باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأحد, 6 سبتمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

ثلاثة إلى خمسة ملايين قتيل: حصاد الموت السوداني خلال سبعين عاماً من الحروب الخمس وأرقام لا تتفق عليها الحكومات والمنظمات والباحثون

اخر تحديث: 6 سبتمبر, 2026 5:51 مساءً
شارك

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

على مدى نحو سبعين عاماً، لم تكن الحروب السودانية الخمس مجرد سلسلة من النزاعات المنفصلة، بل حلقات متداخلة من العنف السياسي والعسكري والاجتماعي امتدت من التمرد الجنوبي الأول الذي بدأ في 1955 إلى الحرب الراهنة منذ أبريل 2023. وتتمثل إحدى أهم مشكلات فهم هذه الحروب في استحالة الوصول إلى رقم نهائي متفق عليه للقتلى؛ إذ تتباين التقديرات تبعاً لتعريف الوفاة، ومصدر البيانات، وإمكانية الوصول إلى مناطق القتال، والقدرة على تسجيل الوفيات المباشرة وغير المباشرة، وكذلك تبعاً للمصالح السياسية للأطراف المختلفة. ولذلك فإن الفارق بين الأرقام لا يعكس مجرد اختلاف إحصائي، بل قد يؤثر في تقدير حجم الكارثة الإنسانية وفي التوصيف القانوني للانتهاكات، ولا سيما عند الانتقال من توصيف جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية إلى التطهير العرقي أو الإبادة الجماعية.

ويبين المقال أن عدّ ضحايا الحرب يعتمد على عدة مناهج رئيسية. فالتوثيق المباشر يسجل الوفيات التي يمكن التحقق منها عبر الإعلام أو الشهود أو المنصات الرقمية، ولذلك يقدم عادة حداً أدنى لا الحصيلة الكاملة. أما المسوحات الوبائية فتقيس معدلات الوفيات في عينات سكانية ثم تستنتج منها حجم الوفيات في المجتمع الأوسع، وهي قادرة على احتساب الوفيات المباشرة وغير المباشرة، بما فيها الناتجة عن الجوع والمرض وانهيار الخدمات الصحية، لكنها تواجه صعوبات كبيرة في تحديد السكان المعرضين وفي الوصول إلى مناطق الحرب. وهناك أيضاً الاستقراء السياسي الذي يحول البيانات المتفرقة إلى تقدير إجمالي، وتحليل الالتقاط وإعادة الالتقاط الذي يقارن قوائم مستقلة للوفيات لتقدير الجزء غير المسجل، فضلاً عن الاستشعار عن بعد وتحليل الصور الفضائية الذي أصبح مهماً بصورة خاصة في الحرب الحالية لرصد المقابر الجماعية والدمار وأنماط النزوح. ومن ثم فإن الرقم الموثق لا ينبغي مساواته بالرقم الحقيقي المرجح، كما لا ينبغي مساواة التقدير العلمي بالاستقراء السياسي.

بدأت الحرب الأهلية الأولى في جنوب السودان عام 1955 قبل الاستقلال الرسمي، عندما تمرد جنود جنوبيون في توريت ثم امتد التمرد إلى مناطق أخرى. وكان ذلك نتيجة تراكمات استعمارية عميقة، منها الفصل الإداري والسياسي والتنمية غير المتوازنة والتمثيل غير المتكافئ بين الشمال والجنوب، قبل أن تتراجع بريطانيا عن سياسة الفصل قبيل الاستقلال. استمرت الحرب حتى اتفاقية أديس أبابا عام 1972 التي منحت الجنوب حكماً ذاتياً. وقد تراوحت التقديرات الأكثر تداولاً لضحاياها بين نصف مليون ومليون قتيل، معظمهم من المدنيين، إضافة إلى أعداد كبيرة من النازحين. وتظل هذه الحرب الأقل دقة إحصائياً بسبب قدمها وغياب المسوحات الحديثة وقت وقوعها واعتماد التقديرات اللاحقة على الأرشيفات والشهادات وإعادة البناء التاريخي.

أما الحرب الأهلية الثانية، التي بدأت عام 1983 وانتهت باتفاقية السلام الشامل عام 2005، فقد نشأت بعد إلغاء جعفر النميري للحكم الذاتي الجنوبي وفرض قوانين الشريعة على البلاد. وشكل تأسيس الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان بقيادة جون قرنق تحولاً أساسياً في طبيعة الصراع. انطلقت الحركة من تمرد وحدات جنوبية في الجيش السوداني، ولا سيما الكتيبتين 104 و105، ثم تلقت دعماً حاسماً من إثيوبيا في عهد منغستو هيلا مريام. ولم تكن الحركة مجرد مشروع انفصالي في بدايتها، بل تبنت رؤية «السودان الجديد» التي هدفت إلى إقامة دولة سودانية موحدة وديمقراطية وتعددية، وإن ظلت داخلها اتجاهات وحدوية وانفصالية متنافسة. واستمر الصراع اثنين وعشرين عاماً، وخلف نحو مليوني قتيل وفق التقدير الأكثر استقراراً، إلى جانب أربعة إلى خمسة ملايين ونصف مليون نازح. وكانت المجاعة والأمراض والتهجير القسري من أهم أسباب الوفيات، وليس القتال المباشر وحده. وتظهر تقديرات خاصة بجنوب كردفان وجبال النوبة حجم الكارثة الإضافية التي وقعت داخل هذه الحرب. وانتهت الحرب باتفاقية السلام الشامل، التي فتحت الطريق أمام استفتاء تقرير المصير ثم استقلال جنوب السودان عام 2011.

وتُمثل حرب دارفور منذ 2003 نقطة تحول مركزية في تاريخ النزاعات السودانية وفي تاريخ استخدام أرقام الضحايا لأغراض سياسية وقانونية. سبقتها تعبئة سياسية وفكرية، من بينها «الكتاب الأسود»، ثم تأسيس حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد النور ورفاقه، وتأسيس حركة العدل والمساواة بقيادة خليل إبراهيم. وقد تعاونت الحركتان في العمليات العسكرية الأولى، ومن أبرزها الهجوم على مطار الفاشر العسكري عام 2003، قبل أن تتكاثر الانقسامات داخلهما. فانقسمت حركة العدل والمساواة إلى أجنحة متعددة، كما انقسمت حركة تحرير السودان بصورة أساسية حول اتفاقية سلام دارفور بين جناح مني أركو مناوي وجناح عبد الواحد النور. وبعد ذلك ظهرت تحالفات أوسع، ومنها الجبهة الثورية السودانية.

وتكشف دارفور بصورة واضحة التناقض بين تقديرات الضحايا. فقد ظهرت منذ 2004 تقديرات بعشرات الآلاف ثم بمئات الآلاف، بينما أعلن كولن باول في سبتمبر 2004 أن إبادة جماعية ارتُكبت في دارفور، في حين خلصت لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة عام 2005 إلى عدم ثبوت سياسة إبادة جماعية، مع تأكيدها الشديد على وقوع جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ثم ظهرت تقديرات أكاديمية تراوحت بين 200 ألف و400 ألف قتيل في المراحل الأولى من الحرب، بينما تبنت الأمم المتحدة لاحقاً رقم 300 ألف، وذهب باحثون إلى تقديرات أعلى وصلت إلى نحو 500 ألف عند احتساب الوفيات المباشرة وغير المباشرة. وفي المقابل قللت الحكومة السودانية الأرقام بشدة وقصرت القتلى على ضحايا العنف المباشر، مقدمة تقديرات بلغت 10 آلاف أو أقل في بعض التصريحات. وأصبح الرقم نفسه جزءاً من المعركة السياسية، كما أصبح التصنيف القانوني للحرب موضوع نزاع مؤسسي بين الولايات المتحدة ولجنة التحقيق الدولية، ثم انعكس ذلك في مذكرات المحكمة الجنائية الدولية بحق عمر البشير عامي 2009 و2010، بما في ذلك اتهامات بالإبادة الجماعية.

وبعد انفصال جنوب السودان، اندلعت حرب جديدة في جنوب كردفان والنيل الأزرق عام 2011، بقيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان–قطاع الشمال. بدأت في جنوب كردفان ثم امتدت إلى النيل الأزرق، وشملت القصف الجوي والهجمات على المدنيين والتهجير وتقييد وصول المساعدات الإنسانية. ظهرت أدلة على مقابر جماعية وانتهاكات واسعة، كما وقعت انتهاكات من القوات الحكومية والقوى المسلحة المعارضة. وقد أدت الحرب إلى مئات الآلاف من المتضررين والنازحين واللاجئين، وسُجلت أعداد من القتلى، إلا أنها تظل أقل الحروب الخمس توثيقاً من حيث الحصيلة التراكمية، لعدم وجود مسح وفيات وبائي شامل يغطي كامل مدتها. واستمرت جذورها بالتداخل مع الصراع السوداني بعد 2023، ولا سيما في جنوب كردفان والنيل الأزرق، حيث أصبحت الصراعات المحلية والعرقية جزءاً من المشهد الأوسع.

أما الحرب التي بدأت في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع فقد أنتجت أكبر فجوة بين الأرقام الرسمية والتقديرات المستقلة. فقد قدمت وزارة الصحة أرقاماً محدودة للوفيات التي وصلت إلى المستشفيات، بينما سجلت ACLED عشرات الآلاف من الوفيات الموثقة، مع إقرارها بأن العدد الحقيقي أعلى. وفي المقابل ظهرت تقديرات سياسية ودبلوماسية بلغت نحو 150 ألف قتيل، ثم تقديرات أكاديمية أعلى عند احتساب الوفيات غير المباشرة. وتبرز دراسة الخرطوم أهمية هذا الفرق بصورة خاصة؛ فقد قدرت الوفيات لجميع الأسباب في الولاية وحدها بأكثر من ستين ألفاً خلال الفترة المدروسة، بينها أكثر من ستة وعشرين ألف وفاة بسبب الإصابات المتعمدة، بينما لم تكن القوائم الرسمية أو قواعد البيانات التقليدية قادرة على التقاط سوى جزء صغير من الوفيات. كما تشير التقديرات المستقلة إلى أن الوفيات غير المباشرة الناتجة عن الجوع والأمراض وانهيار الرعاية الصحية قد تكون كبيرة جداً، بحيث يمكن أن ترفع العدد الإجمالي إلى مستويات تتجاوز كثيراً حصيلة الوفيات المباشرة المسجلة.

وتتداخل مع ذلك المجاعة وانهيار الخدمات الصحية والنزوح الجماعي باعتبارها مسارات أساسية للموت. فالقتيل في الحرب السودانية ليس بالضرورة شخصاً مات برصاصة أو قذيفة؛ فقد تكون وفاته نتيجة الجوع أو المرض أو عدم الوصول إلى العلاج أو النزوح القسري أو تدمير البنية الصحية. ولذلك فإن الاقتصار على القتلى المباشرين ينتج بالضرورة حصيلة أقل من الخسائر البشرية الكلية للحرب.

وفي الجانب القانوني، تطور التصنيف الأمريكي للانتهاكات في حرب 2023 من اتهامات بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتطهير العرقي إلى تحديد رسمي بأن قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها ارتكبت إبادة جماعية، ولا سيما ضد المساليت والفور والزغاوة في غرب دارفور. استند هذا التصنيف إلى نمط من القتل والاستهداف على أساس عرقي، والعنف الجنسي، ومنع المدنيين من الحصول على المساعدات المنقذة للحياة. ويشكل هذا التطور امتداداً تاريخياً للتصنيف الأمريكي الذي أطلقه كولن باول على أحداث دارفور عام 2004، مع اختلاف السياق السياسي والعسكري بين المرحلتين.

