بدر موسى
السبت 19سبتمبر 2026
اطلعت على التقديم المتميز والمسدد الذي كتبه أخي الدكتور عبدالله الفكي البشير لكتاب قيم وهام جداً نشره المفكر الإيزيدي الدكتور خليل جندي، بعنوان: الشخصية الإيزيدية: الجذور التاريخية والروحية، التحولات الاجتماعية، وإشكالية الهوية ما بعد الإبادة (المجتمع الإيزيدي في العراق أنموذجاً)*
ولقد أعجبني بصفة خاصة استهلال عبدالله في تقديمه الكتاب بإثبات حقيقة هي، في تقديري، مربط الفرس وخلاصة ما يجب أن نعتبره من العبر، حيث قال:
(حين تتعرض جماعة بشرية للإبادة الجماعية، فإن ذلك لا يمثل جريمةً بحق الضحايا وحدهم، بل هو طعنٌ في إنسانية أحرار العالم، ووصمة عارٍ في سجل الإنسانية جمعاء. فالمأساة لا تتوقف عند حدود فقدان الأرواح، وتدمير الممتلكات، والاقتلاع من الأرض، والنزوح القسري، وإنما تمتد إلى ما هو أعمق وأشد خطراً: محاولة محو الذاكرة، واقتلاع الهُوية، وتمزيق الروابط التي تحفظ للجماعة وجودها ومعناها واستمراريتها).
لقد وضع كل من مؤلف الكتاب ومقدمه قضية إبادة الإيزيديين في قلب اهتمامات الضمير الإنساني، وجعلا منها منطلقاً لليقظة والانتباه إلى أن مشكلة إنسانية اليوم هي مشكلة واحدة، وأن كرامة الإنسان أينما كان، وبغض النظر عن إثنيته ومعتقده ولونه ونوعه، هي قضية واحدة، ولا سبيل لتجزئتها وتناولها منفردة، لأن غاية كل مسعى وكل جهد يبذل في أي جزء من هذا العالم يجب أن تتركز حول تحقيق الكرامة الإنسانية، وإشاعة المحبة التي تنشدها جميع الأديان، كما ذكرنا عبدالله فيما نقله عن الأستاذ محمود محمد طه، وما أثبته ووثقه الدكتور خليل في كتابه هذا، منطلقا من التعريف بالشخصية الإيزيدية، وتأصيل جذورها التاريخية والروحية، والتحولات الاجتماعية التي مرت بها، وأبرزها مأساة الإبادة التي عاشها الإيزيديون، ثم تجاوزوها بالركون إلى أهم مرتكزات عقيدتهم، في الحرص على إشاعة قيم المحبة، والتسامح، واحترام إنسانية وكرامة الإنسان، أينما كان الانسان.
أنا أشكر أخي وصديقي عبدالله على بشارته لنا بصدور هذا الكتاب القيّم، وعلى تقديمه الرائع، الذي جعلني شخصياً أتحرق شوقاً للحصول على نسختي وقراءة ما بشرنا به عبدالله عن محتوى الكتاب وأهميته. ولا بد لي من أن أذكر، مرة أخرى، بأني لم أكن أعرف شيئا عن الإيزيديين، وكما سيق لي أن كتبت في مقال تحت عنوان: (ما لنا نحن والإيزيديون!):
(أذكر حينما أبلغني صديقي وأخي الدكتور عبد الله الفكي البشير في مكالمة هاتفية منذ بضعة أشهر بأنه سيشارك بورقة علمية في مؤتمر عن الإيزيديين، عنوانه: الإيزيديون: الديانة، التراث- التاريخ والجغرافيا، وسيعقد في جامعة دهوك، بمدينة دهوك في إقليم كردستان العراق،(29- 30 أبريل 2025)، وأنه سيقدم ورقه بعنوان: “التراث الإنساني والأديان والآخر في الفهم الجديد للإسلام: الإيزيدية نموذجاً”، تفاجأت، وقفز إلى ذهني سؤال وتعجب، لم أصارح عبد الله به، وغالباً ما يكون نفس السؤال قد دار أيضاً في أذهان الكثير من السودانيين والمسلمين، والإخوان الجمهوريين، وهو السؤال الذي جعلته عنواناً لهذه التأملات: مالنا نحن والإيزيديين؟!).
والآن تكاد دائرة معرفتي بهم أن تصل إلى درجة مرضية لنفسي، تؤهلني للكثير من الإنصاف والتقدير لهم، بعد أن زاد إدراكي وزادت سعادتي بما تعلمته عن الإيزيديين، من مشاركات عبدالله، ومن تقديمه لهذا الكتاب، الذي أرجو يكمل ويسرع مشواري في معرفة هذا الشعب الإيزيدي الأصيل والمدهش، بما يعزز انتمائي الإنساني لهم، ويوثق انتماءهم الإنساني لنا، نحن أبناء وبنات الأستاذ محمود محمد طه، لنلتقي في رحاب المحبة ونمضي معاً في رفقة حميمة. لنعمر كل ساحات، وندعم كل مساعي المجتمع الكوكبي، لإشاعة المحبة للآخر، ولتحقيق الكرامة الإنسانية، كما فصل عبدالله في العديد من كتبه ومحاضراته وأوراقه العلمية.
تحرير السردية الإيزيدية: من التنميط السلبي، إلى الإنصاف الإنساني
إن السردية السائدة عن الإيزيديين كانت ولا تزال سلبية، وهي أنهم عبدة الشمس، وأنهم وأنهم …، وهذا كله، وبفضل كتابات عبدالله البشير وحواراته مع الدكتور خليل، ومشاركاته في مؤتمرات الإيزيديين، قد كشف لنا هذه الصورة النمطية السلبية، ودعانا جميعا للتداعي لمعالجتها وتصحيحها، ومن ثم دعانا لمحبة الإيزيديين..
وأخيراً
أرجو أن يتقبل مني الدكتور خليل جندي، أخي الذي لم تلده أمي، تحياتي وتهنئتي الحارة وترحيبي الشديد بصدور كتابه هذا، والذي لا أشك في شهادة عبدالله عنه التي فصلها في هذا التقديم الممتع والحافل بكل ما يحفز ويشجع على قراءة الكتاب.
