي غير مباشر بين شبكات داعمة لكل طرف. ومن ثم فإن الإمارات ليست العامل الخارجي الوحيد الذي أطال الحرب، وإنما أحد أهم العناصر ضمن منظومة أكبر من التدخلات الخارجية. ويؤدي هذا الاستنتاج إلى نتيجة مهمة: معالجة الدور الإماراتي وحده لن تكون كافية لإنهاء الحرب ما لم تترافق مع آلية شاملة لوقف الدعم الخارجي لجميع الأطراف.
ومن الناحية الدبلوماسية، كان الدور الإماراتي مزدوجاً ومثيراً للجدل. فمن جهة، شاركت الإمارات في مبادرات سياسية وإنسانية ودولية تدعو إلى وقف إطلاق النار وتقديم المساعدات الإنسانية، وكانت عضواً في ترتيبات دبلوماسية متعددة هدفت إلى إنهاء الحرب. ومن جهة أخرى، واجهت اتهامات متكررة بأنها تدعم أحد طرفي الحرب عسكرياً، وهو تناقض يضعف الثقة في دور الوساطة. وتتمثل المشكلة الأساسية هنا في أن الدولة التي يُنظر إليها باعتبارها داعماً لطرف في الحرب يصعب عليها أن تؤدي دور الوسيط المحايد بصورة مقنعة ما لم تتخذ إجراءات واضحة وقابلة للتحقق لإيقاف أي دعم عسكري أو مالي لذلك الطرف.
وقد انعكس ذلك في المواقف الدولية. ففي ديسمبر 2024 ظهرت تأكيدات أمريكية بأن الإمارات أبلغت إدارة الرئيس بايدن بأنها لا تسلح قوات الدعم السريع ولن تفعل ذلك، وهو موقف رسمي مهم في تقييم الادعاءات. لكن تحقيقات لاحقة لمنظمات حقوق الإنسان ووسائل الإعلام، ولا سيما خلال 2025 و2026، قدمت أدلة إضافية على استمرار شبكات الدعم المزعومة. ولذلك فإن التناقض بين النفي الرسمي والأدلة الميدانية يمثل أحد أهم الموضوعات التي تحتاج إلى مزيد من التحقيق المستقل. ولا يكفي علمياً القول إن النفي الإماراتي يثبت عدم وجود الدعم، كما لا يكفي القول إن كل شحنة سلاح وصلت عبر الإمارات تثبت تلقائياً وجود قرار حكومي إماراتي مباشر. المطلوب هو تتبع سلسلة المسؤولية كاملة، من المنتج إلى الوسيط إلى شركة الشحن إلى المطار إلى المستلم النهائي.
كما تناول المقال البعد القانوني الدولي لهذه القضية. فقد أصبحت الاتهامات الموجهة إلى الإمارات جزءاً من نزاع قانوني دولي أوسع، عندما لجأت الحكومة السودانية إلى محكمة العدل الدولية في عام 2025 متهمة الإمارات بانتهاكات مرتبطة باتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية. وقد رفضت الإمارات هذه الاتهامات. وفي الإجراءات الأولية، واجهت القضية مسائل تتعلق بالاختصاص والحصانة وقبول المحكمة للنظر في الادعاءات، وهو ما يوضح الفرق بين الاتهام السياسي وبين إثبات المسؤولية القانونية أمام محكمة دولية. ولذلك فإن المسار القانوني ينبغي أن يُفهم بوصفه عملية منفصلة عن التقارير الصحفية والتحقيقات الحقوقية، مع أهمية كل مسار في بناء صورة أشمل.
وتشير الأدلة إلى أن التأثير الإماراتي لم يكن محصوراً في المجال العسكري، بل امتد إلى المجال الاقتصادي. فالاستثمارات الإماراتية في الموانئ والزراعة والتعدين والذهب جعلت السودان جزءاً من تصور أوسع للنفوذ الاقتصادي الإماراتي في إفريقيا والبحر الأحمر. وتكتسب منطقة البحر الأحمر أهمية استراتيجية خاصة للإمارات بسبب التجارة الدولية والموانئ والممرات البحرية والأمن الإقليمي. ومن ثم فإن السودان بالنسبة للإمارات ليس مجرد دولة تعاني حرباً أهلية، وإنما دولة تقع في منطقة استراتيجية وتملك موارد طبيعية وموقعاً جغرافياً مهماً. وهذا يساعد في تفسير سبب استمرار الاهتمام الإماراتي بالسودان حتى في ظل ارتفاع التكلفة السياسية للتدخل.
لكن المقال يحذر من التفسير الاقتصادي الاختزالي. فالمصالح الإماراتية في الذهب والموانئ والزراعة لا تعني بالضرورة أن كل سياسة إماراتية تجاه السودان هدفها استخراج الموارد. فهناك أيضاً اعتبارات الأمن الإقليمي، ومواجهة الإسلام السياسي، والعلاقة مع مصر والسعودية، والمنافسة على النفوذ في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، ومحاولة الحفاظ على شبكة من الشركاء المحليين. وتعمل هذه الدوافع معاً، ولذلك فإن تحليل السياسة الإماراتية يحتاج إلى نموذج متعدد المستويات يجمع الاقتصاد السياسي بالأمن الإقليمي والحرب بالوكالة والشبكات العابرة للحدود.
ومن منظور نظريات العلاقات الدولية، يمكن تفسير الحالة السودانية من خلال نظرية الحرب بالوكالة، ونظرية الأمن الإقليمي، ومفهوم الدولة الشبكية، والاقتصاد السياسي للصراعات، ومفهوم “اقتصاد الحرب”. فالحرب بالوكالة تفسر لماذا تستطيع قوة خارجية التأثير في الحرب دون إرسال جيش تقليدي كبير، بينما يفسر الاقتصاد السياسي للصراع كيف يمكن للذهب والتجارة والموارد الطبيعية أن تمول العمليات العسكرية. أما منظور الشبكات فيوضح أن الدعم الحديث لا ينتقل بالضرورة من دولة إلى جماعة مسلحة بصورة مباشرة، بل عبر مجموعة من الشركات والوسطاء وشركات الطيران والموانئ والمصارف والموردين والمقاولين. ويتيح هذا المنظور تفسيراً أفضل للحالة السودانية من النموذج التقليدي الذي يفترض وجود علاقة مباشرة بين دولتين.
ويؤكد المقال أن أحد أهم الدروس المنهجية هو ضرورة بناء قاعدة أدلة متعددة المصادر. فالأقمار الصناعية يمكن أن تساعد في تتبع المطارات ومواقع التخزين والتحركات، وبيانات الرحلات الجوية يمكن أن تساعد في تحديد أنماط النقل، وسجلات الشركات يمكن أن تكشف ملكية المؤسسات والوسطاء، وبيانات التجارة الدولية يمكن أن توضح حركة الذهب والمعدات، وتقارير الأمم المتحدة يمكن أن توفر التحقيقات الرسمية، بينما تسمح مقابلات الشهود والوثائق المسربة بربط الأحداث بالسياق السياسي. وتصبح النتيجة أكثر قوة عندما تتطابق الأدلة المستقلة من عدة مصادر، بدلاً من الاعتماد على مصدر واحد أو ادعاء سياسي واحد.
وفي هذا الإطار، فإن مستقبل الدور الإماراتي في السودان حتى ما بعد أغسطس 2026 يتوقف بدرجة كبيرة على ثلاثة متغيرات مترابطة: تطور الحرب ميدانياً، والضغط الدولي على شبكات التسليح والتمويل، وقدرة السودانيين على إنشاء إطار سياسي يفرض على القوى الخارجية التعامل مع دولة سودانية موحدة بدلاً من التعامل مع مراكز قوة مسلحة متنافسة. وإذا استمر الدعم الخارجي المتبادل، فإن احتمال تحول السودان إلى دولة مجزأة ومناطق نفوذ متنافسة سيزداد. أما إذا تم التوصل إلى آلية فعالة لمراقبة وقف الدعم العسكري الخارجي، فقد يصبح بالإمكان تقليص القدرة على مواصلة الحرب وفتح المجال أمام تسوية سياسية.
ويخلص التحليل إلى أن السياسة الإماراتية تجاه السودان تمثل أحد العناصر الرئيسية في فهم استمرار قدرة قوات الدعم السريع على القتال، ولكنها ليست تفسيراً كافياً بمفردها لضعف الجيش السوداني أو لطول الحرب. فقد ساهم الدعم الخارجي في تعزيز قدرات الدعم السريع، بينما أسهمت العوامل الداخلية في إضعاف الدولة والجيش معاً. ويشمل ذلك الانقسامات بين المؤسسات العسكرية، وغياب السيطرة المدنية الديمقراطية، والاقتصاد العسكري، وانتشار القوات شبه العسكرية، وضعف المؤسسات السياسية، وانهيار الاقتصاد، وتفكك الخدمات العامة. ومن ثم فإن معالجة المشكلة لا يمكن أن تكون مجرد مطالبة الإمارات بوقف دعم الدعم السريع، رغم أهمية ذلك، وإنما يجب أن تشمل جميع الدول والشبكات التي تقدم السلاح والتمويل لأي طرف سوداني.
وتتمثل الأولوية الاستراتيجية للسودان بعد الحرب في إعادة بناء احتكار الدولة المشروع للقوة من خلال إصلاح أمني وعسكري شامل، ودمج أو تسريح القوات غير النظامية، وإنشاء جيش وطني موحد يخضع لسلطة مدنية، وإصلاح الاقتصاد العسكري، ووضع نظام شفاف لإدارة الذهب والموارد الطبيعية، وإعادة بناء المؤسسات المصرفية والمالية، وتشديد الرقابة على الشركات المرتبطة بالقوات المسلحة أو القوات شبه العسكرية. كما ينبغي إنشاء آلية وطنية ودولية لتتبع الذهب السوداني من المنجم إلى السوق النهائي، بحيث يصبح من الصعب استخدام الذهب لتمويل الحرب.
كما أن أي تسوية مستقبلية يجب أن تتضمن آلية واضحة للتحقق من عدم استمرار التدخل الخارجي. فلا يكفي إعلان وقف إطلاق النار إذا استمرت الطائرات في نقل الأسلحة، أو استمرت الشركات في تمويل العمليات، أو استمرت شبكات الذهب في توفير السيولة. ولذلك ينبغي أن تتضمن اتفاقات السلام آليات للمراقبة الجوية والمالية، وتبادل المعلومات، والعقوبات الموجهة، وتتبع الشركات والوسطاء، ورقابة مستقلة على المطارات والموانئ والمعابر الحدودية ذات الصلة. ويجب أن تكون هذه الآليات قابلة للتحقق وقائمة على بيانات، لا على الثقة السياسية وحدها.
أما بالنسبة للمجتمع الدولي، فإن الدرس الأهم هو أن التعامل مع السودان بوصفه أزمة إنسانية فقط غير كافٍ. فالأزمة الإنسانية هي نتيجة لبنية سياسية واقتصادية وعسكرية تسمح باستمرار الحرب. ولذلك ينبغي الجمع بين المساعدات الإنسانية، والضغط على الأطراف الخارجية، والعقوبات المستهدفة، وحماية المدنيين، والعدالة الانتقالية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة. كما يجب تجنب سياسة انتقائية تفرض قيوداً على طرف وتتجاهل الداعم الخارجي للطرف الآخر، لأن مثل هذه السياسة تشجع الأطراف على البحث عن راعٍ دولي جديد بدلاً من الدخول في تسوية سياسية.
ويشير الاتجاه العام للأدلة حتى 30 أغسطس 2026 إلى أن القضية الإماراتية ستظل جزءاً أساسياً من النقاش الدولي حول مستقبل الحرب السودانية. فقد ازدادت الأدلة المنشورة حول الأسلحة، والطرق اللوجستية، والذهب، والشركات، والمقاتلين الأجانب، بينما استمرت الإمارات في رفض الاتهامات المتعلقة بتسليح قوات الدعم السريع والتأكيد على دعمها للحل السياسي والإنساني. وتوضح هذه الحالة أن الخلاف ليس فقط حول الوقائع، وإنما حول مستوى المسؤولية الذي يمكن إثباته: هل يتعلق الأمر بتجارة خاصة داخل الإمارات، أم بشبكات مستقلة تستغل الأراضي الإماراتية، أم بسياسة حكومية متعمدة؟ والإجابة العلمية تتطلب مواصلة التحقيقات المستقلة وربط الأدلة التجارية والعسكرية والمالية والقانونية بعضها ببعض.
وفي النهاية، فإن الخطر الأكبر على السودان لا يتمثل فقط في أن تنتصر قوات الدعم السريع أو القوات المسلحة السودانية عسكرياً، وإنما في أن يؤدي استمرار الحرب والدعم الخارجي إلى إعادة تشكيل الدولة نفسها على أساس مناطق نفوذ مسلحة واقتصادات حرب وشبكات مالية عابرة للحدود. ولذلك فإن القضية الأساسية ليست فقط “من يدعم من”، بل كيف يمكن إنهاء النظام الإقليمي والدولي الذي يجعل الحرب قابلة للاستمرار. ويشير التحليل إلى أن وقف التدخلات الخارجية، وقطع تمويل الحرب، وإعادة بناء الجيش الوطني، وتفكيك اقتصاد الحرب، وحماية المدنيين، وإقامة نظام سياسي مدني شرعي، وإطلاق عملية عدالة ومصالحة، تمثل عناصر مترابطة لا يمكن فصل أحدها عن الآخر. وإذا لم تتم معالجة هذه العناصر بصورة متزامنة، فإن أي وقف لإطلاق النار قد يتحول إلى هدنة مؤقتة تتيح إعادة التسلح والاستعداد لجولة جديدة من الحرب. أما إذا نجحت العملية السياسية في تحويل الموارد من تمويل الحرب إلى إعادة بناء الدولة، وتحويل العلاقات الإقليمية من دعم الفاعلين المسلحين إلى دعم المؤسسات الوطنية، فإن السودان يمكن أن ينتقل تدريجياً من اقتصاد الحرب والتدخل الخارجي إلى دولة أكثر قدرة على احتكار القوة وإدارة مواردها وتحقيق انتقال سياسي مستدام.
