الصادق حمدين
أي كوز ندوسو دوس… ما بنخاف ما بنخاف لم تكن مجرد عبارة هتفت بها حناجر ثوار ديسمبر المجيدة في الشوارع والميادين، بل كانت اختصاراً لغضب جماهيري تراكم لأكثر من ثلاثين عاماً من حكم الإنقاذ؛ ثلاثين عاماً من بحور الدم والقتل والتمكين والقمع والفساد وتسييس مؤسسات الدولة، ومحاولة تحويل الوطن إلى ملك لتنظيم سياسي عقائدي فاشي والمواطن إلى تابع لسلطته.
لكن “ندوسو”، في هتاف ديسمبر، لم تكن دعوة إلى دوس الكوز أو الاعتداء على جسده، وإنما كانت تعبيراً رمزياً عن دوس سلطة القهر والتمكين، وإسقاط الامتيازات التي وضعت أصحابها فوق القانون، وكسر حاجز الخوف الذي حكم به النظام البلاد. وهذا فارق جوهري؛ لأن ديسمبر اختارت السلمية طريقاً للتغيير، ورفعت شعار حرية، سلام، وعدالة بدلاً من الانتقام والثأر.
الكوز لا يخاف سقوط الكرسي
سقوط السلطة وحده قد لا يكون أكثر ما تخشاه المنظومة الكيزانية العقائدية المغلقة؛ فالوجوه والملامح قد تتغير، وشبكات المصالح والنفوذ قد تبقى. أما ما ينبغي أن تخشاه حقاً فهو اليوم الذي يصبح فيه المسؤول السابق مواطناً عادياً أمام مؤسسات قانونية مستقلة، ويُفتح السؤال عن مصادر الثروة، وعقود الدولة، والأراضي، والذهب، والفساد، والاعتقالات، والتعذيب، والقتل، واستغلال أجهزة الدولة لمصلحة الحزب الواحد الأوحد الصمد.
عندها يتحول “الدوس” من هتاف في الشارع إلى فعل دولة القانون: تحقيق، ومساءلة، ومحاكمة، واسترداد للمال العام، وتنفيذ للأحكام.
وهذا هو الدوس الذي ينبغي أن تخشاه منظومة الاستبداد التي لبست الدين عباءة أكثر من أي شيء آخر. لسنا بحاجة إلى أن ندوس جسد الكوز؛ فأقدام الشعب السوداني أطهر من أن تدنسها القذارة. يكفي أن ندوس سلطته. ولسنا بحاجة إلى إذلاله؛ فإذلاله لا ينتقص منه بقدر ما ينتقص منا. يكفي أن ننزع عنه الحصانة التي منحته إياها السلطة. ولسنا بحاجة إلى الانتقام منه؛ يكفي أن نضعه ذليلاً مهاناً، أمام قاض مستقل لا يعرف كوزاً ولا ثائراً، وإنما يعرف متهماً ودليلاً وقانوناً.
هكذا تفكر الدول المحترمة.
لا نريد الانتقام من الكيزان، بل إنهاء الكوزنة.
ديسمبر لم تقل: انتقموا، بل قالت: أسقطوا الخوف. وهنا تكمن عظمة الثورة. فقد كان الغضب قادراً على الانزلاق إلى الثأر، لكنها اختارت طريقاً آخر: دولة تحكمها العدالة، لا استبدال جلاد بجلاد.
ولهذا فإن السلمية لم تكن ضعفاً، بل كانت موقفاً سياسياً وأخلاقياً يقول إن السودان الجديد لا يمكن أن يُبنى بأدوات السودان القديم؛ وإلا فما الفرق بين القديم والجديد؟
لقد عاش نظام الإنقاذ على صناعة الخوف: الخوف من الأمن والاعتقال وفقدان الوظيفة والكلام، بل وحتى التفكير بصوت مرتفع. ثم جاءت ديسمبر لتقلب المعادلة: المواطن لم يعد يخاف من السلطة، والسلطة بدأت تخاف من المواطن. ولهذا كان “ما بنخاف” أهم من “ندوسو دوس”؛ لأن كسر الخوف هو الذي أسقط الهيبة المصطنعة وإدعاء الوقار والهالة الزائفة التي اتقنها الكوز.
نحن لا نريد الانتقام من الكيزان، بل نريد إنهاء الكوزنة بوصفها عقلية حكم: التمكين، واحتكار الدولة، وتوزيع الوظائف على أساس الولاء الحزبي، واستخدام الدين لتبرير السلطة، وإخضاع المؤسسات للتنظيم، واعتبار الوطن غنيمة لمن يمتلك مفاتيح الحكم.
الدوس الذي يليق بديسمبر
لذلك، عندما نقول: “أي كوز ندوسو دوس… ما بنخاف ما بنخاف”، فلنقلها بلا لبس: هذا ليس تراجعاً عن غضب ديسمبر، بل تحويل لغضبها إلى مشروع دولة. فالإنسان، حتى وإن كان “كوزاً”، لا تسلبه الثورة إنسانيته التي انكرها على الآخرين؛ فالثوار ليسوا مثلهم.
الانتقام قد يشبع الغضب لحظة، لكنه لا يبني وطناً. أما العدالة فتهزم المستبد مرتين: مرة حين تسقط سلطته، ومرة حين تثبت أن القانون أصبح أقوى منه. ولهذا فإن “الدوس” الحقيقي ليس أن نطأ “كوزاً” بأقدامنا، بل أن نطأ غطرسته واستبداده وكذبه ونفاقه تحت أقدام دولة القانون.
أي كوز ندوسو دوس… ما بنخاف ما بنخاف. لا نريد أن نكون مثلهم. نريد سوداناً لا يكون فيه أحد فوق القانون؛ سوداناً يبدأ وينتهي بشعار:
حرية… سلام… وعدالة. فالثورة قد تتعثر، لكنها لا تسقط. فسلام على شهداء وأبطال ثورة ديسمبر الخالدة في الدارين.