وتقدم مجزرة الفاشر عام 2025 مثالاً شديد التركيز على أزمة القياس. فقد ظهرت في الأيام الأولى تقديرات بالآلاف، ثم ارتفعت تقديرات بعض المسؤولين إلى عشرات الآلاف، بينما تمكنت الأمم المتحدة لاحقاً من توثيق أكثر من ستة آلاف حالة قتل خلال الأيام الأولى، مع تقدير آلاف القتلى داخل المدينة وآخرين أثناء الفرار. كما وثقت منظمة الصحة العالمية مقتل مئات المرضى ومرافقيهم في المستشفى السعودي وحده، وهو رقم لم يكن بالضرورة مشمولاً بالكامل في حصيلة التوثيق الأخرى. وفي الوقت نفسه نفت قوات الدعم السريع وجود استهداف عرقي ممنهج ورفضت بعض أرقام الضحايا، موجهة الاتهام إلى الجيش والقوى السياسية المرتبطة بالنظام السابق. وهكذا ظهرت خلال أسابيع قليلة الظاهرة نفسها التي استغرقت سنوات في دارفور: أرقام رسمية أو أولية منخفضة، تقديرات ميدانية أعلى، ثم تقديرات توثيقية وأكاديمية ترتفع مع توفر الأدلة.

وعند محاولة جمع ضحايا الحروب الخمس، تظهر حدود هذا الجمع بوضوح. فالحرب الأولى خلفت وفق نطاقاتها المتداولة نحو نصف مليون إلى مليون قتيل، والثانية نحو مليوني قتيل، ودارفور مئات الآلاف، بينما خلفت حرب جنوب كردفان والنيل الأزرق عشرات الآلاف على الأقل دون حصيلة شاملة موثوقة، أما حرب 2023 فقد أنتجت تقديرات تتراوح من عشرات الآلاف الموثقة إلى مئات الآلاف عند احتساب الوفيات غير المباشرة. وبذلك تتجاوز الحدود الدنيا التقريبية للحصيلة السودانية منذ 1955 ثلاثة ملايين قتيل، ويمكن أن تقترب الحدود العليا من خمسة ملايين وفق اختيار أعلى التقديرات، مع ضرورة التعامل مع هذه الأرقام كنطاقات تقريبية لا كحصيلة إحصائية نهائية، لأن الحروب تتداخل زمنياً وجغرافياً، وبعض مصادر الوفيات قد تُحسب في أكثر من إطار، كما أن منهجيات القياس تختلف جذرياً من حرب إلى أخرى.

ويكشف المقال أن هذا التراكم ليس مجرد صدفة تاريخية؛ فهناك استمرارية واضحة في الفاعلين والبنى. فقد تطورت ميليشيات الجنجويد التي ارتبطت بحرب دارفور إلى قوات الدعم السريع، بينما استمرت الحركة الشعبية والجيش الشعبي اللذان أسسهما جون قرنق في تشكيل أحد أهم المسارات السياسية والعسكرية في جنوب السودان، وظلت مناطق مثل دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق مرتبطة ببعضها عبر شبكات سياسية وعسكرية واجتماعية متداخلة. ومن ثم لا يمكن فهم كل حرب باعتبارها حادثة مستقلة تماماً عن سابقاتها.

وتتكرر عبر التاريخ السوداني مجموعة من الأساطير والأنماط التضليلية. أولها التقليل الحكومي المنهجي، عندما تُقصر الأرقام على الوفيات المسجلة رسمياً أو الواصلة إلى المستشفيات. وثانيها المبالغة لأغراض التعبئة والمناصرة، حيث قد تتحول التقديرات غير المؤكدة إلى أرقام متداولة بوصفها حقائق نهائية. وثالثها الخلط بين الاستقراء السياسي والتقدير العلمي، بحيث يُعامل رقم صدر عن مسؤول أو دبلوماسي باعتباره نتيجة مسح إحصائي. ورابعها مساواة عدد الوفيات الموثقة بالحقيقة الكاملة، رغم أن المناطق المحاصرة أو التي لا تتوفر فيها سجلات صحية قد تحتوي على معظم الوفيات غير المرئية. وخامسها تبادل المسؤولية، حيث ينفي كل طرف مسؤوليته عن الوفيات وينسبها إلى الطرف الآخر. وسادسها الخلط بين التصنيف القانوني والقياس الديموغرافي؛ فالإبادة الجماعية لا تُحدد بمجرد ارتفاع عدد القتلى، وإنما بوجود عناصر قانونية محددة، في حين يمكن أن تكون جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية ذات نطاق هائل حتى دون إثبات الإبادة الجماعية. كما تمثل وسائل التواصل الاجتماعي مصدراً مهماً للبيانات الحديثة، لكنها في الوقت نفسه تتطلب تحققاً صارماً بسبب احتمال التكرار والشائعات والبلاغات غير المؤكدة.

وتوظف الأطراف المختلفة الأرقام لأهداف سياسية وقانونية. فرفع العدد يمكن أن يدعم المطالبة بالاعتراف بحجم الكارثة أو بالتصنيف القانوني الأشد وبالمساءلة الدولية، بينما يخدم خفض العدد محاولات نفي المسؤولية أو تقليل الضغط الخارجي. ولذلك ظلت المؤسسات الدولية والبحثية تقع بين طرفين: فهي مطالبة بتقديم تقديرات في بيئة يستحيل فيها الوصول الكامل إلى السكان، لكنها تتعرض في الوقت نفسه لاتهامات بالتسييس أو بالمبالغة أو بالتقليل. ويظهر هذا بوضوح في التناقض التاريخي بين موقف الولايات المتحدة من إبادة دارفور وموقف لجنة التحقيق الدولية، كما يظهر في التباين بين الأرقام الحكومية السودانية والتقديرات الأكاديمية والإنسانية في الحرب الراهنة.

والخلاصة الأساسية هي أن مشكلة قتلى الحروب السودانية ليست مجرد نقص في البيانات، بل مشكلة بنيوية مرتبطة بضعف نظم تسجيل الوفيات، واستمرار الحرب، وتدمير المؤسسات، وصعوبة الوصول إلى المناطق المتأثرة، وتعدد الفاعلين المسلحين، وتداخل الوفيات المباشرة وغير المباشرة، واستخدام المعلومات كسلاح سياسي. وقد تحسنت أدوات القياس بصورة كبيرة منذ حرب 1955؛ فانتقل العالم من إعادة البناء التاريخي للأحداث إلى المسوحات الوبائية، ثم إلى تحليل الالتقاط وإعادة الالتقاط والاستشعار الفضائي والرقمي. كما تقلص الزمن اللازم لظهور تقديرات أولية، من سنوات في الحروب القديمة إلى أسابيع أو أشهر في الحرب الحالية، لكن هذا التقدم التقني لم ينهِ مشكلة التناقض السياسي.

ولهذا فإن الطريقة الأكثر علمية لفهم حصيلة الموت السوداني هي عدم البحث عن رقم واحد قاطع، بل التعامل مع نطاقات احتمالية، مع الفصل الصارم بين القتلى الموثقين والقتلى المقدّرين، وبين الوفيات المباشرة وغير المباشرة، وبين المسح العلمي والاستقراء السياسي، وبين الأدلة الميدانية والتقديرات المبنية على النماذج، وبين عدد الضحايا والتوصيف القانوني للانتهاكات. وبهذا المنهج يصبح من الممكن فهم الحروب السودانية منذ 1955 بوصفها مساراً تراكمياً من الكوارث البشرية، مع الاعتراف في الوقت نفسه بأن الرقم النهائي لضحاياها سيظل غير محسوم ما لم تُنشأ منظومة وطنية ودولية موحدة ومستقلة لجمع بيانات الوفيات والتحقق منها وربطها زمنياً وجغرافياً عبر جميع مراحل الصراع السوداني.

النص الكامل للمقال

مقدمة تحليلية: لماذا لا يتفق أحد على عدد القتلى؟

منذ استقلال السودان عام 1956 وحتى اليوم، خاض البلد خمس حروب أهلية متداخلة ومتعاقبة، كل واحدة منها خلّفت وراءها كارثة إنسانية هائلة، لكن أياً منها لم تُفضِ إلى رقم متفق عليه لعدد القتلى. هذا التفاوت ليس ترفاً أكاديمياً، بل هو في صميم كيفية فهم العالم لحجم الكارثة السودانية المتكررة، وكيفية تخصيص الموارد الإنسانية، وكيفية محاسبة الأطراف المتحاربة قانونياً وسياسياً. فالفارق بين تقدير يقول 20 ألف قتيل وآخر يقول 150 ألفاً، كما هو الحال في حرب 2023 الحالية، ليس فارقاً في التقريب الإحصائي، بل هو فارق في الاعتراف بحجم الجريمة نفسها، وفارق في تصنيف الحدث قانونياً بين “نزاع مسلح” و”إبادة جماعية”، وهو تصنيف تترتب عليه التزامات دولية ملزمة بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948.

هذا المقال يستعرض بدقة التقديرات المتاحة لأعداد القتلى في الحروب الأهلية السودانية الخمس منفردة ومجتمعة، ويكشف عن الفجوات المنهجية التي تنتج هذا التباين، ويتتبع كيف تتحول الأرقام نفسها إلى ساحة صراع سياسي وقانوني بين الحكومات والمنظمات الدولية والأطراف المتحاربة، ويرصد في النهاية الأساطير والإشاعات والتقديرات المضللة التي رافقت كل حرب من هذه الحروب على حدة.

الفصل الأول: كيف يُحصى القتلى في الحرب؟ – المنهجيات المتنافسة وحدودها

قبل الخوض في أرقام كل حرب، لا بد من فهم أن “عدّ القتلى” في حرب أهلية ليس عملية حسابية بسيطة، بل عملية معقدة تحكمها عدة منهجيات متنافسة، لكل منها حدودها وتحيّزاتها، وهي منهجيات تتكرر بأنماطها نفسها من حرب سودانية إلى أخرى رغم فارق العقود بينها:

التوثيق المباشر (Event-based monitoring): تعتمده منظمات مثل ACLED التي ترصد الوفيات المؤكدة إعلامياً أو عبر شهود عيان أو منصات التواصل الموثقة. هذه الطريقة تنتج أرقاماً محافظة لأنها لا تحسب إلا ما يمكن توثيقه فعلياً، وتستبعد بطبيعتها الوفيات غير المسجلة في مناطق يصعب الوصول إليها، وهو ما يجعلها دوماً بمثابة “أرضية دنيا مؤكدة” وليس حصيلة نهائية.

المسوحات الوبائية القائمة على معدل الوفيات الخام (Crude Mortality Rate surveys): وهي الطريقة التي استخدمتها منظمة الصحة العالمية ومركز علم أوبئة الكوارث (CRED) في دارفور، وكلية لندن لصحة المناطق المدارية في الخرطوم، حيث يُقاس معدل الوفيات في عينة من السكان (غالباً نازحين في مخيمات) ثم يُسقط هذا المعدل على مجمل السكان المتأثرين. هذه الطريقة تلتقط الوفيات غير المباشرة (الجوع والمرض وانهيار الرعاية الصحية) إضافة إلى العنف المباشر، لكنها تحمل هامش خطأ كبيراً بسبب صعوبة تحديد “السكان المعرضين” بدقة وصعوبة الوصول لمناطق النزاع الفعلية. وقد أظهرت دراسة “فيوليانس أند مورتاليتي إن ويست دارفور” التي أجريت عام 2004 عبر أربعة مسوحات ميدانية متزامنة في زالنجي ومورني ونيرتيتي أن معدلات الوفيات تراوحت بين 5.9 و9.5 حالة وفاة لكل عشرة آلاف شخص يومياً قبل وصول النازحين إلى مواقع الإيواء، وأن العنف تسبب في ما بين 68% و93% من هذه الوفيات، مع تحيّز واضح في الضحايا نحو الرجال البالغين الذين بلغت مخاطر تعرضهم للقتل ما بين 29 و118 ضعف مخاطر الأطفال دون سن الخامسة عشرة (PubMed، دراسة ويست دارفور).

