باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الإثنين, 7 سبتمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد الرحيم عبد الحليم محمد عرض كل المقالات

الحقيبة أضاءت السماء بلغة الحب

اخر تحديث: 7 سبتمبر, 2026 10:24 صباحًا
شارك

الحقيبة أضاءت السماء بلغة الحب
من قمر أم درمان إلى شمس شكسبير وقمر شيراز
د عبدالرحيم عبد الحليم محمد
abdelrmohd@hotmail.com
للقمر حكاية طويلة مع الشعر، غير أن دخوله إلى أغنية الحقيبة السودانية كان دخولاً استثنائياً؛ إذ لم يدخل وحده، بل جاء بسمائه كلها. جاء بالبدر والهلال والثريا والنجوم والكواكب والأفلاك والنور والضياء والليل والصباح. ولهذا يبدو أن عبارة «القمر في الحقيبة» أضيق من الظاهرة نفسها؛ فشاعر الحقيبة لم يكتف بأن يشبّه المرأة بالقمر، وإنما أدخل الكون كله في تجربة الحب، حتى كأن الحقيبة أضاءت السماء بلغة الحب.
وما يلفت النظر أن هذه الجرأة الكونية ليست بعيدة عن واحد من أشهر مشاهد الحب في الأدب العالمي: مشهد الشرفة في روميو وجولييت. فروميو لا يرى جولييت مجرد فتاة جميلة تحت ضوء القمر؛ إنه يعيد، من أجلها، ترتيب السماء:
“Arise, fair sun, and kill the envious moon.”
إنها الشمس التي ينبغي لها أن تشرق لتقتل القمر الحسود. وما أجرأ الصورة: القمر نفسه يغار من المرأة.
وهنا، وعلى مسافة القرون واللغات، يبدأ حوار عجيب بين فيرونا وأم درمان.
فمن أبهى أبواب هذا العالم أبو صلاح وهو ينادي:
«يا بدور القلعة وجوهرا»
ثم لا يكتفي بالبدر، بل يرفع الجمال إلى الثريا:
«الثريا الفوق أهل الثرى»
فنحن أمام حركة صعود متصلة: من القلعة إلى البدر، ومن البدر إلى الثريا، ومن الثرى إلى السماء. المكان سوداني، لكن مقياس الجمال كوني. وهذا ما يمكن تسميته سودنة السماء في شعر الحقيبة؛ فالقلعة لم تعد حياً أرضياً فقط، وإنما صار لها فلكها وبدورها وثريّاها.
وفي روميو وجولييت تحدث حركة مشابهة، ولكن في الاتجاه الآخر. ينظر روميو إلى جولييت في النافذة فيقول:
“But, soft! what light through yonder window breaks?”
إنه لا يسأل: من هذه المرأة؟ وإنما يسأل عن الضوء الذي انبثق من النافذة. ثم تأتي القفزة الكبرى:
“It is the east, and Juliet is the sun.”
جولييت لم تعد تشبه الشمس؛ جولييت هي الشمس.
وهذه نقطة التقاء مدهشة مع الحقيبة. فالحقيبة أيضاً كثيراً ما تتجاوز أداة التشبيه. لا تقول دائماً: أنت مثل البدر، وإنما تقول:
«إنت بدر السما في صفاك»
ثم:
«إنت بدر وكيف الخدر ظلاك»
هنا كما عند شكسبير يحدث الانتقال نفسه من التشبيه إلى التحول. جولييت هي الشمس، ومحبوبة الحقيبة هي البدر. لم يعد الجرم السماوي أداة لقياس الجمال؛ لقد أصبح هوية المحبوب نفسه.
غير أن الحقيبة تضيف مفارقتها السودانية الخاصة: كيف يستطيع الخدر أن يحجب بدراً؟
