بقلم: د. محمد حمد مفرح
٢/١
وفقا لواقع الحال السياسي الدولي، فإن المصلحة البحتة تمثل مرتكزا أساسيا من مرتكزات السياسة الخارجيةForeign policy لأي دولة، ما يجعل الدولة تحرص على هذه المصلحة و تسعى لتأمينها، كأولوية أولى. بمعنى آخر، المصلحة هي التي تحكم السلوك الخارجي للدولة، و ذلك باعتبارها المنطلق المحوري لسياستها الخارحية، في تحقيق أهدافها و خدمة مصلحة شعبها و تطلعاته. و لا شك في أن هذا المبدأ الذي تشترك فيه كل دول العالم بلا استثناء، يعد، من وجهة النظر المنطقية Logical viewpoint و وفقا للواقعية السياسية المتماهية مع ماهية السياسة بمفهومها الحديث، مشروعا، له مسوغاته وثيقة الصلة بأهداف الدولة، في بحثها عن مصلحة شعبها و سعيها وراء تحقيقها بكل ما أوتيت من جهد. لذا فقد ظل اللهاث وراء هذه المصلحة يسم النشاط الخارجي للدولة الحديثة بصورة أساسية لدرجة لا تؤطرها أية محددات قيمية أو أخلاقية.
وتبعا لذلك صارت الدول، و بالذات الدول الكبرى، تسعى لتحقيق مصالحها ولو على حساب غيرها، غير آبهة بما يترتب على ذلك من انتهاك للقانون الدولي و من أضرار تلحق بالغير. وقد أخذت الدول الكبرى، في هذا الإطار، و حسبما أكدته وقائع كثيرة، تتعدي على دول أخرى من أجل تحقيق مصالحها. و بطبيعة الحال يقدح هذا المسلك
في مشروعية مبدأ البحث عن المصلحة المشار إليه آنفا، كونه يرسخ الظلم و يعمل على خرق القانون الدولي Violation of Int. Law الضامن للحفاظ على السلم و الأمن الدوليين، وفقا لما تم التواضع عليه في ميثاق منظمة الأمم المتحدة UN Charter.
وحسبما سبقت الإشارة إليه، يمكننا التأكيد على أن (السياسة الخارجية) للدول ظلت تقوم، في عصرنا الحاضر، على مراعاة المصلحة العامة للدولة، بهدف تأمين هذه المصلحة، دون أن يحكمها منطق أخلاقي أو معيار للسلوك القويم. ليس هذا فحسب بل غدت بعض الدول تلجأ، كما سبق القول، للتعدي على غيرها في سبيل تأمين مصالحها أو صونها، غير آبهة بالقانون الدولي الذي يجرم التعدي على الغير. و من البدهي، أن يعد هذا المسلك الميكافيللي الذي يعتمد على أن الغاية تبرر الوسيلة و أن العبرة بالمصلحة وليس بالوسيلة التي تحققها، من البدهي أن يعد مفارقا لمنطق الأشياء Logic of things، و تترتب عليه عواقب وخيمة تنعكس سلبا على مبدأ صون الأمن و السلم الدوليين. و لا جدال في أن هذا السلوك البراغماتي Pragmatic behavior، أصبح يمثل ديدن الدول جميعها و ذلك باختلاف عقائدها السياسية و آيديولوجياتها و توجهاتها.
من جانب آخر، إذا ما أخذنا في الاعتبار، المرجعية الديموقراطية لدول العالم الديموقراطي أو الدول الكبرى،على ضوء الواقع سابق التوصيف، نجد أن هذه الدول يحكمها دستور و قوانين داخلية تلزمها بالسلوك المتماهي مع الديموقراطية و كل ما تعبر عنه من قيم العدل و الحرية والمساءلة و إحترام الإنسان، ما يجعل هذه الدول تمتثل في الداخل للسلوك والممارسة المنضبطة غير المتضادة مع هذه القيم. و مع ذلك فهي تناقض نفسها من خلال تأسيس سياستها الخارجية على المصلحة البحتة و لو إضطرت إلى الظلم و التعدي على غيرها في سبيل تأمين مصلحتها. و من المفارقات أن بعض هذه الدول تتشدق بالديموقراطية و تعزف دوما على وتر قيم العدل والحرية و إحترام حقوق الإنسان و ضرورة التقيد بالقانون الدولي، دون أن تعي أن سلوكها الخارجي يناقض واقع حالها الديموقراطي في الداخل، أو دون أن تهتم بذلك.
أما إذا ما تأملنا في واقع دول العالم الثالث التي تشترك مع الدول الديموقراطية و الدول الكبرى في تبني سياسة خارجية تراعي مصلحتها البحتة فقط، نجدها تعيش، هي الأخرى، تناقضا صارخا و مفارقة مركبة. و تتمثل هذه المفارقة في أنها تؤكد حقيقة أنها ضحية سياسة الدول الكبرى و الديموقراطية التي تلجأ في كثير من الأحيان إلى السعي لتحقيق مصالحها على حسابها، أي على حساب دول العالم الثالث، من خلال التعديات المختلفة Different assaults
و غيرها، في حين أنها (دول العالم الثالث) تتبنى سياسة مجحفة في حق شعوبها. و بذا فهي تؤكد على الظلم الواقع عليها من قبل الدول الكبرى و تستهجنه، في وقت تمارس فيه الظلم و الاجحاف من خلال السياسات الدكتاتورية و القمعية ضد شعوبها، ما يؤدي إلى إهدار الحقوق و الحريات.