الاستقراء السياسي (extrapolation): وهي الطريقة الأكثر إثارة للجدل، حيث يصدر مسؤول أممي أو دبلوماسي تقديراً عاماً بناءً على تراكم تقارير متفرقة دون مسح ميداني منهجي جديد، كما فعل جون هولمز عندما أعلن أن حصيلة دارفور قد تكون 300 ألف قتيل، مؤكداً في الوقت نفسه أن الرقم ليس تقديراً علمياً بل “استقراء معقول” (Sudan Reeves، 2018).

تحليل الالتقاط وإعادة الالتقاط (Capture-Recapture): وهي طريقة إحصائية مستعارة من علم الأحياء، تقارن قوائم متعددة ومستقلة من الوفيات (استطلاعات عبر وسائل التواصل، شبكات ناشطين محليين، منشورات نعي) لتقدير نسبة الوفيات غير المسجلة في كل قائمة، وقد استُخدمت في دراسة الخرطوم لعام 2024 التي قادها فريق من كلية لندن لصحة المناطق المدارية، وخلصت إلى أن القوائم الثلاث مجتمعة لم تلتقط سوى خمسة بالمئة فقط من إجمالي الوفيات المقدرة في الولاية (الشرق الأوسط، 2024).

الاستشعار عن بعد وتحليل الصور الفضائية: أصبحت أداة رئيسية في حرب 2023، حيث اعتمد مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل على الصور الفضائية لرصد المقابر الجماعية والحرائق وأنماط الحياة المدنية المتوقفة في الفاشر، ليخلص إلى استنتاجات حول حجم المجزرة تفوق كثيراً ما استطاعت الشهادات المباشرة توثيقه.

الفارق الجوهري بين هذه الطرق هو أن التوثيق المباشر يعطي “أرضية دنيا مؤكدة”، بينما المسوحات الوبائية والاستقراءات تحاول تقدير “الرقم الحقيقي المرجح” الذي يكون بالضرورة أعلى من الأرضية الموثقة. وهذا بالضبط ما يفسر التكرار المستمر لعبارة أن الرقم الرسمي أو الموثق هو دائماً أقل من الحقيقة الفعلية في كل الحروب السودانية الخمس، وهو نمط يتكرر أيضاً في نزاعات أخرى مشابهة حول العالم مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث تفاوتت تقديرات القتلى بين مسوحات مختلفة بعشرات الأضعاف لأسباب منهجية مماثلة تماماً لما يحدث في السودان.

الفصل الثاني: الحرب الأهلية الأولى في جنوب السودان (1955-1972) – الشرارة التي سبقت الاستقلال

اندلعت الحرب في 18 أغسطس 1955، قبل استقلال السودان رسمياً بأشهر، حين تمرد جنود من فيلق الاستوائية التابع لقوة دفاع السودان، وأغلبهم من الجنوبيين، في مدينة توريت، ثم امتد التمرد في الأيام التالية إلى مدن جوبا وياي وماريدي (Historydraft). كان هذا التمرد، الذي عُرف لاحقاً باسم “ثورة الأنانيا” أو “الأنانيا الأولى” -وهي كلمة من لغة المادي تعني “سمّ الأفعى”- ثمرة تراكم سياسات استعمارية بريطانية ميّزت بين شمال إسلامي عربي وجنوب متعدد الأعراق ذي أغلبية مسيحية وأرواحية، قبل أن تتراجع بريطانيا عن سياسة الفصل هذه بشكل مفاجئ عشية الاستقلال، تاركة تفاوتات هائلة في التنمية والتمثيل السياسي بين الإقليمين (EBSCO Research Starters). واستمرت الحرب حتى توقيع اتفاقية أديس أبابا في 27 مارس 1972 التي منحت جنوب السودان حكماً ذاتياً، بعد أشهر فقط من تخلي الرئيس جعفر النميري عن برنامجه الاشتراكي في يوليو 1971 إثر محاولة انقلاب شيوعية فاشلة ضده، وانفتاحه على الاستثمار الأجنبي (BlackPast، 2020).

التقديرات الأكثر توافقاً تشير إلى أن الحرب، التي امتدت نحو 17 عاماً، أودت بحياة ما بين 500 ألف ومليون شخص، من بينهم أكثر من 100 ألف من المقاتلين المباشرين، بينما شكّل المدنيون الغالبية الساحقة من الضحايا (ويكيبيديا، “الحرب الأهلية السودانية الأولى”). ويصنف مؤرخو الحرب مراحلها الثلاث إلى حرب عصابات أولية، ثم مرحلة الأنانيا المنظمة، ثم مرحلة حركة تحرير جنوب السودان (Helion & Company). المتحف التذكاري للمحرقة في واشنطن يستقر على الرقم الأدنى في هذا النطاق، مقدّراً القتلى بنحو نصف مليون شخص، معظمهم مدنيون، مع نزوح مئات الآلاف من ديارهم (USHMM). ولأن هذه الحرب سبقت عصر المسوحات الوبائية الحديثة والتغطية الإعلامية الفضائية، فإن تقديراتها تبقى الأقل دقة من الناحية المنهجية بين الحروب الخمس، إذ تعتمد بالكامل على إعادة بناء تاريخي لاحق وليس على مسوحات معاصرة للحدث، وهو ما يجعل مؤرخين مثل سيسيل إبريل، مؤلف كتاب “الحرب والسلام في السودان 1955-1972″، يعتمدون أساساً على الأرشيف الاستعماري البريطاني وشهادات المشاركين اللاحقة لا على أي إحصاء ميداني معاصر للحدث نفسه.

الفصل الثالث: الحرب الأهلية الثانية (1983-2005) – عشرون عاماً كاملة من أطول حروب القرن العشرين دموية

تُعد هذه الحرب، التي اندلعت بعد نقض الرئيس جعفر النميري لاتفاقية أديس أبابا وفرضه قوانين الشريعة الإسلامية على كامل البلاد عام 1983، وإلغائه للحكم الذاتي الجنوبي، من أطول الحروب الأهلية وأكثرها دموية في القرن العشرين، إذ استمرت 22 عاماً حتى توقيع اتفاقية السلام الشامل في 9 يناير 2005 (مركز تعقب النزاعات العالمية CFR؛ BlackPast، 2024).

تأسيس الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان: وفق دراسة حالة أعدها الباحث سيث كين، فإن الحركة الشعبية لتحرير السودان تأسست عام 1983 من كتيبة 105 التابعة للفرقة الأولى بالجيش السوداني التي تمردت في حاميات جنوب السودان، وشكّل أفرادها نواة الحركة التي رفعت شعار تحرير كل السودانيين المضطهدين، رغم أن أجندتها الفعلية انقسمت بين من أراد وحدة سودانية علمانية ومن أراد انفصالاً جنوبياً كاملاً (Study of Internal Conflict). ويوثق التأريخ الأدق لهذا التأسيس أن جون قرنق دي مابيور، الذي وُلد في 23 يونيو 1945 في قرية بوك بمقاطعة بور، وحصل على بكالوريوس في الاقتصاد من كلية غرينل الأمريكية عام 1969 قبل أن ينضم إلى مقاتلي الأنانيا عام 1970 ثم يعود لاحقاً للخدمة كضابط في الجيش السوداني النظامي حتى أصبح نائباً لمدير فرع البحوث العسكرية في هيئة أركان الجيش بالخرطوم، تولى الإشراف الرسمي في مايو 1983 على مهمة تهدئة كتيبة 105 المتمردة المرابطة في مدينة بور، والتي كانت ترفض إعادة تموضعها في الشمال. غير أن قرنق كان بالفعل طرفاً في مؤامرة تمرد مع ضباط آخرين، فلما هاجمت الحكومة بور في مايو وانسحبت الكتيبة، سلك قرنق طريقاً بديلاً للالتحاق بالمتمردين في معقلهم الإثيوبي، وبحلول نهاية يوليو من العام نفسه كان قد جمع تحت قيادته أكثر من ثلاثة آلاف جندي متمرد ضمن الجيش الشعبي لتحرير السودان المشكَّل حديثاً (Military History Fandom). وتأسست الحركة رسمياً في 16 مايو 1983 على يد قرنق وكيروبينو كوانيين بول وويليام نيون باني، برئاسة قرنق وأمانة عامة تولاها لاحقاً جيمس واني إيغا، واتخذت جوبا مقراً لها بعد الاستقلال (ويكيبيديا، الحركة الشعبية لتحرير السودان). وقد لعب النظام الإثيوبي بقيادة منغستو هيلا مريام دوراً حاسماً في رعاية تأسيس الحركة، إذ ضم صفوفها منشقون عن الكتيبتين 104 و105 إضافة إلى فارّين من ميليشيا “أنانيا 2” ومن أجهزة أمنية سابقة، وفرض عليها منغستو أيديولوجيا ماركسية مركزية موحّدة للسودان تتماشى مع توجهاته الخاصة، رافضاً في المقابل دعم النزعة الانفصالية التي كانت تتبناها أنانيا 2 (ساينس أوبن؛ ريسيرش غيت). وقد صاغ قرنق رؤيته السياسية المعروفة باسم “السودان الجديد”، وهي دولة ديمقراطية تعددية موحّدة يحكمها تحالف الهامش (الجنوب والغرب والشرق والوسط) ضد هيمنة النخبة النهرية العربية الشمالية، وهي رؤية ظلت حاضرة حتى في مفاوضات اتفاقية السلام الشامل التي سعى خلالها لدمج الحل الجنوبي ضمن تسوية شاملة تغطي دارفور المشتعلة آنذاك أيضاً، حتى إنه اقترح انضمام عشرة آلاف جندي من الجيش الشعبي إلى دارفور دعماً لهذا التوجه (مركز موشيه ديان). وقد توفي قرنق، الذي شغل منصب النائب الأول لرئيس الجمهورية لثلاثة أسابيع فقط بعد توقيع اتفاقية السلام، في تحطم طائرة هليكوبتر في 30 يوليو 2005، وأثارت وفاته أعمال شغب واسعة أثارت شكوكاً حول مستقبل الاتفاقية نفسها (ساينس أوبن).

وقد سبق اندلاع هذه الحرب بخمس سنوات، تحديداً عام 1978، سعي النميري للسيطرة على حقول النفط المكتشفة حديثاً في المنطقة الحدودية بين الشمال والجنوب، وهو ما اعتُبر أحد الدوافع الاقتصادية الخفية للحرب إلى جانب أبعادها الدينية والعرقية.

التقدير الأكثر استقراراً في الأدبيات هو مقتل نحو مليوني شخص، مع نزوح ما بين أربعة وخمسة ملايين ونصف مليون آخرين، وهو ما يجعلها من أعلى الحروب فتكاً بالمدنيين منذ الحرب العالمية الثانية بحسب موسوعة “نيو ورلد إنسايكلوبيديا”، وبحسب موسوعة بريتانيكا التي تؤكد أن أكثر من مليوني شخص قُتلوا وما بين 4 و5.5 مليون نزحوا منذ استئناف الحرب عام 1983 وحتى 2005. الجدير بالذكر أن أغلب هذه الوفيات لم تكن نتيجة قتال مباشر، بل نتيجة المجاعة والمرض والتهجير القسري الذي رافق الحرب، وهو نمط سيتكرر في كل الحروب اللاحقة.

