د. نازك حامد الهاشمي
يُنظر إلى أفريقيا غالبًا من خلال وفرة مواردها الطبيعية من النفط والذهب والمعادن والأراضي الزراعية والمياه. غير أن القيمة التنموية لهذه الموارد لا يجب أن تقاس وتتحدد بوفرتها فقط، وإنما بقدرة المجتمعات على إدارتها وتحويلها إلى إنتاج وقيمة مضافة وتنمية مستدامة. ومن هذه الزاوية، تبرز الثروة البشرية بوصفها الأصل الذي يمنح الموارد الأخرى قيمتها الاقتصادية والاجتماعية؛ إذ أن المعرفة والمهارات والصحة والخبرة والقدرة على التنظيم والابتكار هي التي تتيح تحويل الموارد المتاحة إلى طاقة إنتاجية وفرص تنموية.
وتزداد أهمية هذا المنظور في أفريقيا، حيث لا تتناسب وفرة الموارد الطبيعية بالضرورة مع مستوى التنمية أو القدرة الإنتاجية. فامتلاك المورد لا يكفي لإنتاج الثروة ما لم تتوافر القدرات البشرية والمؤسسات القادرة على استكشافه وإدارته وتصنيعه وإضافة القيمة إليه. ومن ثم، فإن الفارق بين امتلاك الموارد والاستفادة التنموية منها يرتبط، في جانب أساسي، بنوعية رأس المال البشري وبالقدرة المؤسسية على توظيفه.
في هذا السياق، يشير رأس المال البشري إلى الرصيد المتراكم من المعرفة والمهارات والصحة والخبرة والقدرة على التعلم والتكيف والابتكار، وما يتيحه ذلك من قدرة على الإنتاج وحل المشكلات وخلق القيمة. غير أن هذا الرصيد لا يتحول تلقائيًا إلى قوة تنموية؛ فقيمته تتحدد كذلك بقدرة المؤسسات والاقتصاد على استيعابه وتطويره وربطه بحاجات المجتمع. وبذلك يصبح الإنسان الوسيط الذي تتحول من خلاله الموارد إلى ثروة، والمعرفة إلى إنتاج، والقدرات الفردية إلى قدرة مؤسسية. وعليه، فإن الاستثمار في الإنسان يتجاوز إنشاء المدارس والجامعات وتوسيع الخدمات الصحية والتدريبية. فهذه تمثل شروط تكوين رأس المال البشري، بينما تتحدد قيمته التنموية في المرحلة التي تلي ذلك، وهي مرحلة استخدام المعرفة والمهارة والخبرة وتطويرها ونقلها إلى مجالات الإنتاج والابتكار والإدارة وصناعة القرار. وعندما تتسع الفجوة بين ما يمتلكه الأفراد من قدرات وما توفره المؤسسات من فرص لاستخدامها، ينخفض العائد من الاستثمار في الإنسان حتى لو ارتفعت مستويات التعليم والتأهيل.
ومن هنا يرتبط مستقبل التنمية الأفريقية بقدرتها على الانتقال من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على استخراج الموارد وتصديرها إلى اقتصاد يستطيع تحويل الموارد والمعرفة إلى قيمة مضافة. ويتطلب ذلك تطوير قاعدة بشرية قادرة على التصنيع والابتكار وريادة الأعمال وإدارة المؤسسات، إلى جانب بيئة اقتصادية ومؤسسية تسمح بتراكم هذه القدرات والاحتفاظ بها. فالمشكلة لا تكمن في ندرة الموارد بقدر ما تكمن، في كثير من الحالات، في محدودية القدرة على تحويلها إلى قيمة مستدامة.
ويتميز رأس المال البشري عن كثير من الأصول المادية بقدرته على التراكم والتجدد؛ فالمعرفة والخبرة تنتقلان بين الأفراد والأجيال والمؤسسات، ويمكن أن تتسع قيمتهما مع التعلم والممارسة والابتكار. غير أن هذه القابلية للتجدد لا تعني استدامتها تلقائيًا، إذ يمكن أن تتآكل بفعل ضعف التعليم، أو تعطّل العمل، أو هجرة الكفاءات، أو غياب المؤسسات القادرة على استخدامها. ومن ثم فإن حماية رأس المال البشري وإدارته لا تقل أهمية عن تكوينه.
وفي هذا السياق، يكتسب أهمية خاصة كتاب صدر العام المنصرم عن دار نشر Springer عنوانه: هو:
Approach On the Sustainable Development of African Countries: Strategic Human Capital Approach
“التنمية المستدامة للبلدان الأفريقية: نهج رأس المال البشري الاستراتيجي”، للباحثة النيجيرية Ebes Aziegbe-Esho. ولا تكمن أهمية هذا الكتاب في تناوله لقضية التنمية في أفريقيا فحسب، وإنما لأنه يعيد توجيه النظر إلى أحد أهم عناصرها، وهو الإنسان بوصفه رأس مال استراتيجي، ولأنه يضع رأس المال البشري في موقع مركزي عند تفسير مسارات التنمية الأفريقية، وينظر إلى الإنسان بوصفه موردًا استراتيجيًا يتكامل مع الموارد المادية والطبيعية. وتنبع أهمية هذه المقاربة من ربطها بين تكوين القدرات البشرية وبين المؤسسات والأسواق والإدارة الاستراتيجية وريادة الأعمال والسياسات العامة، بما يجعل استخدام رأس المال البشري جزءًا من عملية التنمية نفسها.
وتظهر أهمية هذا الطرح بوضوح في التحولات الديموغرافية التي تشهدها القارة الإفريقية، ولا سيما اتساع قاعدة الشباب. فوجود كتلة سكانية شابة يوفر إمكانية كبيرة للتوسع في النشاط الاقتصادي، لكنه لا يتحول بذاته إلى عائد تنموي. وإنما تتحدد قيمته بقدرة الدولة والاقتصاد على تحويل هذه الكتلة السكانية الكبيرة إلى قدرات هائلة قابلة للاستخدام من خلال التعليم الجيد، والصحة، والتدريب، والعمل المنتج، والابتكار، والقدرة على إنشاء المشروعات، إلى جانب وجود مؤسسات وأسواق قادرة على استيعابها.
وتوضح بعض التجارب الأفريقية أن تحسين التعليم أو ارتفاع نسبة الشباب لا يمثلان- في حد ذاتهما- نتيجة تنموية نهائية؛ فالعائد يظهر عندما تنتقل القدرات من مرحلة التكوين إلى الاستخدام الفعلي. ولذلك فإن القيمة التنموية للتركيبة السكانية الشابة ترتبط بقدرة الدولة على إدارة دورة رأس المال البشري كاملة: تكوين القدرات وتطويرها واستخدامها والاحتفاظ بها وحتى تجديدها. وكلما تعطلت إحدى هذه الحلقات، اتسعت الفجوة بين الرصيد البشري المتاح والقيمة التي يستطيع الاقتصاد والمجتمع تحقيقها منه.
ولا يقتصر هذا الأمر على العلاقة بين التعليم وسوق العمل، بل يمتد إلى البيئة المؤسسية والاجتماعية التي تتحول داخلها المعرفة إلى ممارسة. فالمجتمعات تحتاج إلى أفراد مؤهلين، لكنها تحتاج كذلك إلى مؤسسات تستطيع تنظيم المعرفة وتطويرها وتحويلها إلى أداء مهني ومسؤولية عامة وقدرة جماعية على معالجة المشكلات. ومن هنا فإن العائد من رأس المال البشري يتحدد، في جانب مهم منه، بقدرة المؤسسات على تحويل القدرات الفردية إلى قدرة جماعية.
ويظهر هذا التحدي بصورة أكبر عندما تكون فرص العمل محدودة أو تكون المؤسسات عاجزة عن استيعاب التخصصات والخبرات المتوافرة. فقد يرتفع مستوى التعليم بينما تظل نسبة من المهارات خارج الاستخدام، أو تتجه الكفاءات إلى الهجرة إلى خارج البلاد بحثًا عن بيئات أكثر قدرة على استيعاب خبراتها. وفي هذه الحالة لا تتمثل المشكلة في نقص رأس المال البشري، وإنما في ضعف القدرة الوطنية على الاحتفاظ به وتوظيفه وتراكمه.
تأخذ هذه المسألة في السودان بعدًا أكثر حدة وأشد وقعاً بفعل الحرب التي اندلعت عام 2023م، وما ترتب عليها من نزوح واسع وهجرة وتعطل للتعليم والعمل والخدمات والمؤسسات. فقد أصبحت التحولات السكانية عاملًا يعيد توزيع رأس المال البشري نفسه بين المناطق والقطاعات، وبين السودان وخارجه.
ولا تقتصر آثار النزوح والهجرة على انتقال السكان؛ إذ قد تنتقل معها المهارات والخبرات والشبكات المهنية، بينما يؤدي خروج الكفاءات المتخصصة إلى إضعاف بعض القطاعات التي تعتمد على تراكم الخبرة. وفي الوقت نفسه، يؤدي تعطل المؤسسات التعليمية والمهنية إلى إضعاف تكوين رأس المال البشري للأجيال الجديدة. وهكذا تعمل الحرب على مستويين متداخلين: تآكل جزء من الرصيد القائم وتعطيل تكوين الرصيد المستقبلي.
وتتجاوز الخسارة هنا أعداد المتعلمين أو العاملين الذين غادروا مواقعهم، لأن رأس المال البشري يتضمن خبرة تطبيقية ومعرفة مؤسسية وشبكات مهنية تتكون عبر سنوات طويلة. وعندما تتشتت الكفاءات أو تتعطل المؤسسات، تتضرر الذاكرة المهنية والقدرة التنظيمية، وهي عناصر لا يمكن استعادتها بمجرد عودة النشاط الاقتصادي. هذا فضلا عن أن الحرب تؤدي إلى اختلال جغرافي في توزيع المهارات؛ فقد تتجمع بعض الكفاءات في مناطق أو دول خارج مراكز الحاجة إليها، بينما تعاني مناطق أخرى نقصًا في الخبرات اللازمة للتعليم والصحة والإدارة والخدمات والإنتاج. ويجعل هذا الاختلال مهمة التعافي أكثر تعقيدًا، لأنه لا يتعلق بإعادة الأفراد إلى مواقعهم السابقة فحسب، وإنما بإعادة بناء شبكة بشرية ومؤسسية قادرة على أداء وظائف الدولة والاقتصاد والمجتمع.
ويتصل بذلك انقطاع الأطفال والشباب عن مسارات التعليم والتدريب، وما يترتب عليه من فجوات تراكمية في المعرفة والمهارات. فتعطل التعليم لا يمثل فقدانًا زمنيًا محدودًا، بل قد يؤثر في مسارات اكتساب المهارات والانتقال إلى سوق العمل، خاصة ًعندما يترافق مع ضعف التدريب العملي وتراجع فرص اكتساب الخبرة المهنية. ومِنْ ثَمَّ، فإن ضمان استمرارية التعليم والتدريب في سياقات الأزمات يمثل استثمارًا في القدرة المستقبلية على التعافي، وليس مجرد استجابة لاحتياجات آنية.
وفي هذا السياق، لا ينبغي أن تقتصر إعادة بناء رأس المال البشري خلال مراحل التعافي وإعادة البناء على استعادة الأوضاع السابقة فحسب، إذ قد تؤدي الأزمات والتحولات الاقتصادية والاجتماعية إلى إعادة تشكيل توزيع السكان والمهارات والخبرات، فضلًا عن ظهور احتياجات جديدة في سوق العمل وفي المجتمع. ومِنْ ثَمَّ تتيح مرحلة التعافي فرصة لإعادة النظر في منظومة رأس المال البشري وتطويرها، من خلال تعزيز قدرة المؤسسات التعليمية والتدريبية على الاستجابة للمتغيرات، وربط اكتساب المهارات باحتياجات الاقتصاد، وتوفير مسارات أكثر فاعلية لدمج الشباب والكفاءات في النشاط الاقتصادي والاجتماعي.
وبذلك، يُنظر إلى رأس المال البشري بوصفه رصيدًا وطنيًا متحركًا يتطلب الاستثمار المستمر والتحديث والتوظيف الفعّال، وليس موردًا ثابتًا يتراكم تلقائيًا. فاستعادة التعليم والمؤسسات إلى العمل لا تضمن وحدها استعادة القدرات أو توظيفها بصورة منتجة، ما لم تتوافر فرص حقيقية لاستخدام المهارات وتطويرها، وآليات لإعادة دمج الكفاءات، ومؤسسات قادرة على حفظ المعرفة وتراكمها ونقلها إلى الأجيال الجديدة. ويتطلب ذلك سياسات مرنة تستجيب لتحولات الاقتصاد والمجتمع، وتربط بين التعليم والتدريب والعمل، بما يعزز قدرة رأس المال البشري على الإسهام في التنمية والنمو على المدى الطويل.
وفي إطار هذه الرؤية، يكتسب رأس المال البشري للمرأة أهمية خاصة بوصفه جزءًا أساسيًا من القدرة التنموية للمجتمعات الأفريقية. ولا تتحدد قيمة هذا الرصيد بالتعليم والمهارات والخبرة المهنية التي تمتلكها المرأة فحسب، وإنما بمدى قدرة البيئة المؤسسية والاقتصادية والاجتماعية على تحويل هذه القدرات إلى إنتاج ومعرفة وابتكار ومشاركة فاعلة في المؤسسات وصناعة القرار لذا فإن التحدي لا يتمثل في تكوين رأس المال البشري النسائي وحده، بل في ضمان توافر الشروط التي تتيح توظيفه والاستفادة منه بصورة كاملة، وتقليص الفجوة بين امتلاك القدرات والقدرة الفعلية على استخدامها وتحويلها إلى قيمة تنموية.
وفي إطار البحث في مكونات رأس المال البشري في أفريقيا، يكتسب كتاب Women and Sustainable Human Development: Empowering Women in Africa، الذي حررته Maty Konte وNyasha Tirivayi، أهمية خاصة لما يقدمه من معالجة متعددة الأبعاد لدور المرأة في التنمية البشرية المستدامة. وقد صدر عام 2019م عن Palgrave Macmillan، ضمن سلسلة Gender, Development and Social Change. ويتناول هذا الكتاب قضايا التعليم والصحة والمشاركة الاقتصادية والتمكين، إلى جانب العوامل الاجتماعية والاقتصادية والمؤسسية التي تؤثر في قدرة النساء على تنمية قدراتهن والمشاركة في مسارات التنمية. ويكتسب كتاب” النساء والتنمية البشرية المستدامة” أهمية خاصة لما يقدمه من معالجة تربط تنمية قدرات النساء بالتعليم والصحة والمشاركة الاقتصادية والبيئة الاجتماعية والمؤسسية التي تحدد إمكان تحويل تلك القدرات إلى نتائج تنموية. وتفيد هذه المقاربة في قراءة الحالة السودانية من زاوية تتجاوز زيادة فرص اكتساب المعرفة إلى دراسة العائد المؤسسي من هذا الاستثمار.
ومعلوم أنه قد تراكم لدى المرأة السودانية رصيد مهم من التعليم والتأهيل والخبرة المهنية، وأصبح حضورها في مجالات معرفية ومهنية متعددة جزءًا من البنية الاجتماعية والاقتصادية للبلاد. غير أن اتساع هذا الرصيد لا يقابله بالضرورة اتساع مماثل في المجال المؤسسي الذي يمكن أن تتحول فيه الكفاءة إلى قيادة وتأثير وصناعة للقرار.
وفي الغالب لا تكون القيود التي تحد من هذا التحول دائمًا صورة قواعد معلنة أو عوائق مؤسسية مباشرة، وإنما قد تعمل من خلال تصورات اجتماعية غير معلنة ترسم حدودًا ضمنية للمجالات التي يُنظر إليها باعتبارها مناسبة لمشاركة المرأة. وتكتسب هذه المسألة دلالة خاصة في البيئات المتعلمة؛ إذ يمكن أن يتسع القبول بتعليم المرأة وتأهيلها المهني بينما تظل مواقع القيادة والتأثير خاضعة لمعايير اجتماعية وثقافية أكثر تحفظًا. وهنا تنتقل القضية من مستوى تكوين رأس المال البشري إلى مستوى أكثر عمقًا يتعلق بكفاءة تحويله إلى رأس مال مؤسسي وسياسي ومعرفي. فحين تتراكم المعرفة والخبرة خارج دوائر التأثير، لا تكون الخسارة في محدودية المشاركة وحدها، وإنما في انخفاض العائد من الاستثمار الذي أُنجز أصلًا في التعليم والتأهيل.
وتزداد أهمية هذه المسألة في السودان خلال مراحل التعافي وإعادة البناء، حيث ستحتاج الدولة إلى توسيع قاعدة المعرفة والخبرة التي تستند إليها إدارة المؤسسات وصنع السياسات وإعادة توجيه الموارد. وفي هذا السياق، يصبح توظيف الكفاءات النسائية جزءًا من تعزيز القدرة المؤسسية، وليس مجرد مكون من مكونات السياسة الاجتماعية. ومن هنا تبرز أهمية الانتقال من مجرد المشاركة إلى التأثير. فالمشاركة في التعليم والعمل تمثل إحدى مراحل تكوين رأس المال البشري، بينما يمثل الوصول إلى مواقع المسؤولية والتأثير مرحلة متقدمة في تحويل المعرفة والخبرة إلى قدرة مؤسسية. وتكتمل قيمة الاستثمار في رأس المال البشري عندما تستطيع الكفاءات الانتقال من مواقع التخصص إلى مواقع المسؤولية، والمساهمة الفعالة في القرارات التي تحدد اتجاه الاقتصاد والمؤسسات والمجتمع.
وتتصل هذه القضية بالسياق الأفريقي الأوسع؛ فكلما اتسع الاستثمار في تعليم النساء وتأهيلهن، ازدادت أهمية ضمان العائد المؤسسي والاقتصادي من هذا الاستثمار. فالتنمية البشرية لا تبلغ غايتها بزيادة أعداد المتعلمات والمؤهلات فحسب، وإنما عندما تصبح المعرفة والخبرة جزءًا فاعلًا من المؤسسات والاقتصاد ومجالات صنع السياسات. ومن ثم، فإن توسيع فرص التعليم والتأهيل للنساء ينبغي أن يترافق مع بناء مسارات تتيح توظيف الكفاءات والاستفادة منها في مختلف مجالات النشاط الاقتصادي والمؤسسي.
وبالنسبة إلى السودان، فإن هذا التحول يضع رأس المال البشري النسائي ضمن صميم استراتيجية التعافي. فالمرأة ليست مجرد مستفيدة من برامج التعليم والعمل، وإنما تمثل جزءًا من القاعدة المعرفية التي تحتاج إليها الدولة لتعزيز مؤسساتها واقتصادها. ولذلك، فإن توفير المسارات المؤسسية التي تسمح باستخدام الكفاءة والخبرة النسائية يمثل استثمارًا في القدرة المؤسسية للدولة وفي نوعية التنمية نفسها. وتفضي هذه الرؤية إلى نتيجة أساسية مفادها أن قدرة أفريقيا على تحقيق التنمية المستدامة لا تتحدد بحجم مواردها الطبيعية أو بعدد سكانها أو بمستويات التعليم وحدها، وإنما بقدرتها على تحويل ما تمتلكه من موارد وقدرات إلى قيمة مستدامة. ويقع رأس المال البشري في قلب هذه العملية، لأنه يمثل الآلية التي تتحول من خلالها المعرفة والمهارة والخبرة إلى إنتاج ومؤسسات وابتكار.
تتمثل القيمة الحقيقية لرأس المال البشري في قدرته على تحويل ما يمتلكه المجتمع من معرفة وخبرة ومهارات إلى معرفة منتجة، وابتكار، ومؤسسات أكثر كفاءة، واقتصاد أكثر قدرة على التكيف. فالمعرفة التي لا تجد مؤسسات تحتضنها، والخبرة التي لا تجد مجالًا لتوظيفها، والطاقات التي لا تجد مسارات للمشاركة، تظل إمكانات غير مكتملة الأثر. ومن هنا، تصبح مسؤولية الدولة والمجتمع أوسع من مجرد تنمية الموارد البشرية؛ فهي تتمثل أيضًا في بناء المؤسسات والفرص التي تحفظ هذه الموارد، وتتيح توظيفها، وتجدد قدرتها على التعلم والتكيف. وتزداد أهمية ذلك في حالات الأزمات والحروب، حيث لا تقتصر الخسارة على فقدان الأفراد، بل تمتد إلى ما يحملونه من معرفة وخبرة وفرص، وهي خسائر قد يصعب تعويضها، وقد تمتد آثارها إلى أجيال لاحقة.
وعليه، فإن مستقبل التنمية في أفريقيا لن يتحدد فقط بقدرتها على تعبئة مواردها الطبيعية أو توسيع استثماراتها المادية، وإنما بقدرتها على بناء منظومة تجعل الإنسان مصدرًا مستمرًا للقيمة والتجدد. وحين تصبح المؤسسات قادرة على الاحتفاظ بالمعرفة، وإتاحة الفرص أمام الكفاءات، وفتح مسارات حقيقية لمشاركة الشباب والنساء، يتحول الاستثمار في الإنسان من مجرد سياسة تنموية إلى قدرة استراتيجية على الصمود وإعادة البناء وصناعة المستقبل. وبذلك، لا يكون الإنسان نتيجةً للتنمية فحسب، بل يصبح أحد شروطها الأساسية وأهم أدوات استمرارها.
