باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الجمعة, 4 سبتمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

الفزعة العابرة للحدود وشبكات الحرب الإقليمية: كيف أصبحت تشاد وليبيا ممرات حاسمة في اقتصاد وإمداد قوات الدعم السريع في السودان؟

اخر تحديث: 4 سبتمبر, 2026 4:20 مساءً
شارك

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

يتناول المقال التحول الذي طرأ على البيئة الإقليمية للحرب السودانية منذ اندلاعها في أبريل/نيسان 2023، موضحاً أن القتال لم يعد محصوراً داخل الأراضي السودانية، وإنما أصبح مرتبطاً بشبكة واسعة من الممرات البرية والجوية والمالية التي تمتد خصوصاً عبر تشاد وليبيا. ويطرح المقال فكرة أساسية مفادها أن هاتين الدولتين، نتيجة ضعف السيطرة المركزية عليهما، واتساع الحدود الصحراوية، وتشابك المصالح القبلية والاقتصادية والأمنية، أصبحتا جزءاً مهماً من البيئة اللوجستية التي تساعد قوات الدعم السريع على الحصول على الوقود والمركبات والأسلحة والمقاتلين والموارد المالية. ويقوم تفسير هذه الظاهرة على تفاعل ثلاثة عناصر رئيسية: الروابط الاجتماعية والقبلية العابرة للحدود، وشبكات المصالح الإقليمية والدولية، واقتصاد الحرب الذي يشمل تهريب الذهب والوقود والأسلحة والمركبات والمقاتلين. ويؤكد المقال في الوقت نفسه أن قوة الأدلة تختلف من حالة إلى أخرى، وأن بعض التقارير تثبت وجود أنماط نقل واتصالات ومسارات لوجستية بصورة قوية، بينما تظل طبيعة بعض الشحنات أو المسؤولية المباشرة لبعض الحكومات بحاجة إلى مزيد من الإثبات.

تبدأ الخلفية التاريخية من حقيقة أن العلاقة بين السودان وتشاد لا يمكن فصلها عن الطبيعة المفتوحة للحدود والتداخل العميق بين المجتمعات المحلية على جانبيها. فالحدود الممتدة لنحو 1400 كيلومتر لا تفصل بصورة حاسمة بين مجتمعات متداخلة قبلياً ولغوياً واجتماعياً، إذ توجد قبائل ومجموعات سكانية ممتدة عبر البلدين، من بينها الزغاوة والمساليت والقمر ومجموعات عربية متعددة. وقد جعل هذا التداخل الحدود السياسية أقل قدرة على منع حركة الأشخاص والأسلحة والسلع وشبكات التجارة غير الرسمية. كما أن تاريخ تشاد السياسي والأمني ارتبط بدرجة كبيرة بدارفور؛ فقد استخدمت جماعات مسلحة وأطراف سياسية في أوقات مختلفة المناطق الحدودية والمجتمعات الممتدة بين البلدين كمساحات للحركة والتجنيد والإمداد. ولذلك أصبحت أي حرب واسعة في دارفور ذات انعكاسات مباشرة على الأمن الداخلي التشادي، في حين أصبح اضطراب تشاد نفسه مؤثراً في الأمن السوداني. أما ليبيا، فقد اكتسبت أهمية مختلفة بعد سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، عندما أدى تفكك مؤسسات الدولة الليبية وظهور سلطات ومراكز قوة متعددة إلى ازدياد أهمية الجنوب الليبي كمنطقة للتهريب وحركة المقاتلين والأسلحة والوقود، وأصبحت الكفرة ومناطق الجنوب الشرقي الليبي جزءاً من المجال الصحراوي الذي يربط ليبيا بالسودان وتشاد.

ويعرض المقال تشاد باعتبارها إحدى أهم حلقات العمق اللوجستي المتصلة بدارفور، مع التركيز بصورة خاصة على مطارات أم جرس وإنجمينا وأبشي وعلى الطرق البرية التي تربط شرق تشاد بغرب السودان. فمنذ بداية الحرب اتهمت السلطات السودانية تشاد بالسماح باستخدام أراضيها ومطاراتها في عمليات إمداد قوات الدعم السريع، بينما رفضت الحكومة التشادية هذه الاتهامات وأكدت أن نشاطها يرتبط بالمساعدات الإنسانية واستضافة اللاجئين وليس بتقديم الدعم العسكري. غير أن التقارير الأممية والتحقيقات الصحفية أشارت إلى وجود حركة جوية منتظمة بين مطارات في الإمارات ومطار أم جرس، وإلى أن بعض الرحلات اتخذت أنماطاً أثارت الشبهات بسبب فقدان بيانات التتبع أو انقطاعها في أجزاء من المسار. كما أشارت التقارير إلى وجود عمليات نقل برية بعد وصول الشحنات إلى شرق تشاد، بحيث يمكن نقل المعدات والوقود والمركبات باتجاه دارفور. ويشير المقال إلى أن أهمية أم جرس لا تنبع من كونها مجرد مطار، بل من موقعها ضمن منظومة جغرافية تربط المجال الجوي الإقليمي بالطرق الصحراوية المؤدية إلى السودان.

ويبرز المقال أن أزمة العلاقات السودانية التشادية بلغت مستوى دبلوماسياً واضحاً في ديسمبر/كانون الأول 2023 عندما أعلنت تشاد عدداً من الدبلوماسيين السودانيين، بينهم الملحق العسكري، أشخاصاً غير مرغوب فيهم ومنحتهم مهلة للمغادرة، وذلك في أعقاب تصريحات سودانية اتهمت تشاد وقيادتها بالسماح بإمداد قوات الدعم السريع. كما يشير إلى أن التصعيد لم يبقَ دبلوماسياً، بل ارتبط لاحقاً باتهامات واستهدافات عسكرية بالقرب من الحدود، بما يعكس انتقال القضية من خلاف سياسي إلى مسألة أمن قومي بالنسبة إلى الجيش السوداني. وفي المقابل ظلت تشاد حريصة على عدم الاعتراف رسمياً بأي تورط عسكري مباشر، لأن الانخراط الصريح في الحرب يمكن أن يعرّضها لخطر مواجهة السودان ويزيد من هشاشتها الداخلية.

ويركز المقال بعد ذلك على البعد القبلي، موضحاً أن الحدود بين دارفور وتشاد وليبيا لا تتطابق مع الحدود الاجتماعية. وتظهر هنا فكرة الفزعة أو النفير باعتبارها إطاراً تفسيرياً لحركة الدعم غير الرسمي، حيث يمكن للروابط العائلية والقبلية والمصالح المحلية أن تساعد على انتقال الأشخاص والمعلومات والموارد عبر الحدود. ويؤكد المقال أن هذا العامل لا ينبغي تفسيره بصورة مبسطة باعتباره تضامناً قبلياً شاملاً مع قوات الدعم السريع؛ فالمجتمعات العابرة للحدود ليست كتلة واحدة، وهناك انقسامات حادة داخل القبائل والمناطق والسلطات المحلية، كما أن بعض المجموعات التشادية ترتبط مباشرة بضحايا الانتهاكات في دارفور ولذلك لا تنظر بالضرورة إلى قوات الدعم السريع باعتبارها طرفاً حليفاً. ويصبح العامل القبلي أكثر تعقيداً عندما يتداخل مع المصالح التجارية وشبكات التهريب والسلطات المحلية، بحيث تتحول القرابة والعلاقات الاجتماعية إلى قنوات لتسهيل الحركة، بينما تتحول المصالح الاقتصادية إلى حافز مستقل عن الانتماء القبلي.

ويشرح المقال أن البنية القبلية لا تعمل منفصلة عن ضعف الدولة، بل تستفيد من المناطق التي تكون فيها قدرة المؤسسات الرسمية على مراقبة الحدود محدودة. ففي المناطق الصحراوية الواسعة يصبح من الصعب مراقبة جميع الطرق والمسارات غير الرسمية، ويمكن للشاحنات والمركبات والأفراد التحرك عبر مساحات بعيدة عن نقاط العبور الرسمية. ومن هنا تصبح الحدود نفسها جزءاً من اقتصاد الحرب، لا مجرد خط سياسي يفصل بين دولتين. كما أن التداخل القبلي يسمح بتوفير المعرفة المحلية بالطرق ومصادر المياه ومحطات التزود بالوقود ومواقع التجمع، وهي عناصر شديدة الأهمية في حرب تعتمد على الحركة السريعة للمركبات المسلحة.

ويمثل معسكر خليفة حفتر في شرق ليبيا، وفق المقال، الحلقة الليبية الأكثر أهمية في شبكة الدعم الموجهة إلى قوات الدعم السريع. ويشير المقال إلى تقارير بحثية واستقصائية ربطت بين قوات حفتر وإمدادات الوقود التي وصلت إلى قوات الدعم السريع، ولا سيما عبر جنوب شرق ليبيا والكفرة، موضحاً أن الوقود يمثل عنصراً حاسماً في قدرة قوات تعتمد على المركبات والانتشار السريع على مواصلة عملياتها في المساحات الشاسعة من دارفور. ويشير إلى أن أهمية هذا المسار لا تتعلق بالوقود وحده، بل تمتد إلى المركبات والمعدات والسلع التي يمكن نقلها من جنوب ليبيا باتجاه الحدود السودانية.

ويربط المقال هذا الدور الليبي بالعلاقة التاريخية بين حفتر والإمارات منذ عام 2014، موضحاً أن أبوظبي قدمت دعماً سياسياً ومالياً ودبلوماسياً وعسكرياً لمعسكر حفتر، وأن هذا السياق الإقليمي جعل العلاقة بين الطرفين عاملاً مهماً في تفسير قدرة شبكات مرتبطة بشرق ليبيا على تقديم خدمات أو موارد لقوات الدعم السريع. ولا يقدم المقال هذا الترابط باعتباره دليلاً تلقائياً على أن كل عملية تتم عبر مناطق سيطرة حفتر صادرة بأمر مباشر من الإمارات، وإنما يعرضه باعتباره جزءاً من شبكة مصالح إقليمية متداخلة تحتاج إلى التمييز بين مستويات المسؤولية فيها: مسؤولية الدولة، ومسؤولية السلطة المحلية أو العسكرية، ومسؤولية الشركات والوسطاء وشبكات التهريب.

ويبرز المقال كذلك دور صدام حفتر في جنوب شرق ليبيا، وخاصة في منطقة الكفرة، في الإشراف على بعض أنشطة الإمداد المرتبطة بقوات الدعم السريع. ويعرض ذلك باعتباره مؤشراً على أن العلاقة لم تكن بالضرورة مجرد حركة تجارية عشوائية، وإنما تضمنت في بعض الحالات مستوى من التنسيق بين شخصيات مرتبطة بقيادة معسكر حفتر وشبكات الدعم المتجهة إلى السودان. كما يناقش تقارير تحدثت عن تحركات لشاحنات ومعدات عسكرية باتجاه السودان، وعن نشاط في قواعد جنوب شرق ليبيا، وعن احتمال وجود معدات روسية ضمن هذه الشبكات، مع ضرورة التمييز بين ما تم توثيقه مباشرة وما ورد في تقارير لم يمكن التحقق من جميع تفاصيلها بصورة مستقلة.

وتزداد أهمية ليبيا في المقال عند الانتقال من السلاح والوقود إلى المقاتلين الأجانب. فقد أشارت تقارير حديثة إلى استخدام طائرات شحن مرتبطة بشبكات تجارية ولوجستية في نقل أفراد ومعدات لصالح قوات الدعم السريع، وإلى وجود صلات تشغيلية بين مسارات تمر بتشاد وليبيا والصومال ومراكز أخرى. كما أشار التقرير إلى طائرات من طراز بوينغ 727 و737، وإلى قيام بعض الطائرات بتعطيل أو فقدان بيانات التتبع خلال أجزاء من رحلاتها، وإلى حادثة تدمير إحدى الطائرات في مايو/أيار 2025 بينما كانت تقل مقاتلين مرتبطين بقوات الدعم السريع. وتظهر هذه الوقائع أن الحرب لم تعد تعتمد فقط على تجنيد المقاتلين المحليين، بل أصبحت قادرة على استقطاب أفراد من أسواق عسكرية خارجية ونقلهم عبر شبكات جوية وبرية معقدة.

