أواب عزام البوشي
تدخل الدولة السودانية مرحلة جديدة من الانهيار الاقتصادي، مع التراجع المتسارع في قيمة الجنيه وارتفاع أسعار السلع وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين، بينما تواصل حكومة بورتسودان التعامل مع الأزمة وكأنها مفاجأة، رغم أن المؤشرات الاقتصادية كانت واضحة منذ وقت طويل.
فالاقتصاد الذي يعيش أكثر من ثلاث سنوات في ظل الحرب، ولا توجد فيه دورة إنتاج طبيعية، ولا استقرار للأسواق، ولا حركة استثمار حقيقية، ولا صادرات قادرة على توفير النقد الأجنبي، كان من الطبيعي أن يصل إلى هذه المرحلة.
وبحسب بيانات البنك الدولي، انكمش الاقتصاد السوداني بنحو 29.4% في 2023، ثم 14% إضافية في 2024، نتيجة تدمير القدرات الإنتاجية وتعطيل قطاعات الخدمات والتجارة والبنية التحتية.
حكومة بورتسودان تتفاجأ بما كان متوقعًا :-
المفارقة أن حكومة بورتسودان تبدو وكأنها تفاجأت بالانهيار المتسارع للعملة، بينما السؤال الحقيقي هو: ماذا كانت تتوقع من اقتصاد يعيش حربًا مستمرة؟
كيف يمكن أن تحافظ العملة على قيمتها في دولة يتراجع فيها الإنتاج، وتتوقف فيها قطاعات واسعة من الاقتصاد، وتتعطل التجارة، وتزداد الحاجة إلى الاستيراد، بينما تتراجع القدرة على توفير النقد الأجنبي؟
وزير المالية جبريل إبراهيم قال مؤخرًا إن تراجع الجنيه يرتبط بارتفاع الطلب على النقد الأجنبي وزيادة الواردات مقارنة بالصادرات.
لكن هذه الأسباب نفسها مرتبطة بواقع الحرب وانهيار الإنتاج.
فإذا كانت الدولة لا تنتج بما يكفي، ولا تصدر بما يكفي، فمن أين سيأتي الدولار؟
هذه ليست مفاجأة اقتصادية، وإنما نتيجة طبيعية لمسار مستمر منذ اندلاع الحرب.
بكري الجاك: استمرار الحرب هو العامل المباشر :-
القيادي بتحالف «صمود» بكري الجاك وصف المشهد بصورة أكثر وضوحًا، مؤكدًا أن هناك انهيارًا اقتصاديًا شاملًا ومجاعة، وأن استمرار الحرب هو العامل المباشر في استمرار التدهور الاقتصادي.
وقال الجاك إنه يستحيل في ظل استمرار الحرب أن تكتمل دورة اقتصادية طبيعية، بحيث يستثمر الناس في الزراعة وتعمل المصانع وتوفر فرص العمل والإنتاج.
وهذه هي النقطة التي تحاول حكومة بورتسودان تجاوزها.
لا يمكن أن تطلب من اقتصاد أن يتعافى بينما تستمر الحرب، ثم تتساءل لماذا انهارت العملة.
خالد عمر يوسف: الحرب لن تُحسم عسكريًا :-
من جانبه، قال خالد عمر يوسف إن الحرب دخلت دورة جديدة من المواجهات، مؤكدًا أنها لن تُحسم عسكريًا لأي طرف في المدى المنظور، وأن استمرارها يعني إطالة أمد معاناة السودانيين.
ودعا إلى هدنة إنسانية شاملة تقود إلى حل سياسي وسلام مستدام.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية في موقف قيادة البرهان: الإصرار على الحسم العسكري يعني عمليًا استمرار الحرب، واستمرار الحرب يعني استمرار النزيف الاقتصادي.
إلى أين يمكن أن يصل الدولار؟
التحذيرات من استمرار تدهور الجنيه أصبحت أكثر خطورة مع استمرار الحرب وتراجع الإنتاج.
وبغض النظر عن الرقم الذي يمكن أن يصل إليه الدولار، فإن الاتجاه نفسه أصبح واضحًا: كلما طال أمد الحرب، زادت الضغوط على العملة، وارتفعت تكلفة الاستيراد، وتراجعت القوة الشرائية.
ولهذا فإن الحديث عن وصول الدولار إلى مستويات قياسية، بما فيها تقديرات تقترب من 30 ألف جنيه للدولار، يجب التعامل معه باعتباره تحذيرًا اقتصاديًا
والأخطر أن المواطن لم يعد ينتظر تقارير الخبراء حتى يشعر بالأزمة؛ فهو يراها يوميًا في أسعار الغذاء والوقود والدواء والنقل.
المشكلة ليست الدولار وحده :-
القضية أكبر من سعر الصرف.
السودان يخسر الإنتاج، ويخسر الأسواق، ويخسر العمالة، ويخسر الاستثمارات، وتتعطل الزراعة والصناعة والتجارة.
وتحذر الأمم المتحدة من أن استمرار الحرب حتى عام 2030 قد يدفع الفقر المدقع إلى أكثر من 60% من السكان، مع خسائر إضافية ضخمة في الناتج الاقتصادي. كما يؤكد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن كل شهر إضافي من الحرب يجعل التعافي أكثر صعوبة وكلفة.
إذن، المسألة ليست أن الدولار ارتفع اليوم أو سينخفض غدًا.
المسألة أن الاقتصاد نفسه يتآكل.
البرهان أمام خيار واضح
لا يمكن لقيادة البرهان أن تستمر في البحث عن حلول نقدية مؤقتة لمشكلة جذورها سياسية وعسكرية.
يمكن ضخ العملات الأجنبية.
ويمكن تغيير السياسات النقدية.
ويمكن فرض رسوم وضرائب جديدة.
ويمكن مطاردة المضاربين.
لكن لا يمكن لأي إجراء نقدي أن يعوض اقتصادًا لا يعمل بصورة طبيعية بسبب الحرب.
الحل الاقتصادي يبدأ من وقف الحرب.
والسلام ليس فقط مطلبًا سياسيًا وإنسانيًا؛ بل أصبح ضرورة اقتصادية لإنقاذ ما تبقى من السودان.
فإذا كانت الحكومة تريد إنقاذ الجنيه، فعليها إيقاف الحرب
