الصادق حمدين
أيها المختبيء خلف دبابته، لا تراهن على القمع والترهيب… فالجوع أقوى من الخوف عندما يبلغ الشعب السوداني آخر درجات الاحتمال اليائس ولسان حالهم يردد خلف شاعر الشعب الراحل المقيم محجوب شريف “البزدريك يا ويلو من غضبك عليهو .. ومن مشيك .. يا ويلو من أجَلُو الوشيك”. ألم تبلغ مسامعك أيها الحالم بحكم الأشلاء والرفات، حكمة أهلنا الدارجة “الجيعان فورة البرمة قاسية عليهو”.
السودان اليوم ليس بلداً يخوض حرباً مع نفسه فحسب؛ إنه بلد يُستنزف أمام أعين العالم. مدن مدمرة، ملايين نازحين، عملة تنخفض حتى بلغت حد التضخم المفرط، اقتصاد ينهار حتى تجاوز حد السقوط التام، وخبز ودواء أصبحا حلماً لكثير من السودانيين. وبينما تتسع المأساة، لا يزال الحلمان البرهان لقيط السفاح السياسي ونذير الشؤم والشر والسوء يتحدث بلغة الحرب والانتصار، وكأن انتصار البندقية يمكن أن يعيد وطناً أنهكته الحرب إلى الحياة.
يا برهان، السؤال لم يعد: كيف تنتصر في الحرب؟ السؤال الأهم: ماذا سيبقى من السودان إذا انتصرت فوق أنقاضه؟
إن الدولة ليست قصراً رئاسياً تمت إعادة ترميمه على أشلاء الوطن ولا ثكنة عسكرية فقدت ملامحها حتى أصبحت تتحكم فيها “الدقن الشيطانية”، وليست خريطة من دماء تتغير حدود السيطرة عليها من مدينة إلى أخرى ومن قرية إلى وادي. الدولة هي الإنسان ولا شيء يسمو فوقه. فإذا جاع المواطن، ونزح، وفقد منزله وعمله وأطفاله مدارسهم، فإن الحديث عن انتصار الدولة يصبح بلا معنى ولا جدوى.
لقد تجاوز السودانيون مرحلة الصبر الطويل. والجوع ليس مجرد نقص في الطعام؛ إنه شعور بالإهانة والذل والضياع حين يرى المواطن أن حياته تتهاوى أمامه بينما تستمر الحركة الإسلامية وتوابعها من جماعة الشر تتحكم في إدارة البلاد بمنطق القوة. وفي هذه اللحظة بالذات تصبح فكرة “ثورات الجياع” التي تناولها الدكتور صلاح هاشم أكثر من مجرد مفهوم اجتماعي؛ تصبح تحذيراً سياسياً لمن ألقى السمع وهو شهيد. ولا تُسمع الواعية إلا ضحى الغد.
فالجائع لا يثور لأنه جائع فقط. يثور عندما يكتشف أن جوعه ليس قدراً، وأن الذين يحكمونه غصباً عن إرادته يملكون القدرة على تغيير واقعه لكنهم اختاروا استمرار الصراع. وهنا يجب أن يفهم البرهان ومن يتقدمهم أن البندقية تستطيع فرض الصمت، لكنها لا تستطيع صناعة الرضا. تستطيع السيطرة على شارع يغلي صمتاً إلى حين، لكنها لا تستطيع السيطرة على عقل شعب فقد ثقته في السلطة وحكم العسكر. تستطيع تأجيل الانفجار، لكنها لا تستطيع إلغاء أسبابه.
لقد أصبح المواطن هو الخاسر الأكبر في معركة ندامة يتنافس فيها المسلحون على السلطة بينما تتساقط الدولة من بين أيدي الجميع. ولهذا فإن أخطر خطأ يمكن أن ترتكبه الحركة الاسلامية ممثلة في جيشها وميليشياتها وكتائبها هو الاعتقاد أن إنهاء خصم عسكري يعني إنهاء الأزمة السودانية، لا وعزة الشعب السوداني أن الأمر ليس كما يبدو لكم، فالشارع قال كلمته فيكم رُفعت أقلام القول وانتهت الملهاة.
فالسلاح قد يحسم صراعاً مؤقتاً، لكنه لا يبني دولة. والجيش يمكن أن يحمي الحدود وهذه مهمته الدستورية، لكنه لا يستطيع أن يحكم مجتمعاً إلى الأبد بقوة السلاح، فالجيش والسياسة ضدان لا يلتقيان. يا برهان، لا تحكم بلداً جائعاً بالبنادق. لا تطلب من أم فقدت منزلها أن تصفق للانتصار العسكري. ولا تطلب من أب عاجز عن إطعام أطفاله أن ينتظر خطاباً جديداً عن الصمود وعن الحوار الذي يفضي إلى اللاشيء،. ولا تطلب من ملايين النازحين أن يروا في استمرار الحرب طريقاً إلى المستقبل.
لقد آن الأوان لأن تنتقل المعركة من سؤال من ينتصر؟ إلى سؤال كيف ينجو السودان؟ نجاة السودان تبدأ بوقف الحرب، وفتح ممرات الغذاء والدواء، وإعادة النازحين إلى ديارهم بعذ توفير أسباب الحياة لهم، واستعادة مؤسسات الدولة إلى السلطة المدنية، ثم إطلاق مسار سياسي حقيقي لا تكون فيه السلطة غنيمة للسلاح، ولا يكون الجيش بديلاً عن الدولة، ولا يكون المواطن مجرد متفرج على صراع النخب.
فالسودانيون لا يحتاجون إلى حاكم ينتصر فوق الخراب، وإنما إلى دولة تنتصر للإنسان.
ومن يظن أن الجائع سيبقى خائفاً إلى الأبد لم يفهم التاريخ.
فالجوع له لحظة يتحول فيها من ألم صامت إلى سؤال سياسي صاخب.
وعندما يصبح السؤال: لماذا نجوع؟ ومن المسؤول عن هذا المصير؟ فإن السلطة لا تعود تواجه شعباً خائفاً، وإنما تواجه شعباً بدأ يستعيد صوته. أيها الحالم بحكم الأنقاض… انتبه.
فالأنقاض لا تصنع حاكماً، والجماجم لا تبني دولة، والجائع قد يصبر طويلاً… لكنه لا يصبر إلى الأبد. “أكرب قاشك” فالطوفان قادم لا محالة. وسؤال الكيماوي لا تملك له إجابة!!!
Sent from Outlook for iOS