النص الكامل للمقال
مقدمة تحليلية: من اتهام سياسي إلى شبكة أدلة متعددة المستويات
منذ اندلاع الحرب السودانية في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، انتقل الصراع تدريجياً من مواجهة عسكرية داخلية على السلطة بين مركزين مسلحين داخل الدولة إلى حرب إقليمية ودولية متعددة الطبقات، تتداخل فيها القوة العسكرية والتمويل والذهب والتجارة العابرة للحدود والطائرات المسيّرة والمرتزقة والشركات الخاصة والموانئ والمطارات والممرات الصحراوية وشبكات المعلومات والضغط الدبلوماسي. وفي هذا التحول برزت دولة الإمارات العربية المتحدة بوصفها، وفق طيف واسع ومتنامٍ من الأدلة الصادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان ومؤسسات بحثية وصحفية ومصادر البيانات المفتوحة، أحد أهم الداعمين الخارجيين لقوات الدعم السريع، وربما أهم داعميها الخارجيين من حيث الجمع بين الموارد المالية والشبكات التجارية واللوجستية والعسكرية والسياسية، في حين حافظت أبوظبي على نفيها القاطع تقديم أسلحة أو دعماً عسكرياً لأي من طرفي الحرب، وقدمت نفسها بوصفها داعماً لوقف إطلاق النار والحكومة المدنية والمساعدات الإنسانية (Kurtz, 2026; Lacher, 2026; UAE Ministry of Foreign Affairs, 2025). وتكتسب هذه المفارقة أهمية خاصة لأن تقييم الدور الإماراتي لا يمكن أن يقوم على تصريحات طرف واحد، وإنما يحتاج إلى جمع أدلة مستقلة ومتقاطعة، ثم التمييز بين ما هو مثبت بدرجة عالية، وما هو مرجح بدرجة كبيرة، وما يزال استنتاجاً تحليلياً لا ترقى الأدلة العلنية إلى إثباته بصورة قاطعة.
وتتمثل الأطروحة المركزية لهذا المقال في أن الدور الإماراتي، كما يمكن استنتاجه من مجموع الأدلة المتاحة حتى 30 أغسطس 2026، لم يكن مجرد علاقة تجارية أو سياسية مع قيادة الدعم السريع، وإنما تطور إلى منظومة نفوذ عابرة للحدود ربطت بين الموارد السودانية، ولا سيما الذهب، وبين التمويل الخارجي، وشبكات الشراء والتوريد، والنقل الجوي والبري، والمعدات العسكرية، والمتعاقدين العسكريين، والعلاقات السياسية والدبلوماسية. ولا يعني ذلك أن كل رحلة جوية من الإمارات إلى شرق تشاد كانت رحلة سلاح، ولا أن كل شركة إماراتية مرتبطة بشخص سوداني كانت جزءاً من منظومة عسكرية، ولا أن كل قطعة سلاح إماراتية الصنع ظهرت لدى الدعم السريع تثبت بالضرورة صدور أمر حكومي إماراتي بتحويلها. وإنما تكمن قوة القضية الإثباتية في تراكم الأدلة المستقلة: تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة لعام 2024 الذي وصف اتهامات الدعم عبر أم جرس بأنها ذات مصداقية، وبيانات الرحلات وصور الأقمار الصناعية التي كشفت حركة جوية كثيفة بين الإمارات ومطار أم جرس، وتحليل بقايا الأسلحة الذي حدد قنابل ومدافع صينية مرتبطة بسلسلة توريد إماراتية، ومعدات كانت مخصصة للقوات المسلحة الإماراتية وظهرت لدى الدعم السريع، وشبكات الشركات التي فرضت عليها الولايات المتحدة عقوبات بسبب تمويل وشراء أسلحة للدعم السريع، وأخيراً التحقيقات المتعلقة بالمتعاقدين الكولومبيين الذين مر بعضهم عبر منشآت عسكرية إماراتية قبل الانتشار في دارفور (UN Panel of Experts, 2024; Amnesty International, 2025; Human Rights Watch, 2024; Human Rights Watch, 2026).
ويجب في الوقت نفسه تجنب استنتاج أكبر مما تسمح به الأدلة. فليس هناك، في السجل العلني المتاح حتى 30 أغسطس 2026، أمر إماراتي منشور يقول إن الهدف الرسمي أو المباشر هو “تدمير الجيش السوداني”. كما أن تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة لعام 2025 لم يوجه اتهاماً جديداً للإمارات، وهو ما استخدمته أبوظبي للدفاع عن موقفها. لذلك فإن العبارة العلمية الأدق ليست أن الإمارات “أثبت أنها تريد تدمير الجيش السوداني”، وإنما أن شبكة الدعم التي نُسبت إليها بدرجات متفاوتة من الإثبات ساهمت موضوعياً في تقليص بعض مزايا الجيش السوداني، خصوصاً التفوق الجوي، وإطالة قدرة الدعم السريع على القتال، ورفع تكلفة العمليات العسكرية على القوات المسلحة، وتوسيع قدرة الدعم السريع على العمل خارج البنية المالية والعسكرية للدولة، وبالتالي تقليص احتمال الحسم السريع الذي كان يمكن أن ينتج عن التفوق الأولي للقوات المسلحة في الطيران والمدفعية والمؤسسات الرسمية.
الفصل الأول: لماذا لا تكفي عبارة «دعم الإمارات للدعم السريع» لفهم طبيعة التدخل؟
الحرب بالوكالة، والوكيل-الأصيل، والسوق السياسية، واقتصاد الحرب
يصعب فهم الدور الإماراتي في السودان إذا عولج باعتباره مجرد سياسة خارجية تقليدية بين دولتين. فالنمط الذي ظهر بعد 15 أبريل 2023 أقرب إلى نموذج الحرب بالوكالة، حيث تستفيد قوة خارجية من فاعل محلي مسلح يمتلك معرفة ميدانية وشبكات اجتماعية وقدرة على التجنيد، بينما توفر القوة الخارجية بدرجات مختلفة التمويل والتكنولوجيا واللوجستيات والوصول إلى الأسواق والغطاء السياسي. وتوضح الأدبيات الخاصة بالحروب بالوكالة أن الراعي الخارجي يستطيع تحقيق أهداف استراتيجية بتكلفة أقل من التدخل العسكري المباشر، لكنه يواجه في الوقت نفسه مشكلة الوكيل والأصيل، لأن الفاعل المحلي يملك مصالحه الخاصة وقد يستخدم الموارد الخارجية لتوسيع سلطته الداخلية بما يتجاوز أهداف الراعي الخارجي (Mumford, 2013; Krieg, 2016). وهذا النموذج يفسر لماذا يمكن للدولة الراعية أن تدعم طرفاً مسلحاً وفي الوقت نفسه تعلن أنها تؤيد السلام: فامتلاك النفوذ على الوكيل يمكن أن يصبح أداة تفاوضية إذا انتقلت الحرب إلى مرحلة التسوية.
وتزداد ملاءمة مفهوم الحرب بالوكالة للحالة الإماراتية لأن أبوظبي طورت خلال العقدين السابقين أنماطاً من التدخل تعتمد بدرجات مختلفة على الشركاء المحليين والقوات غير الحكومية والمتعاقدين العسكريين بدلاً من نشر قوات إماراتية نظامية كبيرة بصورة مباشرة. وقد ناقشت الأدبيات الخاصة بالسياسة الخارجية الإماراتية هذه الأنماط باعتبارها جزءاً من نموذج أوسع للحرب بالوكالة، مع اعتماد واضح على بناء علاقات مع فاعلين محليين مسلحين في البيئات الهشة (Krieg, 2022). وفي الحالة السودانية، كان الدعم السريع مناسباً لهذا النوع من العلاقات لأنه لم يكن ميليشيا صغيرة تعتمد كلياً على موازنة الدولة، وإنما قوة شبه عسكرية كبيرة امتلكت منذ ما قبل الحرب شبكات تجنيد وموارد مالية وتجارة ذهب وعلاقات إقليمية وقدرة على الحركة خارج المؤسسات العسكرية النظامية.
ويضيف مفهوم “السوق السياسية” بعداً آخر. ففي السودان لا تنفصل القوة العسكرية عن القدرة على شراء الولاءات وتمويل التجنيد وتأمين الموارد ودفع رواتب المقاتلين والحصول على الخدمات اللوجستية. وفي سوق سياسية تتراجع فيها المؤسسات العامة أو تتنافس عليها مراكز مسلحة، تتحول الموارد الطبيعية إلى سيولة، والسيولة إلى ولاءات، والولاءات إلى قوة مسلحة، والقوة المسلحة إلى سيطرة إقليمية، والسيطرة الإقليمية إلى موارد إضافية. وقد وصف تحليل السوق السياسية السودانية العلاقة بين الموارد والسلطة المسلحة باعتبارها دورة تجعل الحرب نفسها مؤسسة لإنتاج النفوذ والثروة (Lynch, 2024).
أما اقتصاديات الحرب فتساعد على فهم سبب عدم توقف الصراع بمجرد تغير خطوط الجبهة. فالحرب قد تصبح مصدر دخل للمقاتلين والقادة والشركات والوسطاء والمهرّبين، ولذلك يصبح لبعض المستفيدين حافز اقتصادي للحفاظ على استمرارها. وينطبق ذلك بصورة خاصة على الذهب السوداني، الذي أصبح أحد أهم مصادر الإيرادات للطرفين، مع وجود شبكات تجارية تمتد من مناطق التعدين في السودان إلى تشاد وليبيا ومصر والإمارات ومراكز أخرى. وخلصت تشاتام هاوس إلى أن الذهب كان من العوامل المهمة في الصراع على الموارد حتى قبل الحرب، وأن تجارة الذهب متعددة المليارات أصبحت من أهم مصادر دخل أطراف الحرب، وأنها تربط الصراع السوداني بشبكة إقليمية من المنتجين والتجار والمهربين والجماعات المسلحة والحكومات الخارجية (Soliman, 2025; Baldo, 2025).
ويكتمل الإطار التحليلي بمفهوم “النظام العسكري-التجاري”، حيث تتداخل الشركات والأصول والاستثمارات وسلاسل النقل مع الأمن والسياسة. ولا يعني ذلك أن كل مؤسسة تجارية إماراتية جزء من عمل عسكري، وإنما أن وجود مركز مالي وتجاري عالمي مثل دبي بجوار شبكات الذهب والشركات والوسطاء يمكن أن يوفر بيئة تسمح بتحويل الثروة السودانية إلى سيولة قابلة للاستخدام في شراء المعدات أو الخدمات أو العقارات أو الخدمات اللوجستية. ومن هنا فإن تحليل الحرب لا ينبغي أن يقتصر على السؤال: “من أرسل السلاح؟”، بل يجب أن يسأل أيضاً: من موّل؟ ومن اشترى؟ ومن نقل؟ ومن وفر التأمين والخدمات؟ وأين تم تصفية الذهب؟ وأين استُثمرت العوائد؟ ومن يملك الشركات التي قامت بالشراء؟
الحرب الهجينة وشبكات الإمداد بوصفها وحدة التحليل
بعد 2024 لم تعد الحرب السودانية تعتمد أساساً على المشاة والمدفعية والطيران التقليدي، وإنما أصبحت حرباً هجينة تضم الطائرات المسيّرة بعيدة المدى، والطائرات الانتحارية، والذخائر الموجهة، وأنظمة الدفاع الجوي، والتشويش الإلكتروني، والمرتزقة، وشركات الأمن الخاصة، والتمويل التجاري، والحرب الإعلامية، والشبكات الرقمية. ولذلك فإن الدعم الخارجي لا يضيف ببساطة “سلاحاً جديداً” إلى المعركة، وإنما يغير بنية ميزان القوة. وقد أظهرت Human Rights Watch، بعد تحليل 49 صورة وفيديو منشورة منذ منتصف 2023، أن الطرفين حصلا على معدات حديثة أجنبية الصنع، شملت طائرات مسلحة ومشوشات للطائرات المسيّرة وصواريخ مضادة للدروع وقاذفات صواريخ متعددة وذخائر، وأن المعدات جاءت من شركات مسجلة في الصين وإيران وروسيا وصربيا والإمارات (Human Rights Watch, 2024).
ويجب بناء تقييم الأدلة على ثلاثة مستويات. المستوى الأول هو إثبات وجود السلاح أو المال أو المقاتلين، وهو غالباً ما يكون قابلاً للتحقق بالصور أو السجلات أو شهادات الشهود. المستوى الثاني هو إثبات مسار انتقاله، وهو أكثر صعوبة ويحتاج إلى بيانات الرحلات والعقود والوسم الصناعي وصور الأقمار الصناعية وسجلات الشركات. أما المستوى الثالث فهو تحديد المسؤولية الحكومية المباشرة، وهو الأصعب، لأنه يتطلب إثبات العلاقة بين الدولة والفاعل الوسيط، وليس مجرد إثبات أن المعدات مرت عبر أراضي الدولة أو كانت مملوكة سابقاً لقواتها المسلحة.
ومن ثم، فإن منهجية هذا المقال لا تعتبر كل دليل متساوياً في القوة، بل تضع الأدلة الأممية والقانونية والتقنية والمالية والإعلامية في مصفوفة تراكمية. ويكون الاستنتاج أكثر قوة عندما تتلاقى عدة أنواع مستقلة من الأدلة حول الواقعة نفسها، كما حدث في ملف أم جرس، أو المعدات الإماراتية، أو الأسلحة الصينية التي حددت منظمة العفو الدولية مصدرها المحتمل.
