د.محمد محمود الطيب
مقدمة:
تخوض الدول في لحظات وجودها الفارقة معارك لا تقتصر على ساحات المواجهة العسكرية والتماس المباشر فحسب، بل تمتد لتشمل جبهات لا تقل خطورة وضراوة؛ وفي مقدمتها الجبهة الاقتصادية وحرب الوعي والسيادة. إن ما تشهده البلاد اليوم من ضغوط معيشية متصاعدة، وتذبذب مريب في الأسواق، ومحاولات لتفكيك النسيج الوطني، ليس وليد تصادف أو نتاج آليات سوق طبيعية، بل هو أزمة مفتعلة وحرب اقتصادية وسياسية معلنة تُدار بأساليب منهجية خبيثة تهدف إلى خنق الإرادة الوطنية، وإشاعة التذمر الشعبي، وتمرير أجندات الاستسلام والإخضاع. إن هذه اللحظة المفصلية تدعو القيادة السياسية والعسكرية للتحلي بأعلى درجات الحذر واليقظة، واتخاذ قرارات مصيرية وشجاعة تنقل الدولة من موقف الدفاع والترقب إلى موقف المبادرة والحسم الشامل.
أولاً: المحور العسكري والأمني (حسم الفوضى وترسيخ السيادة)
لا يستقيم اقتصاد ولا تقوم قائمة لدولة بدون أمن متين وسيادة غير منقوصة. إن إدارة الحروب ومواجهة المهددات الوجودية تتطلب الانتقال الفوري إلى إجراءات استثنائية حازمة:
- إعلان حالة الطوارئ الوطنية القصوى: إعلان الاستنفار وتفعيل الطوارئ الأمنية على كامل التراب الوطني بلا تردد، لقطع الطريق أمام أي اختراقات أمنية أو تحركات مشبوهة، وعدم التهاون إطلاقاً مع كل من يهدد الأمن القومي واستقرار البلاد، لا سيما في ظل حالة الحرب والمهددات الخارجية والداخلية ومخططات التآمر.
- سَنّ تشريعات ورادع قانوني صارم: إصدار وتطبيق قوانين طوارئ رادعة ومغلظة لملاحقة المندسين، والعملاء، وكل من تسول له نفسه التعاون مع القوى المعتدية أو التلاعب بأمن واستقرار ووحدة التراب الوطني.
- التفاف الشعب حول قواته المسلحة: ترسيخ وحماية شعار “جيش واحد.. شعب واحد” باعتباره العروة الوثقى والساتر الحقيقي الذي تتحطم عليه كافة مؤامرات التفكيك، والتأكيد على أن القوات المسلحة الوطنية هي رمز سيادة البلاد، وصمام الأمان، والحصن المنيع لحماية المقدرات القومية.
ثانياً: المحور السياسي (تحصين الجبهة الداخلية وكشف العمالة)
تتطلب المرحلة إسقاط كافة الأقنعة وتعرية المخططات التي تسعى للالتفاف على إرادة الشعب ومؤسساته الوطنية: - توحيد الصف الوطني وتحصين الجبهة الداخلية: الوقوف صفاً واحداً خلف مؤسسات الدولة الشرعية والقوات المسلحة، ونبذ الدعاوى المضللة والشعارات الكاذبة التي تتخفى تحت ستار “المدنية والتحول الديمقراطي”، بينما هي في حقيقتها غطاء سياسي مكشوف لقوى العمالة والارتهان الخارجي.
- كشف مخططات العودة فوق ظهر المليشيا: إن ما يجري من محاولات للتكسب السياسي وتحقيق مكاسب سلطوية عن طريق بندقية المليشيات المتمردة والدعم الإقليمي المشبوه، ليس إلا سعيًا لتكريس ديكتاتورية جديدة تُفرض على جماهير الشعب. وعلى جماهير شعبنا الأبي الوعي التام ب أبعاد هذا المخطط الخبيث الذي يستغل شعارات الثورة لتبرير وجوده وشرعنة أداة بطشه وتدميره.
ثالثاً: المحور الاقتصادي (تطبيق إطار “اقتصاد الحرب” والحسم المالي)
إن ردع الحرب الاقتصادية المفتعلة يستوجب مغادرة مربع الحلول الترقيعية وسياسات التهدئة التقليدية، نحو إعلان حالة الطوارئ الاقتصادية وتطبيق خطة حاسمة تتضمن: - الضرب بحديد على أيدي الطفيليين والمضاربين: ملاحقة تجار العملة، والسماسرة، والمحتكرين، والمهربين الذين يقتاتون على قوت الشعب ويضاربون بالعملة الوطنية، واعتبار أفعالهم جرائم تخريب موجهة ضد الأمن القومي تستوجب المحاكمات الإيجازية والعقوبات الرادعة.
- خطة طوارئ اقتصادية عاجلة (المدى القريب):
التدخل المباشر للدولة لتوفير السلع الضرورية والاستراتيجية والمواد التموينية بأسعار مجزية عبر منافذ مخصصة.
تشديد الرقابة الصارمة على الأسواق لمنع الاحتكار والجشع، والعمل على خفض معدلات التضخم وتخفيف الأعباء المعيشية عن كاهل الجماهير فوراً. - تشكيل “لجنة طوارئ اقتصادية”: إنشاء غرفة عمليات وإدارة أزمة تضم نخبة الخبراء، والمختصين، ووزراء القطاع الاقتصادي، للمتابعة اللحظية وعلى مدار الساعة لكافة تطورات الوضع الاقتصادي، وسعر الصرف، والمخزون الاستراتيجي.
- معالجات هيكلية (المدى المتوسط والطويل): التركيز على إعادة تشغيل هياكل الإنتاج الأساسية (القطاع الزراعي، الحيواني، والصناعي)، وتحفيز الإنتاج المحلي لتحقيق حد معقول من الاستغناء الذاتي، وبناء قاعدة اقتصادية صلبة تمتص الصدمات وتوفر فرص العمل للشباب.
خاتمة:
إن المعركة التي تخوضها البلاد اليوم هي معركة إرادة ووجود، ولا مجال فيها للمداراة أو الوقوف في المساحات الرمادية. إن الشرفاء من أبناء هذا الوطن يعلمون جيداً حجم التضحيات، لكنهم ينتظرون من القيادة السياسية والعسكرية قراراً شجاعاً وناجحاً يضع حداً لهذا العبث. إن الإعلان الفوري عن حالة الطوارئ الوطنية الشاملة—أمنياً واقتصادياً—وتحريك هذه المحاور الثلاثة بالتوازي، هو الطريق الوحيد لقطع يد العبث، وإحباط الحرب الاقتصادية المفتعلة، وحماية كرامة المواطن وسيادة الوطن. لقد حانت لحظة الحسم، والبلاد أمانة في أعناق قيادتها لشعب لا يرضى بغير عزته وسيادته بديلاً.
