المقال برمّته، والمداخلات والتعليقات وما دار حوله، ليست في تقديري إلا دلائل على عمق الأزمة السودانية: الحفر والنبش، بغباء واضح أحياناً، في أخطاء ماضٍ فشلنا في تجاوزه، من دون أن نصل إلى نقطة بداية جديدة ومحترمة.
إنه نقاش لا يدع مجالاً كبيراً للشك في أننا أمام نوع جديد من حوار الطرشان.
ما لنا وعبد الخالق؟ وما لنا ومنقستو؟ ولماذا نقرأ باستمرار ذلك التكرار الممل عن عبد الخالق؟ هل من فائدة في مضغ سيرة الماضي مرة بعد أخرى، إذا كان ذلك لن يأخذ بيد مثقفي السودان ــ أو البقية منهم على قيد الحياة ــ خطوة واحدة نحو المستقبل؟
لا أدعو بالطبع إلى محو التاريخ أو نسيانه. الأمم التي لا تعرف تاريخها معرضة لتكرار أخطائه. ولكن هنالك فرقاً كبيراً بين أن نقرأ الماضي لكي نفهمه ونتجاوزه، وبين أن نسكن فيه ونواصل معاركه إلى الأبد.
وهنا، في تقديري، تظهر واحدة من أغرب مفارقات الأزمة السودانية.
الماضي كان ينتج الجديد
لم يكن السودان القديم فردوساً. عرف الانقلابات والديكتاتوريات والحروب والأزمات الاقتصادية والانقسامات السياسية والفكرية. ولكنه، رغم كل ذلك، كان قادراً على إنتاج أجيال متعاقبة من السياسيين والمفكرين والشعراء والكتاب والفنانين والأكاديميين.
كان الناس يختلفون حول هؤلاء، وربما اختلفوا معهم بعنف، لكن كل مرحلة كانت تدفع إلى الساحة بأسماء جديدة، وأفكار جديدة، وأسئلة جديدة.
كان هنالك إحساس بأن المجتمع يتحرك، وأن جيلاً يأتي بعد جيل، لا ليشرح السابقين فقط، بل ليضيف إليهم ويختلف معهم ويتجاوزهم.
ولهذا لم تكن قيمة ذلك الماضي في أنه كان أفضل بالضرورة، وإنما في أنه كان قادراً على الإنجاب.
كان ينتج السياسة والفكر والشعر والأدب والفن، وينتج الرجال والنساء الذين يعبرون عن عصرهم، حتى في لحظات الفشل.
والحاضر يستهلك الماضي
ثم جاءت خمسة وثلاثون عاماً من هيمنة الإسلامويين، وما صاحبها من قمع وحروب وانقسامات وهجرة واسعة للعقول والكفاءات، ثم جاءت الثورة والانقلاب، وأخيراً هذه الحرب الطاحنة بما حملته من موت ونزوح ودمار وانهيار للدولة والمجتمع.
تجربة بهذا الحجم كان ينبغي، منطقياً، أن تحدث زلزالاً موازياً في الفكر والثقافة.
كان ينبغي أن تظهر مدارس جديدة في التفكير السياسي، وفي الأدب والشعر والفن والاجتماع والاقتصاد. وكان ينبغي أن يظهر جيل يسأل: لماذا انهار السودان؟ وكيف نبني دولة مختلفة؟ وما معنى الوطن والمواطنة بعد كل ما جرى؟
لكننا، بدلاً من ذلك، نفتح الصحيفة أو الهاتف فنجد أنفسنا، مرة أخرى، أمام عبد الخالق، والشيوعيين، والإسلاميين، وانقلاب مايو، ومنقستو، ومن قال ماذا قبل نصف قرن!
كأن السودان لم يعش كل ما عاشه منذ ذلك الوقت.
وهنا المفارقة المؤلمة:
الماضي الذي لا نكف عن محاكمته كان، على علاته، ينتج الجديد؛ أما حاضرنا، الذي يفترض أنه تعلم من ذلك الماضي، فما زال يستهلكه.
والأعجب أن خمسة وثلاثين عاماً من هيمنة الإسلامويين، أعقبتها سنوات من الحروب الطاحنة، لم تُنتج حتى الآن مواليد فكرية وثقافية توازي حجم التجربة وهول الكارثة، رغم جهد حواء السودانية المضني!