لكن هذا الرقم “المليونين” ذاته محل نقاش منهجي: فبعض الدراسات المبكرة، مثل تقارير لجنة اللاجئين الأمريكية (USCR) حول جبال النوبة تحديداً، قدّرت أن نحو 100 ألف من شعب النوبة قُتلوا خلال حملات الجيش السوداني بين عامي 1992 و1993 وحدها، من أصل عدد سكان لم يتجاوز مليون نسمة في ذلك الحين (USHMM). ووثيقة عمل أخرى صادرة عن الباحث نفسه رجّحت أن نحو 600 ألف شخص لقوا حتفهم في جبال النوبة وحدها منذ 1993، ليصل إجمالي القتلى في جنوب السودان وجبال النوبة مجتمعين إلى ما يقارب 1.9 مليون شخص بحلول أواخر التسعينيات، أي قبل نهاية الحرب رسمياً بسنوات (Occasional Witness). هذا التفاوت بين “مليونين” كرقم إجمالي متأخر و”1.9 مليون” كرقم وسيط يعكس طبيعة تراكمية الإحصاء في حرب طويلة الأمد: كل تقدير هو لقطة زمنية جزئية تتضخم مع استمرار القتال، وقد انتهت هذه الحرب فعلياً بتوقيع اتفاقية السلام الشامل التي مهّدت الطريق لاستفتاء تقرير المصير الذي صوّت فيه أكثر من 98% من الجنوبيين لصالح الانفصال في يناير 2011، لتُعلن جمهورية جنوب السودان دولة مستقلة في التاسع من يوليو من العام نفسه.

الفصل الرابع: حرب دارفور (2003-2020) – أكثر الأرقام إثارة للجدل السياسي والقانوني في التاريخ السوداني الحديث

إذا كانت هناك حرب سودانية واحدة تجسّد أزمة “سياسة الأرقام”، فهي دارفور. فمنذ اندلاع التمرد في فبراير 2003 حين حملت جماعات أفريقية السلاح ضد الحكومة المهيمن عليها عربياً، ورد الجيش السوداني بتسليح ميليشيات عربية محلية عُرفت باسم الجنجويد، دخلت التقديرات في دوامة تصاعدية لم تهدأ لعقدين كاملين، وتحولت إلى أول سابقة تاريخية يتهم فيها بلد سيادي بلداً سيادياً آخر رسمياً بارتكاب إبادة جماعية أثناء استمرار النزاع نفسه.

تأسيس حركتي التمرد الرئيسيتين: بدأت جذور التعبئة السياسية في دارفور بنشر وثيقة “الكتاب الأسود: اختلال ميزان السلطة والثروة في السودان” عام 2000، التي وثّقت بالإحصاءات والجداول احتكار العرب النهريين للسلطة والثروة منذ الاستقلال (Military History Fandom). وفي عام 2002 أسس المحامي عبد الواحد محمد النور، إلى جانب أحمد عبد الشافي باسي طالب التربية وشخص ثالث، “جبهة تحرير دارفور” التي تطورت لاحقاً إلى “حركة تحرير السودان”، وغيّرت اسمها رسمياً في 14 مارس 2003 لتوسيع قاعدة عضويتها لتشمل قبائل أخرى في الإقليم إلى جانب الفور (Military History Fandom؛ Insights Sudan Conflict Dataset). أما حركة العدل والمساواة فأسسها الدكتور خليل إبراهيم محمد، المولود عام 1957 في دارفور والذي شغل سابقاً منصب وزير التربية بولاية دارفور بين 1991 و1994 ثم وزير الشؤون الاجتماعية بالنيل الأزرق، وذلك في أغسطس 2001 بينما كان يُتم رسالة الماجستير في الصحة العامة بجامعة ماستريخت الهولندية، عقب حل البرلمان وإعلان حالة الطوارئ من الرئيس البشير وتطهير أنصار حسن الترابي من الحكومة، وهو التيار الذي كان خليل إبراهيم نفسه أحد المنتمين إليه سابقاً عبر حزب المؤتمر الشعبي والجبهة الإسلامية القومية (START.umd.edu؛ Aberfoyle International Security). وقد أعلنت الحركتان وجودهما العسكري المشترك عملياً بهجوم ناجح على مطار مدينة الفاشر العسكري في أبريل 2003، أعقبته هجمات أخرى استهدفت مراكز شرطة وحاميات عسكرية في شمال وغرب دارفور من بينها كمائن قرب قرية قولو وضربات مبكرة في مرتفعات جبل مرة، ما أسفر عن مقتل عشرات من عناصر الحكومة واستيلاء المتمردين على مخازن أسلحة (Grokipedia). ولاحقاً انشق خليل إبراهيم عن حركة العدل والمساواة بعد اغتياله بغارة جوية في 24 ديسمبر 2011 بشمال كردفان، ليخلفه شقيقه جبريل إبراهيم الذي قاد لاحقاً تحالفاً أوسع باسم “الجبهة الثورية السودانية” ضم حركة العدل والمساواة وحركة تحرير السودان بفصيليها (عبد الواحد النور ومني أركو مناوي) والحركة الشعبية لتحرير السودان-قطاع الشمال ومؤتمر البجا الشرقي (Jamestown Foundation، 2025). وقد شهدت حركة العدل والمساواة نفسها انشقاقات متتالية، أولها في مارس 2004 حين تشكلت الحركة الوطنية للإصلاح والتنمية بقيادة جبريل عبد الكريم باري وخليل عبد الله، إلى جانب انشقاق “حركة العدل والمساواة – القيادة الميدانية” بقيادة محمد صالح حربة، وانشقاق جناح آخر بقيادة عبد الرحيم أبو ريشة عُرف بـ”جناح السلام” الذي انبثق عنه لاحقاً جناح الدكتور إدريس أزرق (Insights Sudan Conflict Dataset، 2025). أما حركة تحرير السودان فانقسمت بدورها عام 2006 حول موقفها من اتفاقية سلام دارفور، بين جناح مني أركو مناوي الذي وقّع الاتفاقية في مايو 2006، وجناح عبد الواحد النور الذي رفضها ولا يزال يقود فصيله الرافض حتى اليوم (Military History Fandom).

عبر هذا الإطار من التنظيمات المتشابكة، تسلسلت التقديرات على النحو التالي:

  • 2004: مسح ميداني بتكليف من وزارة الخارجية الأمريكية، نفذته “ائتلاف العدالة الدولية”، أشار الباحث إريك ريفز إلى أن تعميم نتائجه على كامل النازحين في دارفور (نحو مليوني شخص آنذاك) قد يعني نحو 200 ألف قتيل، رغم تحذيرات منهجية من صعوبة تعميم عينة من اللاجئين في تشاد على كل سكان دارفور، خصوصاً أن الأسر المستطلَعة اعتمدت تعريفاً موسعاً لمفهوم “العائلة” شمل الأعمام وأبناء العم، وهو ما زاد هامش الخطأ الإحصائي في الاستنتاج (NBC News).
  • 9 سبتمبر 2004: في شهادة تاريخية أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي، أعلن وزير الخارجية الأمريكي كولن باول رسمياً أن “الإبادة الجماعية قد ارتُكبت في دارفور وأن حكومة السودان وميليشيا الجنجويد تتحملان المسؤولية”، وذلك بعد ستة أسابيع فقط من إصدار الكونغرس الأمريكي قراراً مشتركاً وصف الأحداث بأنها إبادة جماعية، لتصبح هذه أول مرة في التاريخ تتهم فيها دولة ذات سيادة دولة أخرى رسمياً بارتكاب إبادة جماعية فعلية أثناء استمرارها (مركز بوليتزر؛ Sudan Reeves، 2004). لكن باول أضاف بشكل مثير للجدل أن “هذا التصنيف لا يفرض أي إجراء جديد”، مكتفياً بالإحالة إلى مجلس الأمن ضمن قرار كان مخططاً له أصلاً (Global Security، 2004)، وهو ما انتُقد بشدة باعتباره إفراغاً للتصنيف القانوني من أي أثر عملي فعلي.
  • يناير 2005: في مفارقة مؤسسية لافتة، أصدرت لجنة التحقيق الدولية بشأن دارفور، المشكّلة بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1564، تقريراً خلص إلى نتيجة معاكسة تماماً لتصريح باول، مؤكدة أن “حكومة السودان لم تنتهج سياسة إبادة جماعية”، مع التحذير في الوقت نفسه من أن هذا الاستنتاج لا يقلل إطلاقاً من جسامة الجرائم المرتكبة، وأن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في دارفور قد لا تقل خطورة عن الإبادة الجماعية نفسها (هاغينغ فيس، أرشيف الأمم المتحدة). هذا التناقض بين الموقف الأمريكي وموقف لجنة التحقيق الأممية يمثل أول مثال مؤسسي رفيع المستوى على تضارب التصنيف القانوني نفسه، لا الرقم فقط، بين جهتين رسميتين معنيتين مباشرة بنفس الملف.
  • مارس 2005: آخر مسح وفيات مستقل ومعتمد رسمياً، أجرته منظمة الصحة العالمية على 8844 نازحاً في المخيمات، قدّر عدد الوفيات بنحو 10 آلاف شخص شهرياً في ذروة الأزمة، فيما أكد مسؤول الأزمات بمنظمة الصحة العالمية ديفيد نابارو أن هذه المعدلات تؤكد حصيلة إجمالية بلغت 50 ألف قتيل في دارفور منذ 19 شهراً من بدء الصراع وحدها (NBC News).
  • 2006: الدراسة التي أجراها عالما الاجتماع جون هاغان (جامعة نورثويسترن) وألبرتو بالوني (جامعة ويسكونسن)، ونُشرت في مجلة Science المرموقة، اعتمدت منهجية إحصائية أكثر صرامة من التقديرات السابقة، وخلصت إلى أن حصيلة القتلى تتراوح بين 200 و400 ألف شخص، أي أعلى بكثير من عشرات الآلاف التي كانت متداولة إعلامياً حينها (CBS News، 2006).
  • 2006 مجدداً: جان إيغلاند، منسق الشؤون الإنسانية بالأمم المتحدة، أعلن رقم 200 ألف قتيل، وهو الرقم الذي ارتبط لاحقاً بأكبر جدل سياسي، إذ رفضته الحكومة السودانية جملة وتفصيلاً، مؤكدة عبر سفيرها لدى الأمم المتحدة عبد المحمود عبد الحليم أن عدد القتلى الفعلي بالرصاص المباشر لا يتجاوز 10 آلاف شخص، معتبرة أن الفارق يعود إلى خلط متعمد بين ضحايا العنف المباشر وضحايا سوء التغذية والأمراض التي قد تكون لها أسباب أخرى (NBC News). وهذا الرقم الحكومي نفسه، 10 آلاف قتيل فقط، تكرر حرفياً في تصريحات رسمية أخرى للحكومة السودانية بحلول 2009، حين قال بيان صادر عن حكومة الخرطوم إن العدد الفعلي “لا يمكن أن يتجاوز 7 آلاف قتيل” في سياق آخر متعلق بمخيمات غرب دارفور (NBC News).
  • نوفمبر 2006: مكتب المساءلة الحكومي الأمريكي (GAO)، في تقريره الرسمي المرفوع إلى الكونغرس تحت عنوان “أزمة دارفور: تقديرات الوفيات تُظهر جسامة الأزمة لكن دقتها ومصداقيتها بحاجة إلى تعزيز”، راجع ستة تقديرات مختلفة للوفيات في دارفور بمشاركة خبراء من الأكاديمية الوطنية للعلوم، وخلص إلى أن التقديرات الصادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية وجهات أخرى تصل إلى نحو 400 ألف قتيل لفترات وفئات سكانية متفاوتة بين فبراير 2003 وأغسطس 2005 (GAO-07-24، 2006).
  • أبريل 2008: جون هولمز، وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية، أعلن أمام مجلس الأمن أن الحصيلة التراكمية بعد خمس سنوات من الحرب قد ترتفع إلى 300 ألف قتيل، لكنه أقر صراحة بأن الرقم ليس نتاج مسح علمي جديد بل “استقراء معقول” من بيانات 2006 القديمة، وهو ما دفع السفير السوداني مجدداً لوصف الرقم بأنه “مبالغ فيه بشكل صارخ” (Sudan Reeves، 2018؛ رويترز، 2008).
  • أغسطس 2010: الباحث أليكس دي وال، في تحليل مستقل، رجّح أن الحصيلة التراكمية الفعلية للوفيات المباشرة وغير المباشرة معاً قد بلغت 500 ألف شخص، متجاوزاً بذلك رقم هولمز الرسمي بنحو الضعف، مستنداً إلى فجوات كبيرة في البيانات التي استند إليها هولمز نفسه (Sudan Reeves، 2018).
  • دراسة CRED: أجرى الباحثان أوليفييه ديغوم وديبراتي غوها-ساپير من مركز علم أوبئة الكوارث في بلجيكا الدراسة الوحيدة الأخرى ذات المصداقية العلمية بعد تقدير هولمز، ضمن جهد لتقنين منهجية القياس بعيداً عن التصريحات السياسية.
  • مارس 2009 ويوليو 2010: أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي توقيف بحق الرئيس السوداني عمر البشير، الأولى بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، والثانية أضافت ثلاث تهم إبادة جماعية ضد قبائل الفور والمساليت والزغاوة، استناداً إلى إحالة مجلس الأمن للملف إلى المحكمة عام 2005 (الجنائية الدولية، صحيفة معلومات قضية البشير). ووفقاً لبيان الأمم المتحدة الصادر بمناسبة مذكرة التوقيف الثانية، قدّرت الأمم المتحدة أن 300 ألف شخص قُتلوا ونزح 2.7 مليون آخرين منذ اندلاع القتال في 2003 (أخبار الأمم المتحدة، 2010)، وهو الرقم نفسه الذي استمر متداولاً في بيانات الأمم المتحدة اللاحقة حتى عام 2011 حين أكد المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو أوكامبو أمام مجلس الأمن أن حكومة السودان “لا تزال ترتكب إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية” في دارفور (Global Security، 2011)، فيما أعلنت منظمة العفو الدولية عام 2019، في سياق مطالبتها بعدم إفلات البشير من العدالة، أن بعض التقديرات ترجّح أن الحصيلة الفعلية تجاوزت 500 ألف قتيل، متجاوزة بذلك حتى رقم دي وال نفسه (Amnesty International، 2019).
  • 2019: بعد الإطاحة بالبشير في ثورة ديسمبر 2018، فتحت السلطة الانتقالية السودانية تحقيقاً رسمياً في جرائم دارفور منذ 2003، مستخدمة الرقم الأممي نفسه البالغ 300 ألف قتيل ونحو 2.5 مليون نازح كإطار مرجعي رسمي لتحقيقاتها (الجزيرة، ديسمبر 2019).