ويشير المقال بصورة خاصة إلى المقاتلين الكولومبيين، الذين قدرت تقارير حديثة أعدادهم بنحو 1500 إلى 2000 مقاتل، مع مشاركة بعضهم في تشغيل الطائرات المسيّرة وتنفيذ مهام قتالية في دارفور. ويعرض المقال الروايات التي تحدثت عن استقطاب بعض هؤلاء الأفراد عبر عقود عمل وهمية أو مضللة في الإمارات ثم نقلهم إلى ليبيا قبل وصولهم إلى السودان. وتكشف هذه القضية، في تحليل المقال، عن تحول الحرب السودانية إلى سوق عسكرية عابرة للقارات، لا تقتصر فيها عمليات التجنيد على البيئة السودانية أو الأفريقية، وإنما يمكن أن تشمل مقاتلين سابقين في جيوش نظامية من أمريكا اللاتينية وغيرها. كما توضح أن ليبيا يمكن أن تعمل كحلقة وصل بين سوق المقاتلين العالمي وميدان الحرب في السودان.

ولا تقتصر شبكة النقل على الأشخاص، إذ يوضح المقال أن المركبات أصبحت جزءاً أساسياً من الإمداد العسكري. فقد أُشير إلى شراء مركبات، ولا سيما سيارات تويوتا لاندكروزر، من جنوب ليبيا، وتجميعها في مناطق مثل سبها ثم نقلها عبر الكفرة إلى الزرق ومناطق أخرى في دارفور. وتكتسب هذه المركبات أهمية عسكرية بسبب طبيعة الحرب في دارفور، حيث تعتمد العمليات في مناطق واسعة قليلة الطرق المعبدة على القدرة على الحركة السريعة لمسافات طويلة. ولذلك فإن توفير المركبات والوقود يمكن أن يعادل في بعض الظروف توفير الذخيرة من حيث أثره على القدرة العملياتية، لأن المقاتل الذي يملك السلاح ولا يملك الوقود أو وسيلة الحركة يفقد جزءاً كبيراً من فعاليته.

وينتقل المقال إلى اقتصاد الحرب باعتباره الحلقة التي تجعل هذه الشبكة قابلة للاستمرار. ويضع الذهب في مركز هذه المنظومة، موضحاً أن مناطق تعدين الذهب في دارفور، بما فيها جبل عامر في شمال دارفور ومناطق أخرى مثل سنقو في جنوب دارفور، أصبحت مصدراً مهماً للموارد المالية. ويشرح أن الذهب يمكن أن ينتقل عبر مسارات محلية وغير رسمية إلى الحدود التشادية، ثم إلى داخل تشاد، حيث يمكن إعادة تصنيفه أو تصديره بوصفه إنتاجاً تشادياً، قبل نقله إلى مراكز تجارية ومالية إقليمية، وعلى رأسها دبي. وتسمح هذه العملية بإخفاء المصدر الحقيقي للمعدن وتعقيد قدرة الجهات الرقابية على تتبع العائدات التي يمكن أن تمول شراء الوقود والسلاح والمركبات والخدمات اللوجستية.

ويؤكد المقال أن تهريب الذهب لا يتخذ مساراً واحداً، بل يعتمد على شبكة واسعة من الدول والممرات تشمل تشاد وليبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى وجنوب السودان، إضافة إلى طرق أخرى تربط السودان بمراكز تجارية إقليمية. وتكمن أهمية هذه الشبكة في قدرتها على توزيع المخاطر؛ فإذا أصبح أحد المعابر أكثر تشديداً يمكن أن تنتقل التجارة غير المشروعة إلى مسار آخر. كما أن طبيعة الذهب نفسه تساعد على ذلك، لأنه عالي القيمة مقارنة بوزنه وحجمه، ما يجعله ملائماً للتهريب والنقل السريع وإخفاء العائدات مقارنة بالسلع كبيرة الحجم.

وتتمثل الفكرة المركزية في هذا الجزء في أن العلاقة بين الذهب والسلاح ليست مجرد شعار، وإنما يمكن النظر إليها باعتبارها دورة اقتصادية للحرب: مناطق السيطرة العسكرية توفر الوصول إلى الذهب، والذهب يوفر السيولة، والسيولة تساعد على شراء الوقود والمركبات والسلاح والخدمات، وهذه الموارد تعزز القدرة على السيطرة العسكرية وحماية مناطق التعدين وطرق التهريب، فتستمر الدورة. ومن ثم لا يمكن التعامل مع إمدادات الدعم السريع على أنها سلسلة منفصلة من عمليات تهريب متفرقة؛ بل يمكن فهمها باعتبارها منظومة اقتصادية عابرة للحدود تربط الموارد الطبيعية باللوجستيات العسكرية والأسواق المالية.

ويتناول المقال في المقابل مسألة النفي الرسمي، موضحاً أن تشاد نفت بصورة متكررة تقديم دعم عسكري أو لوجستي لقوات الدعم السريع، وأكدت أن موقفها الرسمي هو الحياد وأن أولويتها الأساسية هي التعامل مع التدفق الكبير للاجئين السودانيين وحماية أمنها الداخلي. كما أشارت تشاد إلى مخاوفها من النشاطات المسلحة القادمة من السودان، واتهمت في المقابل أطرافاً سودانية بالتدخل في أمنها ودعم جماعات معارضة. وبذلك لا تظهر تشاد في المقال باعتبارها دولة ذات موقف واحد بسيط، بل باعتبارها دولة تحاول إدارة توازن بالغ الصعوبة بين أمنها الداخلي، وعلاقاتها مع السودان، واحتياجاتها الاقتصادية، وضغوط القوى الإقليمية، والروابط الاجتماعية على الحدود.

ويشير المقال إلى أن استضافة تشاد لأعداد كبيرة من اللاجئين السودانيين تعقد الصورة أكثر، لأن الدولة التشادية تتحمل تكلفة إنسانية وأمنية واقتصادية كبيرة بسبب الحرب. ومن ثم لا يمكن اختزال موقفها في دعم طرف واحد؛ فهناك مؤسسات ومجتمعات تشادية قد تكون مستفيدة من حركة التجارة عبر الحدود، في مقابل قطاعات أخرى متضررة مباشرة من الحرب أو متعاطفة مع ضحايا الانتهاكات في دارفور. كما أن النخبة السياسية التشادية نفسها لا تظهر دائماً في موقف موحد، وهو ما يفسر التباين بين تصريحات بعض المسؤولين والدبلوماسيين وبين الخطاب الرسمي العام.

أما في ليبيا، فيوضح المقال أن الوضع أكثر تعقيداً بسبب انقسام الدولة الليبية نفسها، إذ لا يمكن التعامل مع “ليبيا” كفاعل مركزي واحد. فهناك حكومة وسلطات ومراكز قوة متعددة، بينما يمتلك معسكر حفتر قدرة واسعة على التحكم في مناطق الشرق والجنوب، بما فيها طرق ومطارات ومناطق استراتيجية. ولذلك فإن الحديث عن “الدور الليبي” يحتاج إلى تحديد الفاعل بدقة، وعدم تحويل نشاط سلطة محلية أو شبكة مرتبطة بها إلى مسؤولية تلقائية للدولة الليبية كلها. وفي الوقت نفسه، فإن استمرار هذه الشبكات في مناطق تخضع لنفوذ قوات حفتر يطرح تساؤلات حول قدرة السلطات المسيطرة على منعها، وحول ما إذا كان بعضها يتم بعلمها أو بمشاركة عناصر منها أو بسبب مصالحها المباشرة.

ويخصص المقال مساحة كبيرة لتقارير الأمم المتحدة والتحقيقات الدولية باعتبارها الأدلة الأكثر أهمية في محاولة إعادة بناء شبكة الإمداد. وتكتسب لجنة خبراء الأمم المتحدة المعنية بالسودان أهمية خاصة لأنها تعمل في إطار نظام العقوبات وحظر السلاح المفروض على دارفور منذ عام 2004، وتستطيع جمع المعلومات من مصادر ميدانية ووثائق وبيانات رحلات وصور ومعلومات تجارية وأمنية. وتوضح التقارير التي يناقشها المقال أن بعض الرحلات الجوية المتجهة إلى شرق تشاد كانت متكررة ومنظمة إلى درجة جعلتها تبدو كجسر جوي إقليمي، وأن بعض الطائرات اتبعت أنماطاً غير اعتيادية في بيانات التتبع.

ومع ذلك يؤكد المقال أهمية التحفظ المنهجي. فوجود رحلة من الإمارات إلى تشاد لا يثبت وحده أن الشحنة كانت عسكرية، كما أن وجود طائرة في مطار معين لا يحدد تلقائياً الجهة المستلمة لكل ما تحمله. ولهذا فإن قوة الاستنتاج ترتفع عندما تتطابق عدة أنواع من الأدلة، مثل بيانات الطيران، وشهادات المصادر الميدانية، والصور، وحركة المركبات، والوثائق التجارية، وأنماط الرحلات المتكررة، والمعلومات المتعلقة بالوجهات النهائية. ويعتبر المقال أن هذا التمييز ضروري حتى لا تتحول التقارير الاستخباراتية أو الصحفية إلى ادعاءات قطعية تتجاوز ما تسمح به الأدلة.

كما يربط المقال بين شبكة الإمداد والانتهاكات ضد المدنيين، خصوصاً في دارفور، لكنه يؤكد ضرورة التمييز بين إثبات وقوع الانتهاك وإثبات مسؤولية جهة خارجية محددة عنه. فالإمدادات العسكرية قد تزيد قدرة طرف على مواصلة القتال، لكن تحديد المسؤولية القانونية عن جريمة معينة يتطلب إثبات عناصر مختلفة وفق معايير القانون الدولي. ومن هنا تأتي أهمية التقارير الأممية في تقديم الأدلة والسياق، لكنها لا تعني تلقائياً أن كل استنتاج سياسي أو إعلامي يمثل حكماً قانونياً نهائياً.

ويناقش المقال التحركات الدبلوماسية الرامية إلى الحد من هذه الشبكة، مع إبراز الدور المصري في محاولة التأثير على موقف تشاد. ويعرض الزيارات والاتصالات المصرية مع القيادة التشادية باعتبارها جزءاً من سياسة أوسع تهدف إلى منع توسع الحرب غرباً وإضعاف قدرة شبكات الإمداد على الاستمرار. وترى القاهرة أن استقرار السودان يرتبط مباشرة بأمنها القومي، ولذلك تسعى إلى الحفاظ على علاقات وثيقة مع السلطات السودانية وفي الوقت نفسه التأثير في الدول المجاورة التي يمكن أن تؤثر حدودها ومساراتها في مسار الحرب.

ويشير المقال إلى أن هذه التحركات الدبلوماسية تتقاطع مع جهود إقليمية أخرى، وأن تشاد تجد نفسها بين مصالح متعارضة: فهي تحتاج إلى علاقات مستقرة مع السودان، وتريد تجنب استعداء القوى الإقليمية، وتواجه في الوقت نفسه تحديات داخلية وحدودية وأمنية، بينما يمثل استمرار الحرب السودانية عبئاً كبيراً بسبب اللاجئين والتجارة غير الرسمية وانتقال السلاح والمقاتلين. ولذلك فإن محاولة “تحييد تشاد” لا يمكن أن تنجح بالضغط السياسي وحده، بل تحتاج إلى معالجة الحوافز الاقتصادية والأمنية التي تجعل الحدود غير الرسمية قابلة للاستغلال.

ويخلص المقال إلى أن الدور التشادي والليبي في الحرب السودانية لا يمكن تفسيره باعتباره مجرد سلسلة من عمليات تهريب منفصلة، بل بوصفه نظاماً إقليمياً متعدد الطبقات يجمع بين الجغرافيا الصحراوية، وضعف الدولة، والتداخل القبلي، وشبكات التهريب، واقتصاد الذهب، وحركة الوقود والمركبات، والجسور الجوية، وتجنيد المقاتلين الأجانب، والمصالح الإقليمية والدولية. وتتشابك هذه العناصر بحيث يصبح من الصعب الفصل الكامل بين ما هو تجاري وما هو عسكري، وبين ما تقوم به الدولة وما تقوم به جماعات مسلحة أو شركات ووسطاء وشبكات تهريب.

وتتمثل أهم خلاصة تحليلية في أن قدرة قوات الدعم السريع على مواصلة الحرب لا تعتمد فقط على الموارد الموجودة داخل مناطق سيطرتها، وإنما تتأثر أيضاً بقدرتها على المحافظة على خطوط خارجية للحصول على الوقود والمركبات والأسلحة والمقاتلين والتمويل. وتشكل تشاد وليبيا، بسبب الموقع الجغرافي وطبيعة الحدود وضعف السيطرة المركزية ووجود سلطات مسلحة وشبكات اقتصادية غير رسمية، عقدتين أساسيتين في هذه المنظومة. وتصبح أهمية هذه العقد أكبر عندما تتصل بمراكز مالية وتجارية خارج السودان، بحيث تتحول الموارد المحلية، وخاصة الذهب، إلى تمويل يمكن استخدامه في استيراد الموارد العسكرية والخدمات التي تسمح باستمرار الحرب.