الفصل الثاني: العلاقة التي سبقت الحرب جعلت الدعم السريع جاهزاً لحرب طويلة
من اليمن والذهب إلى بناء قوة شبه عسكرية مستقلة
لا يمكن تفسير العلاقة التي ظهرت بعد 15 أبريل 2023 من دون العودة إلى السنوات السابقة. فقد تطورت علاقات حميدتي والدعم السريع مع دول الخليج في سياق الحرب في اليمن، حيث شارك مقاتلون سودانيون في عمليات التحالف، وتزايدت العلاقات بين القيادة السودانية وبعض العواصم الخليجية. كما ارتبط صعود الدعم السريع بامتلاك شبكة اقتصادية واسعة، ولا سيما في الذهب، وبعلاقات عائلية وتجارية مرتبطة بأسرة دقلو.
وكان الاستيلاء على منجم جبل عامر في شمال دارفور عام 2017 نقطة مهمة في التحول الاقتصادي للدعم السريع، إذ أصبح الذهب أحد المصادر الأساسية لتمويل عائلة دقلو والقوة التي يقودها حميدتي. وقد أوضحت وزارة الخزانة الأمريكية في 2023 أن شركة الجنيد متعددة الأنشطة، التي يسيطر عليها حميدتي وشقيقه عبد الرحيم دقلو، تدير مجموعة من الشركات وأن تعدين الذهب وتصديره أصبحا مصدراً حيوياً لإيرادات عائلة دقلو والدعم السريع منذ استحواذه على منجم جبل عامر (US Treasury, 2023).
وهذه الحقيقة مهمة لفهم ما حدث بعد اندلاع الحرب. فالدعم السريع لم يدخل الحرب في أبريل 2023 كقوة تعتمد كلياً على خزينة الدولة، وإنما كقوة تمتلك مصادر تمويل مستقلة نسبياً، وشبكات تجارية، وخبرة قتالية، وقدرة على التجنيد، وعلاقات إقليمية، وقادة لهم مصالح اقتصادية مباشرة في استمرار نفوذهم. ولذلك كان بإمكانه امتصاص خسائر أولية أكبر من قدرة ميليشيا تقليدية محدودة الموارد.
كما أن الإمارات كانت مركزاً رئيسياً لتجارة الذهب السوداني قبل الحرب. وتظهر بيانات وتحليلات تشاتام هاوس أن الذهب السوداني ظل يتدفق إلى دبي حتى بعد اندلاع الحرب، بما في ذلك من مناطق خاضعة لسيطرة القوات المسلحة السودانية، ما يؤكد أن العلاقة بين السودان ودبي ليست محصورة بالدعم السريع وحده، وأن البنية التجارية الإماراتية كانت مركزاً إقليمياً واسعاً للذهب السوداني وليس قناة خاصة بالدعم السريع فقط. وتذكر البيانات أن السودان أعلن إنتاج نحو طنين من الذهب بين أبريل وأغسطس 2023 في مناطق خاضعة للجيش، ذهب نحو 1.8 طن منها إلى دبي، بينما أظهرت بيانات التجارة أن الإمارات استوردت في 2023 نحو 17 طناً من الذهب السوداني بقيمة تجاوزت مليار دولار، وأن نحو 97% من صادرات الذهب الرسمية من المناطق التي تسيطر عليها القوات المسلحة في 2024 ذهبت إلى الإمارات بقيمة بلغت نحو 1.52 مليار دولار (Soliman, 2025; Baldo, 2025).
ولا تعني هذه الأرقام أن الذهب كله كان تابعاً للدعم السريع أو أن كل الذهب الذي وصل إلى الإمارات كان غير مشروع. بل تكشف شيئاً أكثر تعقيداً: أن الاقتصاد الإماراتي كان جزءاً مركزياً من البنية الإقليمية التي يمر عبرها الذهب السوداني، وأن قطع العلاقة بين الذهب والحرب يتطلب التعامل مع تجارة الذهب الرسمية وغير الرسمية معاً، وليس الاقتصار على العقوبات على شركات الدعم السريع.
من القوة شبه العسكرية إلى القدرة على العمل كفاعل شبه دولتي
كانت النتيجة الاستراتيجية لتراكم هذه العوامل قبل الحرب أن الدعم السريع امتلك أربعة أنواع من رأس المال: رأس مال بشري يتمثل في عشرات الآلاف من المقاتلين وشبكات التجنيد؛ ورأس مال عسكري يتمثل في الأسلحة والمركبات والخبرة القتالية؛ ورأس مال مالي يتمثل في الذهب والشركات؛ ورأس مال سياسي يتمثل في العلاقات الخارجية والقدرة على التواصل مع الحكومات والوسطاء.
وقد جعل هذا التكوين الدعم السريع شريكاً أكثر جاذبية في نماذج الحرب بالوكالة من جماعة مسلحة صغيرة. كما جعل القضاء على القوة بالقوة العسكرية وحدها أصعب بكثير، لأن تدمير بعض الوحدات لا يعني بالضرورة تدمير شبكات التمويل والتجنيد والتهريب.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم لماذا أصبح السؤال الإماراتي بعد 15 أبريل 2023 أكبر من سؤال السلاح: فالدعم الذي يسمح لجماعة مسلحة بالمحافظة على شبكاتها المالية واللوجستية والسياسية قد يكون أحياناً أكثر أهمية من شحنة سلاح واحدة.
الفصل الثالث: 15 أبريل 2023 وانهيار توقع الحسم السريع
التفوق الأولي للجيش والمزايا المقابلة للدعم السريع
عندما اندلعت الحرب في 15 أبريل 2023، امتلك الجيش السوداني مزايا واضحة في الطيران والمدفعية والأسلحة الثقيلة والقواعد والمؤسسات الرسمية، بينما امتلك الدعم السريع مزايا في سرعة الحركة والانتشار داخل المدن والمرونة التكتيكية والشبكات الاجتماعية والقدرة على تجنيد مقاتلين من مناطق مختلفة، إضافة إلى وجوده المسبق في الخرطوم ودارفور ومناطق أخرى.
وكان التفوق الجوي للقوات المسلحة من أهم عناصر ميزان القوة. وكان من الممكن نظرياً أن يؤدي امتلاك سلاح الجو والطائرات المقاتلة والقدرة على استخدام المطارات العسكرية إلى حسم المعركة إذا لم يتمكن الدعم السريع من تطوير دفاعات جوية أو قدرات بعيدة المدى. إلا أن الحرب لم تتبع هذا السيناريو.
فمنذ الأشهر الأولى بدأ الدعم السريع في تطوير قدرات مدفعية وصاروخية ومسيّرات ودفاع جوي، وأصبح تدريجياً قادراً على تهديد قواعد الجيش ومواقعه. وقد أشار فريق خبراء الأمم المتحدة في تقرير 2024 إلى أن الدعم السريع، منذ يوليو 2023، بدأ استخدام طائرات قتالية مسيّرة ومدفعية ثقيلة وراجمات صواريخ وأنظمة دفاع جوي محمولة، وأن هذه القوة النارية كان لها أثر كبير في ميزان القوى في دارفور ومناطق أخرى (UN Panel of Experts, 2024).
ومن هنا بدأت عملية إعادة تشكيل الحرب: لم يعد السؤال هو هل يستطيع الجيش ضرب الدعم السريع من الجو، وإنما هل يستطيع استخدام الطيران دون أن يتحول إلى هدف للدفاعات الأرضية والمسيّرات والهجمات المضادة، وهل يستطيع حماية قواعده ومنشآته ومطاراته، وهل يستطيع الحفاظ على خطوط الإمداد البرية في الوقت نفسه.
لماذا كان إطالة الحرب في حد ذاتها نتيجة استراتيجية؟
إذا كان الدعم السريع غير قادر على هزيمة الجيش بسرعة، فإن أفضل استراتيجية بالنسبة إليه قد تكون منع الجيش من هزيمته بسرعة. وهذا فرق جوهري بين استراتيجية النصر واستراتيجية البقاء. فالقوة الأضعف يمكن أن تحقق هدفاً استراتيجياً بمجرد منع القوة الأقوى من تحقيق النصر، ثم تحويل الصراع إلى حرب استنزاف تستنزف الموارد السياسية والاقتصادية والعسكرية للخصم.
ومن هذه الزاوية، فإن الدعم الخارجي الذي يسمح للدعم السريع بتعويض الخسائر يصبح أكثر تأثيراً من الدعم الذي يسمح له بتحقيق انتصار تكتيكي واحد. فإذا كان الجيش يدمر مائة مركبة ويستطيع الدعم السريع استبدالها، فإن التفوق التكتيكي للجيش لا يتحول إلى تفوق استراتيجي. وإذا تمكن الجيش من استعادة مدينة ولكنه لا يستطيع حماية خطوط الإمداد من المسيّرات، فإن استعادة المدينة قد تكون مكلفة وغير حاسمة.
وهذا هو أحد أهم التفسيرات لسبب انتقال الحرب من توقع الحسم السريع إلى حرب طويلة تجاوزت ثلاث سنوات حتى أغسطس 2026.
الفصل الرابع: أم جرس والممرات العابرة للحدود — عندما أصبحت الحدود التشادية جزءاً من ساحة الحرب
مطار أم جرس بوصفه عقدة لوجستية
أصبحت مدينة أم جرس في شرق تشاد واحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل في مسار الإمدادات إلى الدعم السريع. وتعود أهميتها إلى موقعها الجغرافي القريب من دارفور، وإلى إمكانية استخدام المطار لنقل الشحنات جواً ثم تحريكها براً عبر الحدود إلى مناطق سيطرة الدعم السريع.
وفي يناير 2024، خلص فريق خبراء الأمم المتحدة إلى أن الاتهامات التي وجهها الجيش السوداني بشأن حصول الدعم السريع على دعم عسكري عبر مطار أم جرس كانت ذات مصداقية، وأشار إلى أن الأسلحة كانت تنتقل من المطار في قوافل إلى قوات الدعم السريع عبر الحدود التشادية-السودانية. كما أكد الفريق أن نقل الأسلحة والذخائر إلى دارفور يمثل انتهاكاً لحظر السلاح المفروض على الإقليم (UN Panel of Experts, 2024). وقد استندت منظمة العفو الدولية لاحقاً إلى تحليل بيانات الرحلات والاستشعار عن بعد وإلى مقابلات مع صحفيين وخبراء أمنيين محليين لتأييد وجود مسار إمداد عبر أم جرس (Amnesty International, 2024).
ثم قدمت رويترز في ديسمبر 2024 تحليلاً مستقلاً لبيانات الطيران وصور الأقمار الصناعية، وذكرت أن ما لا يقل عن 86 رحلة شحن من الإمارات هبطت في أم جرس منذ بداية الحرب وحتى ديسمبر 2024. وفي المقابل قالت الإمارات إن عملياتها عبر تشاد كانت إنسانية، وإنها نفذت 159 رحلة مساعدات وأنشأت مستشفى ميدانياً في أم جرس (Reuters, 2024).
ولا يمكن علمياً تحويل الرقم 86 إلى “86 شحنة سلاح”. فوجود رحلة شحن لا يثبت محتواها. لكن القيمة الإثباتية تكمن في تزامن كثافة الرحلات مع الأدلة الأخرى: صور لصناديق ومعدات، شهادات عن نقل شحنات، مسارات برية، ظهور أسلحة مرتبطة بسلاسل توريد إماراتية، وتحليلات الأمم المتحدة. ولذلك يصبح الاستنتاج الأقوى هو أن أم جرس كانت عقدة ذات استخدامات متعددة، وأن الأدلة المتقاطعة تجعل فرضية استخدامها جزئياً في دعم الدعم السريع ذات مصداقية عالية، مع بقاء تحديد محتوى كل رحلة على حدة مسألة غير محسومة علناً.
من المطار إلى الشبكة الإقليمية
لا ينبغي النظر إلى أم جرس باعتبارها نقطة منفردة، بل كجزء من منظومة أوسع تضم تشاد وليبيا وجنوب السودان وإثيوبيا وممرات أخرى. فالحرب السودانية أصبحت تعتمد على الحدود الطويلة والصحراء، وعلى الموانئ والمطارات المدنية والعسكرية، وعلى شركات النقل والوسطاء.
وقد أشارت تحقيقات لاحقة إلى وجود مسارات مختلفة للإمداد، بعضها عبر ليبيا، وبعضها عبر تشاد، وبعضها عبر مناطق أخرى. وفي يوليو 2026 نقلت رويترز عن مشروع تقرير أممي أن طائرات بوينغ 727 مرتبطة بشبكات نقل استخدمت لنقل مرتزقة وأسلحة ومسيّرات للدعم السريع عبر مطارات في تشاد، وأن التحقيق الأممي ربط أيضاً متعاقدين كولومبيين بشركة مقرها الإمارات (Reuters, 2026).
وهذا التطور يوضح أن الحرب الحديثة لا تعتمد على “جسر جوي واحد”، وإنما على شبكة يمكن أن تعوض نفسها. فإذا تم إغلاق مطار، يمكن استخدام آخر؛ وإذا أصبح طريق بري مكشوفاً، يمكن تغيير المسار؛ وإذا خضع شخص للعقوبات، يمكن إنشاء شركة جديدة أو استخدام وسيط آخر. ولذلك فإن العقوبات التي تستهدف كياناً منفرداً دون الشبكة بأكملها قد تكون محدودة الأثر.
الفصل الخامس: بصمة السلاح — من الاتهام إلى التعرف التقني على المعدات
المركبات الإماراتية الصنع وأنظمة الحماية الفرنسية
من أهم التحولات في ملف الأدلة الانتقال من التصريحات السياسية إلى تحليل المعدات نفسها. ففي نوفمبر 2024 وثقت منظمة العفو الدولية مركبات مدرعة من طراز “نمر عجبان” مصنعة في الإمارات وتستخدمها قوات الدعم السريع، وكانت هذه المركبات مزودة بنظام “جاليكس” الفرنسي المصمم للحماية من التهديدات القريبة بواسطة الدخان والخداع والذخائر الدفاعية. وأكدت المنظمة أن الصور والفيديوهات أظهرت هذه الأنظمة على مركبات إماراتية الصنع في السودان، وأن وجودها في دارفور يمكن أن يمثل انتهاكاً لحظر السلاح المفروض على الإقليم (Amnesty International, 2024).