الخلاصة الأكثر رصانة التي تكرّرها الأدبيات الأكاديمية والتقارير الرسمية الأمريكية هي أن النطاق الموثوق يتراوح بين 200 ألف و400 ألف قتيل خلال الفترة الممتدة من فبراير 2003 حتى أغسطس 2005 وحدها (مكتب المساءلة الحكومي الأمريكي GAO، 2006)، على أن يكون الرقم أعلى من ذلك إذا امتدت فترة الحساب حتى 2020، أي حتى اندماج الحرب فعلياً مع الحرب الحالية عبر استمرار نشاط ميليشيات الجنجويد التي تحوّلت لاحقاً إلى قوات الدعم السريع عام 2013.

الفصل الخامس: حرب جنوب كردفان والنيل الأزرق (2011 – مستمرة) – الحرب الأقل توثيقاً بين الحروب الخمس

بعد استفتاء انفصال جنوب السودان في يوليو 2011، اندلع تمرد الحركة الشعبية لتحرير السودان – قطاع الشمال (SPLM-N) في جبال النوبة بجنوب كردفان في 5 يونيو 2011، قبل أن يمتد إلى ولاية النيل الأزرق في سبتمبر من العام نفسه (ريليف ويب؛ Sudan Reeves، 2011). واجهت الحكومة السودانية التمرد بحملات قصف جوي واسعة استهدفت مناطق مدنية بما فيها مستشفيات ومخازن غذاء، مع تقييد صارم لوصول المساعدات الإنسانية (USHMM). أظهرت الأقمار الصناعية أدلة على مقابر جماعية قادرة على استيعاب آلاف الجثث في محيط كادقلي، مؤكدة روايات شهود عيان قدّموها لمحققي حقوق الإنسان الأمميين ولمشروع “ساتلايت سنتينل” الذي استخدم بيانات استخباراتية بشرية ميدانية في كادقلي نفسها (Sudan Reeves، 2011). وقد وثّق تقرير أممي مسرّب في يوليو 2011 انتهاكات محتملة من الطرفين مع تركيز أشد على اتهامات الحكومة السودانية، من بينها اختفاء قسري واستهداف لموظفي الأمم المتحدة وإعدامات ميدانية، ما دفع وكيلة الأمين العام للشؤون الإنسانية فاليري آموس للمطالبة بتحقيق مستقل ورفع القيود عن وصول المساعدات (Military Wiki).

في عام 2013 وحده قُدّر عدد القتلى بنحو 975 شخصاً، من بينهم 30 مدنياً على الأقل قُتلوا في غارة جوية واحدة استهدفت سوق سومبك فرايداي في 6 سبتمبر من العام نفسه (Global Security). ونزح أو تضرر بشدة أكثر من 800 ألف شخص، فيما عبر أكثر من 227 ألف لاجئ الحدود إلى إثيوبيا وجنوب السودان منذ بدء القتال حتى 2013 وحدها، بحسب بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. كما وثّقت التقارير هجمات متبادلة على المدنيين، إذ نفذت قوات “الجبهة الثورية السودانية” المعارضة هجمات وُصفت بأنها عشوائية على أهداف في شمال وجنوب كردفان في أبريل 2013 أسفرت عن مقتل 30 مدنياً وتسعة من عناصر الجيش، بينما اتهمت الحكومة الجبهة الثورية بتنفيذ إعدامات خارج نطاق القانون بحق أعضاء أحزاب موالية للحكومة في منطقة أبو كرشولا، ما أدى لنزوح 63 ألف شخص إضافي (Global Security).

هذه الحرب، بخلاف الحروب الأربع الأخرى، لم تحظَ قط بمسح وفيات وبائي شامل ومعتمد دولياً، ما يجعل تقديراتها التراكمية الأقل توثيقاً من الناحية الإحصائية الصارمة، رغم استمرارها فعلياً حتى اليوم، إذ اندمجت منذ 2023 مع الحرب الأهلية الجديدة، مع تصاعد الاشتباكات حول كادقلي بين الجيش وقوات الدعم السريع والحركة الشعبية-قطاع الشمال بجناح عبد العزيز الحلو، وسط تصعيد إضافي لصراعات عرقية محلية بين قبيلتي البرتا والحوسا عام 2022 أسفر عن مئات الضحايا ونزوح عشرات الآلاف (تقرير أكابس، 2025).

الفصل السادس: حرب السودان الحالية (أبريل 2023 – مستمرة) – أكبر فجوة في تاريخ القياس الإحصائي السوداني

منذ اندلاع القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023، تحوّلت مسألة عدّ القتلى إلى واحدة من أكثر قضايا القياس إثارة للجدل في تاريخ النزاعات المعاصرة، بفارق قد يصل إلى عشرة أضعاف بين أدنى الأرقام وأعلاها:

  • وزارة الصحة السودانية: وثّقت رسمياً وفاة نحو 12 ألف مدني وصلوا إلى مستشفيات البلاد، وهو رقم أقرت الجزيرة نت نفسها بأنه لا يمثل سوى 10% من إجمالي القتلى الفعلي المقدّر (الجزيرة نت، أبريل 2025). وأشارت تقارير رويترز أيضاً إلى أن الوزارة الاتحادية أعلنت حصيلة رسمية لا تتجاوز 5565 قتيلاً حتى نهاية 2024 (الجزيرة الإنجليزية، نوفمبر 2024)، في نمط تكرار مطابق تماماً لتصريحات الحكومة السودانية في دارفور قبل عقدين حين قصرت الحصيلة على 10 آلاف أو 7 آلاف قتيل فقط.
  • ACLED: رصد المشروع أكثر من 58 ألف حالة وفاة موثقة منذ بداية الحرب حتى منتصف 2026، معتمداً على تتبع الأحداث عبر وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية وحسابات التواصل الاجتماعي الموثقة، لكنه يقر بأن الرقم الفعلي “أعلى من ذلك بالتأكيد” (مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS، 2026).
  • المبعوث الأمريكي الخاص للسودان توم بيريلو: أعلن في مايو 2024 تقديراً بلغ 150 ألف قتيل منذ بداية الحرب، وهو الرقم الذي تبنّته لاحقاً لجنة الإنقاذ الدولية ومنظمات دولية أخرى، رغم أنه لم يستند إلى مسح وبائي جديد بل إلى تجميع تقديرات متفرقة (ACLED Methodology؛ الجزيرة نت، 2025)، وهو الرقم نفسه الذي استقر عليه لاحقاً تقرير “دابانغا” الذي احتسب في ديسمبر 2025 أن إجمالي القتلى منذ بداية الحرب وحتى نهاية تلك السنة بلغ نحو 150 ألف قتيل استناداً إلى تقديرات المبعوث الأمريكي ومنظمات دولية مجتمعة (دابانغا سودان، ديسمبر 2025؛ سودان تربيون بالعربية، ديسمبر 2025).
  • دراسة كلية لندن لصحة المناطق المدارية (LSHTM): نُشرت في مجلة “ذا لانسيت” في نوفمبر 2024، واعتمدت منهجية “الالتقاط وإعادة الالتقاط” على ثلاث قوائم مستقلة للوفيات في ولاية الخرطوم وحدها، الأولى مسح جماهيري عبر منصات التواصل الاجتماعي بين نوفمبر 2023 ويونيو 2024، والثانية اعتمدت على ناشطين مدنيين و”سفراء دراسة” وزّعوا الاستبيان شخصياً عبر شبكات معارفهم، والثالثة جُمعت من منشورات نعي منتشرة في مدن الخرطوم وأم درمان وبحري (الشرق الأوسط، 2024؛ العربي الجديد، 2024). خلصت الدراسة إلى أن 61,202 شخصاً توفوا لجميع الأسباب بين أبريل 2023 ويونيو 2024 في هذه الولاية وحدها، من بينهم 26,024 وفاة بسبب إصابات متعمدة (عنف مباشر)، أي أن ولاية واحدة فقط سجّلت وفيات عنف مباشر تفوق ما رصده ACLED للبلاد بأكملها في الفترة نفسها والبالغ 20,104 حالات وفاة (فويس أوف أمريكا، 2024؛ وكالة اللجوء الأوروبية EUAA، 2025). ولفت الباحثون إلى أن أكثر من 90% من هذه الوفيات، سواء الناتجة عن كل الأسباب أو عن العنف المتعمد تحديداً، ظلت غير مسجلة رسمياً على الإطلاق، وأن القوائم الثلاث مجتمعة لم تلتقط سوى 5% فقط من إجمالي تقديرات الوفيات في الولاية و7% فقط من الوفيات المعزوّة للإصابات المتعمدة (العربي الجديد، 2024)، محذرين في الوقت نفسه من أن مناطق أخرى منكوبة بالحرب مثل دارفور وكردفان ربما شهدت خسائر بشرية مماثلة أو أسوأ من ولاية الخرطوم نفسها (سكاي نيوز عربية، 2024).
  • نقابة أطباء السودان ومجموعة “حماية السودان” الأممية: قدّرتا حصيلة قريبة من 19-20 ألف قتيل موثق، بالتقارب الكبير مع رقم ACLED نفسه (ذا كونفرسيشن، فبراير 2026).
  • تقدير أكاديمي مستقل (جامعة كاليفورنيا بيركلي): استخدم باحثون في الصحة العامة معامل ضرب قياسياً لتحويل الوفيات المباشرة الموثقة (18,916 وفاة وفق ACLED خلال أول 15 شهراً) إلى تقدير إجمالي يشمل الوفيات غير المباشرة، ليصلوا إلى رقم لا يقل عن 62 ألف قتيل (43,507 وفاة غير مباشرة مضافة إلى الوفيات المباشرة الموثقة)، محذرين من أن استخدام معامل ضرب أعلى مستمد من نزاعات أخرى مماثلة قد يرفع عدد الوفيات غير المباشرة وحدها إلى 110 آلاف، أي ما يعني إجمالياً 130 ألف قتيل، أي ضعف تقديرهم المتحفظ الأول (بيركلي للصحة العامة، 2026؛ ذا كونفرسيشن).
  • مدى التباين الأقصى: يشير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن نطاق التقديرات الكلي لعدد الوفيات الناتجة عن العنف المباشر والجوع ونقص الرعاية الصحية مجتمعة يمتد من 150 ألفاً إلى 400 ألف شخص، مع تسجيل أكثر من 3000 غارة جوية وبطائرات مسيّرة منذ اليوم الأول للحرب أسفرت عن 9000 قتيل على الأقل، معتمدة في تسليحها على منظومات صينية وصربية وربما إيرانية، إضافة إلى طائرات مسيّرة أمريكية الصنع ترتبط غالباً بدعم إماراتي (CSIS، 2026).
  • بُعد المجاعة كأحد مسارات الوفاة: أكد وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن في بيان رسمي بتاريخ 7 يناير 2025 أن الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 تسببت في أكبر كارثة إنسانية في العالم، مع وجود 638 ألف سوداني يعيشون بالفعل في مرحلة المجاعة الرسمية وأكثر من 30 مليون شخص بحاجة للمساعدة الإنسانية، إلى جانب “عشرات الآلاف من القتلى” (وزارة الخارجية الأمريكية، بيان تحديد الإبادة الجماعية، 7 يناير 2025).