وفي النهاية يرى المقال أن المشكلة لا تكمن فقط في وجود حدود رخوة، وإنما في وجود منظومة حوافز كاملة تجعل استمرار الحدود الرخوة مفيداً لشبكات متعددة من الفاعلين. فالمهرب يستفيد من التجارة، والسلطة المحلية قد تستفيد من الرسوم أو النفوذ، والشركات قد تستفيد من العقود، والمقاتلون يحصلون على عوائد، والقوى المسلحة تحصل على الموارد، بينما تتحمل المجتمعات الحدودية تكلفة الحرب والنزوح والعنف. ولهذا فإن معالجة شبكة الإمداد تتطلب أكثر من إدانة سياسية؛ فهي تحتاج إلى تتبع مالي للذهب والعائدات، وتشديد الرقابة على الرحلات والشحن الجوي، وتحسين مراقبة الحدود، واستهداف الوسطاء والشركات المتورطة، وتعزيز آليات العقوبات، ودعم السلطات المحلية في منع تهريب الوقود والسلاح، وممارسة ضغط دبلوماسي متناسق على الدول التي تسمح أراضيها أو مناطق نفوذها بمرور الإمدادات.

وتبقى الفجوة الأساسية بين التوثيق والمساءلة هي أخطر ما يبرزه المقال. فقد أصبح بالإمكان جمع قدر كبير من المعلومات حول الرحلات والمطارات والمسارات البرية والشبكات المالية، لكن تحويل هذه المعلومات إلى مسؤولية سياسية وقانونية محددة ما يزال أكثر صعوبة بسبب طبيعة الاقتصاد غير الرسمي، وتعدد الوسطاء، واستخدام شركات واجهة، وتضارب المصالح بين القوى الإقليمية، وصعوبة الوصول الميداني إلى المناطق الصحراوية، وعدم توفر الأدلة العلنية الكاملة على محتوى بعض الشحنات. ولذلك فإن استمرار الحرب سيظل مرتبطاً جزئياً بقدرة الأطراف المتحاربة على الحفاظ على هذه الشبكات أو إعادة تشكيلها كلما تعرض أحد مساراتها للضغط.

وعلى هذا الأساس يقدم المقال الحرب السودانية باعتبارها صراعاً داخلياً أصبح له بنية إقليمية عابرة للحدود، حيث لا يمكن فهم ديناميات دارفور وحدها دون فهم تشاد وليبيا والاقتصاد الإقليمي للذهب والوقود والسلاح والمقاتلين. كما يوضح أن “الفزعة” القبلية ليست بديلاً عن الجيوسياسة، بل يمكن أن تتداخل معها؛ وأن شبكات التهريب ليست منفصلة عن مصالح السلطات؛ وأن الموارد الطبيعية ليست مجرد ضحية للحرب، بل قد تصبح أحد مصادر تمويلها؛ وأن الحدود ليست مجرد خطوط جغرافية، بل مؤسسات ضعيفة يمكن أن تتحول إلى أدوات استراتيجية في استمرار الصراع. ومن ثم فإن وقف الحرب بصورة مستدامة يتطلب قطع دوائر التمويل والإمداد العابرة للحدود بالتوازي مع وقف إطلاق النار والتسوية السياسية، لأن بقاء هذه الدوائر مفتوحة يمنح الأطراف المسلحة القدرة على تعويض خسائرها وإعادة تسليح قواتها وإطالة أمد الحرب حتى بعد التوصل إلى ترتيبات سياسية مؤقتة.

النص الكامل للمقال

مقدمة تحليلية: من حرب سودانية إلى منظومة صراع عابرة للحدود

منذ اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في 15 أبريل/نيسان 2023، لم تعد جبهات القتال الفعلية محصورة داخل الحدود السودانية، بل تحولت الحرب تدريجياً إلى منظومة إقليمية مترابطة من الممرات البرية والجوية والمالية والتجارية وشبكات المقاتلين والوسطاء والشركات والاقتصادات غير الرسمية. وتبرز تشاد وليبيا في هذه المنظومة بسبب موقعهما الجغرافي، وضعف السيطرة المركزية على أجزاء واسعة من أراضيهما، وتشابك حدودهما مع دارفور، ووجود شبكات قبلية وتجارية قديمة تتجاوز الحدود الدولية الحديثة. ومن ثم فإن دراسة الحرب السودانية من داخل السودان وحده تعطي صورة ناقصة؛ فجزء مهم من قدرة قوات الدعم السريع على الاستمرار في القتال ارتبط بقدرتها على الوصول إلى شبكات إقليمية للوقود والسلاح والمركبات والتمويل والمقاتلين، وبقدرة هذه الشبكات على التحرك عبر مناطق لا تستطيع الدولة الوطنية فيها ممارسة رقابة كاملة.

ويجادل هذا المقال بأن الدور التشادي والليبي لا ينبغي اختزاله في صيغة بسيطة تقول إن «تشاد وليبيا تدعمان قوات الدعم السريع»، لأن الأدلة المتاحة أكثر تعقيداً من ذلك. فهناك فرق بين موقف الحكومة المركزية، وبين سلوك أجهزة أو فصائل أو قادة محليين، وبين شبكات التهريب الخاصة، وبين الرحلات الجوية التي تحمل مساعدات معلنة، وبين الرحلات التي تثير مؤشرات قوية على نقل معدات عسكرية. كما أن الوضع تغير بمرور الوقت: فقد كان مطار أم جرس في شرق تشاد مهماً بصورة خاصة خلال الفترة الأولى للحرب، بينما تغيرت أهميته لاحقاً مع ظهور مسارات أخرى؛ كما أن السيطرة على الحدود السودانية الليبية تغيرت خلال الحرب، الأمر الذي جعل التدفقات القادمة من جنوب ليبيا أكثر تعقيداً من تصويرها باعتبارها خطاً ثابتاً ومستداماً في اتجاه واحد (سليمان، 2025؛ Soliman, 2025). وتشير أحدث الأدلة المنشورة إلى أن شبكة الانتقال لم تكن خطاً واحداً، وإنما «جسراً» متعدد المحطات يمكن أن يمر بالإمارات وشرق ليبيا وتشاد والصومال قبل الوصول إلى دارفور، وهو ما وثقته تحقيقات حقوقية حديثة بشأن انتقال متعاقدين عسكريين كولومبيين إلى مناطق سيطرة الدعم السريع (Human Rights Watch, 2026).

وتتداخل في هذه المنظومة ثلاثة مستويات رئيسية. المستوى الأول هو الجغرافيا السياسية للحدود: فدارفور تتصل مباشرة بتشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى، ما يجعل السيطرة على المعابر الصحراوية جزءاً من السيطرة على الحرب نفسها. والمستوى الثاني هو الاقتصاد السياسي للصراع، ولا سيما الذهب والوقود والمركبات؛ فالذهب السوداني لا يمثل مجرد مورد تصديري، وإنما أصبح أحد أهم مصادر الدخل التي تمول أطراف الحرب وشبكات الوسطاء، فيما أصبح الوقود مورداً استراتيجياً لا يقل أهمية عن الذخيرة في حرب تعتمد بدرجة كبيرة على الحركة البرية السريعة. والمستوى الثالث هو تدويل الحرب من خلال الدول والجهات المسلحة والشركات الخاصة وشبكات المرتزقة، حيث تتقاطع المصالح الإماراتية والليبية والتشادية مع شبكات محلية سودانية وإقليمية.

ويعتمد هذا التحليل على تقارير لجنة خبراء مجلس الأمن بشأن السودان، وتقارير حقوقية وبحثية، وتحقيقات استقصائية لوكالة رويترز، ومنظمات مثل هيومن رايتس ووتش وThe Sentry، ودراسات مراكز بحثية مثل Chatham House، إلى جانب الأدبيات الخاصة باقتصاد الحرب والحدود الهشة في الساحل والقرن الأفريقي. ويقتضي المنهج العلمي هنا التمييز باستمرار بين «المعلومة المثبتة»، و«القرينة القوية»، و«الادعاء الذي لا يزال موضع نفي أو خلاف». فالتقرير الأممي لعام 2024، على سبيل المثال، اعتبر بعض المزاعم المتعلقة بالدعم الخارجي ذات مصداقية، لكنه لم يساوِ بين وجود رحلات جوية أو نشاط لوجستي وبين إثبات محتوى كل شحنة على نحو قاطع (United Nations Panel of Experts, 2024).

ومن هذه الزاوية، فإن مفهوم «الفزعة الإقليمية» لا يعني أن جميع أفراد القبائل الممتدة عبر الحدود يؤيدون الدعم السريع، ولا يعني أن الروابط القبلية وحدها تفسر حركة السلاح. المقصود هو أن الروابط الاجتماعية والقرابية القديمة تقلل تكلفة الحركة والتجنيد والوساطة، وتوفر شبكات ثقة في بيئات يصعب فيها تطبيق القانون، بينما تعمل الأموال والذهب والوقود والسلاح والمصالح الجيوسياسية على تحويل هذه الروابط الاجتماعية إلى قدرة لوجستية قابلة للاستثمار العسكري. ولذلك فإن الحرب السودانية تكشف نموذجاً أكثر تعقيداً من «حرب أهلية» تقليدية: إنها حرب وطنية ذات بنية إقليمية عابرة للحدود، أو ما يمكن وصفه بمنظومة صراع إقليمية مترابطة (Soliman, 2023؛ Soliman, 2025).

الفصل الأول: من حدود استعمارية مسامية إلى بنية إقليمية للحرب — الجذور التاريخية لعلاقة السودان بتشاد وليبيا

لا يمكن قراءة الدور التشادي الراهن في الحرب السودانية بمعزل عن تاريخ طويل من التداخل الأمني والاجتماعي بين البلدين. فتشاد والسودان يتقاسمان حدوداً طويلة تقارب 1400 كيلومتر، وتتداخل عبرها مجموعات قبلية ولغوية وتجارية، كما أن حركة السكان والرعاة والتجار والمقاتلين عبر الحدود سبقت بكثير إنشاء الحدود السياسية الحديثة. ولذلك ظلت الحدود السودانية التشادية، ولا سيما في قطاع دارفور، أقل شبهاً بخط فاصل بين دولتين وأكثر شبهاً بمنطقة اجتماعية واقتصادية واسعة تتحرك داخلها المجتمعات المحلية وفق أنماط لا تتطابق دائماً مع خرائط الدول.

وتتكرر في المنطقة جماعات ومجموعات اجتماعية على جانبي الحدود، ومن بينها الزغاوة والمساليت وبعض مجموعات العرب الرحل وغيرها، لكن من الخطأ تحويل هذا التشابك إلى كتلة قبلية متجانسة. فالزغاوة، مثلاً، تمتد في السودان وتشاد، لكنها ليست تنظيماً سياسياً واحداً، كما أن العرب في دارفور وتشاد وليبيا ليسوا جماعة سياسية واحدة. ولذلك يمكن لشخصين من المجموعة الاجتماعية نفسها أن يتخذا موقفين متعارضين تماماً من الحرب. وتكمن أهمية الروابط العابرة للحدود في أنها توفر بنية اجتماعية يمكن أن تستخدمها أطراف مختلفة، لا في أنها تفرض نتيجة سياسية واحدة.

وتاريخياً، كان دارفور جزءاً مهماً من معادلات الأمن السياسي في تشاد. وقد انعكست النزاعات السودانية والتشادية على بعضها البعض بصورة متكررة منذ العقود الأخيرة من القرن العشرين، كما لعبت الحركات المسلحة التشادية والسودانية دوراً متبادلاً في النزاعات داخل الدولتين. وتفسر هذه الخبرة التاريخية حساسية نجامينا تجاه التطورات العسكرية في دارفور؛ فاضطراب دارفور يمكن أن يتحول بسرعة إلى أزمة لاجئين، أو تهريب سلاح، أو حركة مقاتلين، أو توتر بين مجموعات قبلية، أو تهديد مباشر للسلطة المركزية التشادية.

وقد أظهرت حرب السودان الحالية هذه العلاقة بوضوح. فعندما اندلعت الحرب في أبريل/نيسان 2023، فر مئات الآلاف من السودانيين، ولا سيما من غرب دارفور، إلى شرق تشاد. وبحلول الأشهر الأولى من الحرب، كان حجم اللجوء قد أصبح ضغطاً هائلاً على الموارد المحدودة للمجتمعات التشادية الحدودية. ووثقت هيومن رايتس ووتش أن أكثر من 300 ألف شخص عبروا إلى تشاد منذ بدء الحرب في وقت مبكر من عام 2023، بينما تجاوز العدد لاحقاً مئات الآلاف، في سياق كانت فيه تشاد أصلاً تستضيف أعداداً كبيرة من اللاجئين وتواجه احتياجات إنسانية مرتفعة (Human Rights Watch, 2024).