وتكتسب هذه الواقعة أهمية مزدوجة. فمن جهة، هي دليل على وصول معدات ذات منشأ إماراتي إلى الدعم السريع. ومن جهة أخرى، فهي تكشف تعقيد سلسلة التوريد الدولية، لأن المركبة إماراتية، ونظام الحماية فرنسي، والشركات المصنعة تعمل في بيئة دولية، بينما المستخدم النهائي قوة مسلحة سودانية تخوض حرباً داخل دولة تخضع أجزاء منها لحظر سلاح.
وقد أظهرت هذه القضية أيضاً ضرورة التعامل مع مسؤولية الدولة والشركات والمصنعين والمستخدم النهائي بصورة منفصلة. فإذا قامت شركة في دولة ما بتصدير نظام إلى دولة الإمارات، وكان العقد ينص على عدم إعادة التصدير، ثم ظهرت المعدات في السودان، فإن السؤال القانوني لا ينحصر في “من صنع السلاح؟”، بل يشمل من كان المستخدم النهائي، ومن كان يملك السلاح عند التحويل، ومن سمح بإعادة التصدير، وهل كانت هناك رقابة على الاستخدام النهائي.
الأسلحة الصربية ومعدات كانت مخصصة للقوات المسلحة الإماراتية
في سبتمبر 2024 وثقت Human Rights Watch ذخائر حرارية من عيار 120 ملم مصنعة في صربيا ومرتبطة بعقود توريد للقوات المسلحة الإماراتية. وظهرت على صناديق الذخائر علامات تشير إلى تصنيعها عام 2020 وشحنها إلى القيادة اللوجستية المشتركة للقوات المسلحة الإماراتية في أبوظبي، ضمن عقد مرتبط بشركة “أداسي”، التابعة لمجموعة Edge الإماراتية. وخلصت المنظمة إلى أن ذلك يشير إلى احتمال توريد معاصر من الإمارات إلى الدعم السريع، مع تأكيدها أنها لم تتمكن من تحديد سلسلة الحيازة النهائية بدقة (Human Rights Watch, 2024).
ثم عادت Human Rights Watch في تقرير مايو 2026 إلى هذه الأدلة، وأضافت معدات أخرى كانت مباعة في الأصل للقوات المسلحة الإماراتية وظهرت لدى الدعم السريع، وقالت إن هناك على الأقل ثلاثة أنواع مختلفة من المعدات العسكرية التي كانت مباعة إلى الجيش الإماراتي ثم ظهرت لدى الدعم السريع بما يمثل، وفق تقييم المنظمة، انتهاكاً لاتفاقات المستخدم النهائي (Human Rights Watch, 2026).
وهذه النقطة مهمة للغاية لأن الأدلة لا تحتاج دائماً إلى إثبات أن الشحنة غادرت الإمارات في طائرة عسكرية إماراتية في اليوم نفسه حتى تصبح ذات دلالة. فإذا ثبت أن معدات محددة وصلت أصلاً إلى القوات المسلحة الإماراتية بموجب عقد رسمي، ثم ظهرت لاحقاً لدى الدعم السريع أثناء الحرب، يصبح السؤال المركزي هو كيف خرجت من منظومة السيطرة الإماراتية، وهل كان ذلك نتيجة تحويل رسمي، أو تسريب، أو إعادة بيع غير مشروعة، أو نقل عبر طرف ثالث. ويحتاج الحسم في كل حالة إلى الوثائق الأصلية للعقود وسجلات المخازن والنقل.
القنابل الموجهة ومدافع الهاوتزر الصينية
في 8 مايو 2025 نشرت منظمة العفو الدولية تحقيقاً مهماً حدد قنابل صينية موجهة من طراز GB50A ومدافع هاوتزر عيار 155 ملم من طراز AH-4 ضمن المعدات التي استخدمها الدعم السريع. وحددت المنظمة بقايا قنبلة GB50A في هجوم وقع قرب المالحة في شمال دارفور في 9 مارس 2025، وأشارت إلى أن العلامات الموجودة على البقايا تدل على أن القنبلة صنعت في 2024. كما ذكرت أن هذا النوع من القنابل يمكن إسقاطه من طائرات مسيّرة صينية مثل Wing Loong II وFeiHong-95 التي رصد استخدامها لدى الدعم السريع، وأنها اعتبرت هذه الأسلحة شبه مؤكدة أنها أعيد تصديرها عبر الإمارات (Amnesty International, 2025).
وفي واقعة أخرى، حددت المنظمة مدفع هاوتزر AH-4 ضمن الأسلحة التي استولى عليها الجيش بعد تراجع الدعم السريع من الخرطوم في 27 و28 مارس 2025. وقالت إن بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام أظهرت أن الإمارات كانت الدولة الوحيدة التي استوردت هذا النظام من الصين في البيانات التي استندت إليها، وأن التوريد يعود إلى 2019. وفي المقابل رفضت الإمارات هذا الاستنتاج، وقالت إن النظام مصنع خارج الإمارات وإن الادعاء بأن دولة واحدة فقط استوردته غير صحيح، مؤكدة أنها لا تزود أي طرف في الحرب بالسلاح (UAE Ministry of Foreign Affairs, 2025).
والمنهج العلمي السليم هنا هو عرض الادعاء والدليل والاعتراض معاً. فالعلامة الصناعية لا تكشف وحدها المسار الكامل للسلاح، وكون دولة ما استوردت النظام لا يثبت تلقائياً أنها أعادت تصديره. لكن وجود سلاح محدد، حديث التصنيع، لدى قوة مسلحة خاضعة لحظر السلاح، مع وجود أدلة مستقلة على شبكة إمداد مرتبطة بالإمارات، يرفع قوة الاستنتاج بصورة كبيرة.
الفصل السادس: الطائرات المسيّرة والدفاع الجوي — كيف تحولت ميزة الجيش الجوية إلى سباق تكنولوجي؟
من احتكار الطيران إلى تهديد العمق الاستراتيجي
كان التفوق الجوي للجيش السوداني من أهم مصادر قوته في بداية الحرب، ولذلك فإن قدرة الدعم السريع على الحصول على طائرات مسيّرة بعيدة المدى وأنظمة دفاع جوي أصبحت واحدة من أكثر النتائج الاستراتيجية أهمية. فالمسيّرة لا تحتاج إلى مطار كبير مثل الطائرة المقاتلة، ويمكن أن تكون أقل تكلفة بكثير، ويمكن إطلاقها من مناطق صحراوية أو متغيرة، كما تستطيع بعض المنظومات حمل ذخائر موجهة أو تنفيذ مهام استطلاع وحرب إلكترونية.
وقد أظهرت الدراسات الأوروبية أن المعدات التي حصل عليها الدعم السريع شملت طائرات مسيّرة بعيدة المدى وأنظمة دفاعية ومركبات إماراتية الصنع، وأن تطور القدرات الجوية للدعم السريع ساهم في تقليص ميزة القوات الجوية للجيش (EUAA, 2025). وفي 2024 وثقت Human Rights Watch استخدام الدعم السريع طائرات مسلحة ومشوشات وطائرات انتحارية وصواريخ مضادة للدروع، وهو ما يؤكد أن التطور كان في اتجاه منظومة جوية متكاملة لا مجرد طائرات تجارية معدلة (Human Rights Watch, 2024).
ومن منظور عسكري، فإن تقليص التفوق الجوي لا يعني إسقاط كل طائرات الجيش. يكفي أن تصبح العمليات الجوية أكثر كلفة أو خطورة، وأن تضطر الطائرات إلى تغيير الارتفاعات والمسارات أو أن تنقل القواعد إلى مناطق أبعد، لكي تتراجع الفاعلية الاستراتيجية للطيران.
ظهور FH-95 وتوسيع مدى الحرب
خلال يوليو 2026 أعلنت القوات المسلحة السودانية إسقاط طائرات مسيّرة من طراز FH-95 قرب الأبيض وعلى الطريق بين الخرطوم وشمال كردفان، وقالت إن إحدى هذه الطائرات أسقطت في 2 يوليو، وأخرى في الأسبوع التالي، وثالثة في 13 يوليو. ووُصفت FH-95 بأنها طائرة مسيّرة متوسطة الارتفاع طويلة التحمل قادرة على الاستطلاع والحرب الإلكترونية وتنفيذ ضربات دقيقة، مع قدرة تحليق تصل إلى نحو 24 ساعة وفق البيانات المتداولة عنها. وذكرت تقارير سودان تربيون أن الدعم السريع يستخدمها لأهداف بعيدة المدى وأنها سمحت له بإسقاط القوة النارية داخل مناطق تسيطر عليها الحكومة (Sudan Tribune, 2026).
وفي يونيو 2026 سجلت ACLED أكثر من 50 ضربة بطائرات مسيّرة في شمال كردفان، تسببت في أكثر من 110 وفيات مسجلة، بزيادة تقارب 70% في الوفيات الناجمة عن ضربات المسيّرات مقارنة بالشهر السابق. وركزت الضربات على منطقة شيكان والأبيض، مع سعي الدعم السريع إلى قطع الطريق بين الأبيض وكوستي واستنزاف قوات الجيش في كردفان (ACLED, 2026).
وفي تحليل لاحق، سجلت ACLED في يونيو 2026 ما مجموعه 27 حدثاً متعلقاً بضربات المسيّرات حول الأبيض، وهو أعلى مستوى شهري منذ بداية الحرب، ورأت أن المدينة أصبحت محور حرب استنزاف لا يملك فيها أي طرف ميزة حاسمة تسمح له بكسر الجمود سريعاً (ACLED, 2026).
أغسطس 2026: المسيّرات تصل إلى الخرطوم وعطبرة والأبيض
في 12 أغسطس 2026 نفذ الدعم السريع، وفق مصادر عسكرية وشهود نقلت عنهم سودان تربيون ورويترز، هجمات متزامنة بطائرات مسيّرة استهدفت الأبيض وعطبرة وأم درمان والخرطوم بحري، وتمكنت الدفاعات الجوية للجيش من إسقاط عدد منها. وسجلت تقارير سودان تربيون إسقاط طائرتين في الأبيض، واعتراض طائرات فوق أم درمان، وإسقاط طائرة أخرى في منطقة الدروشاب شمال الخرطوم بحري، واعتراض مسيّرات حاولت ضرب عطبرة (Sudan Tribune, 2026).
وفي 17 أغسطس أعلنت القوات المسلحة إسقاط طائرتين من طراز FH-95 في شمال كردفان، وقالت إن إجمالي المسيّرات التي أسقطتها في منطقة كردفان منذ يونيو وصل إلى سبع طائرات، مع استمرار الهجمات على بارا وطريق الصادرات (Sudan Tribune, 2026).
وهذا التطور يوضح أن الجيش لم يفقد القدرة الدفاعية؛ بل على العكس، طور قدرته على اعتراض المسيّرات. لكنه يكشف في الوقت نفسه أن الدعم السريع أصبح قادراً على فرض معركة جوية منخفضة التكلفة داخل العمق الاستراتيجي للجيش. ولذلك فإن النتيجة ليست “تدمير سلاح الجو السوداني”، وإنما إلغاء جزء من حصانة العمق الذي كان التفوق الجوي التقليدي يوفرها للجيش.
الفصل السابع: الذهب والشركات والعقارات — البنية المالية التي تسمح للحرب بأن تمول نفسها
الذهب بوصفه وقود الحرب لا مجرد سلعة تصدير
يحتل الذهب موقعاً مركزياً في فهم العلاقة بين الدعم السريع والإمارات. فقد كان الذهب قبل الحرب جزءاً أساسياً من اقتصاد القوة العسكرية، ثم أصبح بعد 15 أبريل 2023 مورداً استراتيجياً لتمويل الحرب. وتؤكد تشاتام هاوس أن الذهب كان عاملاً مهماً في المنافسة على الموارد بين الجيش والدعم السريع، وأن التجارة متعددة المليارات أصبحت من أهم مصادر دخل الطرفين، وأنها تربط السودان بشبكة إقليمية من التجار والمهربين والجماعات المسلحة والحكومات الخارجية (Soliman, 2025; Baldo, 2025).
وفي يناير 2024 أشار فريق خبراء الأمم المتحدة إلى حالة تاجر ذهب سوداني مرتبط بالدعم السريع تلقى 50 كيلوغراماً من الذهب في دبي، وكانت الشحنة قد خرجت من الخرطوم وعبرت بورتسودان. كما أشار التقرير إلى تغير مسارات الذهب بعد الحرب، مع زيادة تهريب جزء منه عبر مصر (UN Panel of Experts, 2024).
وفي المقابل، تؤكد البيانات التجارية أن الذهب من مناطق الجيش نفسه كان يصل إلى دبي بكميات كبيرة، ما يوضح أن دبي لم تكن “سوقاً للدعم السريع فقط”، بل كانت مركزاً إقليمياً لتجارة الذهب السوداني كله. وهذه النقطة تجعل القضية أكثر تعقيداً: فالمشكلة ليست وجود الذهب السوداني في الإمارات في حد ذاته، وإنما قدرة الحرب على تحويل الذهب المنتج أو المهرب من مناطق النزاع إلى سيولة، ثم استخدام هذه السيولة في شراء السلاح والخدمات والوقود والمعدات.
الدورة المغلقة للتمويل الحربي
يمكن تصور دورة اقتصاد الحرب على النحو الآتي: السيطرة على مناجم الذهب توفر الذهب؛ الذهب ينتقل إلى التجار والمهربين؛ الذهب يباع في مراكز إقليمية؛ الإيرادات تتحول إلى نقد أو أصول؛ النقد يستخدم في شراء مركبات وذخائر وطائرات مسيّرة ووقود؛ المعدات تسمح بالسيطرة على مزيد من الأراضي والطرق؛ السيطرة الجديدة تنتج مزيداً من الذهب والضرائب غير الرسمية؛ ثم تعود الدورة إلى نقطة البداية.