الفصل السابع: من “التطهير العرقي” إلى “الإبادة الجماعية” – كيف صنّفت واشنطن حرب 2023 قانونياً؟

شهدت حرب 2023 تصاعداً تدريجياً ملحوظاً في التصنيف القانوني الأمريكي الرسمي للانتهاكات، بما يعكس تراكماً في الأدلة لا في حجم الأرقام فقط: ففي ديسمبر 2023، حدد بلينكن أن عناصر من الجيش السوداني وقوات الدعم السريع ارتكبوا جرائم حرب، وأن عناصر من قوات الدعم السريع والميليشيات العربية المتحالفة معها ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية وتطهيراً عرقياً (بيان السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، يناير 2025). ثم في 7 يناير 2025، وقبل أيام فقط من انتهاء ولاية إدارة بايدن، أصدر بلينكن تحديداً رسمياً بأن عناصر قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها ارتكبوا إبادة جماعية في السودان، مستنداً إلى نمط ممنهج من القتل على أساس عرقي استهدف قبائل المساليت والفور والزغاوة تحديداً، بما في ذلك قتل الرجال والفتيان وحتى الرضع الذكور على أساس انتمائهم العرقي، إلى جانب عنف جنسي واسع النطاق ضد النساء والفتيات من الجماعات المستهدفة نفسها، ومنع المدنيين الفارّين من الوصول إلى الإمدادات المنقذة للحياة (وزارة الخارجية الأمريكية، بيان 7 يناير 2025؛ بعثة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة). ورافق هذا التحديد فرض عقوبات من وزارة الخزانة الأمريكية على قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي” بموجب الأمر التنفيذي رقم 14098 (Global Security، يناير 2025).

واللافت أن هذا التحديد جاء بعد عشرين عاماً بالضبط من تحديد مماثل أصدره وزير الخارجية الأسبق كولن باول بحق ميليشيا الجنجويد، سلف قوات الدعم السريع المباشر، والتي أُعيد تسميتها رسمياً “قوات الدعم السريع” عام 2013 مع تحديثات تسليحية شملة استبدال الخيول بمركبات دفع رباعي مزودة برشاشات ثقيلة، ثم إضافة مدفعية وقاذفات صواريخ ومضادات طيران وطائرات مسيّرة لاحقاً (Operation Broken Silence، 2025). وقد وثّق التقرير الأمريكي الصادر عام 2025 حادثة بعينها بوصفها من أبرز الأمثلة المؤكدة على هذا النمط، وهي مذبحة الجنينة في غرب دارفور التي استهدفت المدنيين المساليت بين أبريل ويونيو 2023، والتي وفّرت -بحسب محللين متخصصين في حقوق الإنسان- أحد أقوى قواعد الأدلة المعاصرة على جرائم الحرب نظراً لتوفر صور الأقمار الصناعية وشهادات الناجين الذين عبروا الحدود إلى مدينة أدري التشادية، رغم منع قوات الدعم السريع وصول المحققين الدوليين إلى منطقة الجنينة نفسها (منظمة حقوق الإنسان المتخصصة، 2026). كما استندت وزارة الخارجية إلى نتائج تحقيق مستقل أجراه مركز راؤول والنبرغ لحقوق الإنسان خلص إلى أن قوات الدعم السريع ترتكب إبادة جماعية بحق سكان غرب دارفور من المساليت تحديداً (المركز العالمي للمسؤولية عن الحماية، 2025).

الفصل الثامن: مجزرة الفاشر (أكتوبر 2025) – دراسة حالة مصغّرة لفوضى الأرقام في زمن قياسي

توفر مجزرة الفاشر، التي وقعت عقب سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة يومي 26 و27 أكتوبر 2025 بعد حصار دام نحو 18 شهراً، نموذجاً مصغّراً ومكثفاً زمنياً لكل الديناميكيات المذكورة أعلاه، إذ تفاوتت التقديرات في غضون أيام قليلة فقط تفاوتاً صارخاً يعكس بشكل مكثف عقوداً كاملة من إشكاليات القياس السودانية:

  • في الساعات الأولى، قدّر عاملون إنسانيون عدد القتلى بنحو 2500 شخص، بينما أعلنت نائبة مفوض العون الإنساني السوداني منى نور الدائم في مؤتمر صحفي في بورتسودان بأن العدد تجاوز 2000 قتيل، واصفة ما جرى بأنه إبادة جماعية بحق مدنيين عزّل، مع اتهامات بإعدام مرضى وجرحى في المستشفيات وملاحقة المدنيين الفارّين وإخضاع كثير من الضحايا لعنف جنسي (Africa Defense Forum؛ News on Air، أكتوبر 2025).
  • منظمة “عملية الصمت المكسور” غير الحكومية أشارت في الأيام الأولى إلى تقدير أولي بنحو 3000 قتيل، مع التأكيد على أن الحصيلة الفعلية أعلى من ذلك بكثير، لافتة إلى أن أكثر من مليون شخص فرّوا من منطقة الفاشر الكبرى منذ بداية الحرب، وهو رقم تعتبره الأمم المتحدة نفسها “شبه مؤكد أنه أقل من الواقع”.
  • والي دارفور مني أركو مناوي أعلن بعد أسابيع رقماً أعلى بكثير بلغ 27 ألف قتيل خلال ثلاثة أيام فقط.
  • مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، استناداً إلى مقابلات مع أكثر من 140 ضحية وشاهد عيان في ولاية الشمالية وشرق تشاد، أصدر تقريراً في أوائل 2026 وثّق أكثر من 6000 حالة قتل موثقة خلال الأيام الثلاثة الأولى فقط من الهجوم، مقدّراً أن 4400 شخص على الأقل قُتلوا داخل المدينة نفسها وأكثر من 1600 آخرين أثناء فرارهم عبر طرق الخروج، مؤكداً أن الحصيلة الفعلية لأسبوع كامل من الهجوم “أعلى بشكل قاطع” من هذه الأرقام الموثقة جزئياً (مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فبراير 2026). وشمل التقرير حادثة واحدة موثقة بشهادات متطابقة ومستقلة أظهرت مقتل نحو 500 شخص من بين ألف كانوا محتمين في مبنى سكني تابع لجامعة الفاشر يُعرف بمبنى الرشيد، وحادثة أخرى موثقة بشكل مستقل تفيد بإعدام نحو 600 شخص، بينهم 50 طفلاً، أثناء احتمائهم داخل مرافق الجامعة في 26 أكتوبر نفسه (TRT World، فبراير 2026؛ مفوضية حقوق الإنسان).
  • منظمة الصحة العالمية وثّقت بشكل منفصل مقتل 460 مريضاً ومرافقيهم في مستشفى السعودي للولادة وحده، ضمن سياق أوسع من 285 هجوماً موثقاً على مرافق صحية في عموم السودان أودت بحياة 1204 أشخاص على الأقل حتى تلك اللحظة (أخبار الأمم المتحدة، أكتوبر 2025)، وهذا الرقم لم يُحتسب أصلاً ضمن حصيلة الـ6000 قتيل الموثقة في تقرير الأمم المتحدة لحقوق الإنسان (TRT World، فبراير 2026).
  • في المقابل، نفى الناطق باسم الإدارة السياسية لقوات الدعم السريع “تأسيس” علاء نُقد أي استهداف عرقي ممنهج على الإطلاق، واصفاً رقم 7 آلاف قتيل الذي تداولته وسائل إعلام بأنه “كلام فارغ تماماً”، وقلب الاتهام باتجاه الجيش السوداني وحزب المؤتمر الوطني المحلول متهماً إياهما بإشعال نزاعات عرقية مماثلة في جنوب السودان ودارفور طوال 39 عاماً من الحكم، في نمط تكرر حرفياً مع نفي الحكومة السودانية لأرقام دارفور قبل عقدين (واشنطن إكزامينر، نوفمبر 2025).
  • ويكيبيديا توثّق نطاقاً نهائياً هائل الاتساع يمتد من 6000 قتيل موثق خلال الأيام الثلاثة الأولى فقط إلى تقديرات تتجاوز 60 ألف قتيل حين تُحسب الوفيات الناتجة عن النزوح القسري والاختفاء والاحتجاز، فيما قدّر مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل أن كل السكان المدنيين المتبقين في المدينة، والبالغ عددهم نحو 250 ألف شخص، إما قُتلوا أو نزحوا قسراً أو ما زالوا مختبئين دون أي معلومات موثوقة عن مصيرهم، محذراً من أن انعدام أي حركة أسواق ملحوظة في المدينة يؤكد غياب أي حياة مدنية طبيعية أو حرية تنقل في الفاشر بعد سقوطها.