زرقاء اليمامة وصواني المكبوس
وشاهدت، على الهامش، احتفاءً عربياً بالشاعر السوداني الشاب محمد عبد الباري وقصيدته «ما لم تقله زرقاء اليمامة»، يقول فيها، وسط الاحتفاء والولائم وصواني المكبوس، إنه يحتاج إلى «دمع الأنبياء لكي يرى» ما يطلّ من المصيبة القادمة!
ولست هنا بصدد الانتقاص من محمد عبد الباري، ولا من موهبته، ولا من قصيدته.
بل إن الاحتفاء به أثار عندي سؤالاً آخر أكثر أهمية: هل أصبح ظهور صوت شعري سوداني لافت حدثاً استثنائياً، بينما كان السودان في أزمنة سابقة يدفع إلى الحياة الثقافية بأجيال كاملة من الشعراء والكتاب والمفكرين والمبدعين؟
أين بقية المواليد؟
أين أدب هذه الحرب الرهيبة؟ أين الفكر الذي ولد من تجربة النزوح واللجوء وانهيار المدن؟ أين الأسئلة الجديدة التي ينبغي أن يطرحها جيل رأى الدولة القديمة تتفكك أمام عينيه؟
وأين الرؤية التي لا تكتفي بالبكاء على السودان القديم، وإنما تتخيل السودان الذي ينبغي أن يأتي بعده؟
لسنا في حاجة إلى ذاكرة أقل، بل إلى خيال أكبر
المشكلة، إذن، ليست أن لدينا تاريخاً أكثر مما ينبغي. المشكلة أننا لا ننتج من هذا التاريخ مستقبلاً.
يمكن أن نقرأ عبد الخالق ونختلف حوله. ويمكن أن ندرس مايو، ونميري، والإسلاميين، والثورات والانقلابات والحروب. فهذا كله جزء من تاريخنا ولا يجوز تزويره أو محوه.
لكن التاريخ ينبغي أن يكون معرفة ننطلق منها، لا غرفة نحبس أنفسنا داخلها.
فالسودان الذي خرج من حرب بهذا الحجم لا يحتاج فقط إلى إعادة بناء الجسور والمستشفيات والمدارس والمزارع. إنه يحتاج أيضاً إلى إعادة بناء العقل السياسي والثقافي الذي سيتولى بناء كل ذلك.
نحتاج إلى جيل لا تكون مهمته شرح لماذا فشل السابقون فقط، وإنما أن يقول ماذا سيفعل هو بطريقة مختلفة.
نحتاج إلى أدب لا يكتفي برثاء الخرطوم ودارفور وكردفان والجزيرة، بل يحفظ تجربة الإنسان الذي عاش الحرب ويحولها إلى ذاكرة وطنية جديدة.
ونحتاج إلى فكر سياسي لا يبدأ كل صباح من خلافات الستينيات والسبعينيات، وإنما من سؤال بسيط وقاسٍ:
أي دولة نريد أن نتركها للأجيال التي لم تشارك في صناعة هذه الكارثة؟
هذا، في اعتقادي، هو الامتحان.
فالسؤال لم يعد: ماذا قال عبد الخالق؟ وماذا فعل منقستو؟ ومن كان على حق قبل خمسين عاماً؟
السؤال هو: ماذا أنجبت كل هذه السنوات الرهيبة؟
أين الفكر السوداني الجديد؟
أين الأدب الجديد؟
أين المشروع الثقافي الذي يوازي حجم الانهيار والتحول؟
وأين الجيل الذي سيكتب السودان القادم بدلاً من أن يظل شارحاً للسودان الذي مضى؟
ربما تكون أزمتنا أعمق من فقدان الدولة. فالدولة، مهما بلغ خرابها، يمكن إعادة بناء مؤسساتها وطرقها ومدارسها ومزارعها.
أما الخطر الأكبر فهو أن نفقد القدرة على إنتاج الفكرة الجديدة، والخيال الجديد، والبداية الجديدة.
عندها فقط يصبح النبش في الماضي أكثر من عادة ثقافية سيئة.
يصبح عجزاً عن المستقبل.
د. أحمد التيجاني سيد أحمد
روما –٢٠ سبتمبر 2026
ahmedsidahmed.contacts@gmail.com