وفي هذا السياق، فإن الحدود ليست فقط ممراً للسلاح؛ إنها أيضاً ممر للمدنيين واللاجئين والمساعدات الإنسانية والسلع والماشية والوقود والذهب. وهذه الطبيعة المزدوجة تجعل الرقابة عليها شديدة الصعوبة. فإغلاق المعبر أمام المهربين يمكن أن يعرقل في الوقت نفسه حركة اللاجئين أو الغذاء، بينما السماح بحرية الحركة الإنسانية يخلق مساحة يمكن أن تستغلها شبكات عسكرية أو تجارية غير قانونية.

أما ليبيا، فقد تطورت علاقتها بالسودان من خلال جغرافيا مختلفة. فالجنوب الشرقي الليبي، وخصوصاً منطقة الكفرة، يمثل بوابة صحراوية باتجاه السودان وتشاد. ومنذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، أدى انقسام السلطة الليبية إلى ضعف القدرة على إدارة الصحراء الجنوبية على نحو مركزي. وفي المقابل، تمكنت قوات خليفة حفتر، التي تُعرف في الأدبيات الدولية باسم القوات المسلحة العربية الليبية أو LAAF، من بناء نفوذ واسع في الشرق والجنوب، بما في ذلك مناطق استراتيجية على طرق التجارة والتهريب.

ولذلك لم تكن العلاقة الليبية السودانية وليدة أبريل/نيسان 2023. فقد سبقت الحرب الحالية علاقات بين شبكات مسلحة وتجار ووسطاء وقوات حدودية وشبكات تهريب الوقود والذهب والمركبات. وتوضح دراسة Chatham House أن التهريب عبر ليبيا يعكس بدرجة كبيرة النفوذ السياسي والاقتصادي والأمني للقوات المتحالفة مع حفتر في الجنوب الليبي، وأن تهريب الوقود من جنوب ليبيا ازداد منذ عام 2022 نتيجة السيطرة النخبوية على قطاع النفط والدعم الواسع الذي يوفره نظام الدعم للوقود الليبي لشبكات التهريب (Soliman & Baldo, 2025).

وهكذا تشكلت قبل الحرب بنية إقليمية جاهزة نسبياً: حدود برية واسعة، طرق صحراوية قديمة، شبكات قبلية، اقتصاد تهريب، سلطة حكومية غير مكتملة، ومراكز قوة مسلحة قادرة على السيطرة على مناطق استراتيجية. وعندما اندلعت الحرب السودانية، لم يكن مطلوباً إنشاء هذه الشبكة من الصفر؛ بل كان المطلوب إعادة توجيهها نحو خدمة أطراف الحرب.

الفصل الثاني: تشاد بوصفها عمقاً لوجستياً متغيراً — أم جرس وإنجمينا وأبشي والطرق إلى دارفور

تتالت منذ الأشهر الأولى للحرب اتهامات الحكومة السودانية لتشاد بالسماح باستخدام أراضيها ومطاراتها في نقل الدعم إلى قوات الدعم السريع، بينما نفت نجامينا تقديم دعم عسكري للقوات المتحاربة، وأكدت أن عملياتها مرتبطة بالمساعدات الإنسانية واستضافة اللاجئين. ويجب التعامل مع هذه المسألة باعتبارها واحدة من أكثر ملفات الحرب تعقيداً، لأن وجود طائرات شحن قادمة من الإمارات أو دول أخرى في مطار تشادي لا يثبت وحده أن كل حمولة كانت عسكرية، كما أن وجود مستشفى ميداني إماراتي في أم جرس لا يثبت وحده استخدامه العسكري. غير أن تراكم بيانات الرحلات وصور الأقمار الصناعية والشهادات الميدانية والتحقيقات الدولية أدى إلى ظهور صورة أكثر إثارة للقلق من مجرد عملية إغاثية عادية (United Nations Panel of Experts, 2024؛ Human Rights Watch, 2024).

كان مطار أم جرس في إقليم إنيدي الشرقي أحد أبرز عناصر هذه الصورة. ففي يوليو/تموز 2023 أعلنت الإمارات إنشاء مستشفى ميداني في أم جرس لدعم اللاجئين السودانيين، وهو هدف إنساني مشروع في ذاته، خصوصاً أن مئات الآلاف من السودانيين عبروا إلى تشاد. لكن المطار شهد في الوقت نفسه زيادة كبيرة في الرحلات الجوية القادمة من الإمارات. وبحسب هيومن رايتس ووتش، أقرّت الإمارات في ديسمبر/كانون الأول 2023 بوجود 122 رحلة شحن من الإمارات إلى تشاد تحمل نحو 2500 طن من المساعدات، بينما أثارت جهات إنسانية وأسئلة استخباراتية تساؤلات حول مدى توافق حجم حركة الشحن مع الاحتياجات الفعلية لمستشفى ميداني صغير نسبياً (Human Rights Watch, 2026).

وفي يناير/كانون الثاني 2024، أورد فريق خبراء الأمم المتحدة أن مصادر محلية وإدارية ومسلحة في شرق تشاد ودارفور تحدثت عن وصول أسلحة إلى مطار أم جرس ثم نقلها بواسطة قوافل شاحنات باتجاه الحدود السودانية، حيث تسلمتها قوات الدعم السريع. وهذه نقطة مهمة منهجياً: التقرير لم يقدم هذه المعلومة بوصفها مجرد إشاعة صحفية، بل ضمن عملية جمع أدلة من مصادر متعددة، لكنه في الوقت نفسه حافظ على التحفظ بشأن قدرة الفريق على إثبات محتوى كل رحلة أو كل شحنة بصورة مستقلة (United Nations Panel of Experts, 2024).

وفي ديسمبر/كانون الأول 2024 نشرت رويترز تحقيقاً اعتمد على بيانات الطيران وصور الأقمار الصناعية، وقالت إن 86 رحلة شحن على الأقل من الإمارات هبطت في أم جرس منذ بداية الحرب، مع وجود صلات بين بعض شركات الطيران المستخدمة وشبكات سبق أن ربطتها لجنة خبراء الأمم المتحدة بشأن ليبيا بنقل معدات إلى القوات المتحالفة مع خليفة حفتر. وفي المقابل، نفت الإمارات أن تكون الرحلات مخصصة لتسليح الدعم السريع، وأكدت أنها رحلات إنسانية (Reuters, 2024).

ويكتسب هذا المسار أهميته بسبب موقع أم جرس. فالمطار يقع في أقصى شرق تشاد، بالقرب من دارفور، ويتيح نظرياً نقل الحمولة جواً ثم إعادة توزيعها براً عبر شاحنات. وهذا يختلف جذرياً عن نقل الإمدادات جواً مباشرة إلى مناطق القتال؛ إذ يمكن تفريغ الشحنة في دولة ثالثة ثم نقلها براً عبر شبكة من السائقين والوسطاء والطرق الصحراوية. وتسمح هذه الطريقة بتقسيم سلسلة الإمداد إلى حلقات منفصلة، بحيث يصعب على المحققين تحديد المسؤولية الكاملة عن الشحنة منذ مصدرها حتى وصولها إلى وحدات قتالية محددة.

وكانت إنجمينا وأبشي أيضاً جزءاً من البيئة اللوجستية الإقليمية، لكنهما لا ينبغي أن توصفا ببساطة بأنهما «قواعد عسكرية للدعم السريع». فالعاصمة التشادية مركز سياسي وتجاري وجوي، وأبشي مركز مهم في شرق البلاد، وكلاهما يقعان ضمن دولة لها احتياجات أمنية وإنسانية خاصة بها. ومع ذلك فإن وجود شبكة من الرحلات والشاحنات والوسطاء يجعل من الصعب الفصل دائماً بين التجارة المدنية والتدفقات المرتبطة بالحرب.

وتشير الأدلة الأحدث إلى أن أهمية أم جرس لم تبق ثابتة. فقد أفادت هيومن رايتس ووتش بأن أم جرس كانت نقطة مهمة في مسار نقل الأسلحة والمعدات خلال الفترة الممتدة تقريباً من منتصف 2023 إلى منتصف 2024، ثم تراجعت أهميتها منذ منتصف 2024 مع بروز نيالا ومسارات جنوب ليبيا بوصفها نقاط عبور مهمة في شبكات الدعم، كما أفادت بأن المستشفى الميداني أغلق في فبراير/شباط 2026، مع بقاء عدم اليقين بشأن ما إذا كان المطار لا يزال يستخدم كنقطة نقل عسكري (Human Rights Watch, 2026).

وهذا التطور مهم جداً لأنه يمنع بناء التحليل على صورة جامدة للحرب. فشبكات الإمداد تتكيف باستمرار مع الضربات الجوية، وتغير السيطرة على الحدود، والضغوط الدبلوماسية، وتطور وسائل الرصد الجوي، وظهور طرق بديلة. ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس «هل كانت أم جرس قاعدة للإمداد؟» فقط، بل «كيف تغيرت وظيفة أم جرس داخل شبكة إمداد متحركة؟».

الفصل الثالث: «الفزعة» والنفير والقرابة عبر الحدود — كيف تتحول الجغرافيا الاجتماعية إلى قدرة لوجستية؟

يمثل مفهوم «الفزعة» أو «النفير» أحد المفاتيح الاجتماعية لفهم بعض أشكال الدعم غير الرسمي في البيئة الممتدة بين دارفور وتشاد وجنوب ليبيا. لكن استخدام هذا المفهوم يحتاج إلى قدر كبير من الحذر حتى لا يتحول التحليل إلى تفسير قبلي اختزالي للحرب. فالدعم السريع نفسه ليس مجرد تنظيم قبلي، كما أن جميع القبائل العربية أو الرزيقات أو المجتمعات الممتدة في تشاد وليبيا ليست كتلة واحدة تؤيد محمد حمدان دقلو «حميدتي». وقد شهدت دارفور نفسها تحالفات وانقسامات داخل المجموعة الاجتماعية الواحدة.

مع ذلك، توفر الروابط القرابية والاجتماعية العابرة للحدود بنية مهمة لتسهيل الحركة. ففي المناطق الصحراوية، حيث تكون المؤسسات الرسمية محدودة، يستطيع شخص يعرف الطريق، أو يعرف شيخاً محلياً، أو يمتلك صلة بتاجر وقود أو مالك شاحنات، أن يقدم خدمة لوجستية أكثر فعالية من مؤسسة بيروقراطية رسمية. ولا يعني ذلك أن كل هذه الأنشطة عسكرية؛ فالتجارة والرعي والتهريب وحركة الأشخاص كلها تستخدم الطرق نفسها.

وتزداد أهمية هذه الشبكات في الحرب لأن قوات الدعم السريع بنت تاريخياً جزءاً من قدرتها على الحركة السريعة على عربات الدفع الرباعي والمركبات المسلحة. ولذلك فإن توفير الوقود والمركبات وقطع الغيار والسائقين لا يقل أهمية عن توفير السلاح نفسه. فالذخيرة التي لا تصل إلى المقاتل لا قيمة عملياتية لها، والمركبة التي لا تملك وقوداً تتحول إلى عبء، والطائرة المسيرة التي لا يتوفر لها طاقم ومكونات تشغيلية تصبح غير فعالة.

كما أن الحدود القبلية والاجتماعية لا تتطابق مع الحدود السياسية. وقد ساعد هذا الواقع تاريخياً على حركة الماشية والتجارة، لكنه في ظروف الحرب يسمح أيضاً بانتقال المقاتلين والأسلحة والأموال. وهنا تصبح «الفزعة» أقل شبهاً بتعبئة عفوية وأكثر شبهاً بشبكة اجتماعية يمكن أن تستغلها شبكات سياسية وعسكرية واقتصادية.

غير أن هذه الشبكات لا تعمل في اتجاه واحد. فقد توجد جماعات عبر الحدود نفسها ترفض الدعم السريع بسبب ما تعرضت له مجتمعاتها في دارفور من انتهاكات. وتُظهر الانتهاكات ضد المساليت في غرب دارفور، على سبيل المثال، أن الروابط العابرة للحدود قد تكون مصدراً للمعارضة بقدر ما تكون مصدراً للتأييد. وقد وثقت هيومن رايتس ووتش عمليات قتل جماعي ونهب وحرق وتهجير في غرب دارفور منذ الأشهر الأولى للحرب، بما في ذلك هجمات على مستيري ومورني وسيربا (Human Rights Watch, 2024).

