بقلم: السر جميل
غير أن الأدهى والأمرّ من تجذر هذا الاحتكار المالي هو ذلك الصمت الرهيب والمريب الذي يلوذ به البنك المركزي، صمت مَن يرى أركان الاقتصاد القومي تُرهَن برمتها لخادم رقمي واحد وتطبيق مصرفي منفرد، دون أن يحرّك ساكناً أو يبدي أدنى استجابة تنظيمية. إن تقاعس السلطة النقدية العليا عن القيام بدورها الضابط والمصوّب يمثل خرقاً صريحاً لأبسط قواعد الحوكمة المالية، وتركاً مكشوفاً لعصب الحياة الاقتصادية تحت رحمة كيان تجاري واحد، ليتحول بنك الخرطوم عبر تطبيقه “بنكك” إلى الحاكم المالي الفعلي، والمتحكم الأول والأخير في قوت المواطنين، وتجارتهم، ومعاملاتهم اليومية الشاقة.
إننا أمام مشهد يدعو إلى أشد درجات الاستنكار والتنديد، إذ كيف تسقط الدولة من حساباتها مقتضيات الأمن القومي المالي وتفرط في سيادتها الاقتصادية برهن حركة أسواقها برمتها لتطبيق واحد؟ إن التجارب الدولية الرشيدة والدروس الاقتصادية المستقاة من أعتى الأزمات تؤكد أن تنويع مصادر الاحتياجات والروافد المالية ليس مجرد خيار رفاهية، بل هو حصن منيع تحتمي به الدول تحسباً لأي طارئ، سواء كان كارثة طبيعية أو حظراً تقنياً أو ابتزازاً سياسياً. فالأمم التي تعي مفهوم السيادة تتجنب الوقوع في أسر التبعية لجهة واحدة، ولنا في الدول المستوردة للنفط والحبوب خير مثال، إذ توزع سلة وارداتها على أسواق متعددة منعاً لارتهان قرارها الوطني لأي طرف. أما في السودان، فإن السياسات المتبعة تصدم العقل والمنطق، وتسير بعكس اتجاه الحكمة الاقتصادية، لتعيد إنتاج المشهد ذاته الذي يُجعل فيه المواطن المغلوب على أمره ضحيةً لنهج لا يمكن وصفه إلا بالغباء الأعمى والاستهتار بمستقبل وحاضر وطن.
ولا يقل عن هذا الجرم المؤسسي شأناً ذلك العجز الفاضح والجمود المطبق الذي أبدته بقية البنوك التجارية والمؤسسات المصرفية، إذ وقفت موقف المستسلم القانع بالفتات، غارقة في بيات شتوي مكشوف، دون أن تبادر إلى منافسة جادة أو تحرك ساكناً يسترد ثقة الشارع المفقودة. إن هذا الخمول المالي والتراجع المخزي للمؤسسات المنافسة يعكس إفلاساً في الرؤية وتجرداً من روح المبادرة التجارية، بعد أن ارتضت دور المتفرج على تجريف الساحة المصرفية لحساب جهة واحدة، بدلاً من الدفع باستثمارات شجاعة في بنيتها الرقمية وتطوير حلولها المالية.
إن ترك شريان المعاملات اليومية لشعب كامل معلقاً بنقطة ضعف مركزية واحدة يمثل مغامرة غير محسوبة العواقب، فأي خلل تقني أو اختراق سيبراني أو تعطل طارئ ينتاب سيرفرات بنك الخرطوم كفيل بأن يورد البلاد موارد الشلل التام، ويقطع أوصال المعاملات التجارية في لحظة واحدة. إن الاستمرار في هذا النهج هو تكريس للتبعية وشلل للإرادة المصرفية الوطنية. إن الوقت قد حان ليفيق البنك المركزي من كبوته ويفرض واقعاً جديداً يضمن تكافؤ الفرص وتعدد الخيارات، ولتتحمل البنوك المنافسة مسؤوليتها التجارية في تقديم نظام رقمي متعدد الروافد، يحمي سيادة الوطن المالية وينقذ المواطن من مقصلة الاحتكار المطلق.
راجع مقال سابق تحت عنوان: بين هيمنة “بنكك” وغياب المركزي الاقتصاد والمواطن السوداني تحت رحمة التطبيق الواحد.
