محمد عبد المنعم صالح
لم أنتبه فعلا للتغيير الذي حصل…
و لكني تاكدت اني تغيّرت بعد هذا العمر (٤٧ ) عاماً ..
وللأسف، لم يحصل هذا التغيير بمحض إرادتي، بل سُرق مني الأمان سرقةً على يد السنين وقسوة البشر ..
عشتُ سنيناً أظن أن الدنيا ربيعاَ دائماً، وأن من نقاسمهم حبنا باقون إلى الأبد..
فإذا بالحياة مدرسة قاسية، تُسقيك من كؤوس التجربة لتنضج الروح قهراً ووعياً..
كم مرة انكسر داخلي شيء كنت أظنه لا يكسر!
كسرتني أشياء ظننتُ أنها نهايتي..
وأعادتني من حيث لم أحتسب..
سقطتُ أكثر من مرة..
ولم يمدّ لي أحد يده..
فتعلّمتُ أن أقوم لوحدي ..
وكم من ليلة أويت إلى فراشي بدموع مكتومة، وحدي تماماً، بلا يد تمسح دمعتي، ولا كتف أستند إليه لأرتاح من تعب الطريق..
في تلك اللحظات المعتمة..
لم أجد سوى الله الواحد الأحد ..
فعلمني كيف أنهض وحيداً، أجمع رماد روحي بيدي المتعبتين، وأمضي..
وحين يشتد بي الخوف، وتتزاحم في صدري الأسئلة، يتسرب العزاء إلى روحي من آية عظيمة تلمس قلوب الحيارى:
“وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِين”..
ويأتي صوت الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق ليربت على قلبي المنهك:
«عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذلِكَ لأَحَدٍ إلا لِلْمُؤْمِنِ…».
لم يرحل الخوف تماماً…
وما زال لبعض الذكريات وجعها..
لكني تعلمت ألا أقف في منتصف الطريق بانتظار أن تهدأ العاصفة..
أصبحت أمشي في قلب الريح، ممسكاً بحبل الله المتين..
وتعلمت الأقسى..
أن البشر يتبدلون أسرع من أوراق الشجر في ما قبل الخريف..
هناك الصديق الذي كان يُقسم أنك مختلف و..و.. ، والذي ملأ حياتك يوماً بوعود البقاء بجانبك ، تراه اليوم يمر بجانبك كأنك لم تكن شيئاً مذكوراً!
وهذه ليست قسوة مني، ولا تشاؤماً، بل هو وجع الحقيقة التي نتهرب منها جميعاً..
حقيقة أن القلوب تتقلب، والأمان الحقيقي لا يُزرع في أرض البشر..
وتذكروا دائماً وصية الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما:
«وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ».
فإن كنتَ مثلي..
تمرّ اليوم بكسر أو خذلان، أقولها لك من روح متألمة :
لا تبنِ حياتك على وجود أحد، ولا تعلّق سعادتك بقلب يزول بزوال مصالحه..
اليوم.. أنا فخور جداً بهذه النسخة الحقيقية مني ، نسخة لم تصنع في ليالي الترف والرخاء، بل ولدت من رحم الألم، والبكاء بصمت، والصبر الجميل..
ما زلت هنا، أنبض، وأبتسم، وأعلم يقيناً أن من عوضني عن كل غائب هو الله وحده..
اللهم يا من ألطافه تسبق عذابنا، ويا من لا تضيع عنده الودائع، اربط على كل قلب كسره البشر، واجعلنا نكتفي بك وحدك عن العالمين..
اللهم لا تكلنا إلى أحد سواك طرفة عين، وأفرغ علينا صبراً تطيق به أروحنا ثقل الأيام..
اللهم صلي علي سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق ، ناصر الحق بالحق والهادي الي صراطك المستقيم وعلي آله حق قدره ومقداره العظيم ..