ومن ثم فإن العلاقة بين القبيلة واللوجستيات ليست علاقة سببية بسيطة. الأفضل وصفها بأنها «بنية تمكينية». فهي تقلل تكلفة المعاملات، وتوفر الثقة والمعلومات، وتسمح بتجاوز بعض القيود الرسمية، لكنها تحتاج إلى المال والسلطة والسلاح حتى تتحول إلى قدرة عسكرية. وهنا يتداخل المستوى الاجتماعي مع اقتصاد الحرب: فالذهب يدفع ثمن الوقود، والوقود يحرك الشاحنات، والشاحنات تنقل المقاتلين أو المعدات، والمقاتلون يسيطرون على مناطق إنتاج الذهب، ثم يعاد تصدير الذهب عبر الشبكات نفسها.

الفصل الرابع: حفتر والكفرة والجنوب الليبي — من سوق التهريب إلى ممر استراتيجي متغير

يمثل الدور الليبي، ولا سيما دور القوات المسيطرة على شرق وجنوب ليبيا، إحدى أهم حلقات الشبكة الإقليمية، لكنه أيضاً أكثر الحلقات التي تحتاج إلى تحديث وتصحيح في النصوص المتداولة. فقد أشارت دراسات موثوقة إلى أن قوات حفتر وحلفاءها المحليين لعبوا دوراً في تجارة الوقود غير الرسمية، وأن قوات الدعم السريع استفادت من الوقود القادم من جنوب ليبيا قبل الحرب وفي بداياتها. لكن الوضع تغير بعد أغسطس/آب 2023، عندما فقد الدعم السريع السيطرة على الحدود السودانية الليبية لصالح القوات المسلحة السودانية والقوات المتحالفة معها؛ ولذلك لا يصح وصف مسار جنوب ليبيا إلى مناطق الدعم السريع بأنه ظل طوال الحرب «الشريان الرئيسي» من دون قيد زمني (Soliman & Baldo, 2025).

وتشير دراسة Chatham House إلى أن قوات حفتر وحلفاء محليين مثل «سبل السلام» يرجح أنهم قدموا الوقود للدعم السريع قبل الحرب وبعد بدايتها بفترة قصيرة، ضمن ترتيبات تجارية وأمنية أوسع. لكنها تشير في الوقت نفسه إلى أن السيطرة على الحدود تغيرت في أغسطس/آب 2023، فأصبحت تدفقات الوقود القادمة من ليبيا تصل بدرجة أكبر إلى مناطق متحالفة مع القوات المسلحة السودانية بدلاً من مناطق الدعم السريع (Soliman & Baldo, 2025).

وهذا التصحيح مهم لأنه يوضح أن «الدعم» ليس ثابتاً. ففي الحرب الحديثة قد تكون نقطة العبور مفيدة في مرحلة، ثم تصبح غير صالحة بعد تغير السيطرة العسكرية. وتستجيب شبكات التهريب لهذا التغيير بإنشاء طرق جديدة أو استخدام وسطاء مختلفين أو نقل السلع عبر دولة ثالثة.

وتزداد أهمية ليبيا عندما ننظر إلى شبكات المقاتلين الأجانب. فقد وثقت هيومن رايتس ووتش في تقريرها الصادر في مايو/أيار 2026 مسارات انتقال متعاقدين عسكريين كولومبيين إلى دارفور عبر الإمارات ثم شرق ليبيا، كما وثقت مسارات أخرى عبر الإمارات وبوصاصو ثم نجامينا. ويكشف ذلك أن ليبيا لم تكن مجرد ممر شاحنات، بل أصبحت إحدى محطات «جسر جوي ـ بري» متعدد الدول لتعبئة المقاتلين (Human Rights Watch, 2026).

وتكشف هذه الوقائع أيضاً عن تغير طبيعة الحرب. ففي الحروب التقليدية تكون الدولة هي التي تجند الجيش وتنقله إلى الجبهة. أما في السودان، فإن جزءاً من القوة القتالية أصبح يمكن نقله بواسطة شركات أمنية خاصة ووكالات توظيف وشركات طيران ومطارات مدنية أو شبه عسكرية، ثم إيصاله إلى مناطق القتال عبر سلسلة من الوسطاء.

ويضيف اقتصاد الوقود بعداً آخر. فقد كشفت The Sentry في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 عن توسع كبير في تهريب الوقود الليبي، وقدرت الخسائر التي تكبدتها الدولة الليبية بسبب هذا النشاط بنحو 6.7 مليار دولار في عام 2024 وحده، مع اتهامات لشبكات مرتبطة بمراكز قوة في شرق وغرب ليبيا بتحويل كميات ضخمة من الوقود المدعوم إلى أسواق خارجية، بينها شبكات مرتبطة بالسودان (The Sentry, 2025).

ومن ثم فإن الوقود لا ينبغي فهمه باعتباره مجرد «هدية» من حفتر إلى الدعم السريع. إنه جزء من اقتصاد غير رسمي أوسع يستفيد من الفارق بين السعر المدعوم في ليبيا والسعر في الأسواق المجاورة، وتدخل فيه مصالح سياسية وأمنية وتجارية. ويمكن أن تستفيد منه جماعات مختلفة في أوقات مختلفة، وهو ما يجعل تتبع المسؤولية أكثر تعقيداً من تتبع شحنة سلاح تقليدية.

الفصل الخامس: الجسر الجوي والشركات والمرتزقة — تدويل القوة القتالية للدعم السريع

كشفت التطورات الأخيرة أن الشبكات الإقليمية لم تكن مخصصة لنقل السلاح والوقود فقط، بل شملت أيضاً نقل مقاتلين أجانب ومتعاقدين عسكريين. ويُعد هذا التحول بالغ الأهمية لأن الحرب السودانية بدأت بوصفها صراعاً بين قوات سودانية، لكنها استوعبت لاحقاً عناصر عابرة للحدود، بما في ذلك متعاقدون عسكريون من أمريكا اللاتينية.

وقد نشرت هيومن رايتس ووتش في مايو/أيار 2026 تحقيقاً واسعاً حول نشر متعاقدين عسكريين كولومبيين إلى جانب قوات الدعم السريع. واستند التحقيق إلى مقابلات مع متعاقدين، ومصادر مطلعة، وتحليل مواد منشورة على وسائل التواصل الاجتماعي، وصور أقمار صناعية، ووثائق وتراخيص، إضافة إلى مراجعة تقارير إعلامية. وخلصت المنظمة إلى وجود أدلة تشير إلى أن شركة أمنية مقرها أبوظبي، هي Global Security Services Group، تبدو مرتبطة بعملية توظيف ونقل هؤلاء المتعاقدين (Human Rights Watch, 2026).

وبحسب التقرير، بدأ تجنيد بعض المتعاقدين في كولومبيا منذ أغسطس/آب 2024، وتشير المعلومات التي جمعتها المنظمة إلى نشر ما لا يقل عن 300 متعاقد كولومبي بحلول أغسطس/أيلول 2024، مع ارتفاع العدد لاحقاً وفق مصادر إعلامية ومصادر تحدثت إلى المنظمة. كما تشير الأدلة إلى أن بعضهم تلقى تدريباً أو مر عبر منشآت داخل الإمارات قبل الانتقال إلى السودان (Human Rights Watch, 2026).

وتبرز هنا ثلاثة مسارات رئيسية. المسار الأول مر عبر شرق ليبيا: الإمارات ثم بنغازي ثم الانتقال البري نحو دارفور. المسار الثاني مر عبر بوصاصو في بونتلاند ثم الإمارات ثم تشاد ثم السودان. والمسار الثالث مر مباشرة من الإمارات إلى نجامينا ثم إلى نيالا. وتوضح هذه المسارات كيف تعمل الحرب عبر «سلسلة لوجستية» لا عبر طريق واحد ثابت (Human Rights Watch, 2026).

كما وثقت المنظمة مقاطع تظهر وجود متعاقدين أجانب في دارفور، وأشارت إلى أن بعض المتعاقدين شاركوا في عمليات قتالية حول الفاشر، بينما تحدثت مصادر إعلامية عن مشاركتهم في تدريب عناصر من الدعم السريع. وهذه المعلومات لا تعني أن كل الأجانب المشار إليهم كانوا جزءاً من عملية واحدة، لكنها تشير إلى تحول جوهري: أصبحت سوق القوة العسكرية العابرة للحدود جزءاً من اقتصاد الحرب السوداني.

أما التقرير الأصلي فقد أشار إلى طائرات شحن من طرازات مختلفة، بينها Boeing 727 وBoeing 737، وإلى استخدام الطيران المدني أو التجاري في بعض حلقات النقل. ويجب هنا التمييز بين ما أثبتته التحقيقات المختلفة. فوجود طائرة أو مسار جوي لا يعني وحده أن كل حمولة كانت عسكرية، ولذلك ينبغي ربط بيانات الرحلات بصور الأقمار الصناعية وشهادات العاملين والوثائق وغيرها من القرائن.

ويكشف هذا النمط عن تحول الحرب من تعبئة محلية إلى «سوق أمنية إقليمية». فالمرتزق أو المتعاقد قد يجند في كولومبيا، ويتلقى التدريب أو يمر عبر الإمارات، ثم ينتقل إلى ليبيا أو تشاد، ثم يدخل دارفور. وهذا يعني أن سلسلة الحرب قد تمتد آلاف الكيلومترات قبل أن يصل المقاتل إلى ساحة المعركة.

وفي هذا السياق، يصبح دور الشركات مهماً بقدر دور الدول. فالشركات تستطيع استئجار الطائرات، وتوظيف العمال، وتنظيم التدريب، واستئجار الشاحنات، وفتح حسابات مصرفية، وإنشاء كيانات قانونية. وهذا يجعل شبكات الحرب أكثر قدرة على مقاومة العقوبات التقليدية التي تستهدف الحكومات أو الجماعات المسلحة فقط.

الفصل السادس: الذهب والوقود والمركبات — اقتصاد الحرب الذي يحول الموارد السودانية إلى قدرة عسكرية

لا يكتمل فهم الدور التشادي والليبي من دون دراسة الاقتصاد الذي يمول الشبكة. ويأتي الذهب في مقدمة هذا الاقتصاد. فالدراسات الحديثة تشير إلى أن الذهب أصبح أحد أهم مصادر دخل أطراف الحرب، وأن التجارة متعددة المليارات حول الذهب تربط المنتجين والعمال والتجار والمهربين والجماعات المسلحة والحكومات والأسواق الدولية (Soliman & Baldo, 2025).

وكانت السيطرة على الذهب أحد عناصر الصراع حتى قبل الحرب. فقد تنافست القوات المسلحة السودانية والدعم السريع على الموارد الاقتصادية، بما فيها الذهب، خلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط عمر البشير في أبريل/نيسان 2019، وتصاعد التنافس حتى انقلاب أكتوبر/تشرين الأول 2021، ثم اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023 (Soliman & Baldo, 2025).

وتشير Chatham House إلى أن معظم الذهب المنتج في السودان يأتي من التعدين الحرفي والصغير النطاق، وأن جزءاً كبيراً منه ينتهي في الإمارات، إما مباشرة أو بصورة غير مباشرة عبر دول مجاورة مثل تشاد ومصر وإريتريا وجنوب السودان. وهذه البنية تعني أن الحدود ليست مجرد نقاط عبور جغرافي، وإنما جزء من النظام المالي الذي يحول الذهب إلى سيولة يمكن استخدامها في شراء السلاح والوقود والغذاء والمعدات (Soliman & Baldo, 2025).

وفي مناطق سيطرة الدعم السريع، برزت طرق من شمال دارفور وجنوب دارفور نحو تشاد وغيرها. وتشير Chatham House إلى أن جزءاً مهماً من ذهب شمال دارفور يُهرب من مناطق الدعم السريع إلى تشاد ثم يعاد تصديره إلى الإمارات، وأن السيطرة على طرق الحدود مع تشاد أصبحت ذات أهمية عسكرية واقتصادية لأنها تربط الذهب بالإمدادات (Soliman & Baldo, 2025).

وتبرز هنا منطقة جبل عامر في شمال دارفور باعتبارها إحدى أشهر مناطق الذهب المرتبطة باقتصاد الحرب. كما توجد مناطق تعدين أخرى في دارفور وجنوب كردفان. ولا يعني ذلك أن كل الذهب الخارج من هذه المناطق هو «ذهب للدعم السريع»، لأن قطاع الذهب يضم عمالاً وتجاراً ووسطاء ومدنيين، كما أن عمليات السيطرة والضرائب والتهريب تختلف من منطقة إلى أخرى. لكن السيطرة المسلحة على مناطق التعدين والمعابر تمنح الجماعات المسلحة قدرة أكبر على فرض الإتاوات والسيطرة على التجارة.

