تأملات
كمال الهِدَي
الملاحظ أن عدد المبادرات الخيرية، وأعداد من يقدمون على مساعدة المحتاجين والمعوزين، قد تزايدت بصورة كبيرة في بلدنا خلال السنوات الأخيرة، حتى قبل اندلاع هذه الحرب اللعينة.
قد يُنظر لذلك فقط على أنه دليل على خير وفير مغروس فينا كشعب سوداني، وبالفعل يوجد بيننا الكثير من الخيريين، لكنني أرى الأمر من زاوية مختلفة تماماً.
فالزيادة الكبيرة في أعداد المبادرات الخيرية ليست، في جانب منها، سوى نتيجة طبيعية لزيادة أعداد الفقراء والمحتاجين؛ وهؤلاء لم يصبحوا كذلك من فراغ. هناك من عملوا، ولا يزالون يعملون، باجتهاد وإصرار على إفقار السودانيين وإذلالهم، وتحويل حقهم في الحياة الكريمة إلى مجرد حاجة دائمة إلى المساعدات.
وهنا تكمن المفارقة الأكثر إيلاماً: أن بعض من يقدمون أنفسهم بوصفهم “فاعلي خير” هم أنفسهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ممن يساهمون في إفقار الناس بأفعالهم أو أقلامهم أو أصواتهم.
المشكلة ليست في مساعدة المحتاجين بالطبع، فإغاثة الإنسان واجب أخلاقي لا خلاف عليه. المشكلة تبدأ حين تتحول الإغاثة من استجابة مؤقتة لظرف استثنائي إلى أسلوب حياة، ومن عمل تضامني بين الناس إلى بديل عن الدولة، أو إلى وسيلة لتجميل صورة من ساهموا في صناعة الأزمة نفسها.
فمن يحب الخير حقاً، ويجد نفسه في العطاء تجاه الآخرين، يفترض ألا يكتفي بإطعام المظلوم، بل لابد أن يناصر الحق على الدوام، وأن يسأل: لماذا جاع من جاعوا؟ ومن حرمهم حقهم؟ ومن الذي ينبغي أن يُحاسب حتى لا يتكرر الأمر؟
فلا أفهم كيف يمكن لشخص أن يناصر الظلم والطغيان، ويلوي عنق الحقيقة، ويمارس الكذب والتضليل، ويساهم في تغبيش وعي الناس، ثم يقدم نفسه في الوقت ذاته بوصفه فاعل خير، فنحتفي به ونشكره لأنه قدم بعض الفتات لمن هم أحق أصلاً بحقوقهم كاملة.
فلو سطا لص، مثلاً، على بنك في أول الطريق، ونهب منه المليارات، ثم مضى إلى آخر الطريق ليوزع جزءاً يسيراً منها على الفقراء، فهل يصبح بذلك فاعل خير؟ أم أن علينا أولاً أن نسأل عن أصل المال ونتكلم عن محاسبته على جريمة سرقة البنك؟
هذه هي المفارقة التي يبدو أننا لا نريد مواجهتها: لا يكفي أن نعطي الفقير شيئاً من المال؛ علينا أن نسأل أيضاً لماذا أصبح فقيراً، ومن الذي ساهم في إفقاره، وكيف نمنع تكرار ذلك.
إن ما ينقصنا في مواجهة هذه الظواهر هو الوعي بأسبابها وآلياتها، فحتى بين المستنيرين هناك من يفوت عليهم الكثير مما يضيع حقوقهم ويتركهم لقمة سائغة للمتلاعبين والعابثين والانتهازيين. ومع غياب الوعي العميق، يتمدد نفوذ هؤلاء، بينما ننشغل نحن بالمسكنات ونحتفي بمن يقدمها.
نريد التغيير، لكن يبدو أننا ننتظر أحياناً أن يحدث التغيير من تلقاء نفسه، من دون أن نبذل الجهد اللازم لصناعته.
أيام حكومة الثورة، كُتب الكثير عن ضعف إعلام الثورة، وعن قصور الأداء الإعلامي الرسمي، وعن المساحات الواسعة التي تُركت لأصوات معادية للثورة. ومع ذلك لم يحدث ما يكفي لمعالجة الخلل.
فكانت النتيجة أن ظل خصوم الثورة حاضرين بقوة في المشهد الإعلامي، إلى درجة أن كثيراً من قادة الحراك ومسؤولي حكومة الثورة كانوا يظهرون ضيوفاً في برامج يقدمها إعلاميون معروفون بمواقفهم المناهضة للثورة.
