محمد عبد المنعم صالح
الشئ الوحيد الذي أصبح متاحا في مجتمعاتنا، هي حرية التدخل في شؤون الآخرين!
هي حرية التطَفل والمراقبة والتسلط وفرض السيطرة! هي حرية إختراق خصوصيتك! بكل تأكيد مع إبداء الرأي في نواياك ومظهرك وأفكارك ، بالإضافة إلى تحديد مصيرك بعد الموت إنطلاقا من رؤيتهم ومنظورهم ..
فما أتعس الإنسان حين يكون في مجتمعات لا يملك فيها أفكاره، ولا أحلامه، ولا أمنياته، ولا حتى حقه في أن يتخيل عالما آخر..
ما أتعسه حين يقضي أجمل سنوات عمره في مكان يشعره أن كل شيء فيه مستعار ، صوته مستعار، وخياراته مستعارة، وحتى صورته عن نفسه تصاغ بأيدي الآخرين..
يعيش محاصرا بنظرات لا ترحم، وأحكام لا تنتهي، وتوقعات لا يستطيع الإفلات منها، حتى يفقد تدريجيا القدرة على معرفة من يكون وماهي هويته الذاتية ..
ما أتعسه حين يقضي أجمل سنوات العمر في مجتمعات يفتقد فيه خصوصيته و ابسط حقوقه الإنسانيه.
الجميع يراقب، والجميع يحاكم، والجميع يمنح نفسه سلطة لا يملكها. يسألون عن تفاصيل حياتك، ويقيمون اختياراتك، ويصادرون حقك في الاختلاف، ثم يمضون إلى ما هو أبعد من ذلك، فيفتشون في النوايا، ويصدرون الأحكام على الضمائر، بل ويتجرأ بعضهم على توزيع مفاتيح الجنة والنار، وكأنهم أوصياء بوكالة سماوية لل فصل في مصائر البشر ، وأصبح كل فرد رقيبا على الآخر، وقاضيا عليه، وسجانا له.. واصبحت الحياة شبكة من العيون التي لا تنام، والألسنة التي لا تتوقف عن إصدار الأحكام، حتى اصبح الإنسان يختنق داخل ذاته، ويخشى أن يفكر بصوت مرتفع، أو يحلم بحياة لا تشبه ما ألفه الجميع ..
لقد أصبح الإنسان يعيش تحت احتلال اجتماعي دائم. ليس احتلالا للأرض، بل للعقل والوجدان. فحتى أفكارك لم تعد ملكك، بل تنتظر موافقة الجماعة. وحتى أحلامك يجب أن تمر عبر رقابة المجتمع. وحتى مظهرك، وضحكتك، وصمتك، وصداقاتك، وكتبك، وأسئلتك، كلها تتحول إلى ملفات مفتوحة للمراجعة والتقييم.
ولأن الوصاية لا تعرف حدودا، فإنها لا تكتفي بما تراه العين، بل تمتد إلى ما لا يعلمه إلا الله. يفسرون نياتك، ويحددون مقاصدك، ويحاكمون ضميرك، ثم يمنحون أنفسهم الحق في إصدار الأحكام على آخرتك ..
اعتقد ان الأمم لا تنهض لأن أبناءها متشابهون، بل لأنها تحترم اختلافهم. فكل إنجاز إنساني عظيم بدأ بفكرة خالفت السائد، وكل نهضة ولدت من عقل رفض أن يستعير وعيه من الآخرين. أما المجتمع الذي يصادر الفرد، فلن ينتج إلا نسخا متطابقة، تتشابه في الخوف، وتتوارث الصمت، وتعيد إنتاج التخلف جيلا بعد جيل.
ولعل أعظم اختبار لأخلاق الإنسان ليس مقدار تدينه، ولا كثرة شعاراته، ولا صخب مواعظه، بل قدرته على احترام المسافة التي تبدأ عندها حرية الآخر.
علي مستواي الشخصي لم أسمح لأحد يوما ما أن يحتل عقلي باسم النصيحة، ولا أن يصادر ضميري باسم الفضيلة، ولا أن يرسم لي حدود أحلامي باسم العادات، ولا أن يختار لي كيف أفكر، أو كيف أعيش، أو حتى كيف ألقى ربي . احتفظ بمساحتي التي أعتقد انها تتسق مع إنسانيتي دائما وكفي ..
ولم أسمح لأحد أن يعيش داخل رأسي الا طواعية ، أو أن يتكلم بلسان ضميري ، أو أن يصادر حقي في أن أكون في مستوي شوفه مختلفا..
لم أسمح لأحد أن يقنعني بأن الطاعة فضيلة إذا كانت ثمنا لفقدان ذاتي ، ولا بأن الصمت حكمة إذا كان خوفا، ولا بأن التشابه نجاة إذا كان موتا للعقل..
ولا أملك غير أن أظل أقاوم كل من يريد أن يصنع مني نسخة أخرى سواء منه أو من دائرة القطيع الذي يحيا داخله وكفي ..