وتأتي تشاد في هذه السلسلة بوصفها دولة عبور. فقد وثقت تقارير بحثية وإعلامية مسارات تمر من مناطق دارفور إلى الطينة السودانية والطينة التشادية ثم إلى مراكز تجارية داخل تشاد، ومن هناك يمكن أن ينتقل الذهب إلى الأسواق الدولية، بما فيها الإمارات. وتشير Chatham House إلى أن الإمارات أصبحت أحد أهم مراكز تجارة الذهب السوداني والأفريقي، وأن اقتصاد الحرب السوداني أصبح مرتبطاً بها مالياً وتجارياً بصورة عميقة (Soliman & Baldo, 2025).

ويظهر «الذهب مقابل السلاح» هنا باعتباره وصفاً تحليلياً لسلسلة اقتصادية، وليس بالضرورة دليلاً على وجود صفقة مباشرة واحدة يكون فيها كيلوغرام من الذهب مقابل كمية محددة من الأسلحة. فالأكثر دقة هو القول إن الذهب يوفر إيرادات، والإيرادات توفر العملات الصعبة والسيولة، والسيولة تمول شراء الوقود والمركبات والمعدات والأسلحة والخدمات اللوجستية.

وفي المقابل، يمثل الوقود مورداً عسكرياً حاسماً. فالدعم السريع يعتمد بدرجة كبيرة على قوات متنقلة ومركبات دفع رباعي، ولذلك فإن توفر البنزين والديزل يمكن أن يؤثر مباشرة في قدرة القوات على شن الهجمات وإعادة الانتشار ونقل الإمدادات. وتشير The Sentry إلى أن تهريب الوقود الليبي توسع بشدة، وأن شبكات التهريب استفادت من الدعم الحكومي الهائل للوقود ومن فروق الأسعار بين السوق الليبية والأسواق الخارجية (The Sentry, 2025).

وتكمل المركبات هذه الحلقة. فقد أصبح استخدام سيارات Toyota Land Cruiser وغيرها من مركبات الدفع الرباعي جزءاً معروفاً من نمط الحرب في دارفور، حيث تسمح المركبات السريعة بالتحرك في مناطق صحراوية واسعة. وبالتالي فإن شراء المركبات ونقلها عبر ليبيا وتشاد ليس تفصيلاً ثانوياً، بل جزء من البنية الأساسية للقوة العسكرية.

وتوضح هذه السلسلة لماذا لا يمكن فصل «الاقتصاد» عن «اللوجستيات» عن «المعركة». فالمعدن يتحول إلى أموال، والأموال إلى وقود، والوقود إلى حركة، والحركة إلى قدرة على السيطرة على المناجم والمعابر، والسيطرة تعيد إنتاج الإيرادات. إنها دائرة اقتصادية عسكرية ذاتية التعزيز.

الفصل السابع: الإمارات في قلب الشبكة الإقليمية — بين الأدلة المتراكمة والنفي الرسمي

يُعد الدور الإماراتي أحد أكثر الملفات حساسية في الحرب السودانية. فالإمارات تنفي بصورة مستمرة تقديم دعم عسكري لقوات الدعم السريع، وتؤكد أنها تدعم وقف الحرب والمساعدات الإنسانية. ويجب أن يظل هذا الموقف جزءاً من السجل التوثيقي عند تقييم الأدلة، خصوصاً لأن بعض الاستنتاجات المتعلقة بالمسؤولية المباشرة للدولة تتطلب مستوى إثبات أعلى من مجرد إثبات وجود علاقات تجارية أو رحلات جوية.

لكن الأدلة المتراكمة من جهات مستقلة أصبحت أوسع بكثير من مجرد الاتهامات السياسية السودانية. ففي تقريرها لعام 2024، قالت لجنة خبراء الأمم المتحدة إن المزاعم المتعلقة بالدعم الإماراتي للدعم السريع كانت ذات مصداقية، وناقشت عمليات نقل أسلحة وذخائر إلى دارفور. كما ربطت التحقيقات اللاحقة بين رحلات من الإمارات إلى أم جرس وبين مسارات إمداد يشتبه في ارتباطها بالدعم السريع (United Nations Panel of Experts, 2024؛ Reuters, 2024).

وقالت هيومن رايتس ووتش في 2024 إن تقارير عن شحنات أسلحة من الإمارات إلى الدعم السريع عبر تشاد ظهرت منذ يونيو/حزيران 2023، وإن أكثر من 100 رحلة شحن رُصدت بين مايو/أيار وسبتمبر/أيلول 2023 باتجاه أم جرس، بينما أشارت إلى أن لجنة خبراء الأمم المتحدة الخاصة بليبيا كانت قد وثقت سابقاً استخدام بعض شركات الطيران نفسها في جسور جوية لدعم قوات حفتر (Human Rights Watch, 2024).

وفي ديسمبر/كانون الأول 2024، نشرت رويترز تحقيقاً استند إلى بيانات الرحلات وصور الأقمار الصناعية بشأن 86 رحلة شحن على الأقل من الإمارات إلى أم جرس منذ بداية الحرب، مع وجود قرائن تربط بعض الشركات بمسارات سابقة مرتبطة بليبيا (Reuters, 2024).

أما في مايو/أيار 2026، فقد قدم تقرير هيومن رايتس ووتش طبقة جديدة من الأدلة بشأن المتعاقدين الكولومبيين، إذ أشار إلى استخدام منشآت إماراتية، ووجود علاقات بين شركة أمنية مقرها أبوظبي وبين مؤسسات وشخصيات إماراتية، ثم انتقال بعض المتعاقدين عبر ليبيا أو تشاد إلى دارفور. وخلصت المنظمة إلى أن الأدلة تشير إلى عملية تبدو مدعومة من الإمارات، مع الإقرار بأن الإمارات تنفي هذه الاتهامات (Human Rights Watch, 2026).

كما أن علاقة الإمارات بحفتر ليست جديدة. فقد بنت أبوظبي منذ سنوات علاقة سياسية وأمنية قوية مع معسكر حفتر، وهو ما يفسر لماذا تظهر أحياناً شركات أو خطوط طيران أو بنى تحتية مرتبطة بليبيا في مسارات الحرب السودانية. ولكن ينبغي تجنب القفزة المنطقية التي تفترض أن كل علاقة إماراتية بحفتر تعني تلقائياً أن كل عملية ينفذها حفتر في السودان صادرة بأمر إماراتي. المطلوب علمياً هو تتبع كل حلقة على حدة.

وتبرز أهمية هذا التحفظ لأن العلاقة بين الدول والجماعات المسلحة قد تكون علاقة «تأثير» وليست دائماً علاقة «قيادة مباشرة». وقد تقدم دولة ما التمويل أو التدريب أو السلاح، بينما تتخذ القوة المحلية قرار استخدامه في ظرف معين. ومن منظور القانون الدولي، تختلف مسؤولية الدولة عن مسؤولية الجماعة المسلحة، كما تختلف المسؤولية السياسية عن المسؤولية الجنائية الفردية.

ومع ذلك، فإن تراكم الأدلة يجعل من الصعب تفسير الشبكة كلها بوصفها سلسلة من الصدف المستقلة. فهناك تقاطع بين الرحلات الجوية، والطرق البرية، وشركات النقل، والذهب، والوقود، والمقاتلين، والعلاقات الإماراتية الليبية، وهو ما يبرر دراسة هذه الظواهر باعتبارها «منظومة إقليمية» بدلاً من أحداث منفصلة.

الفصل الثامن: النفي الرسمي والتباين الداخلي — لماذا لا تكفي البيانات الحكومية لفهم الشبكة؟

حافظت تشاد على نفي تقديم دعم عسكري لقوات الدعم السريع، وأكدت أن وجود الرحلات الإماراتية والمستشفى في أم جرس يرتبط بالمساعدات الإنسانية. كما أن الإمارات رفضت الاتهامات المتعلقة بتقديم السلاح للدعم السريع. ومن الناحية المنهجية، يجب تسجيل هذه المواقف وعدم إسقاطها من التحليل، لأنها تمثل مواقف الأطراف نفسها وتحدد طبيعة النزاع الدبلوماسي.

لكن المشكلة الأساسية هي أن الدولة ليست دائماً فاعلاً واحداً. فقد توجد مؤسسات أمنية، ومسؤولون محليون، وقوات مسلحة، وقادة قبليون، وشركات خاصة، وشبكات تهريب تعمل بدرجات مختلفة من الاستقلال عن الحكومة المركزية. وهذا ينطبق بصورة خاصة على ليبيا، حيث لا توجد سلطة عسكرية وطنية موحدة تسيطر على كل الأراضي، كما ينطبق بدرجات مختلفة على تشاد بسبب اتساع أراضيها وضعف الموارد المتاحة لمراقبة الحدود.

وفي تشاد، تفرض الأزمة الإنسانية أيضاً قيوداً على السياسة الأمنية. فالدولة التي تستضيف أعداداً ضخمة من اللاجئين السودانيين تحتاج إلى مطارات وممرات إنسانية ومخازن وقوافل. ولذلك يمكن للبنية التحتية الإنسانية أن تصبح في الوقت نفسه هدفاً للشكوك الأمنية، حتى عندما تكون بعض عملياتها إنسانية بالفعل. وهذه إحدى المعضلات الأساسية في النزاعات الحديثة: نفس المطار قد يستخدم لاستقبال الغذاء والدواء، وقد تستخدم مرافقه أو محيطه لأغراض أخرى.

وقد يؤدي الضغط العسكري السوداني على تشاد إلى نتائج عكسية. فإذا شعرت نجامينا بأن أراضيها أصبحت هدفاً عسكرياً محتملاً، فقد تشدد الرقابة أو تعيد توزيع شبكاتها، لكن ذلك قد يدفع المهربين إلى طرق أكثر سرية. ولهذا فإن الضربات الجوية أو التهديدات العسكرية لا تكفي وحدها لقطع اقتصاد الحرب.

كما أن العلاقة بين تشاد والدعم السريع ليست محكومة فقط بعلاقة الحكومة المركزية بحميدتي. فوجود ملايين أو مئات الآلاف من اللاجئين السودانيين، وتداخل المجتمعات الحدودية، وخوف الحكومة التشادية من انتقال الحرب إلى أراضيها، كلها عوامل تدفعها إلى اتخاذ سياسة حذرة. ويمكن أن يجتمع في السياسة نفسها هدفان متناقضان ظاهرياً: منع انتقال الحرب إلى تشاد، والحفاظ على قنوات اتصال مع الأطراف السودانية المختلفة.

وفي ليبيا، تبدو المشكلة أكثر تعقيداً لأن السيطرة الفعلية على الأرض مجزأة. ولذلك فإن تحليل «الموقف الليبي» باعتباره موقفاً واحداً يخفي دور معسكر حفتر، والقوات المحلية في الجنوب، والشبكات التجارية، والمهربين، وشركات النفط، والجماعات المسلحة.

ويؤكد ذلك اقتصاد الوقود. فتقرير The Sentry عن تهريب الوقود الليبي لا يصور الأمر كعملية واحدة تديرها جهة واحدة، بل يكشف منظومة واسعة تشمل أطرافاً من شرق ليبيا وغربها وشبكات مرتبطة بمصالح مختلفة (The Sentry, 2025).

ومن هنا فإن العبارة الأدق ليست «تشاد تدعم الدعم السريع» أو «ليبيا تدعم الدعم السريع»، بل: «توجد داخل تشاد وليبيا بيئات وممرات وشبكات وفاعلون سمحوا، بدرجات متفاوتة وفي فترات مختلفة، بمرور موارد ومقاتلين وخدمات استفادت منها قوات الدعم السريع». وهذه الصياغة أكثر توافقاً مع الأدلة وأكثر مقاومة للتعميم.

الفصل التاسع: لجنة خبراء الأمم المتحدة والتحقيقات الدولية — ما الذي نعرفه فعلاً وما الذي لا نعرفه؟

تُعد لجنة خبراء الأمم المتحدة المعنية بالسودان من أهم المصادر المؤسسية في توثيق انتهاكات حظر السلاح المفروض على دارفور منذ عام 2004، وقد أنشئت آلية الحظر بموجب قرارات مجلس الأمن، ثم تطورت ولايتها لتشمل رصد الانتهاكات والفاعلين والمسارات المرتبطة بالصراع.

وتتميز تقارير اللجنة بأنها لا تعتمد فقط على تصريحات الحكومات أو الجماعات المسلحة، بل تجمع بين مقابلات ومصادر محلية وتحليل رحلات وصور وأدلة ميدانية ومعلومات من أطراف متعددة. وفي يناير/كانون الثاني 2024 صدر التقرير النهائي للفريق الذي كان يضم خبراء متخصصين، وقدم إلى مجلس الأمن في الوثيقة S/2024/65 (United Nations Panel of Experts, 2024).