هذا التفاوت الهائل، من 2000 إلى ما يتجاوز 60 ألفاً خلال أسابيع معدودة، يختصر في حالة واحدة كل إشكاليات القياس التي واجهت السودان منذ 1955: غياب الوصول الميداني المستقل، وتضارب المصالح السياسية للأطراف المعلنة، والفجوة الزمنية بين الحدث والتوثيق الكامل، وهي بالضبط الفجوة نفسها التي استغرقت في دارفور سنوات كاملة (من 200 ألف عام 2004 إلى 500 ألف عام 2010) بينما استغرقت في الفاشر أسابيع معدودة فقط بفضل تطور أدوات التوثيق الفضائي والرقمي.

الفصل التاسع: الحصيلة التراكمية – كم قتل السودانيون فعلياً منذ 1955؟

بجمع النطاقات الدنيا والعليا لكل حرب من الحروب الخمس كما وردت في مصادرها، يمكن تقدير حصيلة تراكمية تقريبية على النحو التالي، مع التأكيد المتكرر على أن هذا الجمع الحسابي البسيط يحمل هامش خطأ مركّباً ضخماً لأنه يجمع منهجيات قياس مختلفة تماماً عبر عقود متباينة من التوثيق، من الاستقراء التاريخي البحت في 1955 إلى تحليل الالتقاط وإعادة الالتقاط والاستشعار الفضائي في 2023-2025:

  • الحرب الأولى (1955-1972): 500 ألف – مليون قتيل.
  • الحرب الثانية (1983-2005): نحو مليوني قتيل (مع تقديرات وسيطة بلغت 1.9 مليون بحلول أواخر التسعينيات).
  • حرب دارفور (2003-2020): 200-500 ألف قتيل (في فترتها الأولى الحادة 2003-2008 وفق النطاق الرسمي الأمريكي والأممي، مع تقدير أعلى من منظمة العفو الدولية يتجاوز 500 ألف، واستمرار وفيات أقل حدة حتى 2020).
  • حرب جنوب كردفان والنيل الأزرق (2011-مستمرة): عشرات الآلاف موثقة جزئياً فقط (975 قتيلاً في 2013 وحدها كمثال توثيقي)، دون مسح شامل يغطي كامل فترة الحرب.
  • حرب 2023 الحالية (مستمرة): 150-400 ألف قتيل بحسب التقديرات الأكثر تداولاً حتى نهاية 2025-بداية 2026، مع إضافة عشرات آلاف القتلى في مجزرة الفاشر وحدها كحدث منفرد.

بجمع الحدود الدنيا فقط لكل حرب، تتجاوز الحصيلة التراكمية للسودان منذ 1955 عتبة 3 ملايين قتيل، بينما قد تقترب الحدود العليا من 5 ملايين قتيل إذا اعتُمدت أعلى التقديرات المتداولة لكل حرب على حدة، بما فيها تقدير منظمة العفو الدولية لدارفور. هذا الرقم، رغم ضخامته، نادراً ما يُذكر مجتمعاً في الأدبيات أو التقارير الدولية، إذ جرت العادة على التعامل مع كل حرب سودانية بمعزل عن سابقاتها، رغم أن الخيوط السياسية والعرقية والجغرافية (خصوصاً في جبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور) تكاد لا تنقطع بين حرب وأخرى، بل إن الفاعلين أنفسهم يتكررون: فميليشيا الجنجويد التي شاركت في حرب 1983-2005 وارتكبت جرائم دارفور 2003-2008 هي نفسها التي تطورت إلى قوات الدعم السريع المتهمة رسمياً بالإبادة الجماعية في حرب 2023-2025، تماماً كما ظل الجيش الشعبي لتحرير السودان الذي أسسه قرنق عام 1983 هو نفسه العمود الفقري لقوات دفاع جنوب السودان الحالية.

الفصل العاشر: الأساطير والإشاعات والتقديرات المضللة عبر سبعين عاماً من الحروب

عبر الحروب الخمس، تكرّرت أنماط محددة من التضليل الإحصائي يمكن تصنيفها كالتالي:

أسطورة “التقليل الحكومي الممنهج”: في كل من دارفور (2006-2009) وحرب 2023، لجأت الحكومة السودانية إلى إعلان أرقام رسمية أقل بعشرات المرات من التقديرات المستقلة (10 آلاف ثم 7 آلاف مقابل 200-500 ألف في دارفور؛ 5565 ثم 12 ألفاً مقابل 61 ألفاً فأكثر في الخرطوم وحدها عام 2023-2024)، مستندة إلى تعريف ضيق للقتلى يقتصر على من وصلوا فعلياً إلى المستشفيات الرسمية، متجاهلة الوفيات في المنازل والطرقات ومخيمات النزوح.

أسطورة “الرقم المتضخم لأغراض الدعوة”: في المقابل، حذّر تقرير معهد بروكينغز من أن بعض جماعات المناصرة بالغت أحياناً في تقدير حصيلة دارفور لإثارة الانتباه الدولي، محذراً من أن المبالغة تقوّض مصداقية كل الإحصاءات اللاحقة وتصعّب الحوار البنّاء، وتدفع النظام السوداني لمزيد من عرقلة وصول فرق الإغاثة لأنه لا يميّز بين جماعات المناصرة السياسية وموردي الإغاثة الفعليين، في غياب تام لهيئة دولية موحدة معتمدة بصلاحية جمع ونشر بيانات الوفيات والاعتلال في حالات الطوارئ (معهد بروكينغز).

أسطورة “الاستقراء العلمي”: تكرر الخلط الإعلامي بين تقديرات مثل رقم 300 ألف في دارفور (2008) أو 150 ألف في حرب 2023 (بيريلو، 2024) باعتبارها نتاج مسح علمي دقيق، رغم أن كلا الرقمين صدر أصلاً كاستقراء سياسي أو دبلوماسي غير مبني على مسح ميداني جديد، وهو ما أقر به مصدرا الرقمين نفسيهما صراحة.

أسطورة “التماثل بين التوثيق والواقع”: يفترض كثير من المتابعين خطأً أن رقماً موثقاً مثل رقم ACLED (58 ألف) أو رقم وزارة الصحة السودانية (5565-12 ألف) يمثل الحصيلة الكاملة، بينما تؤكد كل الدراسات الوبائية المستقلة (كدراسة كلية لندن) أن هذه الأرقام لا تلتقط سوى نسبة ضئيلة، قد لا تتجاوز 5-10%، من إجمالي الوفيات الفعلية.

أسطورة نفي المسؤولية المتبادل: في كل من دارفور والفاشر وحرب 2023 عموماً، اتّبع طرفا النزاع نمطاً متطابقاً من الاتهام المتبادل بشأن سبب الوفيات (القصف الجوي مقابل النيران المباشرة، أو نفي وقوع أي استهداف عرقي ممنهج على الإطلاق)، وهو نمط تكرر حرفياً بين نفي الحكومة السودانية لمسؤوليتها عن مقتل النوباويين في التسعينيات ونفي قوات الدعم السريع لمسؤوليتها عن مجزرة الفاشر عام 2025، إلى حد اتهام قوات الدعم السريع للجيش السوداني نفسه بإشعال النزاعات العرقية في جنوب السودان ودارفور طوال حكم حزب المؤتمر الوطني السابق.

أسطورة “غياب سياسة الإبادة الجماعية” الرسمية: يمثل التناقض بين تحديد وزير الخارجية الأمريكي كولن باول عام 2004 (إبادة جماعية) وتقرير لجنة التحقيق الدولية الأممية عام 2005 (عدم وجود سياسة إبادة جماعية ممنهجة رغم جسامة الجرائم) مثالاً مؤسسياً نادراً على أن التضارب لا يقتصر على الأرقام فقط، بل يمتد إلى التصنيف القانوني للحدث نفسه بين أعلى هيئتين دوليتين معنيتين بالملف، وهو تضارب لم يُحل رسمياً حتى اليوم رغم تكرار التحديد الأمريكي بالإبادة الجماعية مرة أخرى عام 2025 بحق قوات الدعم السريع.

أسطورة انتشار الشائعات عبر منصات التواصل الاجتماعي: أشارت دراسة كلية لندن نفسها إلى اعتمادها الجزئي على منشورات النعي على وسائل التواصل الاجتماعي كأحد مصادر قوائم الوفيات الثلاث المستقلة، وهي ظاهرة شائعة في مدن الخرطوم وأم درمان وبحري، لكنها في الوقت ذاته مصدر يحمل مخاطر مضاعفة ومبالغات غير موثقة تتطلب تدقيقاً متقاطعاً صارماً قبل اعتمادها كمصدر إحصائي مستقل.

الفصل الحادي عشر: لماذا تُوظَّف الأرقام سياسياً؟

الأرقام في الحروب الأهلية السودانية الخمس ليست مجرد إحصاءات محايدة، بل أدوات في صراع سياسي وقانوني أوسع. فارتفاع الرقم يخدم الأطراف التي تسعى لتصنيف الحدث كـ”إبادة جماعية” وتحريك آليات المساءلة الدولية، كما حدث مع التحديد الأمريكي الرسمي المزدوج لقوات الدعم السريع بارتكاب إبادة جماعية في دارفور، أولاً بحق سلفها الجنجويد عام 2004 على يد كولن باول، ثم بحقها هي نفسها عام 2025 على يد أنتوني بلينكن، استناداً إلى نمط الاستهداف العرقي الممنهج ضد قبيلتي المساليت وغيرها من الجماعات غير العربية (مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، 2026؛ وزارة الخارجية الأمريكية، 2025). في المقابل، يخدم تقليل الرقم مصلحة الأطراف المتهمة في التنصل من المسؤولية القانونية والسياسية، سواء كانت حكومة الخرطوم في مواجهة اتهامات دارفور التاريخية أو قوات الدعم السريع في مواجهة اتهامات الفاشر الحديثة، وهو ما يفسر رفض المحكمة الجنائية الدولية لطلبات إفلات البشير من العدالة رغم مذكرتي التوقيف الصادرتين بحقه منذ 2009 و2010، ورغم قرار الاتحاد الأفريقي عام 2009 بعدم التعاون مع مذكرة التوقيف بحجة أنها تهدد جهود السلام في دارفور، ورغم إعلان المدعية العامة اللاحقة فاتو بنسودا عام 2014 تعليق ملاحقة قضية البشير بسبب غياب أي آلية إنفاذ دولية فعلية.

وبين هذين القطبين، تقف المنظمات الأممية والبحثية المستقلة في موقع أصعب: فهي مطالَبة بتقديم رقم دقيق علمياً في بيئة يستحيل فيها الوصول الميداني الكامل، ما يجعلها عرضة دوماً لاتهامها إما بالمبالغة من طرف أو بالتقليل من الطرف الآخر، بصرف النظر عن صرامة منهجيتها، تماماً كما حدث مع لجنة التحقيق الدولية الأممية التي اتُهمت عام 2005 بالتخفيف من وطأة الجرائم حين رفضت تصنيفها كإبادة جماعية رغم تأكيدها الصريح على جسامة الجرائم المرتكبة، بينما اتُهم في المقابل تحديد باول بالتسييس لأنه لم يُترجَم عملياً إلى أي إجراء دولي ملزم جديد بحسب اعترافه هو نفسه أمام الكونغرس.

خاتمة نقدية

خمس حروب أهلية، وسبعون عاماً تقريباً من القتال شبه المتواصل، ولا رقم واحد متفق عليه لعدد الضحايا. هذا ليس فشلاً إحصائياً عابراً، بل هو انعكاس بنيوي لطبيعة الدولة السودانية نفسها: دولة لم تُنتج يوماً جهازاً إحصائياً حيوياً (تسجيل مواليد ووفيات) قادراً على العمل في زمن السلم، فكيف بزمن الحرب؟ ودولة تتكرر فيها أطراف النزاع ذاتها -الجيش، والحركات المسلحة الجنوبية والغربية التي تنشق بلا توقف (كما رأينا في انقسامات حركة العدل والمساواة وحركة تحرير السودان)، وميليشيات عربية مسلحة تحوّلت من الجنجويد إلى الدعم السريع- عبر عقود متلاحقة، بينما يُعاد كل مرة اختراع عجلة القياس من الصفر دون أي أرشيف تراكمي موحد يربط بين الحروب، ودون أي هيئة دولية واحدة معتمدة بصلاحية جمع وتوحيد بيانات الوفيات عبر كل هذه الحروب مجتمعة.