وتصبح هذه الدورة أكثر قوة عندما تكون الدولة التي تستقبل الذهب هي نفسها مركزاً مالياً وتجارياً إقليمياً كبيراً، لأنها توفر أسواقاً وسيولة وخدمات مصرفية وعقارية وتجارية. ولهذا فإن مكافحة اقتصاد الحرب تحتاج إلى مراقبة المستورد النهائي، وشركات التكرير، ومراكز التداول، والمستفيد الحقيقي من الشركات، وليس فقط مراقبة الحدود السودانية.
الشركات الإماراتية المرتبطة بشبكات الدعم السريع
في 2023 فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على شركة Tradive General Trading L.L.C. الموجودة في الإمارات، ووصفتها بأنها شركة واجهة يسيطر عليها الجوني حمدان دقلو، وأنها اشترت مركبات للدعم السريع، وبعضها جرى تعديله لاستخدامه عسكرياً. كما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على شركة الجنيد متعددة الأنشطة المرتبطة بعائلة دقلو، وأكدت أن تعدين الذهب كان مصدراً حيوياً لإيرادات الدعم السريع (US Treasury, 2023).
وفي 7 يناير 2025 فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على حميدتي وعلى سبع شركات وفرد مرتبطين بالدعم السريع، وقالت إن شركة Capital Tap Holding ومقرها الإمارات قدمت للدعم السريع الأموال والمعدات العسكرية، وإنها كانت تدير عشرات الشركات عبر دول متعددة، كما وصفت شركات أخرى بأنها أدوات لإخفاء معاملات مرتبطة بالقيادة (US Treasury, 2025).
وتكتسب هذه العقوبات أهمية لأنها تمثل نوعاً مختلفاً من الأدلة. فالعقوبات الأمريكية ليست حكماً قضائياً نهائياً، لكنها تستند إلى معلومات استخبارية ومالية وتقييمات حكومية، وتظهر أن السلطات الأمريكية لم تعتبر شبكات الدعم مجرد علاقات سياسية، وإنما رأت فيها بنية مالية لشراء السلاح وتمويل الحرب.
العقارات في دبي بوصفها امتداداً للأصول المالية
في أبريل 2026 نشرت تحقيقات استندت إلى بيانات وأبحاث The Sentry أن شخصيات مرتبطة بقيادة الدعم السريع وعائلة حميدتي امتلكت عقارات فاخرة في دبي بقيمة إجمالية تتجاوز 17.7 مليون جنيه إسترليني، في مناطق مثل محيط مضمار ميدان وبرج خليفة. واعتبر التحقيق أن العقارات جزء من منظومة أوسع لتحويل عوائد الذهب إلى أصول خارج السودان (The Sentry, 2026).
ولا ينبغي تفسير امتلاك عقار في دبي باعتباره دليلاً تلقائياً على تمويل الحرب؛ فالاستثمار العقاري يمكن أن يكون مشروعاً في ذاته. لكن عندما تتطابق ملكية العقارات مع أسماء أو شركات مرتبطة بشخصيات خاضعة للعقوبات، ومع شبكات ذهب وشركات شراء أسلحة، فإنها تصبح مؤشراً مهماً في تحليل حركة رأس المال.
وفي أغسطس 2026 ظهرت أيضاً تقارير صحفية تتناول ادعاءات بشأن انتقال ذهب سوداني إلى الإمارات، ورد عليها مسؤول في مركز دبي للسلع المتعددة، مؤكداً أن الادعاءات تخلط بين النشاط الخاص وأفعال الدولة وأن الإمارات تطبق أطر تنظيمية للذهب. وهذه الردود مهمة لأنها تبرز أن الملف لا يمكن اختزاله إلى رواية واحدة، وأن الادعاءات المتعلقة بالذهب تحتاج دائماً إلى تمييز بين الدولة، والشركات الخاصة، والتجار، والوسطاء، والمستفيدين النهائيين (DMCC, 2026).
الفصل الثامن: المتعاقدون الكولومبيون — عندما أصبح الدعم البشري جزءاً من شبكة الحرب
من السلاح إلى المقاتل
لا تقتصر الأدلة المتعلقة بالدعم الخارجي على المعدات. ففي 25 مايو 2026 نشرت Human Rights Watch تقريراً من 83 صفحة حول المتعاقدين العسكريين الكولومبيين الذين جندتهم شركة Global Security Services Group ومقرها أبوظبي، وقالت إن مئات الكولومبيين نُشروا في السودان منذ 2024 للقتال إلى جانب الدعم السريع. وذكرت المنظمة أن بعضهم مر عبر منشآت عسكرية إماراتية قبل الانتشار، وأن أدلة الشهادات والصور والتحليل الجغرافي أظهرت وجود مقاتلين ناطقين بالإسبانية في مناطق مرتبطة بعمليات الدعم السريع (Human Rights Watch, 2026).
وفي يوليو 2026، أشار تحقيق لاحق لـHuman Rights Watch إلى تقدير بأن أكثر من 1000 مقاتل كولومبي ربما نُشروا في دارفور، وأن ستة شهود تحدثوا عن وجودهم أثناء هجمات الدعم السريع في الفاشر في أكتوبر 2025، بما في ذلك عمليات قتل واغتصاب. وذكرت المنظمة أن الشبكة شملت على الأقل أربع دول وأن الأدلة تشير إلى دعم إماراتي، مع تأكيد أن وجود المتعاقدين لا يعني أنهم كانوا جنوداً إماراتيين نظاميين (Human Rights Watch, 2026).
وهذا التفريق مهم. فوجود متعاقدين خاصين لا يساوي قانونياً وجود قوات مسلحة إماراتية. لكن إذا ثبت أن شركة مقرها أبوظبي قامت بتجنيدهم، وأنهم مروا عبر قواعد إماراتية للتدريب، وأنهم نشروا للقتال مع الدعم السريع، فإن ذلك يضيف طبقة جديدة إلى مفهوم الدعم الخارجي: الدولة أو البيئة الاقتصادية المرتبطة بها لا توفر فقط المعدات، وإنما يمكن أن توفر أيضاً سوقاً للقوة البشرية العسكرية الخاصة.
الفاشر بوصفها اختباراً عملياً
كانت الفاشر، عاصمة شمال دارفور، محوراً رئيسياً للحرب. وبعد حصار استمر نحو 18 شهراً، سيطر الدعم السريع على المدينة في أكتوبر 2025. ووثقت Human Rights Watch وأمنستي عمليات قتل جماعي وانتهاكات ضد المدنيين والمقاتلين الخارجين من المعركة، كما وثقت تقارير أخرى عمليات نزوح واسعة النطاق (Human Rights Watch, 2026; Amnesty International, 2026).
وتشير أهمية المتعاقدين الكولومبيين في هذا السياق إلى أن القوة البشرية الأجنبية يمكن أن تعوض جزءاً من خسائر القوة المحلية، وتوفر خبرات في استخدام الأسلحة والاتصالات والمسيّرات والمدفعية. ومن ثم فإن أثر المتعاقدين لا يقاس بعددهم فقط، بل بنوعية الوظائف التي يشغلونها.
المسؤولية الفردية والجنائية
تثير مشاركة المتعاقدين سؤالاً قانونياً مهماً: هل يمكن مساءلة الشركة التي جندتهم؟ وهل يمكن مساءلة المسؤولين الذين سهّلوا انتقالهم؟ وهل يمكن اعتبار الدولة التي سمحت بالتدريب أو النقل مسؤولة عن أفعالهم؟
الإجابة تتطلب الفصل بين المسؤولية الجنائية الفردية ومسؤولية الدولة والمسؤولية المدنية للشركات. فمجرد وجود متعاقد في دولة لا يجعل الدولة التي يحمل جنسيتها مسؤولة عن أفعاله، لكن التخطيط أو التمويل أو التدريب أو التسهيل المتعمد للجرائم يمكن أن يفتح أبواباً قانونية مختلفة وفق الأدلة المتاحة والقواعد المعمول بها.
الفصل التاسع: الدعم السياسي والدبلوماسي والمساعدات الإنسانية — الحرب على الميدان والحرب على الشرعية
الوساطة لا تتناقض بالضرورة مع النفوذ على أحد طرفي الحرب
أصبحت الإمارات منذ اندلاع الحرب لاعباً دبلوماسياً نشطاً، وشاركت في المبادرات المتعلقة بوقف إطلاق النار والمساعدات والمسار المدني. وتؤكد أبوظبي باستمرار أنها تريد وقف الحرب وقيام حكومة مدنية مستقلة عن الطرفين العسكريين. ففي مايو 2025 أعلنت أن موقفها يتمثل في عدم تقديم أي دعم عسكري، وأنها تؤيد وقف إطلاق النار والعملية السياسية المدنية (UAE Ministry of Foreign Affairs, 2025).
وفي فبراير 2026 رحبت الإمارات بخطة سلام أمريكية للسودان، وأكدت دعمها لوقف فوري لإطلاق النار ومسار سياسي مدني، وأعلنت تعهداً إضافياً بقيمة 500 مليون دولار للمساعدات الإنسانية في السودان. كما أكدت أنها تعمل مع مجموعة “الرباعية” الدولية لدعم الحل السياسي (UAE Ministry of Foreign Affairs, 2026).
وفي يونيو 2026 رحبت أبوظبي بمخرجات مؤتمر برلين وبجهود المجموعة الخماسية والمسار المدني، ودعت إلى هدنة إنسانية ووقف دائم لإطلاق النار. وفي يوليو 2026 دعت الإمارات في مجلس حقوق الإنسان إلى توسيع حظر السلاح ليشمل كامل السودان، وليس دارفور فقط (UAE Ministry of Foreign Affairs, 2026).
وقد يبدو هذا متعارضاً مع الاتهامات المتعلقة بالدعم العسكري، لكنه ليس تناقضاً بالضرورة في السياسة الدولية. فقد يكون للدولة نفوذ على فاعل مسلح، ثم تستخدم هذا النفوذ للتفاوض عليه أو الضغط عليه. وفي المقابل، يمكن أن تصبح الوساطة نفسها وسيلة لإضفاء الشرعية على الدولة الراعية وإدارة صورتها الدولية.
المساعدات الإنسانية والقوة الناعمة
أعلنت الإمارات أن مساهمتها الإنسانية للسودان منذ بداية الحرب جعلتها من أكبر المانحين، وأنها تعهدت في 2026 بنحو 500 مليون دولار إضافية، كما وصفت نفسها بأنها ثاني أكبر مانح إنساني للسودان بعد الولايات المتحدة منذ اندلاع الحرب (UAE Ministry of Foreign Affairs, 2026).
ولا يوجد تعارض منطقي بين تقديم مساعدات إنسانية وبين وجود اتهامات بدعم عسكري؛ فالدولة يمكن أن تفعل الأمرين في وقت واحد. ولذلك يجب عدم استخدام حجم المساعدات الإنسانية كدليل على براءة الدولة من اتهامات أخرى، كما لا يجوز استخدام اتهامات الدعم العسكري لإلغاء القيمة الإنسانية للمساعدات التي تصل إلى المدنيين.
لكن من منظور القوة الناعمة، تخلق المساعدات أيضاً رصيداً سياسياً ودبلوماسياً، وتساعد الدولة على بناء علاقات مع الحكومات والمنظمات الدولية والمجتمعات المتضررة. ولهذا يجب أن يكون تقييم الدور الإماراتي شاملاً للقوة الصلبة والقوة الناعمة معاً.
الرؤية الإماراتية المضادة: الجيش نفسه جزء من المشكلة
تطرح الإمارات رواية سياسية مختلفة جذرياً عن رواية سلطة بورتسودان. فهي تصف الجيش والدعم السريع باعتبارهما طرفين في الحرب، وتؤكد أن السودان يحتاج إلى حكومة مدنية مستقلة عن السيطرة العسكرية، وتنتقد ما تعتبره نفوذ الإسلاميين المرتبطين بنظام عمر البشير داخل المؤسسات العسكرية والسياسية. وفي مايو 2025 رفضت الإمارات قرار سلطة بورتسودان قطع العلاقات معها، وقالت إن تلك السلطة لا تمثل الحكومة الشرعية للسودان، وإن السودان يحتاج إلى قيادة مدنية مستقلة عن الطرفين العسكريين (UAE Ministry of Foreign Affairs, 2025).
وهذه الرؤية ليست هامشية في فهم السياسة الإماراتية. فقد خلصت دراسة SWP في مايو 2026 إلى أن معارضة أبوظبي للإسلاميين، ولا سيما جماعة الإخوان المسلمين والحركات المرتبطة بها، تشكل عنصراً مهماً في سياستها الإقليمية، وأنها ترى في الدعم السريع طرفاً معارضاً لهذه الشبكات، في حين تحذر الدراسة من أن هذا البعد الأيديولوجي لا يفسر وحده السياسة الإماراتية، التي تجمع بين الأمن والمصالح الاقتصادية والشبكات الشخصية وتجارة الموارد (Kurtz, Lacher, Roll, 2026).
وهنا تظهر إحدى المفارقات الأساسية: يمكن أن ترى الإمارات أن إضعاف هيمنة الجيش ضروري لإنشاء نظام مدني، بينما يرى الجيش وحلفاؤه أن دعم قوة شبه عسكرية بديلة لا يؤدي إلى الديمقراطية بل إلى تفكيك الدولة. والحسم في هذه المسألة لا يمكن أن يتم عبر التصريحات، وإنما عبر تقييم ما إذا كانت أدوات السياسة الإماراتية تقوي المؤسسات المدنية أم تقوي في الواقع فاعلاً مسلحاً مستقلاً عن الدولة.
الفصل العاشر: القانون الدولي والقطيعة الدبلوماسية ومحكمة العدل الدولية — ماذا ثبت وماذا لم يثبت؟
دعوى السودان أمام محكمة العدل الدولية وحدود قرار 5 مايو 2025
في مارس 2025 رفعت السودان دعوى أمام محكمة العدل الدولية ضد الإمارات بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، واتهمتها بتقديم دعم للدعم السريع في دارفور، ولا سيما في سياق الهجمات على جماعة المساليت. وفي 5 مايو 2025 رفضت المحكمة طلب التدابير المؤقتة وأمرت بإزالة القضية من القائمة العامة بسبب عدم الاختصاص القضائي، في ضوء تحفظ الإمارات على المادة التاسعة من اتفاقية الإبادة الجماعية (ICJ, 2025).