ومن أبرز ما يميز هذا التقرير أنه تعامل مع مسألة الدعم الخارجي بدرجات من اليقين. ففي بعض الحالات استخدمت اللجنة لغة قوية بشأن مصداقية المعلومات، وفي حالات أخرى أكدت أنها لم تتمكن من تحديد محتوى الشحنات بصورة قاطعة. وهذه ليست نقطة ضعف، بل علامة على الالتزام بالمنهج الإثباتي. فالمحقق الجيد لا يحول الشبهة إلى حقيقة لمجرد أنها تتوافق مع رواية سياسية معينة.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في حالة الرحلات الجوية. فإذا رُصدت طائرة شحن من دولة معينة وهبطت في مطار قريب من منطقة حرب، فهناك عدة احتمالات: مساعدات إنسانية، معدات طبية، قطع غيار، معدات مزدوجة الاستخدام، أو سلاح. ولإثبات أنها شحنة عسكرية يجب الجمع بين بيانات الطيران ومعلومات الحمولة والشهود وصور الأقمار الصناعية أو الأدلة اللاحقة على وصول المعدات.

وفي حالة أم جرس، أدى تراكم الأدلة إلى رفع مستوى القلق الدولي. فقد أضافت تحقيقات رويترز وهيومن رايتس ووتش إلى التقرير الأممي معلومات عن الرحلات والبنية التحتية للمطار، بينما ظلت الإمارات تؤكد أن نشاطها إنساني (Reuters, 2024؛ Human Rights Watch, 2024).

كما أن التحقيقات الحديثة المتعلقة بالمتعاقدين الكولومبيين أضافت نوعاً مختلفاً من الأدلة. فلم تعد القضية مقتصرة على شحنات السلاح، وإنما ظهرت مسارات انتقال بشرية منظمة، ووثائق هوية، ومقاطع فيديو، وصور لمواقع تدريب، وتحليل جغرافي للمسارات (Human Rights Watch, 2026).

وتكشف هذه الأدلة مجتمعة عن مشكلة أساسية في نظام العقوبات الدولية: يمكن للمجموعة المسلحة أن تستفيد من شبكة واسعة دون أن تكون كل حلقة فيها خاضعة مباشرة لها. فقد يتم شراء الوقود من سوق غير قانونية، ثم نقله بواسطة شركة خاصة، ثم تسليمه عبر وسيط، ثم استخدامه في مركبة عسكرية. وكلما زاد عدد الحلقات، أصبح تحديد المسؤولية القانونية أصعب.

ولذلك فإن تطوير آليات التتبع يجب أن ينتقل من نموذج «من أرسل السلاح؟» إلى نموذج «ما سلسلة الإمداد الكاملة؟». ويشمل ذلك الطائرة، وشركة الطيران، ومالكها المستفيد، والمطار، وشركة الشحن، والوسيط المالي، وشركة التأمين، والشاحنة، والمعبر الحدودي، والجهة المستلمة. وهذا هو الطريق الأكثر قدرة على كشف اقتصاد الحرب الحديث.

الفصل العاشر: التداعيات الإقليمية — مصر والدبلوماسية والحدود بوصفها جبهة استراتيجية

أفضت شبكة الدعم اللوجستي العابرة للحدود إلى تحركات دبلوماسية مضادة من دول إقليمية تخشى من تحول السودان إلى مركز دائم للصراع الإقليمي. وتبرز مصر بصورة خاصة بسبب حدودها المباشرة مع السودان، ومصالحها الأمنية في وادي النيل، وارتباطها التاريخي بمؤسسات الدولة السودانية، وقلقها من توسع الفاعلين المسلحين غير الحكوميين.

وتحاول القاهرة، في الوقت نفسه، الحفاظ على علاقاتها مع تشاد ومع القوى الإقليمية الأخرى، لأن معالجة الحرب لا يمكن أن تتم من خلال الخرطوم وحدها. فالحدود الغربية للسودان تمتد في بيئة شديدة التعقيد، وأي إغلاق كامل لها دون بديل إنساني يمكن أن يؤدي إلى زيادة معاناة المدنيين.

وتشير الأدلة البحثية إلى أن الصراع السوداني مرتبط بالقرن الأفريقي وشمال أفريقيا والساحل والخليج والبحر الأحمر في الوقت نفسه. ولهذا فإن الدول المجاورة لا تتعامل معه باعتباره نزاعاً سودانياً خالصاً، بل باعتباره جزءاً من التنافس على الموانئ والذهب والأمن والغذاء والنفوذ السياسي (Soliman, 2023).

وتتضاعف أهمية تشاد لأن استقرارها الداخلي مرتبط باستقرار دارفور. فإذا استمرت الحرب، فإن تدفقات اللاجئين ستستمر، كما ستستمر حركة الأسلحة والمهربين والمقاتلين. وإذا انهارت قدرة تشاد على إدارة حدودها، فإن التأثير لن يتوقف عند السودان وتشاد، بل قد يصل إلى ليبيا والنيجر وأفريقيا الوسطى.

ومن ناحية أخرى، فإن ليبيا تمثل نقطة اتصال بين شمال أفريقيا والساحل والسودان. وقد أصبح جنوب ليبيا منطقة تلتقي فيها تجارة الوقود، والتهريب، والمهاجرون، والجماعات المسلحة، وشبكات القوى الإقليمية. لذلك فإن أي سياسة دولية تريد قطع إمدادات الحرب السودانية يجب أن تتعامل مع الجنوب الليبي باعتباره جزءاً من النظام الإقليمي وليس مجرد منطقة صحراوية بعيدة.

أما الإمارات، فإن موقعها الاقتصادي في تجارة الذهب يجعلها أيضاً جزءاً من الحل المحتمل. وتشير Chatham House إلى أن معظم الذهب السوداني يصل في النهاية إلى الإمارات بصورة مباشرة أو عبر دول مجاورة، وأن الإمارات تمثل مركزاً مالياً وتجارياً بالغ الأهمية بالنسبة لسلسلة الذهب السوداني (Soliman & Baldo, 2025).

وهذا يعني أن وقف الحرب لا يتطلب فقط إغلاق الطرق البرية، وإنما يحتاج إلى إصلاح نظام تجارة الذهب نفسه. فإذا ظل الذهب المنتج في مناطق الحرب قادراً على الدخول إلى الأسواق العالمية دون تدقيق كافٍ في مصدره، فستظل الأطراف المسلحة قادرة على تحويل الموارد الطبيعية إلى تمويل عسكري.

الفصل الحادي عشر: من «جسر واحد» إلى شبكة متعددة العقد — إعادة تركيب النموذج اللوجستي للحرب

تكشف الأدلة مجتمعة أن وصف الدعم الإقليمي للدعم السريع باعتباره «جسراً» واحداً، سواء كان جسراً تشادياً أو ليبيا، أصبح غير كافٍ. النموذج الأدق هو شبكة متعددة العقد تتغير باستمرار. بعض العقد جوية، وبعضها برية، وبعضها مالية، وبعضها اجتماعية، وبعضها تجارية.

يمكن تصور هذه الشبكة في خمس طبقات مترابطة. الطبقة الأولى هي الإنتاج، وتشمل الذهب والوقود والسلع والمركبات. الطبقة الثانية هي التجميع، حيث تنتقل الموارد إلى مدن ومطارات ومراكز مثل أم جرس أو بنغازي أو مناطق جنوب ليبيا أو نجامينا أو مراكز تجارية حدودية. الطبقة الثالثة هي النقل، وتشمل الطائرات والشاحنات والقوافل والطرق الصحراوية. الطبقة الرابعة هي التمويل، حيث يتحول الذهب إلى سيولة أو أصول أو تحويلات مالية. والطبقة الخامسة هي الاستهلاك العسكري، حيث تتحول الموارد إلى مركبات ووقود وذخيرة ومقاتلين وقدرة على المناورة.

هذه البنية تفسر لماذا تستطيع الحرب الاستمرار حتى عندما يتعرض أحد خطوط الإمداد للضغط. فإذا أُغلق طريق تشاد، يمكن تحويل بعض التدفقات إلى جنوب ليبيا أو جنوب السودان. وإذا أصبح مطار ما مراقباً، يمكن استخدام مطار آخر. وإذا تعذر نقل مقاتلين مباشرة، يمكن إدخالهم من خلال دولة ثالثة.

وتوضح دراسة Chatham House أن الحرب نفسها أصبحت «منظومة صراع عابرة للحدود» ترتبط فيها شبكات السلطة الاقتصادية والعسكرية والسياسية، وأن الذهب يمثل إحدى أهم الآليات التي تربط مناطق الإنتاج بمراكز التجارة الإقليمية والدولية (Soliman, 2025).

ومن هذه الزاوية، لا يكفي قياس الدعم الخارجي بعدد الشاحنات أو الطائرات. يجب قياس «مرونة الشبكة». فقد تكون الشبكة التي تستطيع تغيير مسارها بسرعة أكثر تأثيراً من شبكة ضخمة لكنها تعتمد على معبر واحد. ولهذا فإن استمرار الحرب لا يعتمد فقط على حجم السلاح المتوفر، بل على قدرة الأطراف على إعادة تشكيل سلاسل الإمداد.

وتتصل هذه المرونة أيضاً بالقبيلة. فشبكات القرابة والثقة توفر «طبقة اجتماعية» تستطيع الشبكة اللوجستية استخدامها عندما تنتقل من منطقة إلى أخرى. لكن المال هو الذي يحول هذه الإمكانية إلى عمليات فعلية، بينما توفر الدولة أو الجماعة المسلحة الحماية، ويؤمن السوق الدولي الطلب على الذهب أو الوقود.

وبذلك يمكن صياغة اقتصاد الحرب السوداني في صورة دائرة:

الذهب والموارد الطبيعية → التجارة والتهريب → السيولة والعملات الصعبة → شراء الوقود والمركبات والسلاح والخدمات → زيادة القدرة العسكرية → السيطرة على الأراضي والمناجم والمعابر → مزيد من استخراج الموارد وتهريبها.

هذه الدائرة هي جوهر المشكلة. وإذا عولجت الحدود وحدها دون الذهب، أو الذهب دون الوقود، أو السلاح دون الشركات، فسوف تعيد الشبكة إنتاج نفسها.

الفصل الثاني عشر: من تشخيص الشبكة إلى تفكيكها — الدروس والسياسات القابلة للتنفيذ للسودان والإقليم

إن الدرس الأول هو أن معالجة الحرب السودانية تتطلب مقاربة إقليمية حقيقية. فالوساطة التي تتعامل مع القوات المسلحة السودانية والدعم السريع فقط وتتجاهل الدول والممرات والشركات والأسواق التي تمول الحرب ستظل ناقصة. وقد أكدت Chatham House أن إنهاء الحرب يتطلب إدماج البعد الإقليمي واقتصاد الذهب في أي استراتيجية للسلام (Soliman & Baldo, 2025).

الدرس الثاني هو ضرورة إنشاء آلية إقليمية لتتبع حركة الذهب السوداني. وينبغي أن تضم السودان وتشاد وليبيا ومصر وجنوب السودان وأفريقيا الوسطى، إضافة إلى الإمارات ومؤسسات دولية مختصة. ويجب ألا تكتفي الآلية ببيانات الصادرات الرسمية، لأن جزءاً مهماً من الذهب يمر عبر قنوات غير رسمية. المطلوب هو تتبع المصدر، والمنتج، والوسيط، والمشتري، والمصفاة، والجهة المالية.

الدرس الثالث هو فرض العناية الواجبة الإلزامية على الذهب القادم من مناطق النزاع. فلا ينبغي أن يكون كافياً أن يحمل الذهب وثيقة منشأ تشادية أو سودانية إذا كان من المستحيل التحقق من مصدره. ويجب أن تشمل أنظمة العناية الواجبة شركات التجارة والمصافي والبنوك وشركات النقل.

الدرس الرابع هو تعزيز الرقابة على الطيران والشحن. وينبغي إنشاء قاعدة بيانات مشتركة للرحلات التي تصل إلى المطارات الحدودية في تشاد وليبيا، مع تحليل ملكية الطائرات والجهات المستفيدة منها ومساراتها السابقة. ويجب مقارنة بيانات الطيران مع صور الأقمار الصناعية ومع حركة الشاحنات على الأرض.

الدرس الخامس هو استهداف الوسطاء بدلاً من الاقتصار على القادة. فقد أثبتت الحرب الحديثة أن الشركة التي تؤجر الطائرة، أو الشركة التي توظف المقاتلين، أو الوسيط الذي يحول الأموال، أو تاجر الوقود، قد يكون أكثر أهمية في استمرار الشبكة من قائد عسكري واحد. ولذلك يجب أن تشمل العقوبات المستفيدين الحقيقيين، والشركات الوهمية، وشركات الطيران، والوسطاء الماليين.

