الصادق حمدين
ليست الكتابة الروائية والقصصية عند أحمد الملك مجرد حكايات تُروى، أو أحداث تتوالى، وإنما هي عالم من العلامات والإشارات التي تتجاوز ظاهر الكلمات إلى ما تخفيه من دلالات ثقافية ونفسية وتاريخية. فالكلمة في نصوصه لا تقف عند معناها القاموسي، بل تحمل ظلالاً من الذاكرة والهُوية والمكان والماضي، وتفتح أمام القارئ أبواباً واسعة للتأويل.
وأذا قدمنا قصة “جارنا الذي يعاقر الخمر وضوء القمر”، كنموذج، نجد أن الخمر في القصة ليست مجرد مشروب كحولي محلي الصنع؛ إنها علامة متعددة الدلالات، فهي قد تعني الغياب الاختياري عن الوعي للهروب من الواقع المؤلم، ومن ناحية أخرى قد تعني التمرد المجتمعي. لكنها لا تدخل في السرد من أجل التقسيم المعنوي للأشياء إلى حلال وحرام، ورجس من عمل الشيطان يجب اجتنابه.
فالخمر هنا في هذا السياق قد تعني المحافظة على القديم التقليدي المتسامح، الرافض للحداثة التي تتمثل في الكهرباء والخوف من نتائجها التي قد تأتي بالشرطة التي لا تخدم الشعب بل تجعله خادماً لها. ومن ناحية أخرى، تحمل الخمر رمزية تدل على الرفض المجتمعي للحداثة وما تفرضه من تغييرات على نمط الحياة القديم الذي ألفه الناس. بما يمكن أن اسميه “الركلسة الذهنية” التي تتماهى مع “الركلسة الجسدية”، اذا جاز التعبير واستقام المعنى.
ومن هنا تبدو السيميائية مدخلاً مناسباً لقراءة تجربة الروائي أحمد الملك، لأنها تنظر إلى النص باعتباره شبكة من العلامات، حيث يمكن للمكان والشخصية والحدث واللون والصمت وحتى الأشياء اليومية البسيطة أن تتحول إلى رموز تتجاوز حضورها المباشر.
في عالم أحمد الملك، لا يبدو المكان مجرد مسرح للأحداث. فالبيت يمكن أن يصبح علامة على الوطن والذاكرة، والمدينة فضاء للاغتراب، والطريق رمزاً للرحيل والهجرة والبحث عن الرزق، والقرية تعني الماضي والتاريخ والجذور والأصالة، والقمر يعني الماضي والموروث والتمسك بالقديم الذي يخاصم الحداثة، التي تمثلها “الكهربة”، والطائرة تعني الموت، و”العالم الآخر” يعني اختلاف الثقافات والبعد الجغرافي معاً، ولا يعني به عالم الأموات بأي حال من الأحوال.
وإذا أخذنا من “رواية عصافير آخر أيام الخريف” نموذجاً آخراً، تلك الرواية التي يتحول فيها “الخريف”، بما يحمله من المطر ، إلى علامة قابلة للقراءة بوصفه زمناً للتجدد والحياة والأمل والانهيار في آن واحد، والانهيار هنا قد يعني ما يفعله الخريف ببيوت “الجالوص” الهشة. وهكذا تتجاوز الأشياء وظيفتها الواقعية لتدخل في نسيج رمزي أكثر اتساعاً في مخيلة القاريء.
وتتصل هذه الرموز بالحمولة الثقافية التي تستمدها من البيئة السودانية ومن الموروث الشعبي والشفاهي والأسطوري. فالثقافة لا تظهر في النص من خلال الإشارات المباشرة وحدها، وإنما تتسلل إلى اللغة والصور والشخصيات وطريقة النظر إلى العالم. ولذلك فإن قراءة أحمد الملك تحتاج إلى قارئ ينتبه إلى ما وراء المفردة، وإلى ما تستدعيه من ذاكرة جمعية تتجاوز حدود النص.
وتبرز السياسة والحرب والسلطة و”عسس الأمن” والقمع والتعذيب ومشاهد الاحتضار والموت. في عدد من أعماله ونخص منها مثالاً وليس حصراً رواية “الخريف يأتي مع صفاء” بوصفها رواية سردية تتناول إرهاب ودموية جهاز الأمن بل المنظومة الأمنية برمتها. إنها سردية تتحول إلى حالات إنسانية تتجسد في الخوف والصمت والفقد والمنفى. فالاستبداد، مثلاً، لا يظهر فقط في شخصية الحاكم المستبد “المشير”، وإنما يمكن أن يظهر في لغة الخوف، والشك، وفي انكسار الإنسان، وفي المدينة التي فقدت طمأنينتها ومن الارهاب والترهيب، وفي البيت الذي لم يعد آمناً.
أما “السخرية” في “سبعة غرباء في المدينة”، فتؤدي وظيفة أخرى، فهي لا تكتفي بإضحاك القارئ وكأنما ما يكتبه عبارة عن نكتة عابرة، وإنما تفكك هيبة السلطة وتكشف المفارقة بين الخطاب الرسمي والواقع. ومن هنا تصبح السخرية نفسها علامة مقاومة صامتة، ويصبح الضحك أحياناً وسيلة لقول ما يصعب قوله مباشرة. وهنا يمكننا القول أن ضحك أحمد الملك في رواياته ضحك أشبه البكاء. أو فلنقل؛ “ضحك الرجال”
ولعل أجمل ما في تجربة القاص أحمد الملك أن نصوصه تترك مساحة واسعة لما يمكن تسميته ما وراء الكلمة. فالصمت عنده قد يكون كلاماً، والغياب قد يكون حضوراً، والضحك قد يكون بكاء والتلميح قد يكون أبلغ من التصريح. وما لا تقوله الشخصية قد يكشف أحياناً أكثر مما تقوله، وما يبدو تفصيلاً عابراً قد يحمل في داخله ذاكرة كاملة.
إن القراءة السيميائية لأدب أحمد الملك لا تبحث عن معنى واحد ونهائي، ولا تتعامل مع الرمز باعتباره لغزاً له مفتاح وحيد، وإنما تنظر إلى النص بوصفه فضاءً مفتوحاً تتعدد فيه الدلالات بحسب السياق وتجربة القارئ.
وبهذا المعنى، فإن الكلمة عند أحمد الملك لا تنتهي عند حدودها؛ إنها تستدعي مكاناً وذاكرة وثقافة وتاريخ وتجربة إنسانية. وربما تكمن قوة أدبه في هذه المسافة تحديداً: المسافة بين ما تقوله الكلمة وما تتركه لنا لكي نفكر فيه. فحين تنتهي الكلمة من قول معناها الظاهر، يبدأ الأدب في قول ما هو أبعد منها.
Sent from Outlook for iOS
umniaissa@hotmail.com