وتكمن أهمية القرار في ضرورة عدم تفسيره بصورة خاطئة. فالمحكمة لم تفصل في موضوع ما إذا كانت الإمارات قدمت أسلحة للدعم السريع، ولم تصدر حكماً بأن الاتهامات الواقعية كاذبة، ولم تقل إن جرائم الدعم السريع لم تقع. وإنما كان جوهر القرار أن المحكمة لا تملك الاختصاص للنظر في النزاع بموجب الأساس القانوني الذي قدمته السودان. ولذلك فإن القول إن المحكمة “برأت الإمارات من كل الاتهامات” غير دقيق قانونياً، كما أن القول إن المحكمة “أثبتت تورط الإمارات” غير صحيح أيضاً.
وقد رحبت الإمارات بالقرار واعتبرته رفضاً قاطعاً للاتهامات، بينما أكدت السودان أن القرار لم يحسم المسؤولية الموضوعية (UAE Ministry of Foreign Affairs, 2025).
مسؤولية الدولة عن المساعدة ومسؤولية الأفراد
يمكن تصور المسؤولية القانونية في ثلاثة مستويات: أولاً، مسؤولية الدولة عن أفعالها المباشرة، مثل نقل الأسلحة في انتهاك لحظر دولي؛ ثانياً، مسؤولية الدولة عن المساعدة أو الإعانة في فعل غير مشروع إذا توافرت الشروط القانونية اللازمة؛ وثالثاً، المسؤولية الجنائية الفردية للأشخاص الذين يخططون أو يمولون أو يسهلون جرائم دولية.
ولا يعني إثبات أن الدعم السريع ارتكب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية أن الإمارات مسؤولة تلقائياً عن كل جريمة ارتكبها الدعم السريع. كما أن إثبات أن دولة ما قدمت معدات لا يعني تلقائياً أنها مسؤولة عن كل استخدام لاحق للمعدات. ولذلك يجب إثبات المعرفة والنية والعلاقة السببية والسياق القانوني لكل حالة.
لكن هذه المعايير لا تعني أن الدول تستطيع الإفلات من المسؤولية بمجرد استخدام شركات خاصة أو وسطاء. فإذا ثبت أن شركة واجهة أو شركة أمنية أو وسيطاً مالياً كان يعمل لصالح جهة حكومية أو تحت سيطرتها أو بتوجيه منها، فإن سلسلة الإسناد يمكن أن تصبح موضوع تحقيق قانوني.
قطع العلاقات في مايو 2025
في 6 مايو 2025 أعلنت سلطة بورتسودان قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات، واتهمتها بدعم الدعم السريع، وذلك بعد أيام من هجمات مسيّرة على بورتسودان. وفي 7 مايو ردت الإمارات بأنها لا تعترف بقرار سلطة بورتسودان، باعتبارها أحد طرفي الحرب، وأن القرار لن يؤثر في علاقاتها التاريخية مع الشعب السوداني (UAE Ministry of Foreign Affairs, 2025).
وأصبح هذا الحدث نقطة تحول لأنه نقل الخلاف من مستوى الاتهام إلى القطيعة الرسمية. كما أنه أظهر مدى تباعد الرؤيتين: سلطة بورتسودان ترى الإمارات داعماً أساسياً للخصم، بينما ترى الإمارات سلطة بورتسودان طرفاً عسكرياً لا يمثل السودان كله.
الفصل الحادي عشر: هل أضعفت الإمارات الجيش السوداني؟ من «تدمير الجيش» إلى «تقليص التفوق النسبي»
ما يمكن إثباته وما لا يمكن إثباته
السؤال: “هل كان الهدف الإماراتي إضعاف الجيش السوداني؟” يحتاج إلى حذر منهجي. لا توجد وثيقة علنية حتى 30 أغسطس 2026 تثبت بصورة قاطعة أن الهدف الرسمي المباشر لأبوظبي كان تدمير الجيش السوداني. ولذلك لا ينبغي تقديم هذه الفرضية كحقيقة مثبتة.
لكن هناك فرق بين النية وبين الأثر. فمن الممكن أن تؤدي سياسة معينة إلى نتيجة استراتيجية حتى إذا لم تكن النتيجة المعلنة هي الهدف. وفي الحالة السودانية يمكن تحديد خمسة آثار عسكرية واضحة لشبكة الدعم الخارجي التي ارتبطت بالدعم السريع.
أول هذه الآثار تقليص التفوق الجوي، عبر تطوير دفاعات جوية ومسيّرات بعيدة المدى. وثانيها زيادة القدرة على تعويض الخسائر، عبر المعدات والتمويل والموارد. وثالثها زيادة قدرة الدعم السريع على فتح جبهات متعددة، بما أجبر الجيش على توزيع قواته. ورابعها رفع كلفة حماية المدن والبنية التحتية والمطارات والقواعد. وخامسها تقليل احتمال أن يتحول تفوق الجيش المؤسسي إلى حسم سريع.
وهذا هو المعنى الأكثر دقة لعبارة “إضعاف الجيش”: ليس انهيار القوات المسلحة، وإنما إضعاف قدرتها النسبية على تحويل تفوقها المؤسسي والتقني إلى نصر حاسم.
لماذا لم ينهَر الجيش؟
رغم الدعم الخارجي الكبير للدعم السريع، لم ينهَر الجيش. فقد احتفظ بميناء بورتسودان والشرق والشمال، وبعدد من القواعد الجوية، وبمؤسسات الدولة، واستعاد الخرطوم في مارس 2025، ثم حقق مكاسب مهمة في شمال كردفان خلال يوليو 2026.
وفي أغسطس 2026 استطاع الجيش اعتراض موجات من المسيّرات فوق الأبيض وأم درمان وعطبرة، كما عزز سيطرته على طريق الصادرات بين الخرطوم والأبيض. وأفادت سودان تربيون في 1 أغسطس بأن الجيش رسخ سيطرته على الطريق، بما في ذلك بارا التي تقع على بعد نحو 60 كيلومتراً شمال الأبيض، رغم استمرار هجمات المسيّرات (Sudan Tribune, 2026).
وفي 14 أغسطس وقعت معارك جنوب وغرب الأبيض، وتمكن الجيش وفق مصادره من صد هجمات الدعم السريع، بينما ادعى الدعم السريع السيطرة على بعض المواقع، وهو ما يوضح استمرار الحرب كصراع على طرق الإمداد لا مجرد صراع على المدن (Sudan Tribune, 2026).
وهناك عدة أسباب لبقاء الجيش: امتلاكه مؤسسات الدولة، وعمق جغرافي في الشرق والشمال، وقواعد ومطارات، وقوة جوية ومدفعية، وقدرة على التعبئة، ودعم خارجي من دول أخرى. كما أن الجيش تلقى دعماً من مصر وإيران وتركيا وروسيا بدرجات مختلفة، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والأسلحة والمعدات، ما جعل الحرب أقرب إلى سباق تسلح إقليمي وليس تدخلاً إماراتياً منفرداً (EUAA, 2025).
الحرب أصبحت شبكة من شبكات الوكلاء
من الخطأ إذن تحليل الإمارات بمعزل عن النظام الإقليمي المقابل. فقد ارتبط الدعم السريع بشبكة خارجية تضم الإمارات وممرات عبر تشاد وليبيا وغيرها، بينما حصل الجيش على دعم من مصر وإيران وتركيا وروسيا وأطراف أخرى. وأدى ذلك إلى سباق تكنولوجي خصوصاً في المسيّرات وأنظمة الدفاع الجوي.
وهذا يفسر لماذا لم يكن الصراع مجرد “الإمارات ضد الجيش”، بل حرباً سودانية أصبحت جزءاً من منافسة إقليمية. وقد أظهرت بيانات ACLED أن استخدام المسيّرات أصبح أحد أهم سمات الحرب، وأن الضربات الجوية غير المأهولة تحولت إلى وسيلة للاستنزاف وقطع الإمدادات وضرب البنية التحتية.
وفي أغسطس 2026 نقلت وكالة أسوشيتد برس أن الولايات المتحدة كانت تدفع نحو عقوبات أممية جديدة وتوسيع حظر السلاح ليشمل كامل السودان، في وقت تجاوزت تقديرات النازحين 13 مليوناً، مع تقديرات بأن عدد القتلى قد يصل إلى 59 ألفاً أو أكثر وفق مصادر النزاع والرصد، بينما حذرت الأمم المتحدة من أن العدد الحقيقي للوفيات ربما يبلغ مئات الآلاف بسبب صعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة (AP, 2026; United Nations, 2026).
الفصل الثاني عشر: السودان حتى 30 أغسطس 2026 — من حرب دارفور والخرطوم إلى معركة الأبيض ومستقبل الدولة
الفاشر وسقوط مركز عسكري وسياسي في دارفور
كانت الفاشر نقطة اختبار استراتيجية رئيسية. فقد حاصرها الدعم السريع نحو 18 شهراً، ثم سيطر عليها في أكتوبر 2025. ولم تكن أهمية المدينة عسكرية فقط؛ فقد كانت آخر مركز حضري رئيسي في دارفور بقي في يد القوات المسلحة وحلفائها، ولذلك كان سقوطها خطوة مهمة في تثبيت سيطرة الدعم السريع على معظم الإقليم.
وقد وثقت Human Rights Watch ومنظمة العفو الدولية انتهاكات واسعة بعد السيطرة على المدينة، بما في ذلك عمليات قتل جماعي واعتداءات على المدنيين والمقاتلين الخارجين من المعركة والعنف الجنسي والتهجير. وربطت التحقيقات المتعلقة بالمتعاقدين الكولومبيين وجودهم في مسرح العمليات في الفترة نفسها (Human Rights Watch, 2026; Amnesty International, 2026).
ومن منظور الدولة، فإن سقوط الفاشر يمثل أكثر من خسارة ميدانية؛ لأنه يعزز إمكانية نشوء منطقة حكم موازية في دارفور، مع إدارة وموارد وشبكات مالية وقوة عسكرية مستقلة.
من الخرطوم إلى الأبيض: انتقال مركز الثقل
بعد استعادة الجيش الخرطوم في 2025، أصبح الصراع أكثر تركيزاً على كردفان. وتكتسب الأبيض أهمية استراتيجية لأنها تربط الوسط بالمناطق الغربية، وتمثل مركزاً تجارياً وإنسانياً وعسكرياً. ولهذا سعى الدعم السريع إلى تطويقها وقطع طرق الإمداد إليها.
وفي يونيو 2026 سجلت ACLED أكثر من 50 ضربة مسيّرة في شمال كردفان وأكثر من 110 وفيات، بينما استهدفت المسيّرات محطات الوقود وشبكات الكهرباء والبنية التحتية. وفي 22 يونيو أفادت سلطات شمال كردفان بأن ضربة أصابت مخيم إيواء في الأبيض وأسفرت عن مقتل شخصين وإصابة 17، بينهم تسعة أطفال وفق البيان المحلي (Sudan Tribune, 2026).
وفي 25 يونيو ضربت مسيّرة محطة وقود في ربك بولاية النيل الأبيض، ما أدى إلى مقتل مدنيين، بينما أسقط الجيش مسيّرة فوق الأبيض، في إطار حملة تهدف إلى الضغط على خطوط الوقود والإمداد (Sudan Tribune, 2026).
وفي 19 يونيو أدى هجوم على محول الكهرباء الرئيسي في الأبيض إلى انقطاع التيار عن المدينة ومحيطها، في وقت كانت فيه ضربات المسيّرات تتكرر يومياً تقريباً، ما جعل البنية التحتية المدنية نفسها جزءاً من حرب الاستنزاف (Sudan Tribune, 2026).
وفي أغسطس 2026 استمرت الضربات على الأبيض وأم درمان وعطبرة، بينما نجح الجيش في صد هجمات برية واستعادة أجزاء من طرق الإمداد. وأكدت رويترز في 12 أغسطس أن الدعم السريع جدد هجومه على الأبيض واستخدم المسيّرات ضد العاصمة ومناطق أخرى، رغم الانتكاسات البرية التي تعرض لها (Reuters, 2026).
الأزمة الإنسانية لم تعد أثراً جانبياً للحرب بل أصبحت نتيجة مباشرة لمنظومة الاستنزاف
في 24 أغسطس 2026 حذرت الأمم المتحدة من أن نحو 13 مليون شخص فروا من منازلهم، وأن العدد الحقيقي للقتلى من المرجح أن يكون في مئات الآلاف بسبب عدم القدرة على الوصول إلى جميع المناطق، مع استمرار الهجمات على الأسواق والمدارس ومحطات الوقود وشبكات المياه ووقوع عمليات قتل واغتصاب واختطاف بصورة متكررة (United Nations, 2026).
وفي 30 أغسطس 2026، أي في اليوم الذي ينتهي عنده نطاق هذا البحث، كانت مدينة الأبيض ومحيطها تشهد أزمة إنسانية متفاقمة مع وصول أكثر من 15 ألف أسرة نازحة منذ منتصف يوليو، إضافة إلى أكثر من 200 ألف نازح كانوا قد وصلوا في وقت سابق من العام، بينما استمرت هجمات المسيّرات على المدينة ومخيمات النازحين، وتدهورت خدمات المياه والصرف الصحي والكهرباء (The Guardian, 2026).
وفي مناطق سيطرة الجيش أيضاً استمرت أزمة الكهرباء، حيث أظهرت تقارير 28 أغسطس أن انقطاعات الكهرباء الواسعة أضرت بالمنازل والأعمال والخدمات، وأن البنية التحتية للطاقة تعرضت لأضرار خلال الحرب، بما في ذلك منشآت مرتبطة بسد مروي، مع استمرار الاتهامات المتبادلة بشأن استهداف شبكة الكهرباء (Reuters, 2026).
