المفوضية القومية لحقوق الإنسان: من الحضور القوي إلى تغييب الصوت واستقلالية المؤسسة
من أزمة المقر إلى أزمة الدور والاستقلالية
بقلم : يسن جعفر عبدالله عيسى
الحديث عن واقع المفوضية القومية لحقوق الإنسان في السودان لا ينبغي أن يختزل في صورة مقر متواضع أو فيما تناوله الأستاذ هشام محمود من قاعة طويلة تتناثر فيها الكراسي أو في نقص الأثاث والتجهيزات رغم أن هذه كلها مؤشرات مهمة على حال المؤسسة. فالمشكلة الحقيقية أعمق من ذلك بكثير لأنها تتصل بالسؤال الأكبر: ماذا حدث لدور المفوضية ولصوتها ولقدرتها على ممارسة اختصاصاتها باستقلالية خاصة في واحدة من أكثر الفترات التي احتاج فيها السودان إلى مؤسسة وطنية قوية وفاعلة ومستقلة لحماية حقوق الإنسان؟
ولعل العودة إلى الأسابيع الأولى للحرب تكشف حجم المفارقة.
ففي الفترة من 15 أبريل وحتى 17 مايو 2023 كان للمفوضية حضور علني واضح ومتواصل من خلال سلسلة من البيانات والمواقف التي تناولت حماية المدنيين والمنشآت الطبية ووقف إطلاق النار وفتح الممرات الإنسانية وحماية المستشفيات والعاملين في المجالين الطبي والإنساني ومواجهة خطاب الكراهية والتحريض وقضايا المعتقلين والانتهاكات والدعوة إلى احترام حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
لم يكن ذلك مجرد نشاط إعلامي بل كان تعبيراً عن محاولة المؤسسة أداء وظيفتها الطبيعية في الرصد والتوثيق والتنبيه والمطالبة بحماية الحقوق في واحدة من أخطر الأزمات التي مر بها السودان. وحتى 17 مايو كان رئيس المفوضية آنذاك الدكتور رفعت ميرغني عباس الأمين يتحدث علناً عن أعداد الضحايا وعن عمل المفوضية لإعداد رصد أكثر دقة للانتهاكات.
ثم حدث التحول.
في مايو 2023 صدر قرار بإنهاء تكليف الدكتور رفعت ميرغني عباس الأمين من مهام رئيس المفوضية وتكليف مولانا جمعة الوكيل الأعيسر بمهام الرئيس وأُعلن أن القرار صدر من وزير شؤون مجلس الوزراء المكلف استناداً إلى توصية من وزير العدل.
ومنذ ذلك التحول لم يعد الحضور العلني للمفوضية بالصورة والقوة والاستمرارية التي كانت واضحة خلال الأسابيع الأولى للحرب. وهذا لا يعني أنها توقفت تماماً عن إصدار المواقف وإنما يعني أن الصوت المؤسسي تراجع بصورة ملحوظة مقارنة بالحضور الذي كان قائماً في تلك المرحلة المبكرة.
وفي تلك المرحلة كنت أشغل موقع الأمين العام المكلف للمفوضية القومية لحقوق الإنسان بموجب القرار رقم (4) لسنة 2023 استناداً إلى المادة (13) من قانون المفوضية. ومن هذا الموقع لم يكن الموقف الذي اتخذته الأمانة العامة دفاعاً عن شخص أو منصب وإنما تمسكاً بمبدأ مؤسسي: أن تغيير قيادة مؤسسة وطنية مستقلة لحقوق الإنسان يجب أن يستند إلى جهة مختصة وسند قانوني واضح وإجراءات سليمة تضمن استمرار المؤسسة واستقلالها.
وهنا برزت المسألة الأهم: من هي الجهة التي تملك أصلاً الاختصاص بإصدار مثل هذا القرار؟
فالقضية لم تكن فقط في صدور قرار بتغيير القيادة وإنما في التحقق من الجهة التي أصدرته والأساس القانوني الذي استندت إليه وحدود اختصاصها ومدى اتساق ذلك مع طبيعة المفوضية واستقلالها. وهي مسألة تكتسب أهمية خاصة لأن المفوضية بحكم وظيفتها يفترض أن تراقب أداء مؤسسات الدولة فيما يتعلق باحترام حقوق الإنسان وتتلقى الشكاوى وترصد الانتهاكات وتوثقها وتصدر توصياتها بصورة مستقلة.
ومن ثم فإن استقلال المفوضية يصبح محل اختبار حقيقي عندما تتدخل جهة يفترض أن تخضع أعمالها وممارساتها للرقابة الحقوقية في مسألة تمس قيادة المؤسسة الرقابية نفسها. لذلك لم يكن السؤال متعلقاً بالأشخاص بقدر ما كان متعلقاً بالاختصاص المؤسسي وحدود السلطة وسلامة الإجراءات.
وكانت الظروف التي صدر فيها القرار تزيد الأمر تعقيداً. فقد كان السودان يعيش حرباً واضطراباً مؤسسياً واسعاً وكانت أوضاع مؤسسات الدولة وقيادتها تعمل في ظروف استثنائية. وفي تلك المرحلة لم تصل إلى الأمانة العامة بحسب ما جرى داخل المؤسسة القنوات الرسمية المعتادة لإبلاغها بالقرار بصورة مباشرة وإنما ظهر الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام.