البدر في السماء والخدر في البيت، البدر ظاهر والخدر ساتر، والبدر يفيض ضوؤه على الناس، بينما الخدر يحجب من بداخله. لكن قوانين الفلك تتعطل حين يدخل الحب. لقد هبط البدر من السماء ودخل الخدر.
والمفارقة نفسها تقريباً تحدث عند شكسبير؛ فجولييت في نافذة بيت آل كابوليت، ولكن روميو لا يرى البيت ولا الجدار ولا النافذة: يرى الشرق كله، ويرى الشمس طالعة منه. المكان المنزلي الصغير ينفتح فجأة على الكون. وهكذا يفعل الخدر في الحقيبة ما تفعله النافذة في فيرونا: كلاهما إطار أرضي يطل منه جرم سماوي بشري.
وعندما يقول أبو صلاح:
«الكواكب احتفلوا بالقمر»
فإننا نتجاوز التشبيه إلى شيء أكثر جرأة. الكواكب لم تعد أجراماً صامتة؛ إنها تحتفل. والقمر لم يعد مجرد ضوء؛ إنه المحتفى به. والسماء كلها تحولت إلى ليلة فرح. ثم يتسع المشهد إلى نجمة السحر والبدر والبروق والنجم، حتى نشعر أننا أمام حفل غنائي أقيم فوق الأرض والسماء معاً.
وعند شكسبير أيضاً لا تبقى النجوم محايدة. يقول روميو عن عيني جولييت إنه لو قامت عيناها مقام نجمين في السماء:
“Two of the fairest stars in all the heaven…”
ثم يتخيل أن ضياء وجنتيها سيجعل النجوم تخجل كما يخجل المصباح أمام النهار.
وهنا نصل إلى واحدة من أجمل المصادفات الشعرية بين العالمين، لأن الحقيبة تقول:
«أخجل البدر ثغرها الوضاح»
يا للمقاربة!
عند شكسبير تخجل النجوم أمام ضياء جولييت، وعند شاعر الحقيبة يخجل البدر أمام ثغر المحبوبة. وفي الحالتين لم تعد السماء هي المعيار الأعلى للجمال. لقد انهزمت السماء أمام الإنسان.
بل إن الحقيبة أكثر اقتصاداً ومرحاً: الذي هزم البدر ليس وجه المحبوبة كله، وإنما ثغرها وحده. جزء صغير من الجمال الأرضي كان كافياً لإحراج بدر كامل.
وهذا يعيدنا إلى القمر «الحسود» عند شكسبير:
“The envious moon”
فالجرم السماوي لم يعد سيد المشهد؛ إنه يغار ويخجل ويُهزم.
وفي الحقيبة يذهب الأمر إلى أبعد من ذلك حين يواجه العاشق البدر مواجهة شخصية:
«كل يوم يا بدر أنا ليك بالمرصاد»
ولفظ «بالمرصاد» ينقل القمر من الطبيعة إلى الدراما. هناك خصومة لطيفة بين الرجل والبدر، وهناك ترقب وتحدٍّ. أصبح البدر شخصية في قصة الحب، لا تشبيهاً معلقاً في هامشها.
وشكسبير، من جهته، يجعل روميو يدخل في خصومة مشابهة مع القمر حين يطلب من شمس جولييت أن تقتله. فكأن العاشقين، في فيرونا وأم درمان، لم يعودا يكتفيان باستعارة السماء، بل أخذا يتدخلان في شؤونها الداخلية.
روميو يريد القضاء على القمر:
“kill the envious moon”
وعاشق الحقيبة يقف للبدر:
«بالمرصاد».
فما الذي فعله القمر ليستحق كل هذه العداوة من العشاق؟
ربما لأنه المنافس القديم للمحبوبة.
ثم تأتي تلك العبارة السودانية العجيبة في بساطتها:
«القمر بوبا عليك تقيل»
وهنا تنقلب المعادلة مرة أخرى. ليست الجميلة كالقمر، بل القمر شيء إضافي عليها، حتى يخشى الشاعر من ثقله. كأن الجمال اكتمل فيها قبل حضور القمر، فلم يعد القمر معياراً للحسن بل أصبح حملاً زائداً على الجمال.
وهذه، على بساطتها الشعبية، تقف في جوار خيال شكسبير نفسه. فكلا الشاعرين يسحب من القمر سلطته التقليدية. عند شكسبير القمر حسود شاحب، وعند الحقيبة أصبح القمر شيئاً قد يكون «تقيل» على المحبوبة. وفي الحالتين تُنزع السيادة الجمالية من السماء وتُمنح للمرأة.
لكن جولييت نفسها لا تثق بالقمر.
حين يقسم روميو بحبه تحت ضوئه، تقول له:
“O, swear not by the moon, th’ inconstant moon.”
لا تقسم بالقمر المتقلب.
وهذه إضافة بالغة الأهمية إلى قاموسنا القمري. فالقمر عند الحقيبة غالباً جمال واكتمال وضياء، أما جولييت فتلتقط فيه معنى آخر: التغير. إنه يكبر ويصغر، يظهر ويختفي، ولذلك لا يصلح ضماناً للحب الثابت.
وهكذا تتسع دلالات القمر: جميل في الحقيبة، حسود عند روميو، ومتقلب في نظر جولييت.
ثم يطل سيد عبد العزيز بقمر بعيد:
«لي نية في قمر السما
مقاصدي آه ما أجسما»
وهنا يصبح القمر رمزاً للمقصد المستحيل. نراه ولا نبلغه، نعرف مكانه ولا نملك سلماً إليه. وهذه مأساة الحب في صورتها القمرية: قريب من العين، بعيد من اليد. ولذلك فالمحبوبة ليست كالقمر هنا؛ إنها «قمر السما» نفسه، والعاشق صاحب مقصد جسيم لأنه يريد الوصول إلى ما لا يُوصل إليه.
وهنا أيضاً نجد روميو قريباً جداً.
جولييت أمامه يراها بعينيه، لكن بينهما اسم وعائلة وعداء وجدار وتاريخ. إنها حاضرة ومستحيلة في الوقت نفسه. السماء التي تفصل عاشق الحقيبة عن «قمر السما» تقابلها في فيرونا المسافة الاجتماعية الدامية بين مونتاغيو وكابوليت.
ولهذا يصبح الحب عند الاثنين محاولة للوصول إلى جرم قريب بالنظر مستحيل بالمسافة.
ثم تبلغ الصورة الحقيبية درجة أبعد:
«إنت كوكب نور تشتهي الأفلاك»
وهنا تحدث ثورة صغيرة في اتجاه الرغبة.
عادةً يشتهي الإنسان النجوم. أما هنا فإن الأفلاك هي التي تشتهي الإنسان.
لقد انعكس اتجاه العشق كله. المحبوبة لم تعد تنظر إلى السماء؛ السماء هي التي تنظر إليها.
وهذا قريب بصورة مدهشة من خيال روميو حين يتصور عيني جولييت وقد صعدتا إلى السماء، حتى إن الطيور قد تخطئ في حساب الزمن من شدة ضيائهما.
فالمرأة في كلا العالمين لا تستمد قيمتها من السماء؛ السماء هي التي تستمد الضوء منها.
وعند عبد الرحمن الريح تتغير وظيفة النجوم:
«يا نجوم الليل اشهدي»
فالنجوم هنا ليست زينة للمرأة ولا منافسة لها؛ إنها شهود. العاشق ساهر والناس نيام، فلا يبقى معه إلا السماء. ولذلك يستدعي نجوم الليل لتشهد على ما فعل الحب به.
وفي السياق القمري نفسه يطل:
«قمرا حماني تهجدي»
فتتصل النجوم بالقمر والسهاد، ويتحول الليل كله إلى فضاء للاعتراف العاطفي.
وهذا الليل العاشق جوهر روميو وجولييت أيضاً. فالحب هناك يكاد لا يستطيع أن يعيش إلا تحت حماية الليل. الليل يخفي العاشقين عن عالم النهار، مثلما يصبح الليل في الحقيبة مجلساً للساهر والنجوم.
ولهذا تقول جولييت:
“Come, gentle night; come, loving, black-brow’d night.”
إنها لا تنتظر الليل لأنه ظلام، بل لأنه حليف الحب.
ثم تأتي صورتها الأكثر إدهاشاً حين تتخيل روميو بعد موته وقد تحول إلى نجوم:
“Take him and cut him out in little stars.”
ثم تقول إن وجه السماء سيصبح جميلاً إلى درجة تجعل العالم كله يعشق الليل.
هنا لا يعود الحبيب شبيهاً بالنجم؛ الحبيب نفسه يتوزع في السماء نجوماً.
وهل نحن بعيدون حقاً عن عالم الحقيبة الذي يقول:
«إنت كوكب نور تشتهي الأفلاك»؟
في الحقيبة تصير المحبوبة كوكباً تشتهيه الأفلاك، وفي فيرونا يصير روميو نجوماً تجعل الناس يعشقون الليل.
إنها اللغة الكونية نفسها وإن اختلفت الموسيقى.
ثم يأتي الهلال في الحقيبة بوظيفة مختلفة:
«متين يهل هلالي»
والهلال ليس بدراً. البدر تمام، أما الهلال بداية ووعد. ولذلك يناسب الانتظار. العاشق لا يقول: متى يأتي بدري؟ بل ينتظر «هلاله» كما ينتظر الناس بشارة شهر جديد. لقد أصبحت أطوار القمر نفسها لغة لأطوار الحب.
وعند ود الرضي نجد:
«وين بدر التمام هلّ»
فتجتمع دلالتان في صورة قصيرة: «بدر التمام» بما يحمله من اكتمال، و«هلّ» بما يحمله من ظهور وبشارة. الحبيب إذن لا يصل فقط؛ إنه يطلع.
وفي صورة أخرى:
«هل الهلال في حجور
متقلد نجوم»
يا لها من سماء حقيبية!
الهلال يهل، والنجوم تصبح قلادة. لقد انتقلت زينة المرأة إلى السماء مثلما انتقلت زينة السماء إلى المرأة. فمرة تلبس المرأة القمر، ومرة يلبس الهلال النجوم. إنها حركة متبادلة بين الجسد والكون.
ثم نقرأ:
«لو دنت الكواكب نجمك ما دنا»
وهنا يصبح «النجم» منزلة بقدر ما هو جرم سماوي. حتى لو اقتربت الكواكب فلن تصل إلى نجم المحبوب. لقد تحول العلو المكاني إلى علو في المقام والجمال.
وإذا وضعنا هذه الأصوات بعضها بجوار بعض بدأنا نسمع أوركسترا كونية كاملة: «يا بدور القلعة وجوهرا»، «الثريا الفوق أهل الثرى»، «الكواكب احتفلوا بالقمر»، «أخجل البدر ثغرها الوضاح»، «كل يوم يا بدر أنا ليك بالمرصاد»، «القمر بوبا عليك تقيل»، «لي نية في قمر السما»، «إنت بدر السما في صفاك»، «إنت بدر وكيف الخدر ظلاك»، «إنت كوكب نور تشتهي الأفلاك»، «يا نجوم الليل اشهدي»، «متين يهل هلالي»، «وين بدر التمام هلّ»، «هل الهلال… متقلد نجوم»، «لو دنت الكواكب نجمك ما دنا».
هنا تحديداً يظهر أن الغزل الكوني ليس مصطلحاً اعتباطياً. إنه نسيج شعري متكرر. القمر محبوب ومنافس وحمل ومقصد، والبدر جميل ومهزوم ومترصَّد له، والهلال بشارة، والنجوم شهود وحلي، والثريا علو، والكواكب جمهور يحتفل، والأفلاك نفسها عشاق.
والأعجب أننا حين نضع شكسبير إلى جوار هذه الصور لا نفعل ذلك بحثاً عن تأثير تاريخي أو اقتباس؛ فلا حاجة إلى ادعاء شيء من ذلك. إنما نبحث عن قرابة الخيال الإنساني حين يبلغ الحب من شدته درجة لا تكفيه فيها الأرض.
في فيرونا يقول روميو:
“Juliet is the sun.”
وفي أم درمان:
«إنت بدر السما في صفاك».
وفي فيرونا القمر حسود:
“the envious moon”
وفي أم درمان:
«أخجل البدر ثغرها الوضاح».
وفي فيرونا تتحول عينا جولييت إلى نجمين، وفي أم درمان تصبح المحبوبة:
«كوكب نور تشتهي الأفلاك».
وفي فيرونا تريد جولييت أن يتحول روميو إلى نجوم، وفي أم درمان تستدعي الحقيبة النجوم لتشهد:
«يا نجوم الليل اشهدي».
هذه ليست مطابقة بين نصوص، وإنما وحدة في المغامرة الشعرية: حين يعجز العاشق عن وصف المحبوب بمفردات الأرض، يرفع رأسه إلى السماء.
لكن الحقيبة تضيف إلى هذه المغامرة نبرتها الخاصة.
شكسبير ينظر إلى السماء من شرفة فيرونا، وشاعر الحقيبة ينظر إليها من أم درمان؛ من القلعة وود نوباوي وأحياء المدينة وليالي النيل. ولذلك لم تستعر الحقيبة السماء كما هي، بل أعادت صياغتها بوجدان سوداني.
وهنا تكمن فكرة سودنة السماء.
فالثريا صارت «الفوق أهل الثرى»، والبدر دخل الخدر، والقمر صار «بوبا»، والعاشق السوداني يستطيع أن يقف للبدر «بالمرصاد»، والكواكب تستطيع أن تدخل حفلة وتحتفل بالقمر.
إنها سماء مأهولة بروح أم درمان.
ولم تقل الحقيبة للمرأة فقط: أنت كالقمر. لو فعلت ذلك لما استحقت الظاهرة كل هذا التأمل. قالت لها: أنت البدر، بل البدر يخجل منك؛ أنت قمر السما الذي لا نجد إليه سلماً؛ أنت كوكب تشتهيه الأفلاك؛ وأنت من الجمال بحيث يصبح «القمر بوبا عليك تقيل».
ثم التفتت إلى السماء فقالت للكواكب: احتفلوا، وللنجوم: اشهدي، وللبدر: نحن لك بالمرصاد.
إنها لم تستخدم الكون لكي تصف الحب فقط؛ لقد جعلت الكون نفسه يقع في الحب.
ومن هنا يصبح انتقالنا إلى التيجاني يوسف بشير انتقالاً طبيعياً. يقول:
«أملأ الروح من سنا قدسي»
ثم يقول:
«قمري كأنما سكب البدر
عليه من فيضه القمري»
لكن شيئاً تغير. ففي الحقيبة كان النور يغمر المحبوبة والكون من حولها، أما عند التيجاني فقد دخل الروح. ومن هنا ننتقل من الغزل الكوني إلى الإشراق؛ من البدر الذي يدخل الخدر إلى الضوء الذي يدخل الذات.
ثم يأتي إدريس جماع:
«أنت السماء بدت لنا
واستعصمت بالبعد عنا»
وهنا تبلغ فكرة المسافة ذروتها.
إنها الصورة نفسها التي بدأنا نراها في «لي نية في قمر السما»: المحبوب مرئي ولكنه بعيد. غير أن جماع اختصر المأساة كلها في السماء ذاتها: ظهرت لنا، لكنها «استعصمت بالبعد عنا».
وهنا يبدو روميو مرة أخرى واقفاً في البعيد. جولييت أمام عينيه ولكن العالم يقف بينهما. فكأن شعر الحب، في أم درمان وفيرونا، يعرف هذه المفارقة القديمة: أقسى المسافات ليست تلك التي تمنعنا من رؤية المحبوب، بل تلك التي تسمح لنا برؤيته وتمنعنا من الوصول إليه.
ثم، بعد رحلة طويلة، نصل إلى عبد الوهاب البياتي و«قمر شيراز»، حيث يحمل القمر معه شيراز والحلاج والتصوف والمنفى والمرأة والموت والذاكرة. لقد أصبح الرمز أكثر تركيباً، لكنه لم يفقد نواته القديمة: العشق.
وما أبعد المسافة، وما أقربها، بين:
«يا بدور القلعة وجوهرا»
وبين قمر شيراز.
وبينهما، على شرفة بعيدة في فيرونا، يقف عاشق آخر ينظر إلى امرأة في نافذة ويقرر، في لحظة واحدة، أن يعيد ترتيب الكون كله من أجلها:
