من عطلٍ تقني إلى أزمةٍ اقتصادية
أولا من نقرة إلى ثقة: كيف تصنع مرونة الخدمات المصرفية الرقمية استمرار العميل؟
في اقتصادٍ تتآكل فيه القوة الشرائية تحت ضغط التضخم، وتتزايد فيه أهمية كل عملية تحويل وكل جنيه يتحرك بين الأفراد والتجار، لم تعد الخدمات المصرفية الإلكترونية مجرد رفاهية تكنولوجية، بل أصبحت جزءاً من البنية التحتية لحركة الاقتصاد نفسه. وتشير أحدث تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن التضخم في السودان يُتوقع أن يبلغ نحو 75.1% خلال عام 2026، في حين لا يتجاوز نمو الناتج المحلي الحقيقي 0.7%، وهي مؤشرات تعكس اقتصاداً يعمل تحت ضغوط استثنائية، تصبح فيه سرعة انتقال الأموال واستمرارية الخدمات المالية أكثر أهمية من أي وقت مضى لكن أهمية هذه الخدمات لا تتعلق بوجودها فقط، وإنما بقدرتها على الاستمرار والموثوقية عندما يحتاج إليها المستخدم. وهنا يبرز مفهوم مرونة الاقتصاد الرقمي، حيث تساعد نظرية قبول واستخدام التكنولوجيا (UTAUT) في فهم العلاقة بين تجربة المستخدم واستمراره في الاعتماد على الخدمة.
وتفترض النظرية أن استمرار استخدام التكنولوجيا يرتبط بعوامل، من بينها المنفعة المتوقعة، وسهولة الاستخدام، وتوفر الظروف الميسرة. وفي حالة التطبيقات المصرفية، لا تتوقف هذه العوامل عند قدرة المستخدم على إجراء التحويل أو الدفع، بل تمتد إلى ثقته في استمرارية الخدمة وموثوقيتها وأمانها,فكلما كان التطبيق مستقراً وموثوقاً وقادراً على تنفيذ المعاملات بصورة آمنة، زادت احتمالية استمرار المستخدم في الاعتماد عليه وعلى العكس فإن تكرار الأعطال وفشل المعاملات لا يسببان إزعاجاً تقنياً فحسب بل يرفعان كلفة الاستخدام ويبدآن في تقويض ثقة المستخدم ومن هنا فإن توقف الخدمات المصرفية الإلكترونية يمثل اختباراً عملياً لعناصر النظرية؛ إذ يكشف أن قبول التكنولوجيا لا يتوقف عند لحظة تنزيل التطبيق أو فتح الحساب، وإنما يتجدد مع كل تجربة استخدام ناجحة ولذلك يمكن القول إن الاستمرارية والموثوقية أصبحتا جزءاً من القيمة الاقتصادية للتطبيق فالمستخدم لا يريد تكنولوجيا (متاحة) فقط، بل تكنولوجيا يمكن الاعتماد عليها عندما يحتاج إليها,وبما أن المستخدم/العميل يستطيع، في كثير من الحالات، فتح حساب لدى أكثر من بنك والاستفادة من خدمات مصرفية رقمية متقاربة، فإن السؤال لا يعود: لماذا أستخدم الخدمات المصرفية الرقمية؟ بل يصبح: لماذا أستمر في استخدام هذه المنصة تحديداً؟ وهنا تتحول الموثوقية والاستمرارية والأمان من مجرد خصائص تقنية إلى عناصر حاسمة في قدرة البنك على الاحتفاظ بعملائه, فالمستخدم قد يجرّب أكثر من تطبيق، لكن التجربة التي تثبت قدرتها على حماية أمواله وتنفيذ معاملاته باستقرار هي التي تبني الاعتماد الحقيقي.
ثانياً: من الثقة الرقمية إلى الثقة الاقتصادية… عندما يتحول الأمان الرقمي إلى قيمة اقتصادية
قد يتسامح المستخدم مع تطبيق يتأخر في الفتح، لكنه يصبح أقل تسامحاً عندما يتعلق الأمر بأمواله وهنا لا يعود السؤال: «هل التطبيق يعمل؟» بل: «هل أموالي آمنة؟ وهل ستصل معاملتي؟ وماذا سيحدث إذا وقع خطأ؟ ففي السودان، تزداد حساسية هذا السؤال مع اتساع الاعتماد على الخدمات المالية الرقمية؛ إذ تشير دراسة أُجريت عام 2025 إلى أن 95.5% من أفراد العينة ذكروا أن تطبيق الهاتف المحمول مجرد وسيلةً للوصول إلى حساباتهم. وهذا يعني أن تعطل التطبيق لم يعد مجرد عطل تقني، بل قد يعني تعطل الطريق إلى أموال المستخدم/العميل فالمشكلة أن التأخير المتكرر قد لا يسبب خسارة مالية بصورة مباشرة، لكنه يراكم الشك فمع الوقت قد يدفع المستخدم إلى الاحتفاظ بالنقد(تحت البلاط)، أو تأجيل التحويل، أو البحث عن بديل ,وهنا تتحول الثقة من مجرد شعور/احساس ملموس ومحسوس إلى أصل اقتصادي فكلما زادت تحركت الأموال بسهولة أكبر، وكلما تراجعت، عاد التردد والاحتكاك وهذا يعيدني إلى تجربة قديمة أثناء بحث أجريته عام 2008 حول تجربة استخدام الصراف الآلي في السودان. خلال إحدى المقابلات، قالت لي إحدى المشاركات وهي تقيّم تجربتها مع الصراف: «المكنة أكلت قروشي، وهي ما بتنفع». لكن عندما راجعنا تسجيلات الكاميرات، اتضح أنها كانت تتحدث في الهاتف أثناء العملية، بينما كان المبلغ قد خرج بالفعل دون أن تسحبه وقد يبدو الموقف طريفاً اليوم، لكنه يكشف فرقاً مهماً بين الأمس واليوم في ذلك الوقت كان المستخدم يتعامل مع جهاز الصراف الالي(ATM) كجهاز غامض يمكن أن يخطئ ويبتلع أمواله بما يعرف بمصطلح الامية التقنية أما اليوم ومع التطبيقات والخدمات الرقمية، فقد أصبح أكثر اتصالاً بالنظام وأكثر قدرة على تتبع معاملته، لكنه في المقابل أصبح أكثر حساسية لأي خلل وتغيرت التقنية، لكن السؤال الأساسي لم يتغير كثيراً: (هل أستطيع أن أثق بأن أموالي ستكون هناك عندما أحتاج إليها؟) وبالرغم من ذلك، لا تتوقف قصة الخدمات المصرفية الرقمية في السودان عند تطبيق مصرفي محدد؛ فالسوق يضم تطبيقات وقنوات مصرفية رقمية متعددة لكن تعدد التطبيقات لا يعني بالضرورة تعدد البدائل الحقيقية فالقيمة الاقتصادية للمنصة لا تتحدد بعدد الخدمات التي تعرضها، وإنما بقدرتها على أن تكون متاحة وتعمل في اللحظة التي يحتاج فيها المستخدم إلى أمواله وتشير دراسة حديثة قارنت أربعة تطبيقات مصرفية إلى وجود تفاوت في مستويات الأمان ونقاط الضعف التقنية بينها. وهذا يجعل الأمن السيبراني، وتجربة المستخدم، واستمرارية الخدمة، عوامل حاسمة في المنافسة الرقمية، وليست مجرد خصائص تقنية إضافية في النهاية، قد تتشابه التطبيقات في الواجهة والخدمات، لكن الفارق الحقيقي يظهرعندما يضغط المستخدم زر التحويل ويسأل نفسه: (هل يمكنني أن أثق بهذا النظام؟.
ثالثا: ماذا يحتاج السودان؟ وماذا يحتاج المواطن السوداني؟
لا يحتاج السودان إلى المزيد من التطبيقات بقدر ما يحتاج إلى منظومة تجعل التطبيق قابلاً للاعتماد عليه فالتحدي الحقيقي ليس في أن يمتلك المواطن تطبيقاً مصرفياً على هاتفه، وإنما في أن يجد وراء هذا التطبيق شبكة إنترنت مستقرة، وكهرباء متاحة، ونظام دفع مترابطاً، وحماية لأمواله وبياناته، وقنوات بديلة عند حدوث الأعطال ويؤكد البنك الدولي أن أنظمة الدفع والخدمات المالية الرقمية أصبحت مرتبطة بالشمول المالي والتنمية والاستقرار المالي، وأن الأنظمة الآمنة والموثوقة والفعالة تمثل جزءاً أساسياً من البنية الاقتصادية الحديثة أما المواطن، فلا يحتاج إلى تطبيق (أكثر تعقيداً)، بل إلى تطبيق أكثر موثوقية؛ يستطيع الدخول إليه بسهولة، ويعرف أين تذهب أمواله، ويحصل على إشعار واضح عند نجاح المعاملة أو فشلها، ويجد جهة تستجيب له عندما تحدث المشكلة وفي السودان تصبح هذه الحاجة أكثر إلحاحاً، لأن الوصول الرقمي نفسه غير متساوٍ. فمحدودية امتلاك الهواتف الذكية وضعف الاتصال بالإنترنت يمثلان عائقين أمام توسيع الخدمات المصرفية عبر الهاتف لكن الحل لا يتوقف عند البنية التحتية إذ يحتاج السودان كذلك إلى تشريعات تحمي المستهلك، وأمن سيبراني أقوى، وتكامل بين التطبيقات والبنوك، ومنافسة حقيقية تمنع الاعتماد المفرط على منصة واحدة، وخطط واضحة لاستمرارية الخدمة أثناء الأزمات.
كما يحتاج المواطن إلى معرفة رقمية ومالية تمكنه من استخدام التكنولوجيا بأمان، لا أن يكون مجرد مستخدم يضغط زر (تحويل) دون أن يعرف كيف يتصرف عند الخطأ أو الاحتيال فحماية المستهلك، والأمن، وقابلية التشغيل البيني، وشبكات الوكلاء، والبيئة التنظيمية، كلها مكونات أساسية لبناء خدمات مالية رقمية شاملة وآمنة والأهم أن البديل يجب أن يكون جزءاً من التصميم، وليس رد فعل بعد وقوع الأزمة فإذا تعطل التطبيق، ينبغي أن تبقى هناك قنوات أخرى للوصول إلى الأموال والخدمات وإذا انقطع الإنترنت، يجب التفكير في وسائل دفع تعمل بقدرات اتصال محدودة وإذا تعطلت مؤسسة مالية/مصرفية، ينبغي ألا تتوقف حركة الأموال في السوق بأكمله فالمستقبل لا يحتاج إلى اقتصاد رقمي «سريع» فقط، وإنما إلى اقتصاد رقمي مرن؛ اقتصاد يستطيع أن يمتص الصدمة دون أن ينقلها مباشرة إلى المواطن والتاجر والسوق وفي النهاية، فإن المواطن لا يطلب تكنولوجيا مبهرة بقدر ما يطلب شيئاً أبسط وأكثر أهمية بأن تكون أمواله متاحة عندما يحتاج إليها، وأن تكون معاملته آمنة، وأن يجد بديلاً عندما تفشل التكنولوجيا أما السودان، فيحتاج إلى الانتقال من مرحلة رقمنة الخدمات إلى مرحلة بناء بنية مالية رقمية قادرة على الصمود وهنا تحديداً تتحول التكنولوجيا من مجرد وسيلة لتسهيل المعاملات إلى أداة لحماية النشاط الاقتصادي نفسه وفي النهاية، قد لا تكون القضية في عدد التطبيقات التي نملكها، ولا في عدد المعاملات التي تمر عبرها، وإنما في قدرتها على البقاء عندما تصبح الحاجة إليها أكبر من قدرتها على الاحتمال وكما نقول: (لجفلن خلهن أقرع الواقفات)؛ فالقيمة الحقيقية للمنظومة لا تظهر وهي تعمل في الظروف الطبيعية، وإنما تظهر عندما تضطرب الظروف، وتبقى واقفة حين تسقط البدائل.
دكتور محمد شرف الدين الطيب
خبير مصرفي
Mohamed.50000@hotmail.com