وتوضح هذه البيانات أن تأثير الحرب الخارجية لا يقاس فقط بعدد الدبابات والمسيّرات، وإنما بعدد الأيام التي يبقى فيها النظام الصحي والكهربائي والغذائي غير قادر على العمل. وكلما طال أمد الحرب، زادت كلفة إعادة بناء الدولة حتى لو توقف القتال غداً.
السيناريو الأول: استمرار الدعم الخارجي واستمرار حرب الاستنزاف
إذا استمرت شبكات الدعم العسكري والمالي للدعم السريع، فمن المرجح أن يحتفظ بقدرة على خوض حرب طويلة، خصوصاً في مجال المسيّرات والتمويل واللوجستيات. وفي هذه الحالة يمكن أن تستمر كردفان بوصفها مركز الصراع، مع استمرار الهجمات بعيدة المدى على المدن ومراكز الجيش.
وفي هذا السيناريو، لا يحتاج الدعم السريع إلى السيطرة على الخرطوم لكي يمنع الجيش من تحقيق انتصار كامل. يكفيه الاحتفاظ بدارفور وتهديد كردفان والطرق الاستراتيجية وإطلاق المسيّرات على العمق الحكومي.
السيناريو الثاني: تحول الإمارات من داعم مؤثر إلى ضامن للتسوية
هذا السيناريو ممكن إذا قررت أبوظبي استخدام نفوذها على الدعم السريع لإجباره على وقف تدفقات السلاح وقبول وقف إطلاق النار. وتملك الإمارات أدوات يمكن أن تجعل هذا التحول مؤثراً: النفوذ المالي، والعلاقات مع قيادة الدعم السريع، والعلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية، والقدرة على التأثير في أسواق الذهب، والقدرة على تمويل برامج إنسانية وإعادة إعمار.
لكن نجاح هذا السيناريو يتطلب شرطاً أساسياً: أن يتحول النفوذ الإماراتي من مورد للقوة العسكرية إلى أداة لخفض القوة العسكرية. أي أن تقرن الإمارات تصريحاتها عن وقف إطلاق النار بخطوات يمكن التحقق منها بشأن الأسلحة والمرتزقة والتمويل والشركات.
السيناريو الثالث: حرب إقليمية بالوكالة
هذا السيناريو هو الأخطر. فإذا استمرت الإمارات في دعم الدعم السريع، واستمر دعم دول أخرى للجيش، فقد يتحول السودان إلى ساحة مواجهة طويلة بين شبكات إقليمية. وفي هذه الحالة يمكن أن تستمر المنافسة على المسيّرات وأنظمة الدفاع الجوي والأسلحة بعيدة المدى.
وكلما تطورت التكنولوجيا، أصبح الحسم أصعب، لأن تكلفة المسيّرة أقل كثيراً من تكلفة الطائرة المقاتلة أو منظومة الدفاع التقليدية. وقد يصبح السودان مختبراً لحرب مسيّرات إقليمية تمتد آثارها إلى القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
السيناريو الرابع: توسيع العقوبات وحظر السلاح ليشمل السودان كله
كانت هناك في أغسطس 2026 ضغوط أمريكية من أجل توسيع حظر السلاح الأممي من دارفور إلى كامل السودان، بما في ذلك المسيّرات والتكنولوجيا المرتبطة بها (AP, 2026).
ويتمتع هذا السيناريو بميزة أنه لا يستهدف الإمارات وحدها، وإنما يضع جميع الداعمين الخارجيين أمام قاعدة واحدة. لكن فعاليته تعتمد على القدرة على المراقبة. فالحظر الذي لا يملك نظام تحقق من الرحلات والموانئ والشركات والذهب والمطارات لن يكون أكثر من إعلان سياسي.
السيناريو الخامس: استعادة الجيش زمام المبادرة وإعادة بناء تفوقه
إذا استمر الجيش في استعادة الطرق والمراكز في كردفان، وطور دفاعاته ضد المسيّرات، وحصل على أسلحة ودعم خارجي، ووحّد قواته الحليفة، فقد يزداد الضغط على الدعم السريع.
لكن هذا السيناريو يحمل خطراً آخر: انتصار عسكري للجيش لا يعني تلقائياً بناء دولة ديمقراطية. فإذا انتهت الحرب ببقاء المؤسسات العسكرية والاقتصادية غير الخاضعة للرقابة المدنية، فقد تتكرر الدورة التي أنتجت الحرب أصلاً.
السيناريو السادس: التسوية الشاملة وإعادة بناء الدولة
السيناريو الأكثر استدامة هو وقف الحرب بالتزامن مع عملية لإعادة بناء الدولة تشمل نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، وإصلاح قطاع الأمن، وإعادة هيكلة القوات المسلحة، وتفكيك اقتصاد الحرب، واستعادة السيطرة الحكومية على الموارد والموانئ والحدود، وإنشاء نظام شفاف للذهب، وإخضاع الشركات العسكرية والأمنية للرقابة المدنية، وإنشاء آلية دولية لمراقبة حظر السلاح.
ولا يمكن أن ينجح هذا السيناريو إذا اقتصرت التسوية على اتفاق بين حميدتي والبرهان. فالمشكلة أصبحت أكبر من شخصين، لأنها تشمل قوات حليفة، وحركات دارفورية، وقوات قبلية، وإسلاميين، وشبكات تجارية، وداعمين خارجيين، ومجتمعات محلية، وملايين النازحين.
الدروس السودانية القابلة للتنفيذ
أول درس هو أن السودان يحتاج إلى مرصد وطني-دولي لتدفقات السلاح يجمع بيانات الرحلات الجوية وصور الأقمار الصناعية وبيانات السفن وسجلات الشركات وتحليل بقايا الأسلحة، بحيث يمكن ربط كل قطعة سلاح بمسار توريدها.
والدرس الثاني هو إنشاء نظام تتبع للذهب من المنجم إلى المستورد النهائي، مع شهادات منشأ رقمية وتدقيق مستقل وقواعد للمستفيد الحقيقي، بحيث لا يكون من الممكن تحويل الذهب الناتج في مناطق النزاع إلى سيولة مجهولة.
والدرس الثالث هو إنشاء قاعدة بيانات للمستفيد الحقيقي من الشركات المرتبطة بأطراف الحرب، وربطها بسجلات العقارات والتحويلات والعقوبات.
والدرس الرابع هو تطوير نظام مراقبة للطائرات المسيّرة يعتمد على تحليل الصور والرادارات ومصادر البيانات المفتوحة، لأن المسيّرات أصبحت جزءاً دائماً من الحرب السودانية.
والدرس الخامس هو إنشاء سجل دولي للمتعاقدين العسكريين المشاركين في الحرب السودانية، مع إلزام الشركات الأمنية بالإفصاح عن الموظفين والعقود ومسارات التدريب والنقل.
والدرس السادس هو توسيع حظر السلاح إلى كامل السودان، مع نظام تفتيش ومراقبة حقيقي للمطارات الحدودية ومنافذ تشاد وليبيا وجنوب السودان وإثيوبيا، بدلاً من الاكتفاء بحظر قانوني لا يملك آلية تنفيذ.
والدرس السابع هو إخضاع الذهب والشركات والموانئ والقطاعات الاقتصادية المرتبطة بالقوات العسكرية لإدارة مدنية، لأن استمرار الاقتصاد العسكري سيجعل أي اتفاق سلام هشاً.
والدرس الثامن هو أن أي عملية سلام يجب أن تتعامل مع الإمارات ومصر وإيران وتركيا وروسيا وغيرها من الدول المؤثرة بوصفها أطرافاً ذات نفوذ على النزاع، وليس مجرد وسطاء محايدين.
والدرس التاسع هو أن إعادة بناء الجيش يجب أن تكون جزءاً من إصلاح الدولة وليس مشروعاً لإعادة إنتاج الهيمنة العسكرية. فالجيش الوطني الموحد ضروري، لكن الجيش الذي لا يخضع للرقابة المدنية يمكن أن يعيد إنتاج أسباب الانقلاب والحرب.
والدرس العاشر هو أن نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج يجب أن يكون شاملاً، لأن دمج الدعم السريع في الجيش دون إصلاح مؤسسي قد يؤدي إلى إعادة إنتاج مشكلة ازدواج القوة، بينما تفكيك الدعم السريع دون توفير مسار اقتصادي واجتماعي للمقاتلين قد يؤدي إلى ظهور ميليشيات جديدة.
خاتمة نقدية: ما الذي يمكن قوله بثقة في 30 أغسطس 2026، وما الذي يجب أن يبقى فرضية؟
تكشف إعادة بناء الأدلة منذ 15 أبريل 2023 وحتى 30 أغسطس 2026 أن الدور الإماراتي في الحرب السودانية لا يمكن اختزاله في ثنائية “الإمارات تدعم الدعم السريع” مقابل “الإمارات تنفي ذلك”. فالصورة العلمية أكثر تعقيداً، لكنها في الوقت نفسه أكثر دلالة. فهناك طبقات متعددة من الأدلة تشير إلى أن الدعم السريع استفاد من شبكة مرتبطة بالإمارات أو مرت عبر الإمارات شملت المال والشركات والذهب والمعدات واللوجستيات والمقاتلين والمتعاقدين، مع اختلاف قوة الدليل من حالة إلى أخرى.
أقوى الأدلة المبكرة تمثلت في تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة لعام 2024 الذي وصف اتهامات الدعم عبر أم جرس بأنها ذات مصداقية، وفي بيانات الرحلات التي أظهرت عشرات الرحلات من الإمارات إلى أم جرس، وفي التحقيقات التي كشفت معدات حديثة ظهرت لدى الدعم السريع، ثم في الأدلة التقنية التي حددت أسلحة صينية ومعدات إماراتية الصنع، وفي العقوبات الأمريكية التي استهدفت شركات إماراتية مرتبطة بتمويل وشراء معدات للدعم السريع. ثم جاءت تحقيقات 2026 حول المتعاقدين الكولومبيين لتضيف طبقة جديدة تتمثل في القوة البشرية الخاصة.
لكن في المقابل، يجب ألا تتحول هذه الأدلة إلى تعميم غير علمي. فتقرير الأمم المتحدة لعام 2025 لم يوجه اتهاماً جديداً للإمارات، والإمارات تنفي باستمرار نقل السلاح، وتؤكد أن رحلات أم جرس كانت إنسانية، وتطعن في منهجية بعض التحقيقات المتعلقة بالأسلحة، وتستند إلى قرار محكمة العدل الدولية في مايو 2025 باعتباره نهاية قانونية للقضية التي رفعتها السودان. كما أن تجارة الذهب الإماراتية لا يمكن اعتبارها كلها تجارة دعم سريع، لأن الذهب القادم من مناطق الجيش نفسه كان يتجه أيضاً إلى دبي.
ومع ذلك، فإن هذه الاعتراضات لا تلغي السؤال الاستراتيجي الأكبر: لماذا استطاع الدعم السريع أن يتحول من قوة شبه عسكرية إلى فاعل يملك قدرات مسيّرات بعيدة المدى، وأنظمة دفاع جوي، ومعدات حديثة، وشبكات مالية وشركات ومتعاقدين أجانب، وأن يحافظ على هذه القدرة بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب؟ إن الإجابة لا يمكن أن تكون داخل السودان وحده. فقد ساهمت شبكات إقليمية ودولية متعددة في استمرار الحرب، وكان للدعم الإماراتي، وفق الأدلة المتراكمة، وزن مهم في هذه الشبكات.
كما أن الأدق ليس القول إن الإمارات “دمرت الجيش السوداني”. فالجيش لم يدمر، بل استعاد الخرطوم واحتفظ بالشرق والشمال وحقق مكاسب في كردفان خلال 2026، وتمكن من تطوير قدرات دفاع جوي اعترضت مسيّرات بعيدة المدى. لكن الدعم الخارجي للدعم السريع ساهم في إضعاف التفوق النسبي للجيش؛ أي تقليل قدرته على استخدام تفوقه الجوي والمؤسسي لحسم الحرب سريعاً، ورفع كلفة حماية العمق الاستراتيجي، وإجباره على توزيع موارده على جبهات متعددة، وتحويل الصراع إلى حرب استنزاف.
وهذا الأثر ربما يكون أكثر أهمية من فكرة “إضعاف الجيش” بالمعنى المباشر. فالدولة لا تنهار فقط عندما تخسر معركة، وإنما عندما تفقد احتكارها للموارد والقوة والحدود والمالية. وقد أدى استمرار الحرب إلى ظهور بنية مزدوجة للسلطة: سلطة مرتبطة بالجيش في الشرق والوسط والشمال، وبنية موازية مرتبطة بالدعم السريع في أجزاء واسعة من دارفور، مع صراع متواصل حول كردفان.
والخطر الأكبر على السودان في المستقبل ليس أن ينتصر الجيش أو الدعم السريع عسكرياً فحسب، وإنما أن تنتهي الحرب دون تفكيك الاقتصاد العسكري والشبكات الخارجية. فإذا احتفظ الدعم السريع بشبكاته المالية والعسكرية، أو احتفظ الجيش باقتصاده المؤسسي الخاص، أو استمرت الدول الخارجية في تمويل الوكلاء، فإن وقف إطلاق النار سيكون هدنة مؤقتة لا سلاماً مستداماً.
ولهذا فإن القضية الإماراتية يجب أن تتحول من اتهام سياسي إلى ملف سياسات قابل للتحقق: وقف تدفقات السلاح، تعقب الذهب، كشف المستفيدين الحقيقيين من الشركات، مراقبة الطيران والموانئ، التحقيق في المتعاقدين العسكريين، تطبيق العقوبات على الشبكات لا الأفراد فقط، وضمان أن تكون أي عملية سلام مرتبطة بآلية تحقق دولية.