فماذا كنا نتوقع من ذلك غير أن يظل الطرف الآخر أكثر قدرة على تشكيل الرواية العامة، والتأثير في وعي الناس؟
والمحير أن هذا الدرس لم نتعلمه حتى الآن.
رغم كل ما نعيشه في ظل هذه الحرب اللعينة، ما زال بعضنا يتعامل مع الإعلام والوعي العام وكأنهما أمور ثانوية، بينما يعمل خصوم المدنية بجد، وينظمون صفوفهم، ويبنون أدواتهم، ويخططون للمستقبل.
طالعت قبل أيام خبراً عن تجمع نحو مائة صحفي موالٍ إلى عاصمة البلاد، وعن تشاورهم حول تأسيس مؤسسات إعلامية كبيرة على غرار صحيفتي “الأيام” و”الصحافة”. وبغض النظر عن موقفي من أهدافهم، لفتني شيء واحد هو أنهم يعملون.
يعملون بجد لتحقيق ما يريدون، حتى إن اختلفنا جذرياً مع ما يريدون تحقيقه.
وفي المقابل، يكتفي كثير من الإعلاميين الداعمين لثورة ديسمبر بالتنظير، وكتابة المقالات الجميلة، رغم أن كتابات بعضنا لا تتسق مع سلوكياتهم وتصرفاتهم، وهذه أزمة أخرى.
والأكثر إثارة للقلق أن من عملوا بجد لإجهاض ثورة ديسمبر، ومن يسعون اليوم لضرب كل ما هو مدني، يجدون أحياناً من خصومهم أنفسهم كل الحفاوة والقبول في الصحف والمنتديات والمجموعات العامة والخاصة.
ويجري تبرير ذلك دائماً بعبارات تبدو جميلة مثل “تسامح السودانيين” ، و”حرية التعبير”، واختلاف الرأي لا يفسد للود قضية”.
لكن علينا أن نكون أكثر صدقاً مع أنفسنا، وهذا يبدو لي نوعاً من النفاق الاجتماعي، الذي نعانيه.
فحرية التعبير شيء، ومنح المنابر لمن يعمل على تضليل الناس وتقويض حقوقهم شيء آخر. والاختلاف السياسي شيء، والتعامل مع من يناهضون إرادة الشعب ويسعون لتحقيق مصالحهم الشخصية وكأنهم مجرد أصحاب رأي مختلف شيء آخر.
لو كان الجميع مختلفين حول أفضل السبل لبناء دولة العدل، لما كانت هناك مشكلة. يمكننا أن نجلس في بيت واحد حول صينية غداء، ثم يذهب أحدنا إلى ندوة لحزب يساري، وثانٍ إلى نشاط لحزب يميني، وثالث إلى فعالية لمجموعة مستقلة. هذا هو الاختلاف الطبيعي الذي تحتمله السياسة والمجتمعات.
لكن أن يعمل شخص على تغبيش وعي الناس، ويمارس التضليل، ويناصر الظلم، ثم نخرج نحن لنحدث الآخرين عن “التسامح” واختلاف الآراء” وكأن شيئاً لم يحدث، فهذه ليست فضيلة بالضرورة.
والمربك أكثر أن بعض الإعلاميين يفتحون أوساطهم لمن ارتبطت أسماؤهم بالفساد أو بالاعتداء على إرادة السودانيين، ثم يقدمونهم للجمهور باعتبارهم” ساسة وطنيين” ينبغي أن يُسمع رأيهم.
نحن بحاجة إلى أن نعيد تعريف أشياء كثيرة.
نحتاج إلى أن نفهم أن مساعدة المحتاج لا تعني إعفاء المتسبب في حاجته من المسؤولية.
وأن فعل الخير لا ينفصل عن الوقوف مع الحق.
وأن بناء الدولة التي تحفظ كرامة مواطنيها أهم من الاعتماد الدائم على صدقات الأفراد.
وأن الإعلام ليس مجرد منبر للكلام، بل إحدى ساحات الصراع على وعي الناس ومستقبلهم.
وأن خصومنا، حين يعملون بجد وتنظيم ومثابرة، لا يمكن مواجهتهم بالنيات الطيبة والمقالات الجميلة وحدها.
لذلك، هنيئاً لمجموعة المائة صحفي الموالين على الأقل من هذه الزاوية: الأهداف تتحقق بالعمل والمثابرة، لا بمعسول الكلام.
والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس: لماذا يفعلون ذلك؟
بل: ماذا نفعل نحن؟