الدرس السادس هو أن العقوبات يجب أن تكون محددة ومرتبطة بالأدلة. فالهدف ليس معاقبة تشاد أو ليبيا كشعبين، ولا تجريم المجتمعات الحدودية التي تعيش من التجارة والرعي، وإنما استهداف الأشخاص والكيانات التي تثبت مشاركتها في نقل السلاح أو تمويله أو تسهيله.

الدرس السابع هو حماية الوظيفة الإنسانية للحدود. فلا يجوز أن يؤدي إغلاق الطرق أمام المهربين إلى إغلاق الطرق أمام اللاجئين والمساعدات. فقد أظهرت أزمة السودان أن تشاد تحملت ضغطاً إنسانياً ضخماً، وأن ملايين المدنيين السودانيين يعتمدون على الطرق الحدودية للوصول إلى الأمان والمساعدة. وأي سياسة أمنية لا تميز بين الممر الإنساني والممر العسكري يمكن أن تزيد الكارثة الإنسانية (Human Rights Watch, 2024).

الدرس الثامن هو ضرورة معالجة اقتصاد الوقود الليبي. فإذا بقيت أسعار الوقود المدعوم مختلفة بشدة عن أسعار الأسواق المجاورة، فستستمر الحوافز الاقتصادية للتهريب. ويشير تقرير The Sentry إلى أن تهريب الوقود أدى إلى خسائر ضخمة للدولة الليبية، وهو ما يؤكد أن المشكلة ليست سودانية فقط، وإنما جزء من أزمة اقتصاد سياسي ليبي أوسع (The Sentry, 2025).

الدرس التاسع هو تطوير آليات مساءلة للمتعاقدين العسكريين الخاصين. ويجب تسجيل الشركات التي تقوم بتوظيف مقاتلين سابقين ونقلهم إلى مناطق النزاع، وفحص تراخيصها ومصادر تمويلها وعلاقاتها بالدول. وتظهر قضية المتعاقدين الكولومبيين أن سوق الخدمات الأمنية الخاصة يمكن أن تتحول إلى قناة لنقل القوة العسكرية عبر الحدود (Human Rights Watch, 2026).

الدرس العاشر هو أن الحل السياسي السوداني يجب أن يتضمن اتفاقاً إقليمياً موازياً. فوقف إطلاق النار داخل السودان يمكن أن ينهار إذا استمرت الحدود في استقبال السلاح والوقود والمقاتلين. ولذلك يجب أن يتضمن أي اتفاق نهائي آلية للتحقق من وقف التدفقات الخارجية، وربط رفع العقوبات أو تخفيفها بالتزام الأطراف والدول الإقليمية.

الدرس الحادي عشر هو أن السودان يحتاج بعد الحرب إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة الحدودية، وليس فقط إعادة بناء الجيش والشرطة. فإدارة الحدود الحديثة تتطلب جمارك فعالة، وسجلاً للمركبات، ومراقبة جوية، ونظم معلومات جغرافية، وقدرات مالية، وأجهزة مكافحة غسل الأموال، وتعاوناً إقليمياً.

والدرس الثاني عشر هو أن إعادة بناء الاقتصاد الوطني يجب أن تقلل الحوافز التي تجعل اقتصاد الحرب أكثر ربحية من الاقتصاد الرسمي. فإذا بقيت مناطق التعدين المهمشة بلا مؤسسات وبلا طرق وبلا خدمات، فستظل الجماعات المسلحة قادرة على تحويل الموارد المحلية إلى تمويل للصراع.

خاتمة نقدية: تشاد وليبيا ليستا «سبب الحرب» بل عقدتان في اقتصاد إقليمي أطول عمراً من الحرب نفسها

تكشف الأدلة المتراكمة من تقارير الأمم المتحدة، وتحقيقات رويترز، وهيومن رايتس ووتش، وThe Sentry، ودراسات Chatham House، أن الحرب السودانية منذ أبريل/نيسان 2023 لا يمكن تفسيرها بصورة كاملة باعتبارها مواجهة داخلية مغلقة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. فقد تحولت الحرب إلى منظومة إقليمية تتداخل فيها الحدود والمطارات والطرق الصحراوية والذهب والوقود والمركبات والمقاتلون والشركات والأسواق الدولية. وتشكل تشاد وليبيا عقدتين مهمتين في هذه المنظومة، لكنهما ليستا العامل الوحيد ولا ينبغي تحميل شعبيهما أو مجتمعاتهما مسؤولية أفعال شبكات محددة.

وفي الحالة التشادية، كان مطار أم جرس محوراً مهماً في المرحلة الأولى من الحرب، وارتبطت به حركة جوية كبيرة من الإمارات، بينما قالت الإمارات إن هذه الرحلات إنسانية، وأشارت أدلة أممية وصحفية وحقوقية إلى وجود مؤشرات على استخدام بعض التدفقات في نقل الدعم إلى قوات الدعم السريع. ومع ذلك، تغيرت أهمية أم جرس بمرور الوقت، وأصبح من الخطأ اعتبارها حتى عام 2026 الطريق الوحيد أو الرئيسي بصورة ثابتة. أما ليبيا، فقد لعب الجنوب الليبي دوراً مهماً في اقتصاد الوقود والتهريب وفي انتقال بعض المقاتلين، لكن تغير السيطرة على الحدود السودانية الليبية بعد أغسطس/آب 2023 أعاد تشكيل هذه الوظيفة (Soliman & Baldo, 2025؛ Human Rights Watch, 2026).

وتشير الأدلة إلى أن الدور الإماراتي يمثل عنصراً محورياً في تفسير بعض هذه الشبكات، خصوصاً مع تزايد الأدلة التي تربط رحلات ومرافق وشركات ومتعاقدين بمسارات دعم استفاد منها الدعم السريع. لكن الإمارات تواصل النفي، ولذلك يجب التمييز بين إثبات الوقائع اللوجستية وإثبات المسؤولية القانونية النهائية للدولة. هذه المسافة بين «القرينة» و«الإثبات» يجب ألا تُملأ بالخطاب السياسي، بل بمزيد من التحقيق المستقل.

والأهم أن الحرب لا تستمر بسبب السلاح وحده. إنها تستمر لأن هناك نظاماً اقتصادياً يستطيع تحويل الذهب إلى مال، والمال إلى وقود ومركبات وخدمات، والخدمات إلى قدرة عسكرية، والقدرة العسكرية إلى سيطرة على مناطق إنتاج جديدة. وهذا هو السبب الذي يجعل الذهب والوقود والحدود أكثر أهمية من مجرد عدد صناديق الذخيرة التي تعبر الحدود.

كما تكشف الحالة أن «الفزعة» القبلية ليست تفسيراً مستقلاً للحرب، بل إحدى طبقات شبكة أكبر. فالقبيلة توفر الثقة والمعرفة والمسارات والعلاقات؛ والمال يحفز النشاط؛ والسلاح يحميه؛ والدولة الهشة تسمح له بالعمل؛ والأسواق الدولية تستوعب الموارد؛ والدول الإقليمية توفر أحياناً البنية السياسية أو المالية أو اللوجستية التي تمكن الشبكة من العمل. ومن ثم فإن أي تفسير قبلي بحت سيكون سطحياً، كما أن أي تفسير جيوسياسي يتجاهل الاقتصاد المحلي سيكون ناقصاً.

وتؤكد هذه القراءة أيضاً أن وقف الحرب السودانية يتطلب الانتقال من سياسة «إدارة الجبهات» إلى سياسة «تفكيك اقتصاد الحرب». فحتى لو توقفت المعارك مؤقتاً، فإن استمرار تدفق الذهب غير المشروع والسلاح والوقود والمقاتلين سيعيد إنتاج الصراع. ولذلك يجب أن يكون إصلاح تجارة الذهب، وتشديد الرقابة على الطيران والشحن، واستهداف الشركات والوسطاء، وإعادة بناء إدارة الحدود، وربط الدول المجاورة بآلية إقليمية للمراقبة، جزءاً من اتفاق السلام نفسه لا مرحلة لاحقة له.

وعليه فإن تشاد وليبيا ليستا مجرد «ممرات خلفية» للحرب، بل مرآة للنظام الإقليمي الذي جعل استمرار الحرب ممكناً. فضعف الدولة في المناطق الحدودية، وانقسام السلطة في ليبيا، وضغط اللاجئين في تشاد، وشبكات التهريب القديمة، وارتفاع قيمة الذهب، ودعم القوى الإقليمية، وسوق المقاتلين الخاصين، كلها عناصر اجتمعت لتكوين بيئة تستطيع فيها الحرب السودانية أن تتجاوز الحدود الوطنية وتعيد إنتاج نفسها.

والخلاصة النقدية الأهم هي أن وقف الإمداد لن يكون مستداماً إذا عولجت الحدود دون الاقتصاد، أو الاقتصاد دون السياسة، أو السياسة دون الأمن، أو الأمن دون العدالة. المطلوب هو تفكيك المنظومة كاملة: قطع مصادر تمويل الحرب، مراقبة سلاسل التوريد، تجفيف الأسواق التي تستقبل موارد الصراع، مساءلة الوسطاء والشركات، حماية اللاجئين والمدنيين، وإعادة بناء دولة سودانية قادرة على إدارة حدودها ومواردها. عندها فقط يمكن تحويل تشاد وليبيا من عقدتين في اقتصاد الحرب إلى عقدتين في اقتصاد السلام والتجارة المشروعة وإعادة إعمار السودان.

المراجع (جزء من المراجع البقية عبر التواصل مع الكاتب)

  1. الأمم المتحدة — لجنة خبراء السودان. (2024). Letter dated 15 January 2024 from the Panel of Experts on the Sudan addressed to the President of the Security Council, S/2024/65. United Nations Security Council. [تاريخ الوصول: 30 أغسطس/آب 2026].
  2. United Nations Panel of Experts on the Sudan. (2024). Final Report of the Panel of Experts on the Sudan established pursuant to Security Council resolution 1591 (2005), S/2024/65. United Nations Security Council. [Accessed: 30 August 2026].
  3. سليمان، أحمد؛ وبلدو، سليمان. (2025). الذهب والحرب في السودان: كيف يدعم الذهب اقتصاد الحرب وشبكاته الإقليمية. Chatham House. [تاريخ الوصول: 30 أغسطس/آب 2026].
  4. Soliman, Ahmed; Baldo, Suliman. (2025). Gold and the War in Sudan: How Regional Solutions Can Support an End to Conflict. Chatham House. Updated 24 March 2026. [Accessed: 30 August 2026].
  5. سليمان، أحمد. (2023). How a transnational approach can better manage the conflict in Sudan. Chatham House. [تاريخ الوصول: 30 أغسطس/آب 2026].
  6. Soliman, Ahmed. (2023). How a transnational approach can better manage the conflict in Sudan. Chatham House. [Accessed: 30 August 2026].
  7. The Sentry. (2025). ‘Inside Job’: Libya’s Leaders Directly Behind Multibillion-Dollar Fuel Heist. Washington, DC, 13 November 2025. [Accessed: 30 August 2026].
  8. The Sentry. (2025). Inside Job: Libya’s Fuel Smuggling Escalation. Washington, DC. [Accessed: 30 August 2026].
  9. Human Rights Watch. (2024). Fanning the Flames: Foreign Support and the War in Sudan. [Accessed: 30 August 2026].
  10. هيومن رايتس ووتش. (2024). التقرير العالمي 2024: تشاد. [تاريخ الوصول: 30 أغسطس/آب 2026].
  11. Human Rights Watch. (2024). World Report 2024: Sudan. [Accessed: 30 August 2026
Author
د. عبد المنعم مختار

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
أغْنِيةٌ للفَجْرِ والأطفال
الأخبار
وزير الدفاع: سنتصدى للاعتداءات الإسرائيلية بشرق السودان
منبر الرأي
باب مغلق: قصة قصيرة .. بقلم: د. أحمد الخميسي
الرياضة
الهلال يسحق الخرطوم الوطني
منبر الرأي
هل ستصلح إدارة أوباما سياستها في السودان؟ .. بقلم: بقلم/ احمد حسين ادم

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

الأستاذ/ جمال محمد أحمد ينعى شقيقه محجوب .. بقلم: عبدالله الشقليني

عبد الله الشقليني
منبر الرأي

يا ترى هل يصلح السويد أنموذجاً يحتذى لبناء سودان الرفاهية الجديد؟ (2/2) .. بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
منبر الرأي

خفَايا وخبَايا مفاوضات واتفاقيات تقريرِ المصير لجنوبِ السودان (11 – 29):

د. سلمان محمد أحمد سلمان
منبر الرأي

مغالاة …… بقلم: اخلاص نمر

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss