د. مهدي تاج الدين
بعد الحرب والنزوح ؛ وطننا يستحق أن يبنى لكن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا جميعاً ليس فقط: كيف نوقف الحرب؟ وإنما أيضاً: ماذا سنفعل بعد أن تصمت البنادق؟
فالسودان الذي سيخرج من هذه الحرب لن يكون هو السودان الذي دخلها. ستكون هناك مدن مدمرة، ومؤسسات منهكة، واقتصاد مثقل، وأجيال انقطعت عن التعليم، ومجتمعات أنهكتها الخسارات والنزوح واللجوء. وسيكون أمامنا تحدٍ أكبر من إعادة بناء الحجر؛ وهو إعادة بناء الإنسان والثقة والدولة.
فالنازح الذي عاش سنوات في المخيمات لا يحتاج فقط إلى شاحنة تعيده إلى قريته، بل يحتاج إلى أن يجد هناك أمناً وعدالة ومدرسة ومستشفى وماءً وفرصة للعمل. واللاجئ الذي طال به المقام خارج الحدود لا يحتاج فقط إلى وثيقة سفر تمكنه من العودة، بل يحتاج إلى ضمانات حقيقية بأن عودته لن تكون عودة إلى الخوف أو إلى أسباب النزوح نفسها.
ومن هنا، فإن قضية النازحين واللاجئين يجب أن تكون في قلب أي مشروع وطني للسلام وإعادة الإعمار، لا أن تُترك في هامش الأجندة السياسية.
لا سلام بلا كرامة، ولا عودة بلا أمن، ولا استقرار بلا عدالة.
لقد كشفت الحرب هشاشة الكثير من مؤسسات الدولة، كما كشفت الحاجة الماسة إلى مراجعة الطريقة التي تُدار بها البلاد، فالسنوات الماضية أثبتت أن إدارة الدولة بمنطق الولاءات الضيقة، أو بالتجارب غير المؤسسية، أو بإقصاء الكفاءات، لا تقود إلا إلى مزيد من الأزمات.
إن السودان بحاجة إلى أن ينتقل من دولة رد الفعل إلى دولة التخطيط، ومن إدارة الأزمات إلى منع نشوئها، ومن القرارات المرتجلة إلى السياسات المبنية على البيانات والدراسات والخبرات العلمية.
وهنا تقع مسؤولية تاريخية على الجامعات ومراكز البحوث والعلماء والمفكرين والخبراء ، فقد آن الأوان لأن تستعيد المعرفة موقعها الطبيعي في صناعة القرار الوطني. فلا يمكن إعادة بناء الاقتصاد من دون الاقتصاديين، ولا إصلاح التعليم من دون التربويين، ولا معالجة قضايا النزوح والتنمية من دون علماء الاجتماع والجغرافيا والسياسة، ولا بناء نظام صحي قادر على الصمود من دون الاستناد إلى الخبرات الطبية والصحية.
إن الدولة الحديثة تُدار بالعقول قبل أن تُدار بالأدوات، وبالمؤسسات قبل الأشخاص، وبالقانون قبل القوة.
ولعل واحدة من أكبر دروس الحرب أن السودان لا تنقصه الموارد بقدر ما تنقصه القدرة المؤسسية على إدارتها بعدالة وكفاءة. فبلد يمتلك الأراضي الزراعية والمياه والثروة الحيوانية والمعادن والموقع الجغرافي والطاقات البشرية، لا ينبغي أن يكون شعبه مشرداً يبحث عن الغذاء والمأوى، المشكلة إذن ليست في السودان وحده، وإنما في الطريقة التي أُدير بها السودان.
النازح لا يمكن أن يكون ضحية منسية،
ففي خضم الحديث عن السياسة والاقتصاد وإعادة الإعمار، يجب ألا ننسى الإنسان نفسه.