الدرس الأهم المستخلص من هذا الاستعراض هو أن الفجوة بين “الرقم الموثق” و”الرقم الحقيقي المرجح” ليست ثابتة، بل تتراوح تاريخياً بين ضعفين وعشرة أضعاف بحسب توفر الوصول الميداني وحداثة أدوات القياس. فكلما تقدمنا زمنياً من حرب 1955 إلى حرب 2023-2025، تحسنت أدوات القياس (من الاستقراء التاريخي البحت إلى الاستشعار الفضائي وتحليل الالتقاط وإعادة الالتقاط)، وتقلّصت الفجوة الزمنية بين الحدث والتوثيق الأولي من سنوات (كما في دارفور بين 2004 و2010) إلى أسابيع فقط (كما في الفاشر بين أكتوبر 2025 وفبراير 2026)، لكن الفجوة السياسية بين الأطراف المتحاربة، وحدة إنكارها المتبادل، وتضارب التصنيف القانوني نفسه بين “جرائم حرب” و”تطهير عرقي” و”إبادة جماعية”، لم تتقلص بالمقدار نفسه، بل لا تزال تتكرر بالمفردات والحجج ذاتها التي استُخدمت قبل عقدين كاملين. وهذا يعني عملياً أن أي باحث أو صانع سياسة يتعامل مع أرقام القتلى في السودان مطالَب بتبنّي نطاقات احتمالية (ranges) بدل أرقام قاطعة، وبالتمييز الصارم دوماً بين الوفيات الموثقة مباشرة والوفيات المقدَّرة إحصائياً، وبين التقدير العلمي والاستقراء السياسي، وبين التصنيف القانوني الرسمي والواقع الميداني الفعلي، إذا أراد فهم حجم الكارثة السودانية المتكررة دون الانزلاق إلى فخ أي من الأساطير المذكورة أعلاه.

قائمة المراجع

  1. Aberfoyle International Security. Dr. Khalil Ibrahim – Darfur Rebel Challenges Sudan’s Power Structure. 2010 Jan 30. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  2. Africa Defense Forum. Videos Reveal Brutality Unleashed by RSF in El-Fasher. 2025 Dec 2. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  3. Al Jazeera English. Sudan war death toll much higher than previously recorded, new study finds. 2024 Nov 14. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  4. Amnesty International. Why former Sudan president Omar al-Bashir must not escape justice. 2019 Apr 8. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  5. BlackPast.org (Momodu S). First Sudanese Civil War (1955-1972). 2020 Jan 23. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  6. BlackPast.org. Second Sudanese Civil War (1983-2005). 2024 Nov 27. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  7. Brookings Institution. Darfur Debated. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  8. CBS News. Darfur Death Toll Estimated Much Higher Than Previously Reported. 2006. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  9. Council on Foreign Relations (CFR). Civil War in Sudan – Global Conflict Tracker. 2026. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  10. Center for Strategic and International Studies (CSIS). The Sudan War in 10 Charts. 2026. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  11. Dahab M, et al. War-Time Mortality in Sudan: A Capture-Recapture Analysis. The Lancet. 2024 Nov 27.
  12. Dayan Center (Back I). John Garang’s Vision for a “New Sudan” – A Contemporary Perspective. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  13. European Union Agency for Asylum (EUAA). Sudan Country of Origin Information – Civilian casualties. 2025. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  14. Global Centre for the Responsibility to Protect. Joint Statement: Genocide Returns to Darfur. 2025 Apr 15. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  15. Global Security. ICC Prosecutor: Bashir Still Committing Crimes in Darfur. 2011 Jun 8. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  16. Global Security. No New U.S. Action Dictated by Finding of Genocide in Darfur. 2004 Sep 9. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  17. Global Security. Sudan – Two Areas Conflict – 2013. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  18. Global Security. Sudan – 4th Civil War – 2025 – Genocide. 2025. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  19. Grokipedia. Justice and Equality Movement. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  20. Hagan J, Palloni A. Death toll estimate in Darfur, Sudan. Science. 2006.
  21. Helion & Company. First Sudanese Civil War (1955-1972). (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  22. Insights I Sudan Conflict Dataset (Abu Bakr). Armed Movements: Their Intersections and Expected Roles in the Ongoing Conflict. 2025 Sep 17. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  23. International Criminal Court (ICC). Al Bashir – Case Information Sheet. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  24. Jamestown Foundation. Keeping It in the Family: A Profile of Jibril Ibrahim, Leader of Darfur’s Justice and Equality Movement. 2025 Jul 22. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  25. Military History Fandom. John Garang. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  26. Military History Fandom. Sudan Liberation Movement/Army. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  27. Military History Fandom. Sudanese conflict in South Kordofan and Blue Nile. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  28. New York City Bar Association. Statement Addressing the Escalating and Urgent Humanitarian Crisis and Genocide in Darfur, Sudan. 2025 Jul 2. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  29. Operation Broken Silence. Thousands murdered as El Fasher falls to Rapid Support Forces. 2025 Dec 8. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  30. Operation Broken Silence. Understanding the U.S. State Department’s genocide determination in Sudan. 2025 May 1. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  31. Pulitzer Center. Inside Colin Powell’s Decision to Declare Genocide in Darfur. 2011 Aug 17. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  32. ReliefWeb. Conflict in South Kordofan / Nuba Mountains – Sudan. 2011 Sep 15. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  33. ReliefWeb (Refugees International). Sudan: Powell calls Darfur genocide – now what? 2004. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  34. Reeves E (occasionalwitness.com). Quantifying Genocide in the Southern Sudan 1983-1993, Working Document II. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  35. ScienceOpen (International Crisis Group author). John Garang’s legacy to the peace process, the SPLM/A. 2005 Dec 1. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  36. SudanReeves.org (Reeves E). Blue Nile State (Sudan) and the Resumption of Country-wide War. 2011 Sep 4. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  37. SudanReeves.org (Reeves E). Now Ten Years Since the UN Offered a Mortality Estimate for the Darfur Genocide. 2018 Apr 22. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  38. SudanReeves.org (Reeves E). Secretary of State Colin Powell’s Genocide Determination: What it does, and doesn’t, mean for Darfur. 2004 Sep 10 (نُشر 2014 May 6). (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  39. START.umd.edu. Justice and Equality Movement (JEM) Narrative. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  40. The Conversation (public health scholars, UC Berkeley). Sudan’s civil war has left at least 62,000 dead by our estimate. 2026 Feb 4. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  41. UN Human Rights Office (OHCHR). Sudan: RSF violations in capture of El Fasher amount to war crimes. 2026 Feb 13. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  42. UN News. Darfur: ICC charges Sudanese President with genocide. 2010 Jul (نُشر أرشيفياً 2018 Mar 7). (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  43. UN News. ICC issues arrest warrant for Sudanese President for war crimes in Darfur. 2009 Mar 4. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  44. UN News. Reported massacre at hospital in Sudan’s El Fasher leaves 460 dead. 2025 Oct 30. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  45. US Department of State. Genocide Determination in Sudan and Imposing Accountability Measures. 2025 Jan 7. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  46. US Government Accountability Office (GAO). Darfur Crisis: Death Estimates Demonstrates Severity of Crisis, but Their Accuracy and Credibility Could Be Enhanced (GAO-07-24). 2006 Nov 9. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  47. US Holocaust Memorial Museum (USHMM). A Country Divided. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  48. US Holocaust Memorial Museum (USHMM). Darfur – Holocaust Encyclopedia. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  49. US Holocaust Memorial Museum (USHMM). Enormous Loss of Civilian Life. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  50. US Holocaust Memorial Museum (USHMM). Museum Statement on US State Department’s Determination of Genocide in Darfur. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  51. US Mission to the United Nations. Statement by Ambassador Linda Thomas-Greenfield on the Determination of Genocide in Sudan. 2025 Jan 7. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  52. VOA News. Death toll from Sudan’s brutal civil war far exceeds previous estimates, study suggests. 2024 Nov 26. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  53. VOA News. Prosecutors Urge ICC to Charge Bashir With Genocide. 2009 Jul 7. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  54. Washington Examiner. Top RSF commander estimates at least 7,000 civilians killed in El Fasher massacre in Sudan. 2025 Nov 5. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  55. Wikipedia. El Fasher massacre. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  56. Wikipedia. First Sudanese Civil War. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  57. Wikipedia. John Garang. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  58. Wikipedia. Justice and Equality Movement. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  59. Wikipedia. Second Sudanese Civil War. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  60. Wikipedia. Sudan People’s Liberation Movement. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  61. World History Edu. History & Major Facts about the Second Sudanese Civil War (1983-2005). 2024 May 18. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  62. الجزيرة نت. حصاد عامين من حرب السودان بالأرقام. 2025 Apr 20. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  63. الجزيرة. سودان يفتح تحقيقاً في جرائم دارفور ضد شخصيات من عهد البشير. 2019 Dec 22. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  64. الراكوبة. باحثون: قتلى حرب السودان أعلى بكثير من المسجَّل على الأرجح. 2024 Nov 14. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  65. الشرق الأوسط. باحثون: قتلى حرب السودان أعلى بكثير من المسجَّل على الأرجح. 2024 Nov 14. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  66. الشرق الأوسط. حرب السودان تبلغ يومها الـ500 وتوقع آلاف الضحايا. 2024 Aug 27. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  67. العربي الجديد. تقديرات بأن قتلى حرب السودان أعلى بكثير من المسجل. 2024 Nov 14. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  68. دابانغا سودان. مأساة حرب السودان كما تعكسها الأرقام في العام 2025. 2025 Dec 24. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  69. سكاي نيوز عربية. حرب السودان.. بحث يكشف مأساة 130 ألف ضحية. 2024 Nov 1. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  70. سودان تربيون (بالعربية). مأساة حرب السودان كما تعكسها الأرقام في العام 2025. 2025 Dec 24. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
  71. نيوز أون إير (News on Air). Over 2,000 Civilians Killed by RSF in El Fasher, Sudan Government Says. 2025 Oct 30. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026)
Author
د. عبد المنعم مختار

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
تفويض من لا يملك لمن لا يستحق .. بقلم: حسن الجزولي
منبر الرأي
السلاح الكيميائي في السودان… من الاتهام إلى البحث عن الحقيقة
منبر الرأي
مناوي: توازنات القوى في دارفور (٢)
منبر الرأي
تهاون نخبتنا: هل يقود البلاد إلى الفصل السابع؟ .. بقلم: صلاح شعيب
منبر الرأي
الترابي لم يمت

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

تدشين مجموعة “أثقال في ضمير الوردة” للكاتبة إيثار يوسف .. بقلم: د. محمد بدوي مصطفى

د. محمد بدوي مصطفى
منبر الرأي

الصراع مابين العروبة والافريقية في السودان .. بقلم: د. احمد محمد عثمان ادريس

د . أحمد محمد عثمان إدريس
منبر الرأي

لا تنه عن خلق وتاتي مثله .. عار عليك اذا فعلت عظيم .. ابدا بنفسك وانهها عن غيها !!! بقلم: د. حافظ قاسم

طارق الجزولي
منبر الرأي

ما يطلبه اللاجئ في يومه العالمي .. بقلم: أحمد كانم

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss