زين العابدين صالح عبد الرحمن
إن الحرب التي استمرت ثلاث سنوات و نيف في السودان، قد أثرت بشكل سلبي على اداء الطبقة الوسطى، و على الرغم من حالة الضعفو الانقسام التي كانت تعيش فيها هذه الطبقة قبل الحرب، إلا إنها استطاعت أن تدير معركتها بالصورة التي تؤكد فيها الانقسام.. الذي يجعل جزء منها سوف يسعى إلي إعادة الترتيب في البناء الاجتماعي لما يتوافق مع التصورات الجديدة، و أيضا خدمة لنظام الحكم القادم الجديد، الذي من المفترض أن يخدم مصالح القوى الجديدة التي سوف تقود المرحلة الجديدة.. و هي مطالبة أن تقدم تصورها لعملية البناء و نظام الحكم الذي تتطلع إليه.. لمعرفة تطلعاتها المستقبلية هل تريد أن تخدم مصالح الشعب أم خدمة لمصالح هذه القوى الجديدة؟..
فالتغيير الذي أحدثته الحرب في مؤسسات الدولة، و أيضا في المؤسسات الاجتماعية.. يحتاج إلي إعادة بناء وفقا لتشريعات جديدة تخدم المجتمع، و ليس فئة ضيقة في الحكم.. و الملاحظ منذ قيام ثورة ديسمبر 2018م حتى اليوم، إن هناك غيابا كاملا للمشاريع السياسية، حيث عجزت القوى السياسية فرديا و تحالفيا أن تقدم مشاريع سياسية مفصلة عن رؤيتها لعملية التغيير.. و التي أيضا تبين تصورها لعملية البناء و الحكم في البلاد.. الغريب في الأمر إن القوى السياسية اعتمدت على تقديم شعارات، و دون أن توضيح كيف يتم تنزيل هذه الشعارات على أرض الواقع.. و معلوم أن الوعي السياسي يعد ضرورة للنخب التي تريد أن تحدث تغييرا في مجتمعاتها، و عندها الاستعداد المعرفي لإنتاج الأفكار المطلوبة.. و إذا أصبح وعي النخب في مستوى المجتمعات التي تريد قيادتها سوف تفشل العملية السياسية، خاصة إذا كان الشارع يملك قدرات و رؤى أفضل من التي تمتلكها القيادة..
إن نظام الحكم: إذا كان ديمقراطيا أو غير ديمقراطي و فشل في تحقيق معاش كريم للمواطنين، و أيضا فشل في التوفيق بين المصالح المتضاربة في المجتمع، سوف يتعرض لمقاومة عنيفة من قبل الذين يحكمهم.. الأمر الذي يحدث قلاقل في المجتمع، و في السلطة الحاكمة، لأن الفئة الحاكمة قد فشلت في تحقيق الأهداف التي جاءت من أجلها.. فالقضية مرتبط بكيفية تنفيذ مطالب المجتمع.. بعض القوى الحزبية و المتحالفة تتخوف أن تقدم مشاريع مكتوبة لأنها تعرف سوف تحاسب وفقا لهذا المشروع المقدم من قبلها، لذلك بعض القوى السياسية خوفا من عدم التوفيق أو جهلا بكتابة المشاريع السياسية تهرب منها..
إن الصراع السياسي داخل المجتمعات دائما تحكمه المصالح، إذا كانت مصالح فردية أو اجتماعية أو مصالح حتى مناطقية، أو أراء أيديولوجية و لابد أن يحدث توافقا بين كل هؤلاء المجموعات المتباينة في مصالحها، الطريق الوحيد للتوافق هو الحوار.. فالكل اليوم يتحدث إن الديمقراطية التي تتيح تبادل السلطة سلميا هي الأفضل.. لكن الديمقراطية نفسها تحتاج إلي أحترام الأراء مهما كان درجة الخلاف بينها، لآن الحوار يؤثر إيجابا في تخفيف حدة اللغة، و يؤسس لمناهج جديدة إلي إدارة الخلاف.. لكن العديد من الذين تأثروا بثقافة الإيديولوجيا، و حدة خطابها الإقصائي تجدهم يغادرون أجواء الديمقراطية دون إدراك لأفعالهم إذا كانت ديمقراطية أم مخالفة لثقافتها..
إن الوسائط الإعلامية المختلفة تلعب دورا كبيرا في هذا الحوار.. و إذا راجعنا لبدايات الحوار بين الناس في الوسائط الإعلامية، تجد حدة اللغة التي لا تخلو من الإساءة بعض المرات، و لكن الآن بدأت تخف تلك الحدة، و حتى الجمل بدأت تختصر؛ الأمر الذي يؤكد أن الحوار بين المجموعات المختلفة يؤثر فيها الحوار بصورة كبيرة.. لكن تجد حتى بعض دعاة الديمقراطية الشعاراتية تتحكم فيهم المصالح الخاصة، لآن هؤلاء لا ينظرون للعملية السياسية إلا بعين واحدة.. أتذكر مقال كتبه الكاتب البناني فيدل سبيتي بعنوان ” لماذا تتحول الديمقراطيات إلي ديكتاتوريات” في جريدة ” الآندبندت عربية” نشر في 7 نوفمبر 2021م يقول فيه ( في بعض الحالات، تتحوّل الديمقراطيات إلى ديكتاتوريات عندما تشعر الجماعات “النخبوية” من الأشخاص الذين يشغلون مناصب مهمة في الدولة والقيادة السياسية ورجال الأعمال وأصحاب المصارف، والأعمال التجارية والمالية، أو رجال الدين أو الجيش، بأن النظام الديمقراطي لم يعُد مفيداً لهم ويتعارض مع مصالحهم المالية أو السياسية. فيبحثون عن بدائل غير ديمقراطية تحمي ثرواتهم أو مكانتهم أو نفوذهم السياسي من النخب المنافسة أو من جماعات الضغط الشعبية، وحتى من الناخبين أنفسهم) و المصالح تشكل تحديا كبير لأنظمة الحكم حتى الديمقراطية، الآن ترامب يشكل تحديا كبيرا للديمقراطية الأمريكية التي كانت تعد رائدة الديمقراطيات في العالم.. و ترامب اتخذ الديمقراطية سلما لصعود الشعبوية و هي متعارضة تماما مع الديمقراطية لأنها تبني القناعات من خلال الحشد فقط…
إن أية قوى سياسية إذا اعتقدت إنها تريد التفكير نيابة عن الشعب، أو أية قطاع في المجتمع، هذا الاعتقاد يقودها مباشرة إلي طريق الاستبداد، و محاولات فرض الأراء على الآخرين، نابع من ثقافة غير ديمقراطية، فالذي يرفع شعارات الديمقراطية عليه أن يتواضع و يعرف إن رؤيته تمثل رأيا واحدا من عشرات الاراء.. و الحوار هو الذي يثبت قبوله أو رفضه من قبل الذين يخاطبهم.. نسأل الله حسن البصيرة..