خلف كل رقم في إحصاءات النزوح قصة إنسان، هناك أم فقدت بيتها، وأب فقد مصدر رزقه، وطفل كبر في المخيم ولم يعرف مدرسته الأولى، وشاب تعطلت سنوات عمره، وشيخ يحمل ذاكرة قرية لم يعد يعرف إن كانت ما تزال قائمة. هؤلاء ليسوا عبئاً على الدولة والمجتمع، بل هم جزء أصيل من الوطن وحقهم في العودة والحياة الكريمة غير قابل للمساومة.
ولهذا ينبغي أن تتأسس مرحلة ما بعد الحرب على رؤية وطنية تعيد للنازحين واللاجئين حقوقهم، وتوفر لهم الحماية والتعويض وجبر الضرر، وتضمن عودتهم الطوعية والآمنة والكريمة، وتعمل على معالجة جذور النزاعات التي دفعتهم إلى ترك ديارهم.
كما ينبغي أن تكون إعادة الإعمار فرصة لإعادة توزيع التنمية بصورة أكثر عدالة، حتى لا تعود المناطق المهمشة إلى دائرة الإهمال التي أسهمت في إنتاج الأزمات.
السودان الذي نحلم به
ربما تبدو الطريق طويلة، وربما تبدو الخسائر أكبر من قدرتنا على تجاوزها، لكن الأمم لا تُقاس فقط بحجم ما تفقده، وإنما بقدرتها على النهوض بعد السقوط.
والسودان، رغم كل ما أصابه، لا يزال يمتلك ما يكفي لبناء مستقبل مختلف: شعباً حياً، وشباباً طموحاً، وعقولاً منتشرة في الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات داخل البلاد وخارجها، وموارد هائلة، وتنوعاً ثقافياً واجتماعياً يمكن أن يكون أساساً لوطن غني ومتسامح ومستقر.
المطلوب فقط أن نمتلك الإرادة السياسية والعقل المؤسسي الذي يحول هذه الإمكانات إلى مشروع وطني.
مشروع لا يكون فيه المواطن تابعاً للحزب أو القبيلة أو الجهة أو المنطقة، وإنما مواطناً كامل الحقوق والواجبات.
مشروع لا تكون فيه السلطة غنيمة، ولا الثروة امتيازاً، ولا الوظيفة مكافأة للولاء، ولا المعرفة ترفاً.
مشروع تكون فيه المدرسة أهم من الخندق، والجامعة أهم من السلاح، والمستشفى أهم من المقر السياسي، والكتاب أهم من خطاب الكراهية.
فإذا أردنا ألا تتكرر المآسي فعلينا أن نعالج جذور الأزمة، لا أعراضها فقط.
وإذا أردنا وطناً لا يهرب منه أبناؤه، فعلينا أن نبني وطناً لا يخاف فيه المواطن من الدولة، ولا يُخاف على الدولة من مواطنيها.
وإذا أردنا أن يعود السودانيون إلى ديارهم، فعلينا أن نجعل العودة إلى السودان عودة إلى المستقبل، لا عودة إلى الماضي.
في نهاية المطاف، سيظل السودان أكبر من الحرب، وأكبر من النخب التي أخفقت في إدارته، وأكبر من كل الخلافات التي مزقته.
لكن السودان الجديد لن يولد من تلقاء نفسه. سيولد حين نقرر أن الإنسان هو أغلى ما في هذا الوطن، وأن كرامته خط أحمر، وأن العلم هو طريقنا، وأن العدالة هي أساسنا، وأن الدولة ملك لجميع أبنائها.
عندها فقط، يمكن أن تتحول خيام النازحين إلى ذكرى مؤلمة من الماضي، ويتحول اللجوء إلى صفحة طواها الوطن، ويعود السودانيون من المنافي والمخيمات إلى وطنٍ لا يطلبون فيه أكثر من حقهم الطبيعي:
أن يعيشوا آمنين، وأن يكونوا متساوين، وأن تُصان كرامتهم، وأن يروا أبناءهم يكبرون في وطنٍ لم يعد يطرد أبناءه من أحلامهم.
ذلك هو السودان الذي يستحقه النازح واللاجئ والمواطن وكل من حمل في قلبه يوماً حب هذا الوطن.
=========
8 أغسطس 2026م