وفي المقابل، فإن مسؤولية السودان لا تقل أهمية. فحتى إذا توقف الدعم الخارجي غداً، لن يستطيع السودان بناء دولة مستقرة إذا بقيت المؤسسات العسكرية والاقتصادية منفصلة عن الرقابة المدنية، أو إذا بقيت الحركات المسلحة تعتمد على الموارد المحلية، أو إذا ظلت النخب السياسية تستخدم القوات المسلحة والميليشيات كأدوات للمنافسة السياسية.
أما الإمارات، فإن امتلاكها القدرة على التأثير في الدعم السريع يجعلها من أهم الدول القادرة على تغيير مسار الحرب. فإذا استخدمت هذه القدرة لتأمين الأسلحة والتمويل، فإنها ستساعد على إطالة الحرب. وإذا استخدمتها لوقف التمويل والتسليح والمرتزقة ودعم وقف إطلاق النار، فيمكن أن تتحول من جزء من مشكلة الحرب إلى جزء من حلها. وهذا هو الاختبار الحقيقي للسياسة الإماراتية في المرحلة المقبلة.
وبذلك فإن مستقبل السودان بين 2026 وما بعده سيتحدد ليس فقط في الخرطوم أو الأبيض أو الفاشر، وإنما أيضاً في دبي وأبوظبي والقاهرة وأنقرة وطهران وموسكو وواشنطن وبروكسل، وفي أسواق الذهب والمطارات والموانئ والشركات التي تتحرك خلف خطوط الجبهة. فالحدود السودانية لم تعد حدود الحرب، والجيش والدعم السريع لم يعودا وحدهما صانعي ميزان القوة. لقد أصبحت الحرب شبكة إقليمية ودولية، ولن يكون السلام مستداماً إلا إذا جرى تفكيك الشبكة التي تجعل الحرب قابلة للتمويل والتسليح والاستمرار.
المراجع
- Amnesty International. الأسلحة الجديدة التي تغذي النزاع في السودان [New weapons fuelling the Sudan conflict]. London: Amnesty International; 2024. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- Amnesty International. السودان: تحديد نظام أسلحة فرنسي الصنع في النزاع [Sudan: French-manufactured weapons system identified in conflict]. London: Amnesty International; 2024. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- Amnesty International. السودان: تحديد أسلحة صينية متقدمة قدمتها الإمارات في انتهاك لحظر السلاح [Sudan: Advanced Chinese weaponry provided by UAE identified in breach of arms embargo]. London: Amnesty International; 2025. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- Amnesty International. السودان: فظائع قوات الدعم السريع في الفاشر [Sudan: RSF atrocities in El Fasher]. London: Amnesty International; 2026. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- Baldo S. الذهب والحرب في السودان: كيف يرتبط قطاع الذهب السوداني بمنظومة الصراع الإقليمية [Gold and the war in Sudan: How Sudan’s gold sector connects to a regional conflict ecosystem]. London: Chatham House; 2025. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- Chatham House. الذهب والحرب في السودان: كيف يمكن للحلول الإقليمية دعم إنهاء الصراع [Gold and the war in Sudan: How regional solutions can support an end to conflict]. London: Royal Institute of International Affairs; 2025. تحديث 2026. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- European Union Agency for Asylum. السودان: الوضع الأمني، فبراير 2025 [Sudan: Security Situation, February 2025]. Valletta: EUAA; 2025. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- Human Rights Watch. السودان: أطراف الحرب المسيئة تحصل على أسلحة جديدة [Sudan: Abusive Warring Parties Acquire New Weapons]. New York: Human Rights Watch; 2024. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- Human Rights Watch. من بوغوتا إلى الفاشر: دور الإمارات في نشر المقاتلين الكولومبيين ودعم آخر لقوات الدعم السريع في السودان [From Bogotá to El Fasher: The UAE’s Role in the Deployment of Colombian Fighters and Other Backing to the Rapid Support Forces in Sudan]. New York: Human Rights Watch; 2026. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- International Court of Justice. تطبيق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها في السودان (السودان ضد الإمارات العربية المتحدة): أمر 5 مايو 2025 [Application of the Convention on the Prevention and Punishment of the Crime of Genocide in Sudan (Sudan v. United Arab Emirates): Order of 5 May 2025]. The Hague: ICJ; 2025. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- Krieg A. الحرب بالوكالة [Proxy Warfare]. Cambridge: Polity Press; 2016.
- Krieg A. الانفصاليون والمفسدون: طريقة الإمارات في الحرب بالوكالة [Separatists and Spoilers: The UAE’s Way of Proxy Warfare]. Orbis. 2022;66(3):373-390.
- Kurtz G, Lacher W, Roll S. الدور المزعزع للاستقرار للإمارات العربية المتحدة في الصراعات الأفريقية [The Destabilising Role of the United Arab Emirates in African Conflicts]. Berlin: Stiftung Wissenschaft und Politik; 2026. SWP Comment 2026/C 19. DOI:10.18449/2026C19. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- Lynch J. شراء «السلام» في السوق السياسية السودانية [Buying “Peace” in Sudan’s Political Marketplace]. Boston: World Peace Foundation; 2024. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- Mumford A. الحرب بالوكالة [Proxy Warfare]. Cambridge: Polity Press; 2013.
- Salehyan I, Gleditsch KS, Cunningham DE. تفسير الدعم الخارجي للجماعات المتمردة [Explaining External Support for Insurgent Groups]. International Organization. 2011;65(4):709-744.
- Soliman A. الذهب والحرب في السودان [Gold and the War in Sudan]. London: Chatham House; 2025. تحديث 2026. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- The Sentry. قيادات شبه عسكرية سودانية استحوذت على محفظة عقارية بقيمة 17.7 مليون جنيه إسترليني في دبي [Sudan paramilitary leaders acquired £17.7m property portfolio in Dubai]. Washington, DC: The Sentry; 2026. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- United Nations. مجلس الأمن، فريق الخبراء المعني بالسودان: التقرير النهائي [Security Council Panel of Experts on Sudan: Final Report]. New York: United Nations; 2024. S/2024/65. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- United Nations. مجلس الأمن، فريق الخبراء المعني بالسودان: التقرير النهائي [Security Council Panel of Experts on Sudan: Final Report]. New York: United Nations; 2025. S/2025/239. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- United Nations. السودان: تدهور الصراع وتحذير الأمم المتحدة من الآثار السياسية والإنسانية [Sudan’s Conflict Worsening: UN Political and Peacebuilding Chief Warns]. New York: United Nations; 2026. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- United States Department of State. تحديد الإبادة الجماعية في السودان وفرض إجراءات المساءلة [Genocide Determination in Sudan and Imposing Accountability Measures]. Washington, DC: US Department of State; 2025. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- United States Department of the Treasury. الخزانة تفرض عقوبات على شركات مرتبطة بالمؤسسة العسكرية وتمول طرفي النزاع في السودان [Treasury Sanctions Military-Affiliated Companies Fueling Both Sides of the Conflict in Sudan]. Washington, DC: US Department of the Treasury; 2023. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- United States Department of the Treasury. الخزانة تفرض عقوبات على قائد قوات الدعم السريع ومورد أسلحة وشركات مرتبطة به [Treasury Sanctions Sudanese Paramilitary Leader, Weapons Supplier, and Related Companies]. Washington, DC: US Department of the Treasury; 2025. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- United Arab Emirates Ministry of Foreign Affairs. بيان مساعد وزير الخارجية الإماراتي للشؤون الأمنية والعسكرية بشأن السودان [Statement by the UAE Assistant Minister for Security and Military Affairs]. Abu Dhabi: Ministry of Foreign Affairs; 2025. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- United Arab Emirates Ministry of Foreign Affairs. الإمارات لا تعترف بقرار سلطة بورتسودان [UAE Does Not Recognize the Decision of Port Sudan Authority]. Abu Dhabi: Ministry of Foreign Affairs; 2025. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- United Arab Emirates Ministry of Foreign Affairs. الإمارات ترحب بقرار محكمة العدل الدولية [UAE Welcomes ICJ Ruling]. Abu Dhabi: Ministry of Foreign Affairs; 2025. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- United Arab Emirates Ministry of Foreign Affairs. الإمارات ترحب بخطة السلام الشاملة للسودان وتتعهد بـ500 مليون دولار للمساعدات الإنسانية [UAE Welcomes Comprehensive Peace Plan for Sudan and Pledges USD 500 Million]. Abu Dhabi: Ministry of Foreign Affairs; 2026. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- United Arab Emirates Ministry of Foreign Affairs. الإمارات ترحب بالبيان المشترك بشأن السودان [UAE Welcomes Joint Statement on Sudan]. Abu Dhabi: Ministry of Foreign Affairs; 2026. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- United Arab Emirates Ministry of Foreign Affairs. الإمارات تدعو في مجلس حقوق الإنسان إلى وقف فوري لإطلاق النار وتوسيع حظر السلاح ليشمل السودان كله [UAE Participates in Urgent Debate on El-Obeid and Calls for Immediate Ceasefire in Sudan]. Abu Dhabi: Ministry of Foreign Affairs; 2026. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- World Peace Foundation. شراء «السلام» في السوق السياسية السودانية [Buying “Peace” in Sudan’s Political Marketplace]. Boston: Tufts University; 2024. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- Armed Conflict Location & Event Data Project. نظرة على أفريقيا، يوليو 2026: تصاعد ضربات المسيّرات في شمال كردفان [Africa Overview: July 2026 — Drone Strikes Increase in North Kordofan]. Madison: ACLED; 2026. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- Armed Conflict Location & Event Data Project. هل تستطيع قوات الدعم السريع الاستيلاء على الأبيض؟ [Can the RSF Seize El Obeid?]. Madison: ACLED; 2026. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- Armed Conflict Location & Event Data Project. إلى أين تتجه جبهة السودان؟ [Where Is Sudan’s Frontline Moving Next?]. Madison: ACLED; 2026. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- Amnesty International. الأسلحة الجديدة التي تغذي النزاع في السودان [New Weapons Fuelling the Sudan Conflict]. London: Amnesty International; 2024. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- Reuters. رحلات إماراتية تغمر مدرجاً في تشاد وتثير اتهامات بإمداد متمردي السودان بالأسلحة [UAE Flights Flood Airstrip, UN Says Supplies Weapons to Sudan Rebels]. London: Reuters; 2024. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- Reuters. الجيش السوداني يتهم الإمارات وإثيوبيا بالارتباط بهجوم المسيّرات على الخرطوم [Sudan Army Says UAE and Ethiopia Linked to Khartoum Drone Attack]. London: Reuters; 2026. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- Reuters. قوات الدعم السريع تجدد هجومها على الأبيض مع ضربات مسيّرة للعاصمة [RSF Renews Assault on Sudan’s Al-Obeid as Drones Strike Capital]. London: Reuters; 2026. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- Reuters. طائرات بوينغ استخدمت لنقل مرتزقة وأسلحة ومسيّرات للدعم السريع وفق خبراء الأمم المتحدة [Boeings Identified as Transporting Mercenaries, Weapons and Drones for Sudanese Paramilitary]. London: Reuters; 2026. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- Reuters. انقطاعات الكهرباء الواسعة تعرقل الحياة في السودان [Extensive Power Cuts Hamper Life in Sudan]. London: Reuters; 2026. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- Sudan Tribune. الجيش السوداني يؤمّن طريق الصادرات في شمال كردفان رغم ضربات المسيّرات [Sudanese Army Secures North Kordofan Export Road from RSF]. Khartoum: Sudan Tribune; 2026. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- Sudan Tribune. الجيش السوداني يصد هجوم المسيّرات في جنوب كردفان [Sudanese Army Repels RSF Drone Attack in South Kordofan]. Khartoum: Sudan Tribune; 2026. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- Sudan Tribune. الجيش السوداني يصد هجمات المسيّرات على مدن رئيسية [Sudan’s Army Repels RSF Drone Attacks on Key Cities]. Khartoum: Sudan Tribune; 2026. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- Sudan Tribune. الجيش السوداني يسقط مسيّرات الدعم السريع في شمال كردفان [Sudan’s Army Shoots Down Paramilitary RSF Drones in North Kordofan]. Khartoum: Sudan Tribune; 2026. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- Sudan Tribune. الجيش السوداني يعلن إسقاط طائرة مسيّرة صينية متقدمة قرب الأبيض [Sudan Army Says It Shot Down Advanced Chinese Drone Near El Obeid]. Khartoum: Sudan Tribune; 2026. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- Sudan Tribune. ضربات مسيّرات الدعم السريع تضرب الأبيض وتقطع الكهرباء وتضر المستشفيات [RSF Drones Strike El Obeid, Knocking Out Power and Hospitals]. Khartoum: Sudan Tribune; 2026. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- Sudan Tribune. ضربات مسيّرات الدعم السريع تستهدف الوقود في الأبيض [RSF Drone Strikes Target Fuel Supplies in Sudan’s El Obeid]. Khartoum: Sudan Tribune; 2026. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- Sudan Tribune. ضربة مسيّرة تقتل نازحين في الأبيض [Drone Strike Kills Two Displaced People in Sudan’s El Obeid]. Khartoum: Sudan Tribune; 2026. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- Sudan Tribune. هجمات المسيّرات على الأبيض وعطبرة والخرطوم [Sudan’s Army Repels RSF Drone Attacks on Key Cities]. Khartoum: Sudan Tribune; 2026. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- Human Rights Watch. إشعال النيران: المعدات العسكرية الجديدة في السودان [Fanning the Flames]. New York: Human Rights Watch; 2024. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- European Union Agency for Asylum. السودان: الجهات الفاعلة الدولية في النزاع [Sudan: International Actors in the Conflict]. Valletta: EUAA; 2025. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
- Stiftung Wissenschaft und Politik. الدور المزعزع للاستقرار للإمارات العربية المتحدة في الصراعات الأفريقية [The Destabilising Role of the United Arab Emirates in African Conflicts]. Berlin: SWP; 2026. SWP-Aktuell 2026/A 22. DOI:10.18449/2026A22v02. تاريخ الوصول: 30 أغسطس 2026.