وهذا ليس تفصيلاً شكلياً. فالقرارات المتعلقة بقيادة مؤسسة وطنية لحقوق الإنسان يفترض أن تكون واضحة المصدر محددة السند صادرة عن الجهة المختصة ومبلغة رسمياً إلى المؤسسة. وتزداد أهمية ذلك في زمن الحرب حيث تنتشر الأخبار المتضاربة والشائعات والمعلومات غير المؤكدة ويصبح التمييز بين القرار الرسمي والخبر المتداول أمراً بالغ الحساسية.
ولهذا كان موقف الأمانة العامة قائماً على التحقق من القرار عبر القنوات الرسمية ومعرفة سنده القانوني والجهة المختصة بإصداره والإجراءات التي اتبعت في اتخاذه وإبلاغ المؤسسة به. وقد تحول الأمر لاحقاً إلى نزاع مؤسسي وقانوني معلن حول استقلال المفوضية وصلاحية الجهات التي اتخذت قرارات بشأن قيادتها وهو ما يجعل حسم المسألة بالرجوع إلى النصوص القانونية والوثائق الرسمية لا إلى المواقف الشخصية أمراً ضرورياً.
وفي 7 يونيو 2023 صدر القرار رقم (2) لسنة 2023 بإنهاء تكليفي أميناً عاماً مكلفاً للمفوضية وتكليف الأستاذ عبدالمنعم الزبير علي بالمهام. ومرة أخرى لم تكن المسألة بالنسبة لي قضية منصب شخصي وإنما امتداداً للسؤال المؤسسي نفسه: كيف نحمي استمرارية مؤسسة وطنية يفترض أن تعمل باستقلالية مهما تغيرت القيادات والظروف؟
وهنا أعود إلى الأستاذ هشام محمود الذي يعرف المفوضية من الداخل وعمل في موقع الأمين العام. ومن حق المؤسسة والعاملين فيها والرأي العام أن يطرحوا عليه سؤالاً مهنياً ومشروعاً:
أين كان صوتك عندما احتاجت إليك المفوضية؟
ففي الوقت الذي كانت فيه المفوضية تواجه تحديات تتعلق بقيادتها واستقلاليتها ودورها كانت المؤسسة بحاجة إلى أصوات تدافع عن استقلالها وذاكرتها المؤسسية وقدرتها على مواصلة عملها لا إلى تقييم حال مقرها بعد ذلك بسنوات.
إن تقييم واقع المفوضية اليوم ينبغي ألا يبدأ من القاعة والكراسي وإنما من الظروف التي تراجع فيها حضور المؤسسة وصوتها ومن مسؤولية كل من عرفها من الداخل في الدفاع عن دورها عندما كانت في أمس الحاجة إلى ذلك.
ولا شك أن المقر والموارد والتجهيزات أمور مهمة لكن المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان لا تقاس بعدد الكراسي في قاعتها. تقاس بقدرتها على الوصول إلى المعلومات وتلقي الشكاوى والتحقق من الانتهاكات وحماية مصادر المعلومات وإعداد التقارير والتواصل مع الضحايا ومراقبة أداء مؤسسات الدولة والتعبير عن مواقف مستقلة.
ولهذا فإن أزمة المفوضية ليست أزمة مقر فقط إنها أزمة دور واستقلالية وقدرة مؤسسية وصوت واستمرارية.
والإصلاح الحقيقي لا يبدأ بإعادة ترتيب الكراسي وإنما بإعادة بناء المؤسسة: مراجعة إطارها القانوني والتنظيمي و ضمان استقلالها المالي والإداري وضع إجراءات واضحة لاختيار القيادة وإنهاء تكليفها حماية الأمانة العامة والموظفين و استعادة نظم الرصد والتوثيق والشكاوى وإعادة بناء حضورها الميداني وعلاقاتها الوطنية والإقليمية والدولية.
والأهم أن تكون هناك ضمانات واضحة تمنع أي جهة خاضعة لرقابة المفوضية من التأثير في استقلالها أو تعطيل دورها خارج الأطر القانونية.
إن السودان الذي يعيش حرباً وانتهاكات واسعة يحتاج إلى مؤسسة وطنية لحقوق الإنسان أكثر قوة لا أقل مؤسسة تستطيع أن ترى وتوثق وتراقب وأن تسمع صوت الضحايا وأن تتعامل مع الانتهاكات بمهنية واستقلال أيا كان مرتكبها.
لذلك فإن استعادة المفوضية القومية لحقوق الإنسان لا تعني فقط توفير مقر أفضل أو إعادة تشغيل المكاتب وإنما تعني استعادة استقلال المؤسسة وفاعليتها وذاكرتها وقدرتها على أن يكون لها صوت واضح عندما يحتاج الناس إلى هذا الصوت.
فالمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان لا تُبنى بالكراسي ولا تُحمى بالمكاتب ولا تستمد قوتها من الأشخاص.
قوتها الحقيقية في استقلالها ومهنيتها واستمراريتها وقدرتها على أن ترى وتوثق وتراقب وتتحدث عندما يصمت كثيرون.
والله وراء القصد وهو يهدي السبيل
Email: yassinddr@gmail.com