“It is the east, and Juliet is the sun.”
وهكذا يصبح لدينا ثلاثة أفق مختلفة للسماء الشعرية.
في فيرونا: امرأة تتحول إلى شمس، وقمر يغار منها، ونجوم يمكن أن تستعير عينيها.
وفي أم درمان: بدور في القلعة، وثريا فوق أهل الثرى، وكواكب تحتفل بالقمر، وبدر يخجل من ثغر امرأة، وعاشق يقف له بالمرصاد، ونجوم تستدعى للشهادة، وأفلاك تشتهي كوكباً بشرياً.
وفي شيراز: قمر يحمل ذاكرة التصوف والمنفى والتاريخ.
وبين هذه الآفاق يملأ التيجاني الروح بالسنا، ويرى جماع السماء ثم يكتشف أنها استعصمت بالبعد.
وهكذا يتبين أن القمر واحد في علم الفلك، لكنه في الشعر أقمار لا تنتهي. لكل شاعر قمره، ولكل عاشق سماؤه، ولكل منفي شيرازه، ولكل مدينة نافذتها التي يطل منها الحب على الكون.
لكن لشعراء الحقيبة امتيازهم الخاص: لم يرفعوا المرأة إلى السماء فحسب، بل أنزلوا السماء إلى مجالس الحب السودانية.
هناك بدر يخجل.
وقمر يُترصَّد له.
وهلال يُنتظر.
ونجوم تشهد.
وكواكب تحتفل.
وأفلاك تشتهي.
وهناك امرأة سودانية يقال لها، في نهاية هذه الفوضى الفلكية الجميلة:
«القمر بوبا عليك تقيل».
وكأن الشاعر، بعد أن استنفد البدر والهلال والثريا والنجوم والكواكب والأفلاك، اكتشف أن السماء كلها لم تعد تكفي.
ومن فيرونا يأتي صوت روميو ليقول إن جولييت هي الشمس، ومن أم درمان يجيبه شاعر الحقيبة بأن البدر نفسه يخجل، ومن شيراز يطلع قمر آخر محملاً بالتصوف والغياب.
عندئذ لا يعود السؤال: كيف شبّه الشعراء المحبوب بالقمر؟
السؤال الأجمل هو: ماذا فعل الحب بالسماء؟
وشكسبير والحقيبة والتيجاني وجماع والبياتي، على اختلاف الأزمنة واللغات والتجارب، يقدمون إجابات متعددة عن السؤال نفسه.
أما الحقيبة فقدمت إجابتها السودانية الباذخة:
أضاءت السماء بلغة الحب.
وهناك، حقاً، يلتقي العشاق في النجوم.

Author

د. عبد الرحيم عبد الحليم محمد

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
هل انخفضت قيمة المواطن السوداني، قبل وبعد الحرب، بين الاغتراب الطوعي، والتشرد القسري
Uncategorized
مؤتمر برلين: خرخرة الصغار..!
منشورات غير مصنفة
الفيتوري: ذهب المضطر نحاس .. بقلم: مصطفى عبد العزيز البطل
منبر الرأي
الشريطُ البطيء لمعركة كرري: عبقريّةٌ بخمسِ راياتٍ، وخليفةٌ على فروة
منبر الرأي
لماذا لا تخشى أميركا على الدولة-الأمة في السودان خشيتها عليها في غيره؟

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

صحفي الغفلة يوسف عبد المنان .. بقلم / أسامة سعيد

طارق الجزولي
منبر الرأي

إخراج السوء.. وسوء الإخراج..! .. بقلم: مرتضى الغالي

طارق الجزولي
منبر الرأي

مرةْ أخرى (الحل في الحل) .. بقلم: مالك جعفر

مالك جعفر
منبر الرأي

تقرير عن ندوة العلمانية في التراث الإنساني .. بقلم: محمد محجوب محي الدين

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss